تشير الاستقالة غير المتوقّعة للحكومة المصرية المؤقتة بكاملها الأسبوع الماضي (في 24 شباط/فبراير) إلى مدى استفحال وتعقيد الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد منذ إطاحة مبارك قبل ثلاث سنوات. وقد تجلّت المظاهر الأخيرة لهذه الأزمة في تصاعد موجات الإضرابات العمّالية التي شملت قطاعات عدّة في البلاد في الأسابيع الماضية: الأطباء، والصيادلة، وموظّفي النقل العام، وعناصر الشرطة العاديين، والمتقاعدين، وموظّفي البريد، والعمّال في صناعة النسيج وفي العديد من الشركات الأخرى المملوكة من الدولة، وجامعي النفايات؛ ويطالب جميعهم بزيادة رواتبهم وتحسين ظروف العمل. وجاءت أزمة الشح الشديد في أسطوانات الغاز فضلاً عن الانقطاع المتكرّر للتيار الكهربائي في الأسابيع القليلة الماضية لتزيد من الضغوط على الحكومة، وأدّت في نهاية المطاف إلى استقالتها المفاجئة.

عُيِّنت الحكومة التي تتألّف في معظمها من تكنوقراط - ويرأسها الاقتصادي الليبرالي المعروف حازم الببلاوي - بعد أيام من قيام الجيش بعزل الرئيس محمد مرسي من منصبه في الثالث من تموز/يوليو الماضي، وقد كُلِّفت، من بين جملة من المهام، بالمهمّة الصعبة المتمثّلة في التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية التي تشلّ البلاد منذ ثورة 2011.

لم تكن إحصائيات الأزمة عندما تسلّمت الحكومة المؤقتة مهامها في منتصف تموز/يوليو الماضي جيّدة، بل كشفت عن اقتصاد في حالة مستمرة من التراجع: تدنّي معدّل النمو في إجمالي الناتج المحلي إلى 1.8 في المئة خلال السنة المالية 2012-2013؛ وعجز مالي غير مستدام بلغ 14 في المئة من إجمالي الناتج المحلي؛ ودين عام متزايد كان يقترب بسرعة من حجم الاقتصاد؛ وعملة وطنية ضعيفة خسرت 12 في المئة من قيمتها في مقابل الدولار قبل ستة أشهر؛ وتناقُص سريع في احتياطي العملات الأجنبية الذي سجّل آنذاك "مستوى حرجاً" مع بلوغه 14.9 مليار دولار أميركي، بحيث لم يعد يغطّي الواردات سوى لمدّة لاتتعدّى الشهرَين ونصف الشهر؛ وتدهور التصنيف الدولي للديون السيادية المصرية الذي خفّضته الوكالات المتخصّصة خمس مرات منذ انطلاقة الانتفاضة الشعبية في العام 2011؛ وزيادة التململ لدى الشعب المصري الذي ضاق ذرعاً بارتفاع الأسعار، وانتشار البطالة في صفوف الشباب، وزيادة مستويات الفقر المدقع.

هذا ماكان عليه المشهد الاقتصادي في البلاد لدى تسلّم الحكومة المؤقتة مهامها خلال الصيف الماضي. لكن على الرغم من ذلك، كانت للحكومة انطلاقة جيّدة لاسيما بفضل رزمة المساعدات العاجلة التي قدّمتها السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وبلغت قيمتها 12 مليار دولار (رُفِعت لاحقاً إلى 15 مليار دولار) في شكل ودائع نقدية وهبات وسفن محمّلة بالوقود والغاز.

وسرعان ماظهر التأثير الإيجابي للمساعدات التي تعهّدت دول الخليج بتقديمها دعماً لتغيير النظام في 3 تموز/يوليو الماضي في مصر، وذلك على جبهات عدّة: فقد ساعدت الودائع النقدية في البنك المركزي المصري، والتي بلغت نحو ستة مليارات دولار أميركي من مجموع المساعدات، على تثبيت قيمة الجنيه المصري المتراجع؛ وساهمت شحنات الوقود والغاز، التي بلغت قيمتها أربعة مليارات دولار، في التخفيف من حدّة أزمة النقص الواسعة التي شلّت البلاد خلال الأشهر الأخيرة من حكم مرسي؛ وأتاحت الهبات (ومعظمها من الإمارات) للحكومة التخطيط لرزمة محفّزات ثانية بقيمة 4.9 مليارات دولار لاسيما في شكل مشاريع استثمارية عامة، بعدما جرى تمويل رزمة أولى من المحفّزات بقيمة 4.1 مليارات دولار عبر إنفاق مايُعرَف بـ"وديعة حرب الخليج"، وهي عبارة عن وديعة مع فائدة حُفِظت في حساب خاص في البنك المركزي المصري منذ حرب الخليج الأولى.

كان الهدف من رزمتَي المحفّزات - نحو 3.5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي - إطلاق تحوُّل في السياسة سعياً إلى تطبيق سياسة مالية توسّعية الهدف منها وقف التدهور الاقتصادي وتأمين بعض السلع والخدمات العامة. ولهذه الغاية، طُبِّقت سياسة نقدية عمدت إلى خفض الفوائد الرسمية ثلاث مرات، بمعدّل إجمالي بلغ 1.5 نقطة مئوية، بين آب/أغسطس وكانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، وذلك دعماً لسياسة الحكومة التوسّعية التي اشتملت أيضاً على تطبيق "قانون جديد للحد الأدنى للأجور" يطال موظفي القطاع العام، اعتباراً من كانون الثاني/يناير 2014، فضلاً عن زيادة بنسبة 50 في المئة في تسديدات نهاية الخدمة لصندوق الضمان الاجتماعي.

لكن المعونة المادية التي أمّنتها المساعدات الخليجية السخية، والكبيرة إلى درجة استثنائية، والتي لاتترتّب عنها عملياً أي تكاليف، لم تعمِّر طويلاً؛ فقد كانت غير كافية لتلبية الاحتياجات المالية المتزايدة للبلاد أو طلبات المصريين الذين نفدَ صبرهم والذين اعتبروا في استطلاعات الرأي الأخيرة أن حكومة الببلاوي ضعيفة وأداؤها بطيء. وقد تعرّضت حكومة ببلاوي المؤقّتة لانتقادات لاذعة لأسباب متعدّدة أبرزها قانون الحد الأدنى للأجور الذي يُثير إشكالية بعد الاستعجال في إقراره وتطبيقه، والذي أدّى إلى تفاقم المشاكل بدلاً من العمل على إيجاد حلول لها، وخير دليل على ذلك الإضرابات العمّالية الأخيرة؛ ورزمة المحفّزات الأولى التي طُبِّقَت بصورة جزئية وكان الهدف منها تنفيذ مشاريع على صلة بالبنى التحتية؛ والمماطلة في معالجة المنظومة غير الفعّالة على الإطلاق المطبَّقة في دعم الغذاء والمحروقات والتي استنفدت، خلال السنة المالية 2013، نسبة 30 في المئة من موازنة الحكومة وبلغت حصّتها 9 في المئة من إجمالي الناتج المحلي المصري.

وعلى صعيد الاقتصاد الكلّي أيضاً، لاتزال الأرقام الرسمية الأخيرة تُظهر أن الاقتصاد يعاني من أزمة حادّة، ويبرز ذلك من خلال المؤشّرات الآتية: بطء معدّل النمو، مع زيادة الإنتاج بنسبة واحد في المئة فقط في الربع الأول من السنة المالية الحالية 2013-2014؛ وارتفاع نسبة البطالة التي تصل حالياً إلى 13.4 في المئة، مع الإشارة إلى أن 70 في المئة من العاطلين عن العمل هم من فئة الشباب، كما أن 82 في المئة منهم متعلِّمون؛ والارتفاع المستمر في مستوى التضخّم الذي يبلغ حالياً 11.4 في المئة، بما يؤدّي إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الأسر ذات الدخل المنخفض، ولاسيما على الفقراء الذين يشكّلون 25 في المئة من سكّان البلاد المتزايدة أعدادهم؛ والارتفاع الشديد في الدين العام الداخلي والخارجي على السواء، والذي بلغ بحلول نهاية العام 2013، 268 مليار دولار (نحو 107 في المئة من إجمالي الناتج المحلي)؛ والعجز المالي الذي يتوقّع المراقبون الدوليون (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) أن يظل هذا العام عند حدود الرقم المزدوج على الرغم من الجهود المعلنة التي تبذلها الحكومة لخفضه؛ وعودة سوق العملة السوداء حيث يتم تداول الدولار حالياً بسعر أعلى بستة في المئة من سعر التداول الرسمي على الرغم من التدخل المستمر من البنك المركزي المصري.

هذه هي التحدّيات الاقتصادية الصعبة التي حدّدت في النهاية مصير حكومة الببلاوي بعد الثورة الانقلابية، والتي لاشك في أنها ستعترض الحكومة المؤقتة الجديدة بقيادة ابراهيم محلب، وسوف تواجه أيضاً الرئيس المصري الذي سيُنتخَب في الربيع المقبل. يبقى أن نرى إذا كانت القيادة الجديدة للبلاد ستنجح في وضع الاقتصاد على طريق المعافاة.

لكن في الوقت الراهن، يمكن تحديّد على الأقل ثلاثة عوامل أساسية مترابطة سوف تساهم في نهاية المطاف في نجاح جهود الحكومة الجديدة والرئيس المقبل أو فشلها. أولاً، هل سيتمكّنان من إعادة إرساء الاستقرار السياسي وتحسين الظروف الأمنية في الداخل بعد كل الفوضى التي عانت منها البلاد في الأعوام الثلاثة الماضية، ولاسيما منذ عزل محمد مرسي، والتي كانت السبب الأساسي خلف التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلاد حالياً؟ ثانياً، هل سيتمكّنان من الحصول على مزيد من الموارد المالية - من بلدان الخليج الغنية وسواها من المانحين المحتملين - والتي تشكّل حاجة ماسّة لسد ثغرة التمويل الكبيرة والمتفاقمة التي تعاني منها مصر؟ ثالثاً، هل ستطبّق القيادة الجديدة في مصر وأخيراً سياسات اقتصادية متوازِنة اجتماعياً لإعادة إرساء التوازن المالي على مستوى الدولة، وإجراء إصلاح هيكلي للاقتصاد الذي يرزح منذ وقت طويل تحت وطأة القيود والمعوّقات بمختلف أشكالها؟ المقاربة التي ستُعتمَد في معالجة هذه المسائل الصعبة والمشحونة سياسياً سوف تطبع إلى حد كبير الآفاق الاقتصادية لمصر في السنوات المقبلة، وتُحدّد معها مصير البلاد أيضاً.

محمد السمهوري خبير اقتصادي مقيم في القاهرة وباحث اول ومحاضر سابق في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة برانديس في بوسطن. يساهم بانتظام في صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية