مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المغربية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، تزداد التشنجات بين الحكومة بقيادة الإسلاميين من جهة ومعارضيها من جهة ثانية. ويتحوّل التنافس بين الفصائل إلى معارك حزبية لاسيما بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة. طغت هذه التجاذبات – التي تساهم في تأجيجها سلسلة من التسريبات والاتهامات والتلميحات – على التفاعل السياسي واحتدمت من خلال الأخذ والرد في الصحافة الوطنية. وبلغ التشنّج بين الحزبَين ذروته في مسيرة قدر فيها عدد المشاركين بنحو 7000 إلى 9000 متظاهر ضد رئيس الوزراء عبد الإله بنكيران وحزبه في 18 أيلول/سبتمبر. يتّهم حزب العدالة والتنمية بصورة غير رسمية حزب الأصالة والمعاصرة ووزارة الداخلية بتنظيم المسيرة، وهو ماينكره الفريقان بشدّة.

بدأت سلسلة التسريبات والإفشاءات هذا الصيف. في الثاني من تموز/يوليو 2016، وصلت سفينة إيطالية تحمل على متنها 25000 طن من النفايات إلى ميناء الجرف الأصفر البحري، فاكتشف المغاربة أن وزارة البيئة وافقت، بموجب عقود سابقة، على استيراد 5.5 في المئة من النفايات الإيطالية سنوياً. وقد فجّرت هذه المسألة غضباً شعبياً عارماً على خلفية المزاعم بأن النفايات – التي سيتم حرقها في المغرب – تحتوي على مواد سامّة. ولم ينفع ماأدلت به وزيرة البيئة حكيمة الحيطي عن أن الشحنة تحتوي على مواد بلاستيكية معالَجة، ومطاط، وإطارات مستعملة، وعن أنها ليست سامة ولاخطرة، في تهدئة النقمة الشعبية. وأشارت الحيطي أيضاً إلى أنه في غياب البنى التحتية الملائمة لإعادة تدوير النفايات المحلية، يستورد المغرب 450000 طن من النفايات من الخارج سنوياً لتوليد الطاقة. وقد تعرّضت وزيرة البيئة، التي تمثّل حزب الحركة الشعبية في الاتئلاف الحاكم بقيادة الإسلاميين، لعاصفة من الانتقادات العامة وارتفعت أصوات تطالب باستقالتها. واتّهمت الحيطي خصومها في الحكومة من دون ذكر أسمائهم، بالترويج لمسألة النفايات الإيطالية في توقيت غير مؤاتٍ، مايتسبّب بتشويه سمعة البلاد قبيل انعقاد القمة حول تغير المناخ في إطار الدورة الثانية والعشرين لمؤتمر الأطراف التي يستضيفها المغرب في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وقد عمدت الحكومة، تحت تأثير الضغوط من المجتمع الأهلي، إلى إلغاء الاتفاق مع إيطاليا وحظر استيراد النفايات في المستقبل.

علاوةً على ذلك، كشفت قائمة مسرَّبة، في 25 تموز/يوليو الماضي، أسماء "موظّفي الخدمة المدنية" الذين تمكّنوا من شراء مابين 65 إلى 70 قطعة أرض في منطقة زعير في الرباط بأسعار أدنى بكثير من القيمة السوقية. فقد دفع هؤلاء المسؤولون، ومنهم مستشارون لدى الملك ووزراء وحكّام محافظات وسياسيون بارزون من أحزاب مختلفة، 350 إلى 370 درهماً (36-38 دولاراً أميركياً) للمتر المربع، بدلاً من السعر الرسمي الذي يصل إلى نحو 4500 درهم (465 دولاراً)، والذي تحدّده إدارة الضرائب العامة. لكن وسط السخط الشعبي الشديد الذي أثارته الفضيحة، سارعت وكالة المدينة في الرباط إلى حظر الدخول إلى سجلات أسعار الأراضي الحالية عبر الإنترنت، وزعم أفرقاء مطّلعون على القطاع العقاري في المنطقة لوسائل الإعلام أن سعر المتر المربع الفعلي في زعير يصل إلى 25000 درهم (2600 دولار). من المتورّطين في هذه القضية وزير الداخلية محمد حصاد ووزير المال محمد بوسعيد. يشغل الأول مناصب إدارية نافذة منذ العام 1976، في حين أن الثاني، وهو من قياديي التجمع الوطني للأحرار، يتولّى مناصب إدارية وسياسية منذ العام 1995. وقد أصدر كلاهما بياناً صحافياً مشتركاً غير مسبوق للدفاع عن عملية شرائهما للأراضي.

على الرغم من عدم ورود اسم أي من أعضاء حزب العدالة والتنمية في التسريبات، تسدّد هذه الإفشاءات ضربة للوعود التي أطلقها الائتلاف الحاكم بمكافحة الفساد والاستبداد، والتي تشكّل ركيزة أساسية في الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية في العام 2011 ومن ثم في العام 2015. فضلاً عن ذلك، يُنظَر إلى دفاع الوزارات العلني عن عمليات الشراء بأنه يُقدَّم إثباتاً على أن وعودها عن مكافحة الفساد عقيمة وجوفاء.

وفي واقعة شكّلت مصدر إحراج إضافياً لحزب العدالة والتنمية، تبيّن في 20 آب/أغسطس الماضي أن هناك زواجاً عرفياً، وهو زواج غير معترَف به من الدولة، بين مولاي عمر بن حماد وفاطمة النجار بعد توقيفهما بتهمة الزنى، وكلاهما قياديان إسلاميان محترمان ويشغلان منصب نائبَي رئيس حركة التوحيد والإصلاح. وقد جرى تعليق عضويتهما في الحركة بسبب انتهاكهما لقوانين الزواج. حاول حزب العدالة والتنمية أن ينأى بنفسه عن حركة التوحيد والإصلاح وعن الفضيحة عبر التزام الصمت حول المسألة. مع ذلك، يُصوَّر الإسلاميون المقرّبون من حزب العدالة والتنمية، على ضوء هذه الفضيحة، بأنهم مخالفون رجعيون لقوانين الدولة ومنافقون لايمارسون ماينادون به.

يتقاذف الجميع الاتهامات حول هوية المسرِّبين وغاياتهم. فالمعارضة تتّهم حزب العدالة والتنمية بتسريب قائمة الأراضي التي تم شراؤها لأغراض انتخابية. أما حزب العدالة والتنمية فيعتبر أن هذه المزاعم تندرج في إطار جهود أوسع نطاقاً تبذلها المعارضة لتقويض حظوظه بالحفاظ على الدعم أو كسبه في الانتخابات التي ستجرى في تشرين الأول/أكتوبر. سواء كان حزب العدالة والتنمية يقف أم لا خلف التسريبات، حقّقت هذه المزاعم هدفَين اثنين للمعارضة: وضعت حزب العدالة والتنمية في موقف دفاعي، وحوّلت الاهتمام العام من الفساد إلى التساؤل عن هوية الجهة التي قامت بالتسريب. علاوةً على ذلك، يزعم حزب العدالة والتنمية أن من يطلقون الاتهامات، لاسيما حزب الأصالة والمعاصرة، يسعون إلى قلب الطاولة على السياسيين المقرّبين من البلاط الملكي.

تُحوِّل التسريبات أنظار الرأي العام بعيداً من المسائل الاقتصادية والاجتماعية الأكثر إلحاحاً، وبعيداً من التركيز على المقاربة التي ينوي كل واحد من الأحزاب اعتمادها لمعالجة هذه المسائل. إلا أن الجانب المشرق هو أن التغطية الواسعة للتسريبات والتجاذبات الداخلية – لاسيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي – قد تثير اهتمام الناخبين المغاربة، لاسيما الشباب منهم، وتؤدّي إلى زيادة نسبة الاقتراع، خصوصاً إذا شعر الناخبون بأن خياراتهم قد تحدث فرقاً بالنسبة إلى أحزابهم.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

عبد الرحيم شلفوات باحث في شؤون وسائل الإعلام ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتابع دراسات الدكتوراه في الإعلانات والتواصل في جامعة حسن الثاني في الدار البيضاء، المغرب.