انطبع تاريخ السودان في الفترة الأخيرة بقرارات اقتصادية لم تأخذ في الاعتبار نمو البلاد في المدى الطويل. منذ العام 2011، تاريخ انفصال جنوب السودان الذي أخذ معه نحو ثلاثة أرباع العائدات النفطية، يشهد الاقتصاد الكلي السوداني، وهذا ليس بالأمر المفاجئ، حالةً من التدهور. تتخبّط الأعمال والشركات في مواجهة نقص حاد في العملات الأجنبية، وارتفاع التضخم، والشح في الأصول الآمنة. لقد رفض المصرف المركزي نشر إحصاءات عن مستويات الاحتياطي الأجنبي، ما يعني على الأرجح أن هذا الاحتياطي مستنفَد إلى حد كبير. وفي الرابع من شباط/فبراير الجاري، للمرة الثانية في شهر ونيّف، عمد السودان إلى خفض قيمة عملته في محاولة للتوفيق بين سعر الصرف الرسمي والسعر المتداوَل في السوق السوداء.

ليس أيٌّ مما تقدّم لافتاً في حد ذاته. غير أن ما يُضفي طابعاً مأسوياً جداً على الدراما السودانية هو أن عدداً كبيراً من المشكلات التي تعاني منها البلاد راهناً هو انعكاسٌ للمشقات التي واجهتها مصر قبل سنوات عدّة. إنما يبدو أن الحلول التي يعتمدها السودان لا تأخذ في الاعتبار الدروس المستمدّة من المحاولات المصرية السيئة الطالع لإدارة سعر صرف الجنيه المصري.

كما مصر، يواجه السودان الآن سلسلة من التحدّيات الاقتصادية المترابطة إلى حد كبير. غالباً ما يؤدّي التركيز حصراً على مصدر واحد من مصادر المحنة إلى تفاقم المصادر الأخرى وتعقيدها. على سبيل المثال، فإن السعي إلى الحؤول دون تسجيل مستويات مرتفعة من التضخم عبر دعم قيمة العملة المحلية، يمكن أن يؤدّي إلى انخفاض احتياطيات العملات الأجنبية إلى مستوى متدنٍّ في شكل خطير، في حال كان ميزان المدفوعات سلبياً. كما أن جعل الادّخار في الداخل أكثر استساغةً من الاستثمار في الخارج عبر زيادة أسعار الفوائد يؤدّي إلى رفع كلفة الاستدانة في الداخل. لكن إذا بدأ المستثمرون والأعمال يلمسون أن خفض قيمة العملة أمرٌ لا مفر منه، وباشروا نقل أموالهم إلى خارج البلاد، غالباً ما يتسبب ذلك بخفض احتياطيات العملات الأجنبية التي تُعتبَر ضرورية من أجل التبادل التجاري الدولي. في هذه الحالة، قد يكون الخيار الوحيد المتاح أمام المصرف المركزي فرض قيود على الاستيراد أو ضبط رؤوس الأموال، لا سيما فرض قيود على انتقال الأموال إلى خارج البلاد. لسوء الحظ، غالباً ما يدفع ذلك بالمستثمرين الأجانب إلى التشكيك في قدرتهم على ترحيل الأرباح في المستقبل، ويضع عوائق إضافية أمام دخول العملات الصعبة الضرورية إلى البلاد. المفارقة هي أن التضخم الذي سعت الحكومة إلى تجنّبه في المقام الأول قد يصبح واقعاً حتمياً بسبب النقص في السلع الناجم عن التراجع المطّرد في وصول المستوردين الداخليين إلى العملات الأجنبية.

بالطبع، لم يكن أيٌّ من هذا محتوماً في حالة السودان. تُظهر التجربة المصرية قبل تحرير سعر الصرف والحصول على الدفعة الأولى من القرض من صندوق النقد الدولي، أنه من الصعب الحفاظ في المدى الطويل على تثبيت سعر العملة بأعلى من قيمتها الحقيقية مقروناً بعجوزات في الحساب الجاري، إلا في ظروف استثنائية. قاومت مصر تحرير سعر الصرف لسنوات. وعندما عمدت إلى تحريره، هبطت قيمة الجنيه فجأةً – في حين أن منظومة أكثر مرونة لسعر الصرف على غرار المنظومة التونسية، التي تستخدم آلية مشابهة لتعويم العملة بطريقة مضبوطة، تتيح انخفاضاً تدريجياً في قيمة العملة على وقع الضغوط الخارجية الناجمة عن اتّساع العجز في الحساب الجاري، والتي يمكن أن تشتدّ أو تنحسر.

تاريخياً، ساهم سعر الصرف الثابت، على غرار المنظومة المستخدَمة سابقاً في مصر والمطبّقة حالياً في دول مجلس التعاون الخليجي، في الحفاظ على ثبات أسعار الواردات في الداخل. إنها سياسة مبرّرة بالنسبة إلى الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، التي تعتمد اقتصاداتها بقوّة على صادرات السلع الأساسية، وتحتاج إلى استيراد معظم السلع الاستهلاكية من الخارج، والتي تمتلك أيضاً احتياطيات واسعة من العملات الأجنبية. الجانب السلبي هو أن السلع المستورَدة يمكن أن تصبح أغلى ثمناً في حال حدوث تغيير في سعر الصرف الثابت، وتراجع قيمة العملة. على الرغم من انخفاض أسعار السلع المصدَّرة، إلا أن التغييرات في أسعار الواردات تصبح عادةً سارية المفعول على الفور، في حين أن المصدّرين قد يستغرون أشهراً أو سنوات لزيادة إنتاجهم من السلع بهدف الإفادة من التكاليف المخفَّضة في السوق الدولية.

في حين أن السودان كان ليُفيد على الأرجح، في المدى الطويل، من منظومة مرنة لأسعار الصرف، على غرار تلك المعتمدة في تونس، سلكت سياسته النقدية مساراً أكثر تعنّتاً وتشوّشاً، لا سيما غداة انفصال الجنوب في العام 2011. سدّدت خسارة العائدات النفطية التي كان يؤمّنها جنوب السودان، ضربة قوية للاقتصاد، فأحدثت ثقباً في ميزان الحساب الجاري (وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي) وفرضت خفوضات عدّة في قيمة الجنيه السوداني. ليس مهماً في هذا السياق إذا كان السودان قد أدرك أم لا أن ارتكاب الأخطاء نفسها التي وقعت فيها مصر هو فكرة سيئة، إذ من الواضح أن سعر صرف الجنيه السوداني لم يكن قابلاً للاستدامة. لكن في حين أن مصر عمدت، في نهاية المطاف، إلى تحرير عملتها والسماح لقوى السوق بالسيطرة، ليست لدى السودان أي مخططات لفعل الشيء نفسه. اعتباراً من أواخر العام 2016 وعلى امتداد العام 2017، استخدم الاقتصاد السوداني أربعة أسعار مختلفة لصرف الجنيه السوداني مقابل الدولار الأميركي: سعر الصرف الرسمي الذي يحدّده المصرف المركزي، وهو 6.7 جنيهات، والمخصّص في شكل أساسي للمعاملات الحكومية؛ وسعر الصرف المخصص لاستيراد القمح، وهو 7.5 جنيهات؛ وسعر الصرف في المصارف التجارية، 16 جنيهاً، والهدف منه هو تحفيز المغتربين السودانيين لإرسال التحويلات إلى الداخل من خلال المنظومة المصرفية؛ وسعر الصرف الشديد التقلبات في السوق السوداء.

بناءً على إلحاح صندوق النقد الدولي، خفّضت الحكومة، اعتباراً من كانون الثاني/يناير 2018، قيمة الجنيه السوداني ووحّدت أسعار الصرف الرسمية عند 18 جنيهاً مقابل الدولار (أي انخفاض بنسبة 62.8 في المئة في سعر الصرف الرسمي) مع تحديد هامش معيّن على ألا يقلّ سعر الصرف عن 16 جنيهاً وألا يتخطى 20 جنيهاً مقابل الدولار، بالاستناد إلى قوى السوق. في حين أنها كانت مساومة واضحة من جانب المصرف المركزي السوداني، ارتفع سعر الصرف في السوق السوداء إلى 38 جنيهاً بحلول أواخر كانون الثاني/يناير، ما دفع بالسودان إلى خفض قيمة عملته من جديد في الرابع من شباط/فبراير الجاري، فأصبح هامش التقلبات في سعر الصرف بين 28.8 و31.5 جنيهاً مقابل الدولار. يعني ذلك فعلياً أن سعر الصرف الرسمي هو 31.5 جنيهاً مقابل الدولار، وهو السعر الأضعف المقبول والذي يُعتبَر الأقرب إلى سعر الصرف في السوق السوداء. يبدو أن السودان يستنسخ، بهذه الطريقة، المجهود القصير النظر الذي قامت به مصر، والذي أثبت فشله في نهاية المطاف، من أجل فرض قيود على الودائع بالعملات الأجنبية التي يتم الحصول عليها من السوق السوداء.

ففي مطلع العام 2015، مع تراجع احتياطيات العملات الأجنبية بعدما كانت قد سجّلت مستويات مرتفعة قبل الثورة، وسلوك سعر صرف الجنيه المصري في السوق السوداء مساراً تصاعدياً، فرضت مصر سقفاً على الودائع بالدولار الأميركي وسواه من العملات الأجنبية، وقد حدّدته بعشرة آلاف دولار في اليوم وخمسين ألف دولار في الشهر. كان المستوردون ليُضطروا، نظرياً، إلى المرور عبر المنظومة المصرفية التقليدية من أجل الحصول على العملات الأجنبية وخطابات اعتماد مفتوحة بهدف الاستيراد. لقد أمِلت الحكومة المصرية، عبر فرض سقف على كمية العملات الأجنبية التي يمكن الحصول عليها في السوق السوداء وإيداعها في المصارف، بأن تتمكّن من خفض جدوى الدولارات في السوق السوداء، وبالتالي خفض قيمتها. لقد أدّى ذلك إلى تثبيت سعر صرف الدولار في السوق السوداء لفترة وجيزة، إنما لم ينجح في خفض الطلب على الدولار، ما تسبّب بإضعاف الجنيه المصري أكثر فأكثر.

كذلك عمد السودان، الذي يبدو أنه يعتقد أن قوانين العرض والطلب لا تنطبق على سوقه الداخلية، إلى فرض قيود. وبدلاً من الاكتفاء بتحديد سقفٍ على الودائع لفترة زمنية معيّنة، أعلن محافظ بنك السودان، حازم عبد القادر، أنه يُحظَر على المستوردين إيداع الدولارات التي حصلوا عليها من السوق السوداء. وأعقب ذلك بالتلميح إلى أن المصرف المركزي سيتدخّل في حال الحاجة إلى سيولة إضافية بالعملات الأجنبية – وهذا مثيرٌ للسخرية إذ يبدو أن احتياطي بنك السودان من العملات الأجنبية شبه معدوم.

لسوء الحظ، غالب الظن أن المأزق السوداني سيزداد سوءاً، أقلّه في المدى القصير. فمنذ قيام الولايات المتحدة برفع العقوبات عن السودان في كانون الثاني/يناير 2017، أصبحت العملات الأجنبية ذات منفعة أكبر، ما أدّى إلى زيادة الطلب عليها، وارتفاع قيمة الدولار في السوق السوداء. يمكن التصدّي لهذا الأمر إلى درجة معينة، عبر إتاحة المجال أمام الصادرات السودانية للوصول بحرية أكبر إلى السوق الدولية. بيد أن الصادرات واجهت عراقيل بسبب تحديد سعر الجنيه السوداني بأكبر من قيمته الفعلية، وكذلك بسبب العقوبات الأميركية، ويمكن أن تستغرق سنوات عدة كي تتطوّر وتُفيد في شكل كامل من سعر الصرف الجديد المخفَّض.

يقتضي مسار التحرك الطبيعي العمل مع منظمات إقليمية وعالمية متعددة الأطراف من أجل وضع خطة للإصلاح الاقتصادي. غير أن هناك عدداً من المسائل السياسية الداخلية والدولية العالقة التي تقف عائقاً أمام هذا التعاون. ففي حين رُفِعت العقوبات، لا يزال السودان مدرَجاً على قائمة الدول الراعية للإرهاب التي تضعها الحكومة الأميركية، ما يفرض على الولايات المتحدة الاعتراض على حصول السودان على قروض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وسواهما من المنظمات الإنمائية المتعددة الأطراف (ومنعه فعلياً من الحصول على مثل هذه القروض عبر استخدام الفيتو). ليست هذه القروض علاجاً ناجعاً لسوء الإدارة الاقتصادية – وتترافق في كثير من الأحيان مع قائمة بالإصلاحات المطلوبة – إنما يمكن أن تؤمّن السيولة التي تشكّل حاجة ماسّة للبلاد، وأن تكون بمثابة تصويت ضمني على الثقة قد يساهم في تحفيز الاستثمارات الخارجية. في الوقت نفسه، لا يزال السودان على علاقة متشنّجة بجيرانه، نظراً إلى الخلافات التي تشوب المفاوضات مع مصر وأثيوبيا حول سد النهضة الأثيوبي الكبير.

ليس المطلوب أن تشكّل مصر نموذجاً اقتصادياً يقتدي به السودان، بل يجب أن تكون بمثابة دراسة حالة حول ما ينبغي الامتناع عن القيام به عند محاولة تطبيق إصلاحات اقتصادية وضبط سعر الصرف. لكن حتى الآن، لم يُظهر السودان أي مؤشّرات بأنه يحاول أن يتعلّم دروساً من الهفوات المصرية. فمن أجل أن يعمل السودان على تحسين حظوظه الراهنة، عليه أن يُرسي توازناً بين الحاجة إلى معالجة المشاغل الدبلوماسية، مثل تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وجيرانه في شمال أفريقيا، وبين جهوده الآيلة إلى درء انهيار اقتصادي كامل. نظراً إلى الهشاشة الشديدة للوضع الاقتصادي الراهن، والتداعيات السياسية لمثل هذه التشنّجات والصدمات الاقتصادية، ليس أكيداً على الإطلاق أن الفوضى ستنحسر قريباً.

المقال الثاني في سلسلة من مقالَين عن الدروس المستمدّة من السياسات الاقتصادية المصرية. لقراءة المقال الأول، اضغط هنا.

برندان ميغان محلل متخصص في الاقتصاد الكلي يركّز على الشرق الأوسط. لمتابعته عبر تويتر: BrendanJMeighan@