عندما أطلق الاتحاد الأوروبي الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية (أو عملية برشلونة) في 1995 بمشاركة 15 من جيرانه الجنوبيين، كان الغرض المعلن هو خلق "منطقة سلام واستقرار وأمن في البحر المتوسط". كان قوس واسع من الإجراءات الاقتصادية والسياسية والثقافية يبدو على الأفق، جزئيا على نمط نموذج هلسنكي في 1975. وكان يفترض أن تتحقق الأغراض الأمنية الأوروبية عن طريق: (1) تعزيز التنمية الاقتصادية في بلدان جنوب المتوسط من أجل حل المشاكل الاجتماعية ـ الاقتصادية؛ (2) الترويج للحكم الديموقراطي واحترام حقوق الإنسان في المنطقة. و (3) تحسين الوعي الاجتماعي والثقافي المتبادل على جانبي البحر المتوسط. وكان القصد من قمة العام العاشر، التي عقدت في برشلونة في أواخر نوفمبر 2005، هو إعادة تأكيد سلامة الأهداف المؤسسة للشراكة الأوروبية ـ المتوسطية. كما أنها أوضحت المسافة المتنامية بين ضفتي البحر المتوسط وأوجه قصور التناول والوسائل حتى الآن. فرغم الشراكة لعقد من الزمان، فقد اتسعت الفجوة بين الدخل الفردي عبر البحر المتوسط، كما اتسعت مروحة التحديات التي تواجه المنطقة.

 

أتت تقييمات القمة الأوروبية ـ المتوسطية، التي نظمتها الحكومة الإسبانية تحت الرئاسة البريطانية للاتحاد الأوروبي، مختلطة. فبينما اعتبر الرسميون الأوروبيون القمة نجاحا، أبدت الصحافة والمراقبون الخارجيون حماسا أقل. أنتجت القمة بالفعل وثيقتين: (1) برنامج عمل لخمس سنوات يحتوي على قائمة مفصّلة من العلامات الفارقة غرضها الرئيسي هو "تحقيق نتائج يكون لها تأثير إيجابي بالنسبة لمواطني المنطقة جميعا"؛ و (2) قواعد سلوك أوروبية ـ متوسطية في محاربة الإرهاب، توفر إطارا مفهوميا وسلوكيا للمنطقة بأكملها. لكن قادة الشركاء الجنوبيين جميعا تقريبا ـ باستثناء تركيا والسلطة الفلسطينية ـ لم يحضروا القمة رغم مشاركة معظم نظرائهم الأوروبيين. عززت تلك الغيابات الإحساس بأن الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية ما زالت عملية أوروبية المدار.

 

أعاق الشعور السائد في العالم العربي بأن مبادرات الاتحاد الأوروبي لا تحركها سوى الهموم الأمنية، بما فيها الخوف من الهجرة من البلدان الجنوبية، الفهم على عدد من الجبهات. فتعارض المفاهيم، مصحوبا بتأثيرات النزاع العربي ـ الإسرائيلي ، جعل من المستحيل على البلدان المتشاركة أن تتفق على تعريف مشترك للإرهاب في قمة العام العاشر للشراكة الأوروبية ـ المتوسطية. كما حالت دون تبني "الميثاق الأوروبي ـ المتوسطي للسلم والاستقرار"، الذي اقترح في 1999 لكي يمنع التوترات والأزمات بالتعاون الأمني.

 

خلق توسيع "سياسة الجوار الأوروبي" ـ الموجهة في الأصل إلى التخوم الشرقية للاتحاد الأوروبي ـ لتشمل بلدان جنوب البحر المتوسط بعض الارتباك حول صلة هذا الإطار السياسي بعملية برشلونة. تقول النظرية الرسمية للاتحاد الأوروبي إنهما يعززان بعضهما. فسياسة الجوار مبنية على مبدأ السعي إلى تعاون أعمق مع البلدان التي تظهر قدرا أكبر من الاستعداد للتحرك إلى الأمام بالإصلاحات الأساسية، وبذلك تخلق فعالية تنافسية بين من يريدون تلقي المزيد من المعونة والموارد الأوروبية.

 

بعيدا عن الجدل حول السياسة، شهدت السنوات الأخيرة مبادرات عديدة ترمي إلى زيادة التواصل بين الناس داخل الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية، بما في ذلك "مؤسسة أنّا ليند للحوار بين الثقافات" (مقرها الإسكندرية) و"الجمعية البرلمانية الأوروبية ـ المتوسطية". كما أنفق الاتحاد الأوروبي 3.26 بليون يورو بين 1995 و 2004 لتمويل مشروعات متنوعة في البلدان الجنوبية.

 

بدءاً من 2007، ستندمج الأموال في إطار مالي واحد، يسمى"أداة الجوار الأوروبي والشراكة". وما زالت كمية الموارد المخصصة لتلك الأداة غير واضحة بعد ما تم مؤخرا إقرار الموازنة الأوروبية لـ 2007 ـ 2013. فإذا لم تكن الموارد كافية لجذب اهتمام بلدان الجنوب، فإن تأثيرات الشرطية الإيجابية يمكن أن تضيع وقد لا يعود بوسع "سياسة الجوار" أن تحقق أهدافها. الحقيقة، أن الحوافز الأوروبية الأخرى ـ مثل تسهيل حركة الأشخاص عبر المنطقة ( على سبيل المثال، من خلال إنشاء نظام أكثر مرونة لتأشيرات الدخول) وتوسيع حرية انتقال البضائع لتشمل المنتجات الزراعية ـ قد تكون أكثر فعالية في إقناع الجيران الجنوبيين بالقيام بإصلاحات مهمة.

 

تتميز خطط عمل "سياسة الجوار"، التي يتفق عليها ثنائيا بين الاتحاد الأوروبي وكل بلد معني في الجنوب، بتركيز كبير على حقوق الإنسان والديموقراطية. وحتى الآن، وقع الاتحاد الأوروبي خطط عمل مع إسرائيل والأردن والمغرب والسلطة الفلسطينية، بينما يجري الإعداد لخطط أخرى (مصر ولبنان). ما أن يتم الاتفاق على الخطط، سيكون تحديا كبيرا للاتحاد الأوروبي أن يثبت أن لديه الإرادة السياسية لفرض شروط تتعلق بالديموقراطية، مبنية على مبادئ والتزامات مقبولة من الطرفين.

 

هيثم أميرة فرنانديز محلل في برنامج البحر المتوسط والعالم العربي في معهد إلكانو الملكي للدراسات الدولية والاستراتيجية (مدريد).