Carnegie Endowment for International PeaceCarnegie Endowment for International Peace
{
  "authors": [
    "نقاش نقاش صدى"
  ],
  "type": "commentary",
  "centerAffiliationAll": "",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace"
  ],
  "collections": [],
  "englishNewsletterAll": "",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "Carnegie Endowment for International Peace",
  "programAffiliation": "",
  "programs": [],
  "projects": [],
  "regions": [
    "شمال أفريقيا",
    "ليبيا"
  ],
  "topics": [
    "الأمن",
    "سياسة الدفاع الأميركية"
  ]
}

المصدر: Getty

تعليق

الأمن الليبي: كيف يستطيع المجتمع الدولي المساعدة؟

بعد الثورة الدموية والمرحلة الانتقالية التي أعقبتها، تواجه ليبيا مجموعة من التحدّيات التي تطال أمنها واستقرارها. ماذا يستطيع المجتمع الدولي أن يفعل للمساعدة على رفع التحدّيات الأمنية المتعاظمة في ليبيا؟ يعرض أربعة خبراء وجهات نظر مختلفة عن دور الأفرقاء الخارجيون.

Link Copied
بواسطة نقاش نقاش صدى
منشئ 31 يناير 2014

بعد الثورة الدموية والمرحلة الانتقالية التي أعقبتها، تواجه ليبيا مجموعة من التحدّيات التي تطال أمنها واستقرارها. خلال الأعوام الثلاثة الماضية، التزم المجتمع الدولي - سواء كان حلف شمال الأطلسي (الناتو) أم الأمم المتحدة أم مجموعة الثماني أو سواها من الأطراف - بالمساعدة على دفع المرحلة الانتقالية نحو الأمام ومعالجة المشاغل الأمنية الليبية، من خلال برامج على غرار إنشاء "قوة الأغراض العامة" أو تشجيع الحوار الوطني. بيد أن العملية السياسية في مأزق، وتزداد عمليات الاغتيال والخطف، كما أن الحكومة لاتزال عاجزة عن ضبط الأمن عند حدودها الصحراوية أو كبح الميليشيات.

فماذا يستطيع المجتمع الدولي أن يفعل للمساعدة على رفع التحدّيات الأمنية المتعاظمة في ليبيا؛ وماذا يجب أن يفعل الأفرقاء الخارجيون لمساعدة الليبيين على تحقيق الاستقرار في المدى الطويل؟

يحاول أربعة خبراء في الشأن الليبي الإجابة عن هذا السؤال؛ فيعرض كل منهم وجهة نظر مختلفة عن دور الأطراف الدولية.

ندعوكم إلى الانضمام إلى النقاش عبر مشاركتنا آراءكم في قسم التعليقات

تكييف صبور وتدريجي

بيتر كول


<p>بيتر كول؛ محرّر أساسي لكتاب &quot;الثورة الليبية وتداعياتها&quot; (دار هرست، لندن، 2014). يصعب الكلام عما يجدر بالمجتمع الدولي القيام به في ليبيا من دون التوقف أولاً عند العوامل التي دفعت بالأمور في هذا الاتجاه. فخلال الثورة والمرحلة الانتقالية، سعت الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنظمة الأمم االمتحدة على السواء (والليبيون أنفسهم) إلى أن تكون لهم &quot;بصمة دولية خفيفة&quot; في ليبيا. اللافت هو أن الجانبَين استخدما اللغة نفسها بهدف التعلّم من تجارب مختلفة. فقد أيّد المسؤولون في الأمم المتحدة، بالاستناد إلى الدروس المستمدّة من الصومال وكوسوفو وأفغانستان، تنفيذ مهام أصغر نطاقاً تقودها جهات سياسية، عبر العمل من خلال الكوادر المحليين والمنظمات غير الحكومية، وبمساعدة دولية منسَّقة. وسعى المخطّطون الاستراتيجيون العسكريون الذي استخلصوا دروساً من المشاريع المكلفة والدموية وغير المحدّدة لبناء الأمة في أفغانستان والعراق، إلى إقامة علاقات أفضل مع الشركاء المدرّبين محلياً، بدعم من فرق العمليات الخاصة وسلاح الجو. لقد تمكّنت الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على السواء من تطبيق مقاربات &quot;البصمة الخفيفة&quot; في ليبيا بسبب وجود كيان سياسي، أي المجلس الوطني الانتقالي، كان يتمتّع بما يكفي من المصداقية وقوة الحضور لتحديد شروط التدخّل. فعلى سبيل المثال، عارض كلّ من مصطفى عبد الجليل والمكتب التنفيذي إرسال قوة عسكرية على الأرض، أو فرق كبيرة متعدّدة الجنسيات لنشر الاستقرار. لكن في الوقت نفسه، لم يكن المجلس الوطني الانتقالي يملك الآليات اللازمة لتجنّب المنافسة من الكيانات والشبكات الليبية المحلية على السلاح والأرض والتدريب. كان بإمكانه أن يستوعب تلك الشبكات ويُدمجها، وهذا مافعله تحت تأثير الضغوط من الليبيين والدبلوماسيين الأجانب. لكنه أصبح بذلك أقل قدرة على تسجيل الأسلحة والذخائر (بعضها أجنبي، في حين أن معظمها تم الاستيلاء عليه محلياً)، وتوجيهها عبر ماتبقّى من القوات المسلحة. كما في الحرب، كذلك في السلم. نقل عبد الجليل ومحمود جبريل مقرّ المجلس الوطني الانتقالي إلى طرابلس، ومارسا الحكم من خلال الوزارات القائمة بدلاً من استخدام آليات انتقالية أخرى، وذلك لأسباب سليمة مثل تفادي تكرار حدوث سيناريو مشابه لـ&quot;اجتثاث البعث&quot; في العراق. إلا أنه كانت للوزارات إمكانات محدودة جداً. كما أن مؤسّستَي الجيش والشرطة اللتين تفكّكتا خلال نزاع 2011 وبعده، كانتا تعانيان من المحدوديات في الإمكانات لاسيما بسبب خسارتهما للضباط والشرعية السياسية والأسلحة لمصلحة المقاتلين الثوّار. وقد دفعت حكومة الكيب، تحت تأثير الضغوط المباشرة من أولئك المقاتلين، بالأمم المتحدة إلى الإفراج عن أموال الدولة المجمّدة لتسديد رواتبهم. كان هذا الخيار الأفضل بين مجموعة من الخيارات السيئة، لكنه حدّد نطاق تحرّك الحكومة مستقبلاً في القطاع الأمني، في حين وافق السياسيون في المجلس الوطني الانتقالي والمؤتمر الوطني العام، على إدراج كيانات أمنية متعدّدة ومتنافسة على جدول رواتب القطاع الحكومي، لا بل عمدوا أحياناً إلى ترقيتها على هذا الجدول، وذلك لأسباب سياسية. إذاً تتوقّف الخطوات التي ينبغي على المجتمع الدولي اتّخاذها، على المسار الذي يسلكه الليبيون. فعلى سبيل المثال، من شأن مبادرات على غرار &quot;قوة الأغراض العامة&quot; أن تبث دماً جديداً وضرورياً جداً في القوات المسلحة وتؤمّن لها التدريب التي هي بأمس الحاجة إليه، إنما يجب أن تتحرّك تلك القوة بحذر، لأسباب تتعلّق بالشرعية السياسية (القوة موجودة بناء على طلب من رئيس وزراء الحكومة المؤقتة)، والتدقيق، والإمكانات الحكومية، لاسيما القدرة على تسديد تكاليف التدريب ومراقبة المقاتلين المدرَّبين واستيعابهم. في غضون ذلك، فإن مسار التدريب العملي والمتأنّي وبناء القدرات الذي طالبت به الحكومة الليبية بموجب برنامج العدالة والأمن والدفاع الذي جرى الاتفاق عليه في باريس في شباط/فبراير 2012، ليس بالمجهود الباهر لكنه حيوي. يجب أن يكون هذا العمل مستنيراً من الناحية السياسية ومتناسباً مع الطابع السياسي والفئوي المتغيِّر للمؤسسات الليبية وكوادرها، ومنسَّقاً كما يجب مع الأمم المتحدة والحكومة الليبية. فعندما لم يؤخَذ بهذه المقتضيات من قبل، تعثّرت أجزاء من البرنامج لاسيما تلك المتعلقة بالأمن الحدودي. المطلوب إذاً هو تكييف آليات الحكم وتحسينها بتروٍّ وبصورة تدريجية، عبر الإصغاء إلى جميع الليبيين فيما يخوضون نقاشات سياسية واسعة النطاق حول طبيعة الحكم (مثلاً الفدرالية). يمكن إدارة هذه النقاشات في إطار الحوار الوطني المدعوم من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لكن لاداعي لمعالجة جميع المسائل المطروحة فيها. فالدول الأكثر تقدّماً تشهد انقسامات سياسية عميقة، إنما يجب أن تتم هذه النقاشات في إطار مؤسسات قادرة على استيعابها وتطويعها، من دون أن يلجأ السياسيون أو المجتمعات المحلية إلى حلفائهم في القطاع الأمني، كما حدث في النقاشات الليبية حول العزلة السياسية، والفدرالية، والتشدّد الإسلامي، وإصلاح الجيش والشرطة، ورئاسة الوزراء. آليات الدولة الكفوءة والمحايدة، وليس السياسيون، هي السبيل الأفضل لاستيعاب هذه النقاشات.</p>

دور المؤسسة العسكرية

فريدريك ويري


فريدريك ويري، باحث كبير في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، و مشارك في كتابة "بناء قطاع الأمن في ليبيا".

يبدو الهم الأمني في ليبيا اليوم الأكثر إلحاحاً وخطورة. يطالب الناس بأن تحل المؤسسات الأمنية الرسمية مكان الميليشيات - حتى تلك التي استوعبتها الحكومة شكلياً. في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، شهدت البلاد اليوم الأكثر دموية منذ ثورة 2011 عندما فتح ميليشياويون النار على المحتجّين في طرابلس. وعندما انتشر عناصر الشرطة والجيش النظاميون، في الأسابيع اللاحقة، في مختلف أنحاء طرابلس وتراجعت الميليشيات، لقيت هذه الخطوة ترحيباً واسعاً. وفي بنغازي، أظهر الناس دعماً قوياً جداً لوحدة القوات الخاصة المحلية وقائدها الكاريزماتي خلال الصدامات مع "أنصار الشريعة".

تتقدّم قوى خارجية لملء هذا الفراغ عبر وضع خطط لتدريب جيش وطني وتجهيزه. وقد أُبلِغ الكونغرس الأميركي مؤخراً بطلب تقدّمت به السلطات الليبية إلى الولايات المتحدة لتدريب 8000 جندي ليبي على امتداد ثماني سنوات لتشكيل مايُعرَف بـ"قوة الأغراض العامة". وتساهم بريطانيا وتركيا وإيطاليا أيضاً في هذا المجهود. يجري التحضير للمشروع منذ الصيف الماضي على الأقل، ويبدو متيناً ومتماسكاً على المستوى النظري.

لكن الأحاديث التي أجريتُها مع ليبيين من مختلف الانتماءات في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي كشفت عن العديد من التحدّيات والمطبّات التي يرتبط عدد كبير منها بالإشراف المدني على "قوة الأغراض العامة"، والهدف الفعلي منها، ومدى شمولها لمختلف الأطراف. قال لي مسؤولون في القيادة العسكرية الأميركية الخاصة بأفريقيا (أفريكوم) إن الهدف من إنشاء هذه القوة هو حماية المؤسسات الحكومية والمسؤولين المنتخبين، من أجل منح متنفّس للديمقراطية المتعثّرة. وأضافوا أنه من المرتقب أن تحل لاحقاً مكان الدور الذي تؤدّيه حالياً القوة المعروفة بـ"درع ليبيا" - وهي عبارة عن ائتلافات ميليشياوية تابعة لرئاسة الأركان في الجيش الليبي - من أجل فرض الأمن على الحدود. وبما أن "قوة الأغراض العامة" جزء من الجيش الوطني، يجب اختيار ضباطها وعناصرها من مختلف المناطق والقبائل الليبية.

قال لي قادة إسلاميون في الشرق إنهم يوافقون في المبدأ على خضوع الجيش الليبي للتدريب على أيدي جهات أجنبية. لكنهم يعارضون السيطرة الخارجية: تتردّد أخبار عن تركيز الولايات المتحدة حصراً على مكافحة الإرهاب في ليبيا. يرى البعض أن "قوة الأغراض العامة" تخدم فقط مصالح "تحالف القوى الوطنية" أو رئيس الوزراء الليبي علي زيدان. أما كبار الضباط في الجيش الليبي فيعارضون ضم الميليشياويين، ولاسيما الإسلاميين، إلى القوة، إذ يعتبرون أنه يتعذّر ضبطهم وأنهم ذوو صبغة أيديولوجية. وكانت للأحداث في مصر تداعيات ملموسة أيضاً على العلاقات المدنية-العسكرية في ليبيا.

يجب معالجة كل هذه التشنّجات لضمان نجاح الجيش الجديد. لقد شكّل المسؤولون الحكوميون العديد من مجموعات العمل واللجان الوزارية بهدف دراسة المسائل المحيطة بإنشاء "قوة الأغراض العامة" ومستقبلها. يبدو المسؤولون الأمريكيون وشركاؤهم مدركين للمطبّات والعقبات. لكن يجب بذل مجهود موازٍ لتخطّي انعدام الثقة الشديد على المستوى السياسي وغياب المصالحة الوطنية. فالخصومات داخل الوزارات، وداخل "المؤتمر الوطني العام" والمؤسسات الأمنية الهشّة تهدّد بجعل المشروع ينحرف عن مساره الصحيح. 

إلى جانب الحوار، تحتاج ليبيا إلى معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تقف خلف مواصلة الميليشيات عملها. يجب منح العناصر الشباب محفّزات لمغادرة تلك الميليشيات والانخراط في المجتمع من جديد. وفي هذا الإطار، من الضروري اعتماد برنامج مستدام لتسريح الميليشيات ونزع سلاحها وإعادة دمج عناصرها في المجتمع. تشكّل "هيئة شؤون المحاربين"، وهو مشروع على مستوى وطني، انطلاقة جيدة. إلا أن الجزء الأكبر من التقدّم الفعلي يتحقّق على المستوى المحلي، بتوجيه من المجالس المحلية وشيوخ القبائل ذوي المكانة المرموقة.

تشير هذه الجهود باتّجاه حقيقة مهمة في ليبيا بعد الثورة، وهي أنه ينبغي على الجهات الخارجية الراعية والمانحة أن تأخذ في الاعتبار أن التحدّيات الليبية تتطلّب مقاربة تقوم على النظر في كل حالة على حدة، على أن يتم تكييفها بحسب احتياجات البلدات والمناطق. من شأن الاعتماد حصراً على حل هرمي وشديد المركزية، على غرار "قوة الأغراض العامة"، أن يزيد منسوب التشنّج في الأجواء المشحونة أصلاً.

أساس سياسي متين

ديرك فانديفال


ديرك فانديفال، أستاذ في مادّة الإدارة الحكومية في جامعة دارتموث ومؤلّف "تاريخ ليبيا الحديثة".

لاتزال ليبيا تواجه صعوبات سياسية خطيرة سيكون لها في نهاية المطاف تأثير على مستوى الأمن في البلاد. تكشف محاولة إطلاق حوار وطني على وقع تعثّر المؤسسات السياسية (مثل المؤتمر الوطني العام)، أنه من دون إنشاء مؤسسات فاعلة قادرة على معالجة المشاكل السياسية التي تتخبّط فيها البلاد، لن يؤدّي إصلاح القطاع الأمني وإعادة هيكلته سوى إلى استمرار حالة عدم الاستقرار والفوضى التي تشهدها ليبيا.

تواظب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على حض الأفرقاء السياسيين ومجموعة من الأطراف السياسية غير الرسمية، على الانخراط في حوارٍ تأمل في أن يؤدّي إلى نوع من التسوية، على الطريقة التونسية، وأن يمهّد الطريق نحو أهداف سياسية مشتركة. إلا أن أحداث الأشهر القليلة الماضية كشفت أن هذا المسار لايزال معقّداً وشاقاً. ففي ليبيا، لم يتم الاتفاق بعد على قواعد مشتركة للعبة، والتوافق السياسي شبه معدوم. كما أن البلاد تفتقر إلى منظمات أهلية وترتيبات مؤسسية فاعلة، مايجعل العجز عن التوصّل إلى تسوية سمة أساسية ودائمة في الحياة السياسية الليبية. هذا فضلاً عن أن استخدام الحكومة لموارد البلاد المالية بهدف الحفاظ على التوازن بين عدد من المجموعات المتنافسة، وعلى الرغم من أنه قد يكون مفهوماً من الناحية العملية، لم يولّد، لسوء الحظ، مزيداً من الزخم باتجاه التسوية.

وتحجب المأسسة التي تشهدها حالياً الحياة السياسية في البلاد، واقع أن المؤسسة السياسية الأبرز التي أنتجتها الانتخابات الوطنية، أي المؤتمر الوطني العام، تحوّلت هيئة جوفاء تكتسب مكانتها من الخدمات التي تقدّمها للمجموعات المختلفة على أساس المحسوبيات، بدلاً من أن تكون مؤسسة سياسية وطنية تصغي إلى هموم المواطنين وتعمل على معالجتها.

يبدو إذاً أن الأمور تسير في اتجاهَين معاكسين في ليبيا، كما يُظهر تراجع المؤتمر الوطني العام. فمن جهة يجري العمل على بناء المؤسسات السياسية في البلاد، لكن من جهة أخرى، تصبح هذه المؤسسات أقل جدوى وأهمية. يبدو أن الدولة الممأسسة التي تتمتّع بالشرعية في نظر من تحكمهم، والتي من شأنها أن تفرض الأمن في ليبيا على مستويَي البلاد والمنظومة السياسية على السواء، تفلت من أيدي الليبيين.

شكّلت فكرة الحوار الوطني، في جزء منها، محاولة لمعالجة هذا التنافر المتزايد بين السياسة وواقع الحياة في ليبيا، عبر ردم الهوة بين الإطار السياسي الرسمي والمجموعات التي تم إقصاؤها. لقد اعتبر بعض المراقبين أن الحوار الوطني وُلد ميتاً، في حين يبدي آخرون نفحة تفاؤلية مشيرين إلى أنه يمكن أن يؤدّي دوراً مهماً يجعل منه أداة وساطة في الحياة السياسية الليبية الشديدة التصدّع.

يشكّل وضْع القطاع الأمني تحت سيطرة الحكومة شرطاً أساسياً من أجل ضمان استقرار البلاد في المستقبل. لكن إذا لم يتمكّن الليبيون من إقرار الترتيبات المؤسسية السياسية التي لابد منها من أجل تحقيق الاستقرار والشرعية في المدى الطويل، فلن يكون إصلاح القطاع الأمني كافياً. يجدر بنا أن نبذل كل ما بوسعنا لتقديم المساعدة اللازمة فيما تتخبّط ليبيا في مواجهة العقبات السياسية التي تعترض مجهود بناء الدولة. فإعادة الإعمار السياسي مهمة من أجل استتباب الأمن في البلاد تماماً بقدر إصلاح القطاع الأمني.

جذور المشكلة

طارق المجريسي


طارق المجريسي، محلّل مستقل مقيم في لندن متخصّص في السياسة والحكم في ليبيا والعالم العربي.

قد يبدو وضع استراتيجية للتخفيف من حدّة المشاكل الأمنية الكثيرة التي تعاني منها ليبيا، مهمة شاقّة، فما بالكم بالعمل على حلّها. إلا أن تسليط الضوء على الظروف التي أدّت إلى انطلاق هذه النزاعات يمكن أن يساعد المجتمع الدولي على تحديد طرق لمعالجة المشاكل البنيوية التي تقف خلف الفلتان الأمني المستشري في ليبيا.

تلقي مسألتان بارزتان في ليبيا - انعدام الأمن في الجنوب مع حدوده المستباحة، والحصار المفروض على محطات النفط الشرقية - الضوء على الأساس المشترك للفلتان الأمني الذي تعاني منه البلاد حالياً. تطالب المجموعات الجنوبية في شكل أساسي بالتزامات ملموسة بإنماء مناطقها وبتمثيل أكبر في وضع السياسة المحلية وتطبيقها. أما المسألة الشرقية فتحرّكها مجموعتان: من يطالبون بقيام اتحاد فدرالي في الشرق، ظناً منهم أنه يضمن الاستقرار المادي في المستقبل، ومن يدّعون أن السلطات الانتقالية تتعمّد، لدوافع جرمية مشبوهة، التضليل في التقارير التي تضعها عن مبيعات النفط. 

نظراً إلى التجارب القاسية التي عاشتها ليبيا في الماضي القريب، ينظر الليبيون إلى المرحلة الانتقالية بأنها إعادة تموضع سياسي حيث لاغالب ولامغلوب، ويتعيّن على كل منطقة ومجموعة أن تفرض نفسها للحصول على حقوقها الإنمائية. وقد تعزّزت هذه النظرة بفعل ممارسات صانعي السياسات في طرابلس الذين فشلوا على الدوام في اتباع مقاربة شاملة وشفافة وفاعلة. السبب الذي يقف وراء النزاعات في الشرق والجنوب هو افتقار السلطات الليبية إلى الدبلوماسية الحقيقية واعتمادها على المخططات المدمّرة.

وقد ولّد انعدام المبادرات الدبلوماسية الموجّهة من السلطات المركزية، وعدم وجود منتديات موثوقة للتوسّط في النزاعات، وغياب الآليات التي تتيح للرأي العام التأثير في السياسات، مناخاً من البارانويا، الأمر الذي شجّع بدوره على انتشار الأمن الذاتي لمكافحة الإجرام وتسوية النزاعات، ودفَع كل مجموعة نحو السعي إلى انتزاع حقوقها بنفسها. وفي هذا الإطار، يرتدي الدعم الدولي لمساعدة ليبيا على استبدال الهيكليات السياسية القائمة، أهمية بالغة لمعالجة الفلتان الأمني في البلاد.

يمكن أن يركّز هذا الدعم على تسوية المشاكل بمشاركة الجميع، وتوليد مناخ سياسي جامع، والمباشرة بتدريب السياسيين الليبيين على أساليب الحكم التمثيلية والشفّافة. والطريقة الأكثر فاعلية لتحفيز هذه التغييرات هي من خلال إطلاق ودعم مبادرات تهدف إلى: تعزيز سيادة القانون وممارسات الحكم الشفافة والجامعة، وإرساء نظم انتقالية للتوسط في النزاعات. لاتشكّل هذه المقاربة الحل الأكثر شمولاً وحسب، إنما أيضاً الأكثر استدامة للمشاكل الأمنية التي تعاني منها ليبيا.

عن المؤلف

نقاش نقاش صدى

نقاش نقاش صدى
الأمنسياسة الدفاع الأميركيةشمال أفريقياليبيا

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Carnegie China

  • تعليق
    ما تعنيه الحرب الروسية في أوكرانيا لمنطقة الشرق الأوسط

    تتعلق المسألة بإدارة أسعار النفط، وأسعار الخبز، والشراكات الاستراتيجية.

      • +8

      عمرو حمزاوي, كريم سجادبور, آرون ديفيد ميلر, …

  • أوراق بحثية
    طائفية تنظيم الدولة الإسلامية: الجذور الإيديولوجية والسياق السياسي

    إيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية متعدّدة الوجوه ولايمكن أن تُعزى إلى فرد واحد أو حركة أو حقبة واحدة. وبالتالي، يُعدّ فهمُها أمراً ضرورياً لإلحاق الهزيمة بالتنظيم.

      حسن حسن

  • مقالة
    السياسة الخارجية الأميركية في عالمٍ أكثر صعوبةً واضطراباً

    جيسيكا تاكمان ماثيوز ستتنحّى عن رئاسة مؤسسة كارنيغي في العام 2015. في هذا المقال، تتأمل ماثيوز التطورات الجيو-سياسية المحيّرة التي تعمل في إطارها كارنيغي هذه الأيام، وماقد يحمله العام 2015.

  • مقالة
    تجاوز الخطاب الصيني الواثق بشأن سورية

    تبدو الصين ثابتة على غير العادة في سياستها المتمثلة في عدم التدخّل في الصراع السوري. ولكن، هل سيكون الخطاب القوي واستخدام حق النقض (الفيتو) كافيَين؟

  • تعليق
    موقف الصين حيال سوريا

    على الرغم من أن بيجينغ لزمت الحياد الحذر في مايتعلّق بالمنطقة، إلا أن موقفها الحالي يعكس انزعاجها المتزايد مما تعتبره سياسةً أميركيةً هدفها سدّ الطريق أمام وصولها إلى مصادر الطاقة في الشرق الأوسط.

      يزيد صايغ

Carnegie Endowment for International Peace
0