تتعلق المسألة بإدارة أسعار النفط، وأسعار الخبز، والشراكات الاستراتيجية.
- +8
عمرو حمزاوي, كريم سجادبور, آرون ديفيد ميلر, …
المصدر: Getty
ينبغي على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إعادة تقييم نهجها في البلاد، بحيث يصبح تحقيق توافق فعلي بين الأطراف المتناحرة الهدف النهائي للأزمة السياسية، بدلًا من الاكتفاء بعملية إجرائية شكلية تعرقل المسار التفاوضي عند كل منعطف.
ثريا راهم هي باحثة في طور إعداد أطروحة الدكتوراه في جامعة تور الفرنسية، وتعمل ضمن فريق العالم العربي والمتوسط في الجامعة نفسها، كما يجمعها تعاون بحثي مع مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية في القاهرة. تركّز أبحاثها على العلاقات المترابطة بين العوامل الإقليمية والعابرة للحدود وتأثيراتها على مسار التغيير السياسي في ليبيا منذ العام 2011.
في 21 آب/أغسطس الماضي، قدّمت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والممثلة الخاصة للأمين العام في البلاد، هانا تيتيه، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، عرضت خلالها خريطة طريق جديدة تهدف إلى كسر الجمود السياسي القائم منذ سنوات. وركّزت هذه المبادرة الأممية الجديدة على فتح المجال أمام إجراء انتخابات وطنية مؤجّلة وتجديد شرعية مؤسسات البلاد بهدف تهيئة الظروف لبناء دولة ليبية موحّدة. لكن من المرجّح أن تواجه هذه الخطة المصير نفسه الذي آلت إليه المبادرات السابقة، التي ركّزت جميعها على وضع آلياتٍ لتقاسم السلطة، في محاولةٍ لحلّ الصراعات بين الفصائل الليبية. ويُفترَض لخريطة الطريق أن تضمن لكلّ طرفٍ سياسي أو أمني تمثيلًا في هياكل السلطة الرئيسة، لتضع حدًّا لحالة الانقسام في البلاد، إلّا أن نموذج المحاصصة التوافقية المُعتمَد لتشكيل حكومة انتقالية قائمة على تقاسم السلطة يُفضي عمليًا إلى منح النخب السياسية المشارِكة فيها القدرة على تعطيل معظم القرارات الأساسية، ما يؤجّج الانقسامات ويفاقم الفساد، ويقوّض عملية الانتقال الديمقراطي.
واقع الحال أن المبادرات المختلفة التي أطلقتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تسلّط الضوء على أوجه القصور التي تعتري نهج تقاسم السلطة، على الأقل حين يبقى محصورًا في النخب. لذا، حان الوقت لإعادة النظر في إطار العمل الحالي. فبدلًا من التركيز على جمع الأطراف الرئيسة معًًا حول منظومة هشّة من التفاهمات التي يُعاد التفاوض بشأنها باستمرار، ينبغي على بعثة الأمم المتحدة إعادة تقييم نهجها، ليصبح التوافق هو الهدف النهائي، لا أن يكون إجراءً شكليًا يتكرّر عند كلّ منعطف. ومن أجل تجنّب الجمود السياسي المتكرّر، ومواجهة التحديات الهيكلية والسياقية القائمة، يتعيّن على البعثة الأممية الدفع نحو أُطر وساطة تتجاوز منطق المساومات بين النخب. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق إدارة العامل الزمني، نظرًا إلى أهمية المهل الزمنية في أي عملية؛ وتهيئة ظروف النضج اللازمة، لضمان عدم اقتراح أي تسوية نهائية قبل أن تكون جميع الأطراف مستعدة لها؛ واغتنام كل الفرص الكبرى المتاحة لحلّ الصراع في البلاد.
طوال عقدٍ كامل تقريبًا، شهدت ليبيا انقسامًا مؤسسيًا عميقًا بين حكومة تقوم بمهام السلطة التنفيذية ومقرّها طرابلس، ومجلس النواب الذي يتولى مهام السلطة التشريعية ومقرّه طبرق. وقد رسّخ انقسام السلطة هذا أزمة الشرعية، ما أعاق عملية إعادة بناء الدولة وتوحيد البلاد. ومع أن المؤسّستَين تحظيان باعتراف دولي، حجب مجلس النواب الثقة عن حكومات متعاقبة في طرابلس، ومنح الثقة بدلًا من ذلك لهيئات بديلة عيّن هو أعضاءها. ونتيجةً لكثرة الجماعات المسلحة - التي يعمل بعضُها بالوكالة عن قوى خارجية - وسيطرتها على الأراضي، أصبحت النخب الحاكمة تعتمد عليها. وفيما اضطرّت الحكومات المتعاقبة في طرابلس إلى خوض مفاوضات على السلطة مع الميليشيات المتواجدة في العاصمة الليبية، تحالف مجلس النواب مع الجيش الوطني الليبي المُعلن ذاتيًا بقيادة المشير خليفة حفتر.
منذ العام 2015، أبدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تفضيلها لنهج تقاسم السلطة كوسيلةٍ للتوفيق بين الطرفَين، ودفعت باتجاه تشكيل حكومة انتقالية من شأنها توحيد البلاد وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة. لكن التمعّن في الاتفاقات الرئيسة التي تم توقيعها تحت رعاية البعثة الأممية، سواء الاتفاق السياسي الليبي (أو اتفاق الصخيرات) في العام 2015 أو ملتقى الحوار السياسي الليبي في العام 2020، يكشف أن هذا النهج القائم على التوافق انطوى على ثغرات منذ بدايته.
استنادًا إلى الاتفاق السياسي الليبي، تم تأسيس المجلس الرئاسي الليبي، الذي يتكوّن من ثلاثة أعضاء يمثّلون الأقاليم الليبية الثلاثة الرئيسة، وهي: طرابلس (المنطقة الغربية)، وبرقة (المنطقة الشرقية)، وفزان (المنطقة الجنوبية). وبموجب هذا الاتفاق، أُوكل إلى المجلس مهمة تشكيل حكومة الوفاق الوطني. ومع أن مجلس النواب قام بإيفاد ممثّلين عنه للمشاركة في المفاوضات، فإنه رفض في نهاية المطاف منح الثقة لهذه الحكومة الجديدة، بسبب تحفّظات على أحكام متعلقة بتوزيع السلطات، وعلى عددٍ من القضايا المرتبطة بالشأن العسكري. علاوةً على ذلك، انهار التوافق بشأن تركيبة المجلس الرئاسي، إذ سعت أطرافٌ مختلفة إلى تأمين تمثيلٍ لها ضمن نموذج تقاسم السلطة. فكان أن أدّى التنافس بين النخب إلى إضعاف المجلس الرئاسي، ولم يعد يمثّل بصورة متوازنة الأقاليم الليبية الثلاثة، على الرغم من قرار توسيعه ليضمّ تسعة أعضاء.
أسفر تدويل الصراع الليبي عن انخراط مجموعة فاغنر – وهي شركة عسكرية روسية خاصة على ارتباط وثيق بالحكومة الروسية، نشطت بين العامَين 2014 و2023 - في القتال إلى جانب وحدات الجيش الوطني الليبي، فضلًا عن إرسال قوات تركية لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس. وفي العام 2020، أطلقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهود وساطة "من الخارج إلى الداخل" في إطار مسار برلين، وهي سلسلة مبادرات دبلوماسية هدفت إلى إعادة إحياء الحوار الليبي-الليبي. ومن خلال إشراك قوى خارجية في مساعي الوساطة وتسوية النزاع، أتاح مسار برلين التوصّل إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام. وللمفارقة، أدّى بقاء القوات الأجنبية في ليبيا إلى ضمان تحقيق توازن القوى بين النخب الليبية، ما أسهم في تكريس وضعٍ قائمٍ مقبول في البلاد.
عَقب وقف إطلاق النار في العام 2020، أطلقت بعثة الأمم المتحدة للدعم ملتقى الحوار السياسي الليبي باعتباره آلية وساطة أكثر شمولًا لمختلف القوى. وقد جمع الملتقى أعضاء من المؤسسات المتنافسة الرئيسة، والأهم أنه حرص على إشراك شرائح واسعة من المجتمع الليبي، بما في ذلك النساء والشباب وممثلي المجتمع المدني والأحزاب السياسية، بهدف تعزيز شرعية العملية. في غضون ذلك، أُجريت مشاورات وأُطلقت مبادرات تتناول القضايا الأمنية والاقتصادية، استكمالًا للمسار السياسي. وفي ختام هذه المشاورات، انتخب الأعضاء الخمسة والسبعون في ملتقى الحوار السياسي الليبي مجلسًا رئاسيًا جديدًا مؤلفًا من ثلاثة أعضاء يمثّلون الأقاليم الثلاثة (عضوٌ عن كلٍّ من طرابلس وبرقة وفزان)، ورئيسًا للوزراء يتولّى قيادة البلاد تحضيرًا لإجراء الانتخابات.
لكن حكومة الوحدة الوطنية التي تشكّلت في طرابلس لاحقًا في آذار/مارس 2021 لم تنجح في تجاوز النهج القائم على الصفقات بين النخب ولا في التصدّي لمشكلة الفساد المتجذّر. كذلك، فشلت في تسوية القضايا الخلافية التي استخدمتها الأطراف "المُعرقِلة" المحلية والخارجية ذريعةً لمنع إحداث التغيير. وقد أتاح استمرار الخلافات حول القوانين الانتخابية، ومعايير أهلية الترشّح للانتخابات، والتعديلات الدستورية، للقوى المهيمنة بالحفاظ على امتيازاتها، ومنع بروز شخصيات سياسية جديدة وتنفيذ الإصلاحات، فضلًا عن تعطيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي كانت بعثة الأمم المتحدة للدعم قد حدّدت موعدها في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021. وهكذا، عوضًا عن التوصّل إلى اتفاقٍ مستدام بين النخب، كما كان متوخّى في إطار تقاسم السلطة، باتت المساومات بين هذه النخب هي القاعدة السائدة.
كثيرًا ما اعتُبر أن المبادرات المختلفة التي اقترحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لم تحقّق أهدافها المرجوّة على المدى القصير، إلا أنها ساهمت في إتاحة المساحة المطلوبة للحوار، وأرست أُطرًا منهجية ما زالت تتيح فسحةً من الأمل بإمكانية حلحلة المسار السياسي في ليبيا. لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الوضوح بشأن استدامة هذه المبادرات على المديَين المتوسط والبعيد. وفي ضوء هذا التحدّي، يجب على جهود الوساطة أن توظّف ثلاث أدوات استراتيجية لتعزيز استدامة أي خريطة طريق مقترحة، وهذه الأدوات هي: إدارة العامل الزمني، وتهيئة ظروف النضج، واغتنام الفرص المتاحة.
تُعدّ مسألة العامل الزمني عنصرًا أساسيًا في نجاح جهود الوساطة السياسية التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. وقد مالت البعثة تاريخيًا إلى اعتماد جداول زمنية ضيفة لتنفيذ مبادراتها، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى المدة الزمنية المحدودة لولاية البعثة. فعلى سبيل المثال، جدّد مجلس الأمن في تشرين الأول/أكتوبر 2025 ولايتها لمدة عام واحد بموجب القرار رقم 2796. وفيما يمكن لهذه الأُطر الزمنية الضيقة أن تحدّ من بعض مظاهر التعطيل، بما في ذلك محاولات الأطراف "المُعرقِلة" تقويض عملية الانتقال السياسي، فإنها تنطوي في المقابل على خطر تكريس نهجٍ لإدارة الأزمات على المدى القصير، يعطي الأولوية للتهدئة وتحقيق الاستقرار بدلًا من السعي للتوصّل إلى حل سياسي طويل الأمد.
تهدف خريطة الطريق الأخيرة التي طرحتها بعثة الأمم المتحدة إلى توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات وطنية خلال فترة تتراوح بين اثني عشر وثمانية عشر شهرًا. لكن التجربة الليبية تُظهر أن الأُطر الزمنية الضيقة غالبًا ما تكون غير واقعية، ويجري تجاوزها في الكثير من الأحيان بسبب الخلافات المستمرة، وغموض نصوص الاتفاقات، وتضارب المصالح بسبب طبيعة ترتيبات تقاسم السلطة. وفي المحصّلة، يؤدّي عدم الالتزام بالجداول الزمنية إلى تقويض شرعية المؤسسات خلال المرحلة الانتقالية، ويؤجّج الاتهامات بافتقارها إلى الشرعية. وفي ظلّ هذا المأزق، يبدو من الحكمة تعديل الإطار الزمني الخاص بهذه العملية، لصالح اعتماد نهج تدريجي وطويل الأمد في إبرام الاتفاقات.
ومن شأن تعديل المسار عبر اعتماد هذا النهج للعملية السياسية أن يمكّن مختلف الأطراف المعنيّة من تعزيز الثقة المتبادلة بين بعضها البعض، وكذلك الثقة في منظومة تقاسم السلطة نفسها، ما يسمح بتوسيع نطاق الإشراف على الإصلاحات. وقد تشمل هذه الأخيرة عملية التحوّل إلى اللامركزية، التي أشار إليها عددٌ من الباحثين بوصفها خيارًا ناجحًا في ليبيا، نظرًا لما تتيحه من تمثيل أدق للواقع المحلي. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من تعثّر الدولة في أداء عددٍ من مهامها منذ العام 2011، أظهرت البلديات في أكثر من مناسبة قدرتها على إرساء الأمن، والحفاظ على وقف إطلاق النار، وتنظيم الانتخابات، وتوفير بعض الخدمات للسكان. ومن منظور اقتصادي، تقتضي الحاجة النظر في تنفيذ إصلاحات ترمي إلى إعادة توزيع عائدات النفط والغاز، ما من شأنه أن يسهم في تحقيق توزيعٍ أكثر عدلًا للثروة، ويوطّد أُسس الحوكمة المحلية على المدى البعيد.
يُظهر التعثّر المتكرّر لعمليات الانتقال الديمقراطي في ليبيا، ولا سيما انهيار التفاهمات بين النخب، أن الاتفاقات الشاملة غالبًا ما تُطرح من دون أن تُمنَح الوقت الكافي لتنضج. مع ذلك، يُعدّ نضج ظروف المبادرات عنصرًا أساسيًا لنجاحها. وعلى حدّ تعبير الباحث الأميركي البارز ويليام زارتمان، المتخصّص في حلّ النزاعات، فإن الجهة الوسيطة في أي صراعٍ يجب أن تحرص على تهيئة الظروف المؤاتية لنضج أي تسوية مقترحة. وفي السياق الليبي، تقع هذه المسؤولية على عاتق بعثة الأمم المتحدة للدعم، عبر إنشاء إطار عملٍ مُحكم لأي خريطة طريق أو اتفاقية، ما من شأنه إفساح المجال لإجراء حوارٍ فعلي بين الأطراف المتناحرة، والأهم، حلّ أي التباسٍ بشكلٍ كلّي أو على الأقل جزئي.
يُعدّ استئناف المشاورات داخل لجنة 6+6 المشتركة خطوةً في الاتجاه الصحيح، وتضمّ هذه اللجنة أعضاء من مجلس النواب ومن منافسه الذي يطالب بدور الغرفة العليا في الهيكل التشريعي الليبي، أي المجلس الأعلى للدولة. وقد كُلّفت هذه اللجنة بالتوصّل إلى اتفاق بشأن تعديل الإطار الدستوري والقانوني تمهيدًا لإجراء انتخابات شاملة، بدعمٍ من التوصيات والإشراف المشترك للّجنة الاستشارية المكوّنة من عشرين شخصية ليبية من ذوي الخبرة في المجالات السياسية والدستورية والقانونية والانتخابية، وذلك بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2755 للعام 2024. ويقتضي هذا الإطار أن يعمل أعضاء اللجنتَين معًا على الجوانب التقنية المتعلقة بالدستور والانتخابات. لكن التوصّل إلى تسويات راسخة يتطلّب وقتًا، وما زال أعضاء لجنة 6+6 يواجهون صعوبةً في إنجاز مهمتهم.
ولكي يبلغ أي إطارٍ درجة كافية من النضج، يجب أن يعمل على إشراك شريحة واسعة من المجتمع الليبي، ما من شأنه ضمان مفاوضات أكثر شفافيةً وتمثيلًا، وتحقيق الانفتاح السياسي، والحدّ من إقصاء الأقليات. وفي هذا السياق، تعتزم رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا استئناف المبادرات الشاملة للجميع التي سبق أن أُطلقت سابقًا في إطار الحوار الوطني الجاري وملتقى الحوار السياسي الليبي، وتعزيزها من خلال اقتراح إنشاء منصة الحوار المُهيكل. ويُراد من هذا الحوار أن يضمّ خبراء وفنّيين من المجتمع المدني والبلديات والأحزاب السياسية والأجهزة الأمنية، مع الحرص على إشراك النساء ومختلف المكوّنات الجغرافية والثقافية في العملية.
وانطلاقًا من الهدف الأساسي المتمثّل في بناء توافق وطني حول رؤية وطنية موحّدة والإشراف على العملية الدستورية، قد تسهم مبادرة الحوار المُهيكل في الحدّ ممّا يُنظَر إليه على أنه قدرة النخب على التحكّم بالسلطة وصنع الملوك. فمن جهة، إن إشراك ممثّلين عن المجتمع المدني في الهيئات المستقبلية من شأنه أن يسهّل عملية التجديد الدوري للنخب والتداول على السلطة قبل كل استحقاق انتخابي. ومن جهة أخرى، سيسهم ذلك في نقل جزءٍ من الصلاحيات في بعض القضايا إلى أفراد ومجموعات من منظمات المجتمع المدني المحلي خارج الأُطر النخبوية. ويمكن أن يشكّل ذلك ثقلًا موازنًا في وجه الترتيبات التقليدية السائدة بين النخب، والتي تحصر الوصول إلى السلطة بمن هم داخل الدوائر النخبوية فحسب.
واجهت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، منذ نشأتها، معوّقات مستمرة نتيجة التدخلات الخارجية التي زاحمت مهمّتها وأسهمت في تقويضها. وعلى الرغم من مساعي ممثّلي البعثة لتقديم التماس إلى مجلس الأمن من أجل فرض عقوبات على الجهات الليبية أو الأجنبية التي تعرقل سير العملية، تبقى فاعلية أيٍّ من هذه الإجراءات المقترحة غير مؤكّدة بسبب الانقسامات البنيوية والمصالح المتضاربة داخل مجلس الأمن بشأن الملف الليبي. تتناول ستيفاني ويليامز، في خاتمة كتابها الذي يتحدّث عن سنوات عملها حين كانت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التحوّلات العميقة التي تشهدها راهنًا عمليات إحلال السلام: "هل ستتولّى مفاوضاتِ حلّ النزاع المنظماتُ الإقليمية المعنية، أم الدولُ الأعضاء المهتمّة كلٌّ على حدة؟ أو ستتولّى هذه المهمة منظمات خاصة منخرطة في جهود الوساطة؟ أم ثمّة صيغٌ أخرى يمكن اتّباعها؟" ومن أجل تعديل المسار، ترى ويليامز أن على وسطاء الأمم المتحدة الاضطلاع بدور "قائد الأوركسترا" الذي يحدّد الإطار العام ويقود العملية، بدلًا من الاكتفاء بدور "العازف المنفرد" الذي يشارك في توجيه العملية من الخلفية.
فيما من الضروري الإبقاء على نهجٍ تفاوضي متعدّد الأطراف في المفاوضات الرامية إلى حلّ النزاع، يمكن لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الاستفادة من الفرص التي تتيحها الطموحات الاستراتيجية لبعض الأطراف الخارجية. فهذه الطموحات قد تحفّز تلك الأطراف على العمل معًا لحلّ النزاع في البلاد. نذكر على سبيل المثال توصُّل حكومة الوحدة الوطنية، وجهاز الردع الذي يسيطر على مطار معيتيقة، إلى اتفاق أنهى حالة التوتر داخل العاصمة طرابلس في أيلول/سبتمبر 2025. فقد أظهر الدعم التركي للاتفاق كيف يمكن للمصالح الاقتصادية والأمنية الخارجية أن تشجّع على فتح قنوات وساطة جديدة، بالتوازي مع المساعي التقليدية.
إن رغبة الولايات المتحدة في الاضطلاع بدورٍ أكثر فعاليةً لحلّ الصراع الليبي قد تؤدّي دورًا بنّاءً على نحو مماثل. وتجلّى ذلك من خلال اللقاء الذي عُقد في روما في أيلول/سبتمبر 2025، وجمع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، ومسؤولَين بارزَين يمثّلان المعسكرَين المتناحرَين في شرق ليبيا وغربها. وبحسب ما أُفيد، ركّز هذا اللقاء على كيفية اعتماد ميزانية عامة موحّدة بين الحكومتَين اللتَين تتنازعان الشرعية بهدف تعزيز انفتاح البلاد على الفرص التجارية.
وقد تتيح مبادرة أميركية أخرى تهدف إلى الجمع بين وحداتٍ من القوات المسلحة الليبية المنقسمة بين شرق البلاد وغربها - في إطار تمرين "فلينتلوك" التدريبي السنوي لقوات العمليات الخاصة، الذي تنظمه القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) - فرصةً إضافية لحلّ النزاع. وبدلًا من التنافس مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، يمكن تنفيذ هذه المبادرة بالتنسيق مع مساعي البعثة الرامية إلى تشكيل فريق تنسيق فنّي مشترك يجمع مجموعات أمنية من الشرق والغرب ضمن مناورات مشتركة. وإذا ما انخرطت الأطراف الليبية الفاعلة في مبادرات تتيح لهم الاضطلاع بأدوارٍ مؤسّسية معترفٍ بها لدى الوسطاء والشركاء الدوليين، قد تجد أن من مصلحتها وضع حدٍّ للنزاعات المتعدّدة بين فصائلها.
تُبدي الأطراف الخارجية، ولا سيما تلك المعنيّة بالشأن الليبي، ميلًا إلى تأدية دور "صانعة الصفقات" في ليبيا. ويمكن لهذا التوجّه، إذا أحسنت بعثة الأمم المتحدة توظيفه، أن يُسهم في حلّ النزاع. لكن من الضروري ألّا تُمنح هذه القوى الخارجية تفويضًا مطلقًا أو "شيكًا على بياض"؛ بل ينبغي على البعثة الأممية والجهات الفاعلة الليبية تحديد سقف صلاحيات هذه الأطراف. وإلّا، كما أظهر مسار الوساطة مع الفلسطينيين في غزة، فقد يسفر تنامي دور القوى الخارجية إلى التغاضي عن هواجس السكان المحليين وتطلّعاتهم.
ليس من الصعب تخيّل الشكل الذي يمكن أن يتّخذه هذا السيناريو في السياق الليبي. فإذا تُركت للقوى الإقليمية والدولية حرية التصرّف في البلاد من دون ضوابط، فقد تعمَد إلى إبرام تفاهمات في ما بينها عبر صفقات قصيرة الأمد، تقوم على اعتباراتٍ تجارية أكثر منها سياسية، لا بل على اعتبارات تجارية تخدم مصالحها الخاصة. وفي مثل هذا السيناريو، ستبقى جذور النزاع الليبي من دون معالجة. وينبغي على بعثة الأمم المتحدة أن تدرك هذه الحقيقة. فلتفادي تهميش المواطنين الليبيين على أيدي القوى الخارجية والنخب المحلية التي تدور في فلكها، على البعثة الأممية إشراك الأطراف الخارجية النافذة ضمن إطار الوساطة، إنما مع الحرص على عدم تسليمها زمام العملية.
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
تتعلق المسألة بإدارة أسعار النفط، وأسعار الخبز، والشراكات الاستراتيجية.
عمرو حمزاوي, كريم سجادبور, آرون ديفيد ميلر, …
إيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية متعدّدة الوجوه ولايمكن أن تُعزى إلى فرد واحد أو حركة أو حقبة واحدة. وبالتالي، يُعدّ فهمُها أمراً ضرورياً لإلحاق الهزيمة بالتنظيم.
حسن حسن