Carnegie Endowment for International PeaceCarnegie Endowment for International Peace
  • تبرع
{
  "authors": [
    "نقاش صدى"
  ],
  "type": "commentary",
  "centerAffiliationAll": "",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace"
  ],
  "collections": [
    "التغيير في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا"
  ],
  "englishNewsletterAll": "",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "Carnegie Endowment for International Peace",
  "programAffiliation": "",
  "programs": [],
  "projects": [
    "مرصد تونس"
  ],
  "regions": [
    "شمال أفريقيا",
    "تونس"
  ],
  "topics": [
    "دعم الديمقراطية",
    "الأمن"
  ]
}

المصدر: Getty

تعليق

هل تهدّد التحديات الأمنية العملية الانتقالية في تونس؟

هل تستطيع تونس مكافحة الإرهاب من دون اللجوء إلى ممارسات استبدادية؟ يُبدي أربعة خبراء آراءهم عن تحدّيات الأمن الملحة ومدى استعداد البلاد لمعالجتها.

Link Copied
بواسطة نقاش صدى
منشئ 1 مايو 2015
Project hero Image

المشروع

مرصد تونس

مرصد تونس مشروع لمركز كارنيغي يتتبع حالة الانتقال الديموقراطي للبلاد في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية. ويقدم هذا المشروع تحليلاً فريداً وتوصيات سياسية أعدتها شبكة من المساهمين التونسيين وخبراء كارنيغي، بهدف إعلام صُنّاع القرار في تونس وأوروبا والولايات المتحدة. ويدعم هذا المسعى منحة من أوبن سوساييتي فاونديشن.

تعرف على المزيد

إبان هجمات باردو التي أسفرت عن مقتل 22 شخصاً في 18 آذار/مارس الماضي، تجدّد السجال في تونس حول السبيل لمواجهة الإرهاب في البلاد. على الرغم من أن الجهود الهادفة إلى إقرار قانون جديد لمكافحة الإرهاب تحظى بدعم واسع، تستمر المخاوف من أن يؤدّي التشدّد في فرض الضوابط والقيود إلى تعزيز العودة إلى الحكم السلطوي كما كان الحال في عهد بن علي. هل تستطيع تونس مكافحة الإرهاب من دون اللجوء إلى ممارسات استبدادية؟ وكيف لصنّاع القرار أن يضعوا خلافاتهم السياسية جانباً لإعداد استراتيجيات فعالة من أجل ضمان الأمن في تونس في المدى الطويل؟

يُبدي أربعة خبراء آراءهم عن تحدّيات الأمن الملحة ومدى استعداد البلاد لمعالجتها. ندعوكم للانضمام إلى النقاش عبر مشاركتنا آراءكم في قسم التعليقات.

إرساء توازن بين الأمن والديمقراطية

دنكان بيكارد

دنكان بيكارد، زميل غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط وطالب قانون في جامعة ستانفورد.

الهجوم الإرهابي على متحف باردو لم يحدث من العدم. تحاول القوى الأمنية التونسية اجتثاث الخلايا الإرهابية في مختلف أنحاء البلاد منذ سنوات عدة، آخرها الحملة التي تشنّها في جبل الشعانبي. ربما تمثّل المعركة التي تخوضها تونس مع الجهادية العنيفة، التهديد الأكبر للعملية الانتقالية الهشة التي تشهدها البلاد في مسارها نحو الديمقراطية. من شأن تهديد العنف أن يُقنع المسؤولين في الحكومة والرأي العام بتفضيل الأمن على الديمقراطية، وليس أكيداً أن الحكومة الجديدة ستتمكّن من إرساء توازن بين الاثنَين.

بدأت الإدارة الحالية تقويض بعض الحمايات التي تؤمّن توازن القوى الذي نص عليه الدستور. انتُخِب الباجي قائد السبسي رئيساً للبلاد بعدما تبنّت حملته النموذج التنفيذي القوي الذي طبّقه الحبيب بورقيبة في مواجهة تصاعد التهديدات الأمنية الداخلية والإقليمية. يحاول الدستور إرساء توازن في السلطة التنفيذية من خلال ثنائية الحكم، حيث تُوزَّع المسؤوليات بين الرئيس المنتخب ورئيس الوزراء الذي يختاره البرلمان. لكن في الواقع، أرجأ البرلمان الذي يسيطر عليه أيضاً حزب السبسي، اختيار رئيس الوزراء إلى مابعد الانتخابات الرئاسية، ماأتاح للسبسي أن يختار بنفسه رئيس الوزراء. ويُفترَض أيضاً بأن تتولّى محكمة دستورية جديدة ومجلس لحقوق الإنسان الرقابة على السلطة التنفيذية، لكنهما لن يباشرا العمل قبل نهاية العام الجاري على أبعد تقدير. ويُتيح النظام الدستوري الجديد، في شكل خاص، توسيع السلطة التنفيذية مجدداً، نظراً إلى إرث البلاد القائم على سلطة تنفيذية مركزية (ساهم السبسي في إنشائها)، وضعف المؤسسات السياسية الجديدة التي يُفترَض بها ممارسة الرقابة على تلك السلطة، وواقع التهديد الجهادي.

لايعني ذلك أن الدستور ليس فعالاً في ضبط السلطة التنفيذية. واقع الحال هو أن الدستور يمنح دوراً قوياً لمجلس النواب والأحزاب المعارضة. لقد انضمت حركة النهضة الإسلامية التي كانت تتولّى الحكم خلال عملية وضع الدستور، إلى الحكومة (ولو من خلال منصب وزاري واحد وقليل الشأن). يحمي الدستور أيضاً الحقوق السياسية، ولايُجيز سوى للحكومة الحد من تلك الحقوق في ظل بعض الظروف. على سبيل المثال، أسقطت لجنة مؤقتة مؤلفة من حقوقيين وقانونيين تنظر في مطابقة مشاريع القوانين لأحكام الدستور، مشروع قانون اعتبرت أنه ينتهك حقوق الملكية. وقد أثار رأي اللجنة حواراً بين السلطتَين التنفيذية والتشريعية حول كيفية إقرار قانون جديد ضمن المعايير الدستورية.

بيد أن صلاحيات اللجنة المؤقتة تقتصر فقط على مشاريع القوانين، ولاتشمل القرارات الإدارية. يكمن الخطر في السوابق التي يتم إرساؤها في مجال تطبيق الدستور، نظراً إلى أن تونس تتعرض حالياً لتهديد جهادي حقيقي، ويقودها رئيس يطمح إلى توسيع السلطة التنفيذية. 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

عودة دولة الأمن القومي في تونس؟

كورينا مولين

كورينا مولين أستاذة مساعدة زائرة في مادة العلاقات الدولية في جامعة تونس، وباحثة مشاركة في كلية الدراسات المشرقية والأفريقية. 

على الرغم من إجراء جولتين انتخابتين ناجحتين إلى حد كبير، وإقرار دستور حظي بثناء واسع، وفتح الساحتَين السياسية والعامة أمام مشاركة شرائح أوسع من المجتمع التونسي، لايزال "الانتقال الديمقراطي" في تونس موضع سجال. لقد دفعت العودة الظاهرية لدولة الأمن القومي بعدد كبير من المحللين إلى الاستنتاج بأن النضال من أجل الحقوق والعدالة مستمر.

والجانب الأبرز في هذا المجال هو بقاء إطار العمل القانوني-المؤسسي على حاله، والذي لطالما أتاح استخدام القانون أداة للسلطة، والتركيز على الخطاب الأمني الذي يتم من خلاله تأكيد شرعية الدولة وتطبيع العنف السياسي. وأحد الجوانب الأساسية في إطار العمل هذا قانون مكافحة الإرهاب الصادر في العام 2013. فقد تعرّض لانتقادات واسعة على خلفية تصنيفه مجموعة واسعة من الأنشطة السياسية في خانة الجرائم، لكن محاولات تعديله لجعله منسجماً مع معايير حقوق الإنسان الدولية باءت بالفشل. على الرغم من أن مشروع قانون مكافحة الإرهاب الذي تتم مناقشته حالياً في مجلس النواب التونسي قد يقدّم متنفّساً صغيراً، إلا أنه يمكن أن يتسبّب أكثر فأكثر بتقويض مجموعة من الحريات والحقوق المحميّة دولياً.

لاتزال القوانين الجزائية والعسكرية غير المعدَّلة تتيح للمسوؤلين الرسميين الإفلات من العقاب، وتجيز قانوناً مايعتبره كثرٌ قمعاً للمعارضة السياسية المشروعة. وقد انتقد الناشطون الحقوقيون مشروع القانون الذي اقتُرِح مؤخراً من أجل "حماية الشرطة والقوات المسلحة"، وسلّطوا الضوء على البنود التي من شأنها أن تفرض قيوداً شديدة على قدرة الصحافيين المستقلين والمدوّنين وسواهم على الكتابة عن ممارسات مكافحة الإرهاب وانتقادها. كما أن حرية التعبير والخصوصية تواجهان على الأرجح مزيداً من التهديد بسبب إخفاق الحكومة في وضع إطار عمل قانوني مرتكز على الدستور للاحتفاظ بالبيانات وتحديد "دور ووظيفة" وكالة الاتصالات السلكية واللاسلكية التونسية (التي غالباً ماتوصَف بأنها وكالة الأمن القومي التونسية).

غالباً مااستُعمِل الأمن القومي في تونس، كما في أجزاء كثيرة من العالم، أداةً للسيطرة الاجتماعية. ولايزال يُستخدَم ذريعةً لضبط "المجموعات الإِشكالية" بدءاً من الشباب المحرومين وصولاً إلى المجتمعات الحدودية المهملة. وغالباً مايردّد الإعلام الروايات التي تروّجها الدولة الأمنية. لايزال التعذيب وغياب الإجراءات القانونية مسائل ملحة، لاسيما في قضايا التهم الإرهابية. يخشى كثر أن تتدهور الأوضاع في أعقاب الهجمات المأسوية على متحف باردو الوطني في تونس. وقد جرى إرجاء اتخاذ أية خطوات فعلية من أجل التغيير البنيوي، وذلك بسبب تعثُّر عملية العدالة الانتقالية، ماحال دون فتح "الصندوق الأسود" لوزارة الداخلية التونسية والتدقيق فيه.

بيد أن السؤال إذا كانت المكاسب الديمقراطية التونسية هشّة جداً بحيث لايمكنها أن تصمد أمام الأجندة الحكومية الحالية لمكافحة الإرهاب يحدّ من إطار هذا النقاش. فالأسئلة الأكثر تصويباً للنقاش قد تشمل: هل النظام السياسي الحالي على قدر المثل العليا التي جرى التعبير عنها خلال الانتفاضة؟ هل يمكن تحقيق الديمقراطية بوجود قانون أمني عالمي مشدَّد القيود ونظام اقتصادي عالمي يقوِّض مساعي التغيير البنيوي في أي بلد كان؟ نظراً إلى محورية المظالم الاجتماعية والاقتصادية بالنسبة إلى الانتفاضة، هل يمكن إرساء نظام ديمقراطي يتيح إعادة توزيع السلطات والثروات كي تكتسب الحقوق المجرّدة جوهراً حقيقياً؟ هل يمكن إقامة نظام ديمقراطي حيث لايؤدّي السعي إلى فرض "الأمن" والحريات الفردية، إلى تعزيز هيكليات المواطنة أو توليد هيكليات مواطنة جديدة، بل يقود إلى تفكيكها؟

طرح هذه الأسئلة والإجابة عنها سوف يسمحان لنا بتجاوز النقاشات التي لاتزال تعرقل "الانتقال الديمقراطي" في تونس. وقد تضيء هذه الأسئلة أيضاً على أسباب تعاظم خيبة الأمل من السياسة المؤسسية في أوساط بعض الشرائح في المجتمع الونسي التي ربما ترغب في الديمقراطية ليس كغاية في ذاتها، إنما كوسيلة لبلوغ نظام سياسي أكثر عدالة. السؤال الذي يحاول كثرٌ في تونس - وأماكن أخرى في العالم - الإجابة عنه حالياً هو إذا كان تحقيق هذا النظام ممكناً أم لا في السياق الجيوسياسي والأمني القومي الحالي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

دفْع الشباب الإسلامي نحو التشدد

روري مكارثي

روري مكارثي، طالب دكتوراه في كلية سانت أنطوني في جامعة أكسفورد، ومراسل سابق لصحيفة "الغارديان" في الشرق الأوسط.

لطالما بدا أن تونس بمنأى عن خطر الجهادية المتشددة، لكن بعد أربعة أعوام على انطلاقة الربيع العربي، أصبح التهديد من العنف السلفي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لقد سعى نظام بن علي، طيلة 23 عاماً، إلى إحكام قبضته على الأنشطة الدينية كافة وتعريف مايجب أن يعنيه الإسلام بالضبط للتونسيين. وبدأت مجموعات سلفية صغيرة تظهر في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين رداً على هذا الاحتكار من قبل الدولة التونسية والهمجية التي تعرّضوا لها في السجون، وبتحفيز من أفكار الخطباء الدينيين الخليجيين التي تُبَثّ عبر القنوات الفضائية.

بعد سقوط بن علي، تقدّمت هذه المجموعات الصغيرة لملء الفراغ السياسي، مستغلّةً الشعور بالإحباط والاستياء المنتشرَين على نطاق واسع في صفوف شباب المدن المحرومين. في البداية، ركّزت مجموعات على غرار أنصار الشريعة، وهو أول تنظيم سلفي كبير رأى النور في تونس، على التبشير بالعقيدة وفرض تطبيق قوانينها الأخلاقية، وعلى الحراك الاجتماعي. وسعت إلى استقطاب الشباب التونسيين العاطلين عن العمل الذين كانوا يشعرون بالغبن الشديد من المنظومة السياسية والاقتصادية التي فضّلت دائماً النخب الساحلية. وبحث الشباب ذوو الاتجاهات الدينية عن منابر جديدة للتعبير إذ سرعان ماتملّكهم الغضب من التنازلات الاستراتيجية التي قدّمتها حركة النهضة، التيار الإسلامي الأساسي في البلاد. وفيما كانت النهضة تتخبط من أجل تجنيد أعضاء شباب جدد، كانت أعداد السلفيين في ازدياد.

وكذلك تورّطت المجموعات المتشدّدة في الإجرام، وغالباً ماانخرطت في تهريب المخدرات والسلاح، لاسيما عبر الحدود الليبية غير المضبوطة. وفيما انزلقت ليبيا نحو حالة من عدم الاستقرار، بدأت الفرق الانتهازية الجديدة تنشط أكثر فأكثر في تجارة التهريب. وبات من الأسهل على المسلّحين التدرّب في ليبيا قبل العودة إلى تونس لشنّ هجمات، وفي هذا الإطار، يُشار إلى أن القتلة في هجوم باردو تدرّبوا في الجهة الأخرى من الحدود.

في البداية، لم تدرك الحكومة الائتلافية بقيادة النهضة سريعاً فداحة المشكلة، وكانت لاتزال تعتقد أنه بإمكانها دفع المتطرفين نحو الاعتدال عبر جذبهم للانضمام إلى أسرة إسلامية كبيرة. بعد اغتيال السياسيَّين اليساريين شكري بلعيد ومحمد براهمي في العام 2013، حظرت الحكومة تنظيم أنصار الشريعة واعتقلت مئات الشبّان. لكن منذ ذلك الوقت، انقسمت الحركة الجهادية السلفية إلى عدد كبير من المجموعات الصغيرة. وفي معظم الأحيان، لم تبدِ الحكومة استعداداً للتمييز بين أولئك المنجذبين إلى التبشير غير العنيف بالسلفية الذين سعوا إلى تخيُّل رؤية دينية جديدة لتونس، والعدد الأصغر من المتشدّدين المصممين على سلوك طريق العنف.

وقد غادر نحو 3000 شاب تونسي للقتال في سورية والعراق، لاسيما مع الدولة الإسلامية، ويبدو أن مئات الآخرين توجّهوا إلى ليبيا. وداخل تونس، ازدهرت مجموعات صغيرة عدة، بما في ذلك كتيبة عقبة بن نافع في جبل الشعانبي على مقربة من الحدود مع الجزائر، والتي تسبّبت بمقتل العشرات من عناصر قوى الأمن في العديد من العمليات الصغيرة. كانت للكتيبة في البداية روابط مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ويبدو أنها مقرّبة أيضاً من الدولة الإسلامية في الوقت الحالي.

في مواجهة هذا التحدي، شنّت الحكومات المتعاقبة حملات توقيف بالجملة. ففي العام 2014، تم اعتقال مالايقل عن ألف مشتبه به، ومعظمهم ينتمون إلى خلايا صغيرة. وفي الأشهر الأولى من العام الجاري، جرى توقيف 400 شخص، بحسب رئيس الوزراء الحبيب الصيد. وأعلنت وزارة الداخلية عن تنفيذ عدد من المداهمات قُتِل فيها مشتبه بهم، على الرغم من أن هذه المداهمات أثارت أحياناً أسئلة أكثر مما قدّمت أجوبة. الشهر الماضي، أعلنت وزارة الداخلية أن القوى الأمنية قتلت رئيس كتيبة عقبة بن نافع التي ذكرت أنها مسؤولة عن هجوم باردو. لكن في اليوم التالي، تبنّت مجموعة مختلفة تطلق على نفسها اسم جند الخلافة، المسؤولية عن هجوم باردو، وأعلنت الولاء لتنظيم الدولة الإسلامية متوعِّدةً بتنفيذ مزيد من الهجمات.

لقد فضّلت كل الحكومات منذ العام 2011، الاستقرار في القطاع الأمني وقدّمته على الإصلاح. في الأسابيع الأولى التي أعقبت اندلاع الانتفاضة، حُلَّت الشرطة، لكن لاتزال البلاد تفتقر إلى الإصلاحات الراسخة والجذرية، لاسيما في وزارة الداخلية التي تعاني من نقص الشفافية. وكذلك لايزال النظام القضائي على حاله إلى حد كبير منذ عهد بن علي. ومؤخراً، تم اعتماد استراتيجيات جديدة لمكافحة الإرهاب، وجرى إنشاء قوة جديدة لهذه الغاية. وقال الرئيس الباجي قائد السبسي للتونسيين إنهم دخلوا في حرب ضد الإرهاب بعد هجوم باردو، متعهّداً: "سنقاومها إلى آخر رمق بلا شفقة وبلا رحمة". بيد أن الحكومات فضّلت التركيز على الاستقرار الأمني في خطابها بدلاً من الإقرار بالحاجة إلى حل سياسي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الكامنة خلف الأزمة الراهنة - إلى جانب الحاجة إلى وضع استراتيجية متأنّية ومحدّدة الأهداف ومستندة إلى الاستخبارات لمكافحة الإرهاب.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

الحرب الإعلامية على الإرهاب

يوسف الشريف

يوسف الشريف، مدوّن ومعلّق تونسي ومستشار في السياسة الشمال أفريقية. يمكن متابعته عبر تويتر: faiyla@

ينشط الإسلاميون المتطرفون في تونس منذ ثمانينيات القرن العشرين، وقد ازدادوا عدداً وأهمية منذ سقوط الديكتاتور السابق زين العابدين بن علي. لكن حتى العام 2015، استهدفت معظم الهجمات القوات الأمنية والعسكرية، باستثناء اغتيالَين اثنين وعمليتين انتحاريتين فاشلتين. على الرغم من ذلك، لايعرّض الإرهاب البلاد لخطر الانهيار، وليست تأثيراته على الإطلاق مشابهة لما يجري في ليبيا أو سورية أو حتى مصر.

بيد أن قراءة الصحف الكبرى أو مشاهدة المحطات التلفزيونية النافذة في البلاد يعطي فكرة مختلفة. لايمرّ أسبوع واحد منذ العام 2011 من دون أن تتطرق العناوين الرئيسة إلى الإرهاب: هجمات وشيكة، إحباط تفجير عبوات ناسفة، مخططات لاستهداف المدنيين، وإلى ماهنالك. غالباً ماكانت هذه المسائل تُربَط بالنمو في شعبية النهضة. وقد أُبقِي التونسيون في حالة من التوتّر، تحت سيطرة الخوف من عدوٍّ يتربّص بهم لكنه لم يأتِ أبداً.

وعندما ضرب الإرهاب متحف باردو في آذار/مارس 2015، لم تستطع تونس منعه. كانت واقعة مثيرة للصدمة، وقد شكّلت مفاجأة للتونسيين. يُذكّر انتظار البلاد الطويل ورد فعلها برواية دينو بوزاتي The Tartar Steppe حيث يمضى البطل، جيوفاني دروغو، حياته في قلعة ينتظر البرابرة، لكن يتبيّن أنه أضعف من أن يواجههم عندما يصبحون على الأبواب.

يعود تضخيم التهديد الإرهابي إلى واقع أن وسائل الإعلام الأساسية هي في أيدي أزلام النظام السابق أو النخبة المناهضة للإسلاميين. لدى أزلام النظام السابق مصلحة في إظهار تونس بعد سقوط بن علي بأنها ساحة من الفوضى حيث تترافق الأزمة الاقتصادية مع الانهيار الأمني. أما المجموعة الثانية فتسعى إلى التصدّي للإسلاميين في وجه ماتعتبره محاولة منهم للسيطرة على البلاد.

عندما انضم اليسار إلى النظام القديم في مواجهة الإسلاميين في أواخر الثمانينيات، أتاح ذلك لبن علي احتكار كل السلطات وحظر السياسة في المساحة العامة على امتداد عقدَين من الزمن. على الأفرقاء المعنيين في تونس أن يتذكّروا هذه الوقائع.

عبر المبالغة في تصوير التهديد الإرهابي والمساواة بين السفاحين المتشدّدين في تنظيم الدولة الإسلامية والمحافظين المعتدلين في حركة النهضة، تساهم هذه الوسائل الإعلامية في تكوين رأي عام معادٍ للديمقراطية ولوجود الإسلام السياسي. بعد أربع سنوات على انطلاقة الربيع العربي، يعتبر عدد كبير من التونسيين أن وقف صعود الإرهاب أهم من ولادة الديمقراطية.

علاوةً على ذلك، تقدّم الوسائل الإعلامية حججاً للإرهابيين يستخدمونها في حملاتهم الدعائية، مايتيح لهم تجنيد الشباب السذّج في المجتمع، وتثبيت وجودهم في البلاد. إنها حلقة مفرغة: تبالغ النخب في تصوير التهديد الذي يشكّله أعداؤها اللدودون بهدف محاربة خصومها السياسيين، مايمنح هؤلاء الأعداء وسائل لينموا ويثأروا. الإرهاب لايقتل الديمقراطية، بل إن كثرة الكلام عنه هي التي تقتل الديمقراطية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

نقاش صدى
دعم الديمقراطيةالأمنشمال أفريقياتونس

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Carnegie Europe

  • تعليق
    ديوان
    تأثير موسكو الجنوبي

    سترسم الحرب الأوكرانية معالم النفوذ الروسي في الشرق الأوسط والمتوسط وأفريقيا.

      مارك بييريني

  • تعليق
    ديوان
    هل ستبقى منطقة الشرق الأوسط صالحة للعيش؟

    تتحدث أوليفيا لازارد، في مقابلة معها، عن التأثيرات السياسية للتدهور البيئي في المنطقة.

      مايكل يونغ

  • تعليق
    القوقاز تحترق وأوروبا تُغالب

    تصل الحرب التي اندلعت بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم ناغورني قره باغ إلى مصاف كارثة إنسانية. وفشل الاتحاد الأوروبي في الاستجابة بشكل مناسب يقوّض ادّعاءه بأنه طرف استراتيجي في قارّته.

      توماس دي فال

  • تعليق
    ديوان
    القارات لاتزال مُتباعدة

    على الرغم من التعاون، لايجب توقُّع شراكة أكثر جوهرية بين الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية.

      ريتشارد يونغز

  • تعليق
    ديوان
    صديقي، عدوّي

    تُنبئ العملية العسكرية التي تخوضها تركيا في عفرين بأن العلاقات مع الولايات المتحدة ستزداد صعوبة.

      مارك بييريني

Carnegie Endowment for International Peace
0