Carnegie Endowment for International PeaceCarnegie Endowment for International Peace
{
  "authors": [
    "ناثان ج. براون"
  ],
  "type": "legacyinthemedia",
  "centerAffiliationAll": "dc",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace",
    "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
  ],
  "collections": [
    "التغيير في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا"
  ],
  "englishNewsletterAll": "menaTransitions",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
  "programAffiliation": "MEP",
  "programs": [
    "Middle East"
  ],
  "projects": [],
  "regions": [
    "شمال أفريقيا",
    "مصر"
  ],
  "topics": [
    "الإصلاح السياسي",
    "دعم الديمقراطية"
  ]
}

المصدر: Getty

في الصحافة
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

دستور السيدة لنكولن المصري

من المرجح أن يواجه المجتمع الدولي قريباً نظاماً مصريّاً يشبه النظام الحالي إلى حد كبير، لكن يقدّم واجهة ديمقراطية.

Link Copied
بواسطة ناثان ج. براون
منشئ 20 أغسطس 2013

المصدر: فورين بوليسي

عند المطالعة الأولى للخبر القصير الذي نشر في صحيفة "الشروق" رفيعة المستوى، والذي يقول إن اللجنة القضائية التي تعكف على صياغة تعديلات على دستور مصر للعام 2012 تستكمل عملها، من المرجّح أن يشعر القارئ بالارتياح لأن الخبر انطبق على المرادف المصري للسؤال الأميركي الذي يقول، "وبصرف النظر عن ذلك سيدة لنكولن، كيف أمكنك الاستمتاع بالمسرحية؟" (حين كانت السيدة لنكولن تشاهد مسرحية، تم اغتيال زوجها الرئيس لنكولن). ومع وصول عدد مَن قتلوا إلى بضعة آلاف ووجود مناخ سياسي يخوض فيه الإسلاميون وقوات الأمن معركة دموية، وفي جو عام محموم يبدو فيه الخصوم عالقين في دوامة من نظريات المؤامرة الغريبة والمستندة إلى الشيطنة؛ وتعرّض الصحافيين الأجانب إلى الإيذاء اللفظي والتحرّش وتعرّض المسيحيين لما هو أسوأ من ذلك بكثير؛ مع كل هذا، ماجدوى الحديث عن الإصلاح الدستوري؟ إن ملامح مستقبل مصر السياسي تبدو واضحة بشكل صارخ: دولة أمنية جائرة تعمل (على الأقل في المدى القصير) في جو من التأييد الشعبي المصاب بالهلع والسعار، ومعارضة إسلامية يجري تنفيذها من العملية السياسية على نحو متزايد ومستعدة لاستخدام القوة العنيفة، وصراع أهلي مستمر. لكن ماعلاقة العملية الدستورية بهذا كله؟ وهل يمكن لها أن تستمر في ظل هذه الظروف؟ وهل يمكن لدستور كتبه في العام 2012 أشخاص تتم الآن السخرية منهم بوصفهم إرهابيين أن يُعَدَّل ليفي بحاجة مصر في العام 2013؟ ألم تلغ الأحداث الأخيرة "خريطة الطريق" التي وضعها النظام الجديد لإعادة الحكم الدستوري والانتخابات؟

كلا، لم تُلغِ تلك الأحداث خريطة الطريق. فمن المرجح للعملية أن تستمر حيث لايزال المنطق السياسي الكامن وراءها قوياً جداً. والسبب هو أنها توفّر وسيلة لتجسيد وإضفاء الطابع المؤسّسي على الترتيبات السياسية الحالية. ومع أنها قد تكون مقلقة، فهي تبقى ترتيبات يبدو أن للأطراف الفاعلة المهيمنة من عسكرية وأمنية ومدنية كل المصلحة في ترسيخها. من المؤكّد أن سيكون لدى مصر دستور مرة أخرى، لكنه سيكون في المحصلة دستوراً يقنّن إرادة النظام الحالي، على غرار جميع الدساتير المصرية السابقة. وبالتالي، من المرجّح أن يواجه شركاء مصر الدوليين قريباً نظاماً يبدو أشبه بالنظام الحالي ولكنه قادر على تقديمه بوجه ديمقراطي شكلي.
 
عندما كنت في مصر في أواخر حزيران/يونيو، وصفتها بأنها بلد يستعدّ للمبارزة في احتجاجات حاشدة، ويتوقع حصول أعمال عنف ويناقش تدخّل الجيش علناً. غادرت مصر ولدي إحساس قوي بنذر الشؤم، ليس بسبب الصدام المتوقّع بل بسبب المواقف الحادة الصادمة التي برزت حيث كانت البلاد، من الناحية اللفظية، في حالة حرب أهلية بالفعل. وللأسف، تم توكيد تلك المخاوف من خلال التدهور السياسي والبشري في الأسابيع التالية. من المرجّح أن يتم تجنّب الحرب الأهلية الفعلية، بيد أن فترة طويلة من الصراع الأهلي والقمع العنيف والهجمات الطائفية قد بدأت بالفعل.
 
ترمي خريطة الطريق التي أعلن عنها وزير الدفاع اللواء عبدالفتاح السيسي عندما خلع الرئيس محمد مرسي يوم 3 تموز/يوليو - والتي أوضح تفاصيلها الرئيس عدلي منصور يوم 8 تموز/يوليو - إلى توفير وسيلة لتضميد جراح مصر السياسية. من شبه المؤكد ألا تتمكّن الخريطة من بلوغ ذلك الهدف، غير أن من المرجّح لها أن تمضي قُدُماً على الرغم من ذلك. فلدى مؤسّسات الدولة المنتصرة (الجيش والأجهزة الأمنية والسلطة القضائية) والقوى السياسية (معظم الأحزاب غير الإسلامية) كل الحوافز لدفعها قدماً. فالخريطة توفّر للجيش فرصة لترسيخ مصالحه، وتجنّبه تحمّل المسؤولية عن الجوانب الأكثر صعوبة في الحكم (مثل توفير الخدمات والاقتصاد) وإضفاء واجهة مدنية على النظام. أما بالنسبة إلى الأحزاب السياسية، فإنها توفّر مخرجاً من الهزيمة الانتخابية التي مُنيَت بها على أيدي الإسلاميين.
 
ثمّة شيئان فقط يلوحان في الأفق كعنصرين يمكن أن يعقّدا الأمور. أولاً، يقف القادة السلفيون على حدة بحَرَج، بعد أن أذعنوا للانقلاب في محاولة لإنقاذ موادهم الدستورية المفضلة. بيد أنه من غير الواضح ما إذا كان يمكن لأي صفقة أن ترضيهم وترضي الجهات الفاعلة السياسية غير الإسلامية في الوقت نفسه. من الصعب تصوُّر أن يوافق غير الإسلاميين على الإبقاء على المفاهيم الإسلامية في دستور العام 2012، غير أن تلك المفاهيم على وجه التحديد هي التي سمحت للقادة السلفيين بتأييد الوثيقة. ثانياً، من شأن إجراء انتخابات رئاسية يخوضها السيسي- وهو الأمر الذي تدور حوله الكثير من التكهنات لكن لايكاد يوجد دليل ملموس عليه - أن يجعل تقديم النظام باعتباره مدنياً أمراً أكثر صعوبة (باستثاء أن من المحتمل، بالمعنى التقني، أن يسبقه رحيل السيسي من الخدمة العسكرية بصورة رسمية). ومع ذلك، من المحتمل أن يتم هذا الترشيح من خلال خريطة الطريق الحالية للانتقال السياسي بدلاً من الانقلاب عليها.
 
الخطوة الأولى من خريطة طريق تموز/يوليو، التي تنطوي على تنقيح دستور العام 2012، قيد التنفيذ بالفعل. بيد أنها عملية تخضع إلى سيطرة مشدّدة، وتبدو مصمّمة لجعل الترتيب الجديد دائماً بدلاً من إعادة التفاوض عليه. تقتضي المرحلة الأولى من الخريطة قيام لجنة قانونية/قضائية من الخبراء بصياغة سلسلة من التعديلات. وقد أبقت اللجنة عملها سرياً، على حد قولها، لتجنّب إثارة الجمهور الذي ستحكمه الوثيقة.
 
سيتم بعد ذلك عرض تلك التعديلات على لجنة سياسية مؤلفة من 50 من المسؤولين والقادة السياسيين الذين يعيّنهم الرئيس. لم تتم تسمية اللجنة بعد، لكن جرى تخصيص مقاعدها. ولن يتجاوز عدد القادة الفعليين للأحزاب السياسية رقم ستة، وسيتم توزيعهم على نحو لايعكس أي نتائج انتخابية سابقة (يحصل الإسلاميون على مقعدين فقط). ويبدو أن مختلف الجماعات التي مُنِحت مقاعد في اللجنة قد وُعِدت بأن يكون لها رأي في اختيار من يمثّلها. ومع ذلك، يوحي العدد الكبير من المسؤولين (سيكون أحد عشر من الأعضاء على الأقل من أجهزة الدولة، ومن المرجّح أن يكون كثيرون غيرهم من موظفي الدولة أو من النقابات والاتحادات القانونية من الناحية الرسمية كأنها ستبقى اللجنة القانونية/القضائية قائمة ويبدو أنها تشعر أنه سيكون لها القول الفصل في صياغة التعديلات) بأنه سيتم في سياق هذه العملية إعادة تشكيل الدولة المصرية نفسها، على نحو يتجاوز ماكان عليه الحال في العام 2012، بدل أن يشكّلها المجتمع.
 
ويبدو أن العملية برمّتها تقوم على افتراض أن صياغة الدستور عملية تقنية في المقام الأول وسياسية في المقام الثاني. مثل هذه الفكرة غريبة عموماً، لكن من المحتمل أن تبدو غير معقولة بالنسبة إلى أي شخص تابع عملية صياغة الدستور في مصر في العام 2012.
 
من المحتمل أن تسفر عملية صياغة الدستور عن تعديلات تعكس مصالح الأطراف المهيمنة راهناً. ومن المحتمل أن ينجح الجيش في حماية البنود التي يفضّل. ومن المحتمل أيضاً أن تضطرّ أي آلية دستورية إلى فرض رقابة ذات مغزى على قطاع الأمن إلى الانتظار إلى أن يتم إقرار دستور مصر التالي. من المرجّح أن تحظى السلطة القضائية بضمانات أقوى تنصّ على تحصينها بصورة أفعل من العملية السياسية (وهو الأمر الذي قد يكون صحّياً) لكنها تجعلها أيضاً أقرب إلى أن تكون مستدامة (وهو مايمكن أن يكون إشكالياً على المدى الطويل).
 
عندما تنتهي عملية صياغة الدستور، ستتم دعوة المصريين إلى صناديق الاقتراع ثلاث مرات. في المرة الأولى، سيطلب منهم الموافقة على التعديلات، وربما يصوّتون عليه بالموافقة (سيصوتون على مجموعة كاملة من التعديلات بورقة اقتراع واحدة بنعم أو لا، هذا إذا ماكانت السوابق من هذا النوع تمثّل أي دلالة). وفي المرة الثانية سينتخبون البرلمان (برلمان بمجلس واحد على الأرجح، على الرغم من أن الأمر يخضع إلى عملية التعديل). وفي المرة الثالثة سينتخبون الرئيس.
 
في هذه المرحلة، تتوفّر مصر على قوانين انتخابية يمكنها تنظيم الاستفتاء والانتخابات الرئاسية، وإذا ما اعتبرت هاتان العمليتان بحاجة إلى تعديل، عندها يمكن إجراء التغييرات بمرسوم. لكن ليس هناك قانون انتخابات برلمانية ساري المفعول، وهنا نجد أنفسنا إزاء مفارقة غريبة في خريطة الطريق. فقد قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم صلاحية قانون الانتخابات البرلمانية الأخير في مصر في العام 2012. وكان مجلس الشورى الذي يهيمن عليه الإسلاميون في البرلمان يعمل بنشاط لصياغة قانون انتخابي جديد، وقدّم مشروع قانون ثالث إلى المحكمة الدستورية العليا (والتي كان عليها مراجعة هذه القوانين وفقاً لدستور العام 2012) قبل حلّ المجلس مباشرة. بدا أن مشروع القانون أشبه بالقانون الذي استند إليه البرلمان المنحل، بقائمة حزبية مختلطة ونظام فردي، غير أنه أعيد توزيع الدوائر الانتخابية، وجرى تقديم تنازلات أخرى أمام القيود التي فرضتها المحكمة الدستورية العليا. وفي 3 تموز/يوليو، دعا السيسي المحكمة الدستورية (في تصريح نشر في الجريدة الرسمية في وقت لاحق، وبالتالي بصورة ضمنية في وثيقة منظِّمة شبه دستورية من نوع غير محدّد) إلى مراجعة مشروع الدستور على عجل. لم تستكمل المراجعة، ولكن إذا وفّر القانون أساساً للانتخابات النيابية المقبلة، فإن النتيجة الغريبة هي أن من شأن القانون الذي أعدّته هيئة تعتبر منتخبة بشكل غير دستوري، وتحفل بسياسيين من حركة إسلامية تجري مطاردتها الآن، ومدانة من الأحزاب غير الإسلامية في مصر، أن يشكّل أساساً لانتخابات تدفن التجربة القصيرة لحكم الإسلاميين. 
 
النتائج التي ستسفر عنها تلك الانتخابات غير واضحة. إذ لايوجد في الوقت الحالي منافس واضح لأقوى الأطراف أداء في الانتخابات - من المعسكر السلفي - والذي يحتمل أن يخوضها، مع أن قلّة من الأحزاب غير الإسلامية لديها على الأقل تنظيم هيكلي، ويمكن لشرائح من الحزب الوطني الديموقراطي من حقبة ماقبل العام 2011 أن تعاود الظهور تحت أقنعة وتحالفات مختلفة. وستكون النتيجة المرجّحة ظهور برلمان متشعّب جداً.
 
أما بالنسبة إلى الرئاسة، فقد يتم تقليص أدواتها دستورياً بعض الشيء في التعديلات المنتظرة. فحتى في أوائل العام 2013، بدأت المحاكم في تفسير سلطتها بصورة مقيّدة بعض الشيء، وعلى الرغم من كل تهم "أخونة" الدولة، بدا أنه نادراً ماكان مرسي قادراً على ممارسة قدر كبير من السيطرة على الأجهزة الأمنية والعسكرية. ولذا فمن غير المرجّح لخليفته أن يحقّق نتائج أفضل إلا إذا أتى من تلك الأجهزة في الدولة. ستكون هناك قطاعات كبيرة في الدولة (مثل التعليم والصحة) يمكن للسياسة المدنية أن تعمل فيها بشكل كامل، مع احتمال أن يظهر انهيار أدوار الرئاسة ومجلس الوزراء والبرلمان بصورة أوضح في الممارسة العملية. بيد أنه ستبقى هناك مجالات هامة بعيدة عن متناول الرقابة السياسية بصورة غير رسمية (وبصورة أكثر رسمية بالنسبة إلى الجيش).
 
الأمر الواضح الآن هو أن اللحظة الدستورية في مصر قد انتهت. كان الأمل الذي ولد في انتفاضة العام 2011 يشي بأن القوى السياسية المختلفة ستتوصّل إلى اتفاق على قواعد السياسة، وهي القواعد التي من شأنها حماية حقوق الإنسان والنهوض بأعباء الصوت الشعبي في الحكم، ووضع آليات للمساءلة والقيام بهذه الاشياء بوسائل مقبولة بصورة أو بأخرى. هذا الأمل لم يمت وحسب، بل اغتيل من جانب القادة المتناحرين في البلاد. لم يعد السؤال ما إذا كان المسار الحالي هو المسار الأكثر حكمة بالنسبة إلى مصر، بل يكاد يكون من المؤكد أنه ليس كذلك. بيد أن هذا هو الخيار الذي تسبّب فيه القادة المصريون لبعضهم بعضاً.
 
وفي حين أن النتيجة تقوم على تقويض آمال العام 2011، فإنها ستنطوي على عناصر ديموقراطية بصورة واضحة (انتخابات ونظام حزبي تعدّدي وقادة مدنيون). ومن المرجّح لتلك النتيجة أن تثبت أنها عملية حتى لو لم توفّر الاستقرار أو السلم الاجتماعي والسياسي الكامل. أما عملها الفعلي فسوف يسمح بالقمع بدلاً من تجنّبه. وربما يكون محاورو مصر الدوليون في الغرب نصحوها بألا تتّخذ هذا المسار، لكن سيتعيّن عليهم قريباً اتّخاذ قرار بقبولها أم لا. إذ أن إصرار النظام الحالي على أن هذا قرار سيادي، سيشعر الحكومات الغربية بعدم الارتياح مؤقتاً، لكن من المرجّح أن يقبلوه في نهاية المطاف. ومع ذلك ستواجه الحكومات الغربية مسألة ما إذا كان ينبغي عليها التعامل مع النظام المصري على أنه استبدادي مقيت أو ديموقراطي معيب لكنه طموح، أو ما إذا كانت ستكلّف نفسها عناء التمييز بين الحالتين.
 
نُشِر هذا المقال في الأصل في مجلة "فورين بوليسي".
ناثان ج. براون
باحث أول غير مقيم, برنامج الشرق الأوسط
ناثان ج. براون
الإصلاح السياسيدعم الديمقراطيةشمال أفريقيامصر

لا تتخذ كارنيغي الهند مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Carnegie India

Carnegie Endowment for International Peace
0