تقديم: مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
في تشرين الأول/أكتوبر 2020، غيّرت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي اسم مركز الشرق الأوسط في بيروت تكريماً لمالكوم كير، الباحث الأميركي الراحل حول شؤون الشرق الأوسط والرئيس السابق للجامعة الأميركية في بيروت.
في تشرين الأول/أكتوبر 2020، غيّرت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي اسم مركز الشرق الأوسط في بيروت تكريماً لمالكوم كير، الباحث الأميركي الراحل حول شؤون الشرق الأوسط والرئيس السابق للجامعة الأميركية في بيروت.
الضغط هنا لقراءة المزيد حول إرث مالكوم كير.
عبد الناصر والحرب العربية الباردة:
وخصومه 1958 – 1970
يتناول كتاب "عبد الناصر والحرب العربية الباردة" بقلم مالكوم كير، علاقات مصر مع الدول العربية الأخرى خلال فترة رئاسة جمال عبد الناصر بين العامين 1956 و1970، إذ شهدت المنطقة حينها اضطرابات كبيرة. عُرف الزعيم المصري الكاريزمي، وهو شخصية بارزة ومعقدة في العالم العربي، بتركيزه على العدالة الاجتماعية والوحدة العربية.
أعادت مؤخراً منشورات جامعة أوكسفورد نشر هذا الكتاب مع تصدير جديد بقلم رئيس مؤسسة كارنيغي بيل بيرنز ونائب الرئيس للدراسات مروان المعشّر. وتتمتّع القضايا التي تطرق إليها الكتاب اليوم بالأهمية نفسها كما قبل أكثر من خمسين عاماً، عندما نُشر لأول مرة. ويقدّم الكتاب بوصلة لفهم القوى الأساسية التي رسمت معالم الشرق الأوسط بصورته الراهنة.

إعادة تسمية مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت تكريماً وعرفاناً لمالكوم كير، كانت خطوة سديدة وموفّقة للغاية، ذلك أن كير كان في العديد من الأوجه ابن هذه المنطقة، ومُلمّاً ومُشبّعاً بتاريخها، ومتجرّداً ونزيهاً حيال مشاكلها، لكنه كان متقّد العاطفة والحماسة إزاء قدرات شعبها.
المزيد >إنه لشرفٌ كبير لنا، عائلتي وأنا، أن يُطلَق اسم مالكوم على مركز كارنيغي في بيروت. فالعمل الذي يقوم به المركز يُجسّد عن كثب تطلّعات مالكوم كير للمنطقة العربية حيث ولد وترعرع. ولاريب أنه كان ليشعر بالحبور والسعادة كثيراً لرؤية باحثين عرباً ينكبّون على التفكير في حلول بعيدة المدى للمشكلات التي يعاني منها العالم العربي.
المزيد >لقي آلاف الأشخاص حتفهم في لبنان، ووجدت آلاف العائلات نفسها أمام خيار أوحد هو أن تحاول ترميم حياتها من جديد. عندما يصبح العنف تجاه إخوتنا في الإنسانية أمراً طبيعياً ومألوفاً، نكون أمام تركةٍ ثقيلة ومروّعة. تركة يكاد يتعذّر القبول بها والتأقلم معها.
المزيد >يعمل الباحثون الموهوبون والأكفاء في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط على تقديم وجهة نظر شاملة حول ما قد تؤول إليه أمور المنطقة في المستقبل، وذلك من خلال برنامج بحثي صُمّم خصيصًا للمساعدة على رسم صورة أكثر تفاؤلًا. يسرّني ويشرّفني أن هذا السبب هو تحديدًا ما دفع المعنيين في مؤسسة كارنيغي إلى تسمية مركز بيروت تيمّنًا بوالدي.
يسرّني ويشرّفني إطلاق اسم والدي على مركز كارنيغي في بيروت، هذه المدينة التي احتضنته في طفولته، وأبصرتُ النور فيها، لذلك لازال يجمعنا رابطٌ بها وبالشعب اللبناني بعد خمسة وثلاثين عاماً على رحيله. ويسعدني أن ابنتي مادي سوف تكون موجودة في بيروت كي تعرف المزيد عن جدّها وعن المدينة التي وقع أجدادها وآباؤهم في عشقها. ويسرّني أن الباحثين في مركز كارنيغي سوف يعملون من أجل السلام في العالم العربي، هذا السلام الذي لطالما تطلّع إليه والدي.
اليوم، يُكرِّم مركز كارنيغي في بيروت مالكوم الأستاذ والأكاديمي ورئيس الجامعة. أنا لم أعرفه في هذه الصورة، بل عرفته من خلال كل الأمور الأخرى التي كان عليها. أو ربما ليس هذا صحيحاً تماماً. كنت أعلم أنه يعمل بجهد على شيء ما عندما كانت رائحة الفشار تفوح في المنزل، ويصل إلى مسامعي صوت طرقاته على آلته الطابعة الكهربائية. وحتى يومنا هذا، مازلت، كلما شممت رائحة الفشار، أستعيد في ذهني صورته جالساً إلى مكتبه في المنزل.
المزيد >بيروت، صيف 1982: كانت هذه أسوأ الأزمان: إسرائيل تغزو لبنان في حزيران/يونيو وتحاصر في غضون أيام بيروت الغربية. أخضع الإسرائيليون المنطقة إلى سيل من القصف الوحشي. المقاتلون الفلسطينيون يغادرون المدينة في آب/أغسطس في إطار اتفاق رعاه الأميركيون. في تموز/يوليو، تخطف عناصر يُعتقد أنها مرتبطة بإيران، ديفيد دودج رئيس الجامعة الأميركية بالوكالة في بيروت. هذه كانت بيروت التي عاد إليها مالكوم في أيلول/سبتمبر.
المزيد >نحن، تلامذته، نشعر باحترام وإجلال لعقله النقي والشفاف. لجَزَله. لتواضعه الكبير. بيد أننا كنّا نحس أيضاً بالرهبة من مطالبته الصارمة والحرون لنا بضرورة تحصيل أجود المعارف. لكن، فوق كل شيء، كان مالكوم مُهتماً بالإنسان ويوفّر للشباب على وجه الخصوص فرص التطوّر. كل هذه السمات حدّدت معايير عالية لاتّباعها في مهنتي. لكن ما غيّرني بعمق هي الطريقة التي تصرّفت فيها عائلته خلال وبعد رحيله، إذ أضاءت أمامي الدروب حول كيفية تجاوز الخسارة الفادحة لعزيز من دون التخلّي عن المعتقدات، وحول ضرورة النضال لإلحاق الهزيمة بالميل الإنساني نحو الندم والأسف والانتقام. لآل كير أُكنّ عظيم الفضل لنضالي الذي لا يكل ويهدف إلى تكريس وتعميق المداميك الأخلاقية على رغم أنف المأساة.
كان مالكوم كير باحثاً مُبرّزاً ومُعلماً امتزجت حياته ومهنته بعمق بمنطقة الشرق الأوسط. فهو وُلد وترعرع في أحضان لبنان، ثم عاد إليه حين شبّ، وكان الفصل الأخير في حياته حين عمل كرئيس للجامعة الأميركية في بيروت. كان اغتياله في حرم جامعته العام 1984 ضربة موجعة للغاية لهذه المؤسسة ولحقل دراسات الشرق الأوسط. وأنا أعتقد أن الزملاء المتخصصين بالشرق الأوسط يجمعون على أنه في زمانه كان واحداً أو أحد اثنين أو ثلاثة من أبرز علماء السياسة في العالم الذين كتبوا عن الشرق الأوسط. لقد حظي عدد من مؤلفاته باهتمام واسع النطاق وكانت دوماً مرجعاً ومحط متابعة. أُفضّل كتابان له هما:
The Arab Cold War: Gamal Abd al-Nasir and His Rivals, 1958-1970 (الحرب الباردة العربية: جمال عبد الناصر وخصومه، 1958-1970) (منشورات جامعة أوكسفورد)
Islamic Reform: The Political and Legal Theories of Muhammad ‘Abduh and Rashid Rida)الإصلاح الإسلامي: النظريات السياسية والقانونية لمحمد عبده ورشيد رضا( (منشورات جامعة كاليفورنيا)
كان لي، شأني في ذلك شأن الكثيرين في أسرة الجامعة الأميركية في بيروت، شرف التعرّف إلى مالكوم كير ومعرفته عن قرب. لطالما كان حبه الكبير للجامعة جلياً جداً، تماماً مثل دماثة خلقه، وفكره الثاقب، ونزاهته التي لاغبار عليها، واهتمامه الصادق والحقيقي بالضعفاء وذوي الهشاشة. وكان يحرص دائماً على تخصيص وقت للتحدث مع الطلاب.
المزيد >لم أحظ بشرف التعرّف إلى مالكوم كير شخصياً. إبنة عمي الراحلة، رندا المعشّر، كانت تُجالس ستيف، ابن مالكوم وآن كير، في طفولته، حين انتَسَبَتْ إلى الجامعة الأميركية في بيروت في حقبة الستينيات، وكان مالكوم حينها أستاذاً فيها.
المزيد >التقيت مالكوم للمرة الأولى في بيروت العام 1959 حين كان عضواً جديداً في أسرة التعليم في الجامعة الأميركية في بيروت. كنت أنا مُعيّناً في مدرسة اللغة العربية التابعة لوزارة الخارجية ومقرها في سفارة الولايات المتحدة. كانت هذه إطلالتي الأولى كمسؤول في سلك السياسة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، فيما كان مالكوم في ذلك الحين يطوّر مجالات خبرته، التي بدأت منذ نعومة أظفاره في حرم الجامعة الأميركية. كانت لكلينا عائلتان فتيّتان، وأحد أطفالنا أصبح صديق العمر لأحد أبناء كير.
المزيد >حقّق مالكوم كير، من خلال قبوله تولّي منصب رئيس الجامعة الأميركية في بيروت، حلماً لطالما راوده. كان قلبه يرنو دائماً إلى بيروت، حيث ولد وترعرع. كان كير متقدّماً على معظم الآخرين في فهمه للبنان وحبّه له. وعندما عيّنه مجلس الأمناء رئيساً للجامعة الأميركية في بيروت في أيلول/سبتمبر 1982، كان الشرق الأوسط يمرّ بمرحلة شديدة الاضطراب. أراد أن يقود الجامعة الأميركية في بيروت، حيث تابع تحصيله العلمي، لاجتياز تلك المرحلة انطلاقاً من فهمه لجميع الشعوب في المنطقة وقبوله لها على اختلافها. وكان حقاً موضع احترام من الجميع، ولاسيما الأساتذة والطلاب. لكن تطلعاته أُجهِضت في كانون الثاني/يناير 1984 عندما قضى في عملية اغتيال. كانت وفاته صدمةً ليس لعائلته وزملائه وأصدقائه وحسب، إنما أيضاً للعالم بأسره. وكانت الأيام اللاحقة من أحلك المراحل في التاريخ العريق للجامعة الأميركية في بيروت، وتركت الجامعة في حالة من التخبّط في مواجهة مستقبل شديد الالتباس والضبابية. في ذلك الوقت، كنت أعمل في مكتب نيويورك التابع للجامعة الأميركية في بيروت، وقد حاولنا استيعاب المأساة وإيجاد سبيل للمضي قدماً في العمل على تحقيق رسالة المؤسسة. وقد نجحنا في اجتياز تلك المرحلة بفضل ماتحلّى به الأمناء والأساتذة والإداريون من قوة وعزم.
المزيد >كان مالكوم كير أولاً مرشدي، ثم زميلي، وأخيراً صديقي. كمُرشد، ساعدني على فهم تعقيدات العلاقات السياسية بين العرب، وهو موضوع تطرّق إليه في كتابه الصغير والشهير The Arab Cold War (الحرب الباردة العربية). كان في وسع مالكوم الكتابة عن هذا الموضوع بموثوقية لأنه فهم العالم العربي جيداً. كان عروبياً بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأنه أتقن اللغة والثقافة العربيين، لكنه تمكّن في الوقت عينه من تجنّب أن يصبح مُدافعاً أو مبرراً لأي نظام بعينه، أو لأي إيديولوجيا، أو لأي قائد. وفي الواقع، قدرته الطريفة على تشبيه السياسات الداخلية العربية بالتنافس بين الفرق الرياضية الأميركية، كانت بمثابة مقاربة مُنعشة، كما كانت تذكرة بأن اهتمامات مالكوم كانت تجاوزت كثيراً السياسات والشرق الأوسط.
المزيد >تأثّرتُ كثيراً بالقرار الذي اتخذته مؤسسة كارنيغي بإطلاق اسم مالكوم كير على مركزها الإقليمي. ففي وقتٍ يمرّ فيه العالم العربي بمرحلة عاصفة جديدة، من المهم الإقرار بمساهمات مالكوم الذي كان من خارج هذا العالم وواحداً منه على السواء. كان بانياً للجسور جمعَ في شخصه بين عالمَين مختلفين، وسعى على الدوام إلى فهم كل عالمٍ منهما انطلاقاً من الخصائص التي تُميّزه فيما عمل على استكشاف مجالات للتفاهم المتبادل والالتقاء حول أسس مشتركة. كانت الأبحاث التي أجراها في بداياته عن النظريات السياسية والقانونية لكل من محمد عبده ورشيد رضا محاولةً لفهم الإصلاح الإسلامي. وقد ذهب كتابه "The Arab Cold War" (الحرب الباردة العربية) الذي لقي رواجاً واسعاً، أبعد من التفسيرات البنيوية والإيديولوجية لفهم العوامل النفسية والشخصية الأعمق التي غذّت الانقسام الكبير في المنطقة العربية في عهد الرئيس عبد الناصر. وتطرق في كتاب Rich and Poor States in the Middle East (الدول الثرية والفقيرة في الشرق الأوسط) الذي شارك في تحريره، إلى الديناميكيات المتغيّرة للمنظومة الجديدة الناشئة في العالم العربي.
المزيد >