• الأبحاث
  • ديوان
  • عن المركز
  • الخبراء
ar nav logo
لبنانإيران
أفول عصر النفط في زمن اللايقين: الانتقال من الحلقة المفرغة إلى الحلقة المثمرة

المصدر: Getty

أوراق بحثية
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

أفول عصر النفط في زمن اللايقين: الانتقال من الحلقة المفرغة إلى الحلقة المثمرة

يشهد نظام الطاقة العالمي القائم على الموارد الهيدروكربونية تغيُّرًا جذريًا. فقد أصبح التنويع الاقتصادي وبناء اقتصاداتٍ مُنتِجة ضرورةً استراتيجيةً لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تُحتِّم عليها التصدّي للتحدّيات الاجتماعية والسياسية، وإعادة النظر في ترتيباتها الداخلية والإقليمية والعالمية.

Link Copied
إسحاق ديوان, نور عرفة, حمزة المؤدّب, مروان المعشّر
نشر في 30 أكتوبر 2026

روابط إضافية

Full Textالنص الكامل
Project hero Image

المشروع

برنامج الاقتصاد السياسي

يهدف برنامج الاقتصاد السياسي إلى تقديم تحليلات معمّقة حول مختلف الأزمات التي تعصف بالمنطقة، وإلقاء نظرة فاحصة على سياسات التقشُّف وانعدام المساواة، إضافةً إلى التحديات التي تواجه عمليات الإصلاح الاقتصادي في الكثير من الاقتصادات.

تعرف على المزيد

أُنجزت هذه الدراسة مُسترشدةً برؤى أعضاء اللجنة التالية أسماؤهم: يوسف الإبراهيم، فريد بلحاج، زياد بهاء الدين، ريما خلف، منى عباس، محمد عبد الرؤوف، عبد الخالق عبد الله، سليم عثماني، علي الكعلي، نهى المكاوي، مهى يحيَ، وطارق يوسف.

شُكر وتقدير

هذه الدراسة هي ثمرة جلسات افتراضية وورش عمل عُقدت على مدى العامَين الماضيَين مع لجنةٍ من الخبراء المتخصّصين في شؤون المنطقة، برئاسة مروان المعشّر. وتألّفت أمانة اللجنة من إسحاق ديوان، نور عرفة، وحمزة المؤدّب. ويسرّنا أن نتوجّه بخالص الشكر إلى جميع أعضاء اللجنة الذين شاركوا معنا في الجلسات الإلكترونية خلال الفترة الممتدّة بين آذار/مارس وتشرين الثاني/نوفمبر 2025، وكذلك في ورشة العمل التي عُقدت في بيروت في شهر شباط/فبراير 2026. والشكر موصولٌ إلى الباحثين الذين انضمّوا إلى اللجنة في جلسات مُحدَّدة، وهم: إدريس حاج ناصر، روجر ديوان، فارس السليمان، أمير لبديوي، جياكومو لوتشياني، عديل مالك، وستيفن هيرتوغ. ونودّ أن نعبّر عن امتناننا أيضًا إلى كريستين ديوان، ستيفن هيرتوغ، وكارين يونغ لكتابتهم الأُطر الثلاثة الواردة في التقرير، وإلى زياد داوود لتفضّله بمشاركة بيانات استُخدِمت في الشكل 15. ولا يفوتنا أن نشكر الخبراء الذين شاركوا معنا في ورشة عملٍ تمهيدية عُقدت في عمّان في شهر أيلول/سبتمبر 2024 لإطلاق هذا المشروع، وهم: عبدالله باعبود، أمل بوبكر، مهنّد الحاج علي، كريستين ديوان، فرانشيسكا ريتشاردوني، سلمى الشامي، جواد صالحي-أصفهاني، محي الدين عبد اللاوي، نادر القبّاني، ألكسندر كاتب، شهلا الكلي، يوسف منصور، لوري هايتايان، ستيفن هيرتوغ، وكارين يونغ. كذلك، يُعرب المؤلّفون عن تقديرهم لمؤسسة الأصفري على دعمها السخي لهذا المشروع.

مقدّمة

تحتلّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مكانة بارزة منذ ثلاثينيات القرن العشرين في إنتاج وتصدير الموادّ الهيدروكربونية. ففي العام 2025، بلغت حصة المنطقة من الصادرات العالمية للنفط والغاز نحو 30 في المئة، وتجاوزت عائداتها الإقليمية الإجمالية عتبة تريليون دولار.1 ومنذ بدء الطفرة النفطية الثانية في العام 2000 (كانت الأولى في تشرين الأول/أكتوبر 1973)، حقّقت المنطقة إيراداتٍ ضخمة من صادرات النفط والغاز قُدّرت قيمتها بنحو 25 تريليون دولار (بعد تعديلها وفقًا لأسعار العام 2025). وكما يتّضح من الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، لا تزال أحداث المنطقة تؤثّر بشدّة على أسواق الطاقة الدولية. لكن في المقابل، ساهمت الموادّ الهيدروكربونية في تشكيل اقتصادات الدول الإقليمية وهياكل الحكم فيها ومجتمعاتها بطرقٍ باتت تحدّد اليوم طبيعة التحدّي الذي ينتظرها.

يتمحور التحدّي المقصود حول التحوّل الاقتصادي الجذري. فنظام الطاقة العالمي القائم على الموارد الهيدروكربونية يشهد تغيُّرًا جذريًا، إذ تُقوّض الضغوط البيئية والجيوسياسية الأُسُس التي ارتَكزت عليها الكثير من اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي هذا السياق، لم يَعُد التنويع الاقتصادي أمرًا اختياريًا، بل بات ضرورةً استراتيجية مُلِحّة. لكن التنويع ليس مجرّد عمليةٍ تقنية، بل يحمل في طيّاته ثلاثة أنواعٍ على الأقل من التحدّيات الجوهرية المترابطة. الأول هو التحدّي الاقتصادي، أي تفكير الدول في كيفية زيادة إنتاجية العمل وبناء قدرةٍ إنتاجية مستدامة خارج قطاع الموادّ الهيدروكربونية في اقتصاداتٍ لطالما تمحورت حول ريوع الموارد. أما التحدّي الثاني فهو اجتماعي وسياسي، ويؤثّر على كيفية إعادة التفاوض بشأن عقودٍ اجتماعية تسهم في بناء مجتمعاتٍ أكثر شمولًا للجميع. وثالث هذه التحدّيات إقليمي، إذ لا يتوقّف نجاح التحوّل الاقتصادي أو تعثّره على الإصلاح الداخلي فحسب، بل يعتمد أيضًا على إمكانية إرساء نظامٍ إقليمي أكثر استقرارًا، يسود فيه التعاون الاقتصادي بدلًا من الصراعات والانقسامات والتوتّرات المتأجّجة. إن مستقبل المنطقة مرهونٌ إذًا بكسر الحلقة المفرغة الراهنة وتحويلها إلى حلقةٍ مثمرة وبنّاءة.

لا تُقدّم هذه الدراسة وصفةً واحدة، إدراكًا منها بأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضمّ دولًا تتباين كثيرًا في مراحل تنميتها، وفي ما تملكه من موارد، وفي قدراتها المؤسّسية وترتيباتها السياسية. يُركّز التحليل على مجموعات ثلاث من الدول: البلدان المرتفعة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية (أي دول مجلس التعاون الخليجي)، والبلدان المتوسطة الدخل المصدّرة لهذه الموارد (وهي الجزائر والعراق وليبيا وإيران)، والبلدان المتوسطة الدخل المستوردة للموادّ الهيدروكربونية (مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس). وتطرح الدراسة مقاربةً متكاملة تتناول الأبعاد الاقتصادية والسياسية والإقليمية لضرورة التنويع الاقتصادي والحاجة إلى تعزيز الإنتاجية، إضافةً إلى توصياتٍ سياساتية صيغت انطلاقًا من الأسئلة الخمسة الرئيسة التي شكّلت إطارَ مُداولات اللجنة.

السؤال الأول هو الأكثر جوهريةً: لماذا يتعيّن على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنويع اقتصاداتها، ولماذا الآن؟ تكمن الإجابة لجميع البلدان المشمولة بهذه الدراسة في أن الطلب على الموادّ الهيدروكربونية آخذٌ في التراجع، لأسباب متعدّدة، وسط عالمٍ يشهد تقلّباتٍ في قطاع الطاقة وتشتدّ حاجته إلى ضمان أمن الطاقة. وسيؤدّي ذلك حتمًا إلى انخفاضٍ في صادرات النفط والغاز وعائداتها على المدى المتوسط إلى الطويل، ما سيحدّ بشدّةٍ من إمكانية حصول دول المنطقة على العملات الأجنبية ويزيد من الضغوط المالية التي تواجهها. لذلك، تدرك الكثير من البلدان المصدّرة للنفط والغاز أنها لن تستطيع مواصلةَ تحمّل كلفة تأمين وظائف في القطاع العام لقوتها العاملة المتنامية، وبالتالي عليها أن تبدأ فورًا باستحداث وظائف مُنتِجة إذا أرادت التصدّي للتحدّيات المستقبلية. أما البلدان المستوردة للطاقة، فتواجه تحدّيًا من نوعٍ آخر، إذ تدرك أنها لن تتمكّن في السنوات المقبلة من تصدير السلع المصنّعة الكثيفة الانبعاثات الكربونية إلى أوروبا مع بدء العمل بآلية تعديل ضريبة الكربون الحدودية وغيرها من اللوائح التنظيمية البيئية. فمن جهة، ستَتقلّص عائدات النفط بوتيرةٍ أسرع، وبالتالي لا بدّ من تحقيق التنويع الاقتصادي على جناح السرعة. من جهةٍ أخرى، يُرجَّح أن تفرض الحرب تغييراتٍ في الطريقة التي يجري بها التنويع. وستتكبّد البلدان المستوردة للنفط، خصوصًا مصر والأردن ولبنان، خسائر غير مباشرة، وهذا سببٌ إضافي يدعوها إلى بذل مجهودٍ أكبر لتحسين إنتاجية العمل من خلال إصلاحاتٍ داعمة للنمو.

يتناول السؤال الثاني الوضعَ الراهن: ما حال جهود التنويع الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ واقع الحال أن الصورة شديدة التفاوت:

  • تنخرط دول مجلس التعاون الخليجي بشكلٍ مكثّف في مساعي زيادة الإنتاجية وتنويع اقتصاداتها، بيد أن النتائج تبقى متباينة. لقد كانت أكثر القطاعات ديناميةً قطاعاتُ المُنتجات النفطية، وتجارة إعادة التصدير، والسياحة، والضيافة، والترفيه، ثم في الآونة الأخيرة مصادر الطاقة المتجدّدة ومراكز الذكاء الاصطناعي.2 لكن مسار استحداث فرص العمل المُنتِجة ظلّ عسيرًا، ناهيك عن أن النموذج الموجَّه نحو الأسواق العالمية الذي تستند إليه استراتيجيات التنويع الاقتصادي الخليجية يتعرّض لضغوط مباشرة نتيجة انعدام الاستقرار الإقليمي والتوتّرات الجيوسياسية المستمرّة. كذلك، باتت قدرة دول مجلس التعاون على التعامل مع التحوّل العالمي المعقّد في قطاع الطاقة على المحكّ.
  • يطغى نمط استهلاك الريع على الخيارات التنموية في البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للموارد الهيدروكربونية (العراق والجزائر وليبيا وإيران)، بدلًا من استثماره في تنويع الاقتصاد، وسط انعدام الإنتاجية، وتراجع نصيب الفرد من العوائد، وغياب أيّ مسارٍ واقعي حتى الآن للخروج من هذا المأزق.
  • يُثير وضع البلدان المتوسطة الدخل المستوردة للموارد الهيدروكربونية قلقًا مماثلًا، إذ ظلّت عالقةً في فخّ الدخل المتوسط بصورة حادّة: فهي تعمل بأقلّ من إمكانياتها، في ظلّ أوضاعٍ اجتماعية ومالية متعثّرة، وتُخفق في المضيّ بإصلاحاتٍ داعمة للنمو. تتّسم هذه الدول بانخفاض معدّلات الادّخار والاستثمار، وانتشار البطالة، وتلوح في أُفق كلٍّ منها أزمة ديون، فيما تقلّصت خدمات الدولة بشكلٍ حادّ. تُعزى المشكلة الأساسية إلى نموذجٍ غير متوازن من الرأسمالية تهيمن عليه نخبةٌ اقتصادية مُغلقة لا ترغب في السماح لشركاتٍ خارجة عن سيطرتها بمنافستها. وتَرتكِز العلاقات السياسية فيها على الولاء، لا على الإنتاجية، ما يشكّل عقبةً كأداء أمام التحوّل الاقتصادي.

أما السؤال الثالث فسياسي. ما هي التداعيات الاجتماعية والسياسية للمسار الحالي؟ إن العقود الاجتماعية التقليدية التي بُنيت على معادلة تقديم الرعاية المادّية والدعم الحكومي مقابل الحصول على الولاء السياسي تتعرّض في جميع أنحاء المنطقة لضغوطٍ متزايدة وغير مسبوقة. فالجيل الذي يدخُل سوق العمل حاليًا يتمتّع بمستوى تعليمي أعلى من الأجيال التي سبقته، ولديه طموحات أكبر، وقد نشأ على اتصال مباشر بمستويات معيشية عالمية مختلفة. مع ذلك، هو يواجه أيضًا معدّلات بطالة أعلى من الأجيال السابقة، وتدهورًا في الخدمات العامة، وأسواق عمل أقلّ ضمانًا للاستقرار الوظيفي. تختلف طبيعة هذه الضغوط باختلاف مجموعات الدول، ما يعكس ترتيباتٍ مختلفة جذريًا لتوزيع الموارد. ففي دول مجلس التعاون الخليجي، تجري إعادة هيكلة الصيغة الريعية من خلال توطين القوى العاملة وإصلاح نظام الدعم، ما يولّد تظلّمات لا تجد سوى منافذ رسمية قليلة للتعبير عنها.3 وفي البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية، تُبقي الإيرادات على شبكات محسوبية ضيّقة، لكنها لا تستطيع تمويل استهلاك عموم السكان أو إرساء شرعية واسعة النطاق. أما في البلدان المستوردة للموادّ الهيدروكربونية مثل مصر والأردن، فالريع الجيوسياسي الخارجي، الذي كان في يومٍ من الأيام دعامةً للعقد الاجتماعي، آخذٌ في التراجع، ما يضيّق الحيّز المالي المتاح أمام الحكومات ويرفع منسوب تزعزُع الاستقرار الاجتماعي.

القاسم المشترك بين المجموعات الثلاث من الدول هو المعضلة المتمثّلة في كيفية التعامل مع حقيقة أن الإصلاحات اللازمة لبناء اقتصاداتٍ مُنتِجة ومتنوّعة تنطوي على تكلفة سياسية في المدى القصير، بيد أن الإحجام عن اتّخاذ هذه الإجراءات هو أمرٌ غير مستدام اقتصاديًا على المدى الطويل. في وجه هذه المعضلة، استجابت الحكومات عمومًا بتركيز السلطة وتشديد السيطرة، إما لإدارة العملية الإصلاحية (في حالة دول مجلس التعاون الخليجي) أو لتجنّبها (في حالة دول أخرى، مثل الجزائر ومصر والأردن وتونس). لكن هذا النهج يضع ضغوطًا على الأُسُس ذاتها التي يجب أن يَرتكِز عليها التحوّل الاقتصادي الدائم - أي سيادة القانون، وثقة المستثمرين، والقنوات المشروعة للتعبير عن الاعتراض. ويواجه السياسيون الإصلاحيون صعوباتٍ معقّدة. فعليهم اقتراح إصلاحات مُقنِعة تحظى بدعم ائتلافٍ من الأحزاب الإصلاحية أو مجموعات الضغط، وإنشاء آلياتٍ تُعوّض للفئات المتضرّرة من الإصلاح وتدمجها في المسار الإصلاحي، وإرساء ضوابطٍ وتوازنات لتجنّب الأخطاء المُكلِفة والتعلم من التجارب، وأخيرًا السماح بالتعبير عن التظلّمات تفاديًا لحدوث موجةٍ أخرى من الغضب الشعبي الذي عصف بالمنطقة خلال عقد الانتفاضات العربية.

ويُعنى السؤال الرابع بالمشهد الخارجي. كيف تؤثّر الديناميّات الإقليمية والعالمية على مساعي التنويع الاقتصادي، بل وربما تُقوّضها؟ سيؤدّي انخفاض عائدات الموادّ الهيدروكربونية إلى احتدام التنافس الإقليمي في سوق النفط والغاز إن لم يقابله تحسّنٌ في التعاون الإقليمي، في ظلّ سعي الدول إلى الحفاظ على حصتها داخل سوق آخذة في التقلّص. وقد أصبح هذا الواقع أكثر حدّةً منذ بداية الحرب مع إيران، التي أضعفت الإقبال العالمي على نفط دول الخليج وغازها بسبب ارتفاع المخاطر المُتصوَّرة. علاوةً على ذلك، أسفر تزايد انعدام الأمن عن تعطيل استراتيجيات التنويع في الخليج داخل القطاعات الشديدة التأثُّر بالأوضاع الأمنية، مثل الاستثمار الأجنبي المباشر، أو السياحة، أو التجارة.

في ظلّ هذه البيئة الأشدّ تقلّبًا، على الدول ابتكار مسارات نمو تتمتّع بقدرة أكبر على الصمود في وجه الصدمات وتقلّل من احتمالات التسبّب بها. ويتطلّب ذلك بناءَ علاقات ترابطٍ اقتصادي إقليمي لا تزال اليوم غير متطوّرة بما فيه الكفاية. وهذا يعني توسيع نطاق التجارة والاستثمار داخل المنطقة، والدفع نحو بنية أمنية إقليمية تقلّص المخاطر التي تواجه بيئة الأعمال وتحدّ من الاعتماد على أيّ ضامنٍ خارجي واحد، إلى جانب تنويع العلاقات الاقتصادية الخارجية في عالمٍ أصبح ينتظم بشكلٍ متزايد ضمن تكتّلاتٍ جيوسياسية. ويُسهم تعزيز القوة التفاوضية الإقليمية في إدامة هذه العلاقات المتنوّعة. قد يتّخذ ذلك شكل قوة ناعمة أكثر صلابة مستمدّة من إدارة أفضل للمنافع العامة الإقليمية، مثل حماية البيئة، وتحسين الأمن، ورعاية اللاجئين، ومنع انهيار الدول. وثمّة حجج أخرى لتعزيز التعاون الإقليمي من خلال تنمية السوق الإقليمية، مثل الحاجة إلى توجيه جزءٍ من المدّخرات المتراكمة نحو المنطقة، وهي مدّخراتٌ مُوظَّفة في أصول صناديق الثروة السيادية المستثمرة في الأسواق العالمية، في ظلّ تزايد مخاطر نزع الملكية أو مصادرة الأصول؛ والطابع الإقليمي للتحدّيات البيئية؛ وضرورة الحفاظ على طرق التجارة الإقليمية وتنويعها.

السؤال الخامس والأخير يتّسم بطابعٍ شامل: كيف تتفاعل هذه العناصر مع بعضها البعض، وفي ظلّ أيّ ظروف يمكن للمنطقة الانتقال من الحلقة المفرغة الراهنة إلى حلقة بنّاءة؟ يمكن للعناصر الآنفة الذكر أن تتفاعل بصورة إيجابية أو سلبية. فالوضع الحالي يؤجّج التوترات الإقليمية والمخاطر السياسية، ويُبقي الدول عالقةً في دوّاماتٍ من التدهور الاقتصادي والعنف، يُفاقم بعضها بعضًا وتزداد فيها حدّة المشاكل والتحدّيات. صحيحٌ أن أوجه التحوّل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية تتداخل في ما بينها على نحوٍ يولّد توتّرات هيكلية، بيد أن إحراز تقدُّمٍ على إحدى الجبهات قد يطلق زخمًا يَؤول إلى بلورة إصلاحاتٍ أوسع نطاقًا، ويؤسّس لحلقةٍ مثمرة تُيسّر بدورها إحراز مزيدٍ من التقدُّم:

  • فمن شأن التعاون الاقتصادي الإقليمي أن يعزّز إلى حدٍّ بعيد فرص التوصّل إلى اتفاق أمني إقليمي. يُضاف إلى ذلك أن العوائد المالية التي تجنيها المنطقة من استثمارات صناديق الثروة السيادية ستكون أعلى إذا وُجِّهَت نحو أسواقٍ كبيرة بدلًا من أسواق صغيرة. وتوطيد أواصر التعاون ضروري كذلك للتصدّي إلى تداعيات تغيُّر المناخ.
  • إن القدرة على بلورة سياسة صناعية لتطوير سلاسل قيمة جديدة في بيئة إقليمية آمنة كفيلةٌ بتمكين المنطقة من التفاوض على دورٍ أكثر إنصافًا ممّا تحصل عليه اليوم في ظلّ نظامٍ عالمي مُجزّأ.
  • ومن شأن انحسار الاضطرابات الإقليمية ونشوء سوقٍ إقليمية أن يوفّرا حوافز إيجابية تشجّع الأنظمة المتمنّعة عن الإصلاح على الاستثمار في النمو، ولا سيما في البلدان المتوسطة الدخل.

تقدُّم غير كافٍ في الإنتاجية والتنويع

على الرغم من أن بعض البلدان المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية أحرزت تقدُّمًا على مسار التنويع الاقتصادي، ما زالت اقتصاداتها في معظمها غير متنوّعة بالقدر الكافي. أما في البلدان المستوردة للنفط، فظلّت إنتاجية العمل متدنّية. نتيجةً لذلك، ينبغي أن يحتلّ تنويع الاقتصاد مكانةً هامّةً ضمن أهداف البلدان المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية، كما يتعيّن على البلدان المستوردة لهذه الموارد أن تتحرّك بعزمٍ أكبر لتعزيز كفاءتها. في غضون ذلك، يشهد العالم تغيُّرات من نواحٍ عدّة، ما يوفّر أسبابًا إضافية لتسريع جهود التنويع وزيادة الكفاءة.

إن الدول ذات النصيب الأعلى للفرد من عائدات النفط والغاز نجحت، من حيث القيمة المطلقة، في تنويع اقتصاداتها بدرجةٍ أكبر من الدول ذات النصيب الأدنى للفرد.

التنويع الاقتصادي: العوائق والمحفّزات

على مدى السنوات الخمسين الماضية، أدّت عوائد النفط والغاز إلى إثراء دول الشرق الأوسط، إذ مكّنتها من بناء دولٍ حديثة، وتطوير البنى التحتية، وتوفير الخدمات الاجتماعية لسكانها. وفي بعض البلدان المُنتِجة للنفط والغاز، وليس جميعها، ساهمت هذه العائدات أيضًا في تنمية قطاعاتٍ خاصة مُنتِجة خارج مجال الوقود الأحفوري. ومن المفارقات أن الدول ذات النصيب الأعلى للفرد من عائدات النفط والغاز نجحت، من حيث القيمة المطلقة، في تنويع اقتصاداتها بدرجةٍ أكبر من الدول ذات النصيب الأدنى للفرد (انظر الشكل 1). يبلغ نصيب الفرد من عوائد الموارد الهيدروكربونية أعلى مستوياته في الإمارات العربية المتحدة وقطر، غير أن هذه العوائد باتت تشكّل حصةً صغيرة من ناتجهما المحلي الإجمالي. ويعكس هذا الواقع نجاحهما في تنويع اقتصادَيهما على نطاق واسع في القطاعات غير الهيدروكربونية، فضلًا عن الإيرادات المالية المتأتّية من صناديقهما السيادية. في المقابل، يُعدّ نصيب الفرد من الإيرادات النفطية في العراق والجزائر متواضعًا نسبيًا، بيد أن هذه العوائد تشكّل حصةً كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي في البلدَين، لأن الإنتاج الوطني خارج قطاع الموادّ الهيدروكربونية لا يزال محدودًا.

تبقى معظم اقتصادات المنطقة شديدة الاعتماد على الموادّ الهيدروكربونية في بُعدَين إضافيَّين من أبعاد بنيتها الاقتصادية، وهما الإيرادات المالية والصادرات (انظر الشكل 2). ففي عُمان وقطر والكويت والعراق، تبلغ عائدات النفط والغاز ما يقارب عتبة 80 في المئة أو أكثر من إيرادات الموازنة العامة ومن إجمالي الصادرات. وتُحرز دولٌ أخرى تقدُّمًا في تنويع مصادر إيراداتها أو صادراتها أو كليَهما معًا. فالبحرين على سبيل المثال نجحت في تنويع صادراتها أكثر من أيّ دولة أخرى في مجلس التعاون الخليجي، إذ أصبحت نسبة 50 في المئة من إجمالي صادراتها غير هيدروكربونية. كذلك، باتت المملكة العربية السعودية والجزائر تستمدّان نحو 40 في المئة من إيرادات الدولة من مصادر غير هيدروكربونية. أما الإمارات فقد أحرزت تقدُّمًا على الجبهتَين معًا، إذ تتأتّى نسبة 30 في المئة من صادراتها و60 في المئة من إيرادات دولتها من مصادر غير هيدروكربونية.

لطالما طمحت البلدان المُنتِجة للموادّ الهيدروكربونية إلى تنويع اقتصاداتها، وثمّة أسباب وجيهة تدعوها إلى تسريع هذه العملية، نظرًا إلى أن نهاية مرحلة التعطّش العالمي إلى النفط والغاز بدأت تلوح في الأفق. ولن يحدث ذلك بسبب نضوب هذَين الموردَين، بل بفعل التراجع الحتمي في الطلب عليهما، ما سيؤدّي إلى تراجع إيرادات المنطقة من الموادّ الهيدروكربونية على المديَين المتوسط والطويل. ومن المُتوقَّع أن ينحسر الطلب العالمي على نفط المنطقة وغازها تدريجيًا لأسباب ثلاثة: التغيُّر التكنولوجي الذي سيفرض انخفاضًا في الطلب؛ والتحوّل في سياسات المناخ، ما سيدفع الدول إلى تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون؛ والمخاطر الخاصة بالشرق الأوسط التي قد تُثني شركات النفط والغاز والمُنتِجين عن الاستثمار في احتياطيات جديدة داخل المنطقة. يصعب كذلك التنبّؤ بوتيرة هذا التراجع في الإيرادات، لأنه لن يعتمد على الطلب العالمي فحسب، بل يتوقّف أيضًا على أسعار النفط والغاز، وعلى الحصة التي ستحتفظ بها المنطقة من الطلب العالمي.

التغيُّر التكنولوجي: بدأت مصادر الطاقة البديلة بالاقتطاع من حصة الموادّ الهيدروكربونية التي تُستخدم أساسًا في تشغيل قطاع النقل. فقد اتّسع استخدام المركبات الكهربائية بوتيرةٍ سريعة على مدى السنوات العشر الماضية، وهي مركبات تعمل بالكهرباء المولّدة من مصادر متنوّعة، من بينها الطاقة المائية والشمسية وطاقة الرياح، إضافةً إلى الطاقة النووية والوقود الحيوي والغاز والفحم. كذلك، سمح تطوير تقنيات البطاريات بأن تتساوى أسعار المركبات الكهربائية مع أسعار المركبات العاملة بمحرّكات الاحتراق الداخلي، وهو أمرٌ سيؤثّر على الطلب المستقبلي على الموارد الهيدروكربونية. وكانت الصين المحرّك الأساسي لهذه التطوّرات، حرصًا منها على اقتناص الفرص المتاحة في سوق عالمية جديدة في قطاع الطاقة المتجدّدة، وعلى ضمان استقلاليتها في مجال الطاقة. في الواقع، بذلت بيجينغ جهودًا حثيثة للتخلّص من اعتمادها على الوقود المستورد وحقّقت نجاحًا متزايدًا في هذا المسعى. فبين العامَين 2022 و2025، نجحت الصين في ترسيخ مكانتها كأكبر مُنتِج ومصدّر لتقنيات الطاقة المتجدّدة المتقدّمة والتنافسية.4 واعتبارًا من العام 2025، غدت في طليعة صناعة تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات، وأصبحت تصدّر إلى سائر دول العالم بدائل عن النفط والغاز بأسعار تنافسية.

التحوّل في السياسات المناخية: تعهّدت الدول الموقّعة على اتفاق باريس للمناخ في العام 2015، وعددها 196 دولة، بحصر ارتفاع متوسط درجة حرارة كوكب الأرض عند 1.5 درجة مئوية فقط من خلال خفض انبعاثات غازات الدفيئة.5 ومع أن مسار هذا الارتفاع ووتيرته لا يزالان غير مؤكَّدَين، سيتعيّن الحدّ من استهلاك الموادّ الهيدروكربونية لأنها من أكبر مصادر إنتاج ثاني أكسيد الكربون. لا بدّ من الإقرار بأن الالتزام الجماعي بتقليص البصمة الكربونية قد ضعف في أوروبا، وفي الولايات المتحدة خصوصًا، بفعل تزايد الضغوط على الموازنات العامة وتصاعد المعارضة في أوساط الفئات التي ستتكبّد خسائر جرّاء هذا التحوّل. مع ذلك، يوفّر التقدُّم التكنولوجي والتنافس الجيوسياسي حوافز جديدة لتجنّب الاعتماد على النفط والغاز وتطوير مصادر الطاقة المتجدّدة.

الحروب وانعدام الأمن: أدّت تداعيات الحرب مع إيران إلى تراجع الرغبة في شراء نفط الشرق الأوسط. وإذا لم تنحسر المخاطر بشكل ملحوظ، قد يهبط الطلب العالمي على النفط من المنطقة هبوطًا أشدّ حدّةً. وسينطوي ذلك على مفارقة، لأن كلفة إنتاج الموارد الهيدروكربونية في الخليج العربي هي الأدنى في العالم. وكانت الدول الخليجية تعوّل على الاستفادة من هذه الميزة لتظلّ من بين آخر الدول المُنتِجة للنفط والغاز في العالم بعد خروج سواها من السوق، بيد أن المخاطر الجيوسياسية تزيد من تكاليف النقل والتأمين على نحوٍ يبطل مفعول الميزة الجيولوجية.

تُظهر تقديرات حديثة صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة مدى التراجع المُحتمَل في عائدات الموادّ الهيدروكربونية.6 تعرض الوكالة ثلاثة سيناريوات: سيناريو صافي الانبعاثات الصفري بحلول العام 2050، وفقًا لما نصّ عليه اتفاق باريس؛ وسيناريو التعهّدات المُعلَنة، الذي يفترض الوفاء الكامل بجميع الالتزامات المناخية القائمة حتى آب/أغسطس 2023، وفي الموعد المُحدَّد؛ وسيناريو السياسات المُعلَنة، الذي يعكس سياسات الطاقة السارية حتى تاريخ آب/أغسطس 2023 (انظر الشكل 3 والإطار 1). بموجب سيناريو صافي الانبعاثات الصفري وسيناريو التعهّدات المُعلَنة، اللذَين يفترضان تغييرًا في السياسات، يُتوقَّع أن ينخفض الطلب العالمي على النفط بنسبة تتراوح بين 50 و75 في المئة بحلول العام 2050، وهذا تحوّلٌ هائل مقارنةً مع سيناريو السياسات المُعلَنة الذي يفترض استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه. وقد بدأ التغيير بالفعل، كما يتّضح من الهبوط الحادّ في الاستثمارات الرامية إلى تعزيز قدرات إنتاج النفط والغاز، مقابل ارتفاعٍ لا يقلّ حدّةً في الاستثمار في قدرات إنتاج الطاقة المتجدّدة حول العالم. ويصحّ ذلك على وجه الخصوص في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، التي تتصدّر مُجتمِعةً إنتاج الطاقة المتجدّدة. ومن المُتوقَّع أن تتراجع الإيرادات الإجمالية التي يجنيها مُنتِجو النفط والغاز بشكلٍ سريع في ظلّ سيناريو صافي الانبعاثات الصفري وسيناريو التعهّدات المُعلَنة. ويُمثّل الإنتاج في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا راهنًا حوالى 38 في المئة من الإنتاج العالمي. وفي السيناريوَين الأولَين، يُتوقَّع أن تتعرّض دول مجلس التعاون الخليجي لهبوطٍ حادّ في إيراداتها، حتى لو تمكّنت من زيادة حصتها من الطلب العالمي المتقلّص، بفضل انخفاض تكاليف الاستخراج لديها (كما يُظهر السيناريوان المُبيّنان بالخطَّين المتقطّعَين في الشكل 3). وحتى في سيناريو السياسات المُعلَنة، يُتوقَّع أن تتراجع عائدات بلدان المنطقة أيضًا، وإن بدرجةٍ أقلّ بكثير، بسبب تراجع الطلب وانخفاض الأسعار.

ثمّة سبب ثانٍ يدفع الدول إلى تنويع اقتصاداتها، ويتعلّق بالنمو السكاني وارتفاع مستويات التحصيل العلمي. فهذان العاملان يفرضان على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا توفير فرص عمل أكثر وأفضل لسكانها. لكن نصيب الفرد من ريوع النفط والغاز قد تراجع منذ العام 2010، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى انخفاض الأسعار، التي استقرّت عند نحو 60 دولارًا للبرميل الواحد قبل الحرب مع إيران (وهو رقمٌ يُرجَّح أن يهبط أكثر بعد تنفيذ وقفٍ نهائي للأعمال العدائية). لكن هذا التراجع في نصيب الفرد من الريع يُعزى أيضًا بصورةٍ كبيرة إلى الضغوط الديموغرافية التي ستواصل تدريجيًا زيادة التكلفة المالية لإعادة توزيع الثروة (انظر الشكل 4).

والأهم من ذلك أن النمو السكاني وتحسّن مستويات التحصيل العلمي يجعلان من المتعذّر الاستمرار في تعيين جميع المواطنين المتعلّمين في وظائف حكومية، كما كان يجري في بدايات عصر النفط والغاز. ففي الكثير من الدول المُنتِجة للموارد الهيدروكربونية، أصبح التعليم الثانوي شبه شاملٍ للجميع، ويحصل نحو نصف خرّيجيه على شهادة جامعية.7 وبالتالي، فإن دمجهم جميعًا في القطاع العام لا يشكّل عبئًا ثقيلًا على الدولة فحسب، بل يُمثّل أيضًا استخدامًا غير فعّال لإمكاناتهم. ويقتضي هذا التحدّي الجديد استحداث فرص عملٍ خارج نطاق الجهاز البيروقراطي، أي في الأنشطة الإنتاجية.

ينطبق ذلك بوجهٍ خاص على البلدان التي تعاني أصلًا من عجزٍ مالي كبير، مثل الجزائر والبحرين والعراق والسعودية، وقد واجهت جميعها صعوبةً في الحفاظ على نحو 40 في المئة من القوى العاملة في القطاع العام، وفي محاولة تحقيق توازنٍ في حساباتها المالية وسط انخفاض سعر برميل النفط إلى ما دون 100 دولار (انظر الشكل 5). أما التحدّي الذي تواجهه الكويت فأشدّ صعوبةً، إذ ما زالت الدولة توظّف أكثر من 80 في المئة من قوّتها العاملة الوطنية في القطاع العام، الأمر الذي يستلزم إنفاقًا ماليًا ضخمًا يولّد عجزًا ماليًا ما لم تبقَ أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة. ولا تستطيع سوى قطر والإمارات وعُمان تحمّل كلفة قطاعات عامة ضخمة، حتى في ظلّ انخفاض أسعار النفط والغاز. ونظرًا إلى ضرورة استثمار عائدات الموادّ الهيدروكربونية من أجل الاستعداد لاقتصاد الغد المنشود، وهو اقتصادٌ مُنتِج لا يقوم على النفط والغاز، ينبغي على الدول أن تموّل حصةً متزايدة من موازناتها بمصادر أخرى، مثل الضرائب. وعلى نحو أكثر طموحًا، يستلزم تراجع عائدات النفط والغاز استحداثَ صادرات جديدة لمواصلة توليد العملات الأجنبية. 

والسبب الثالث لتنويع الاقتصاد باتّجاه الأنشطة الإنتاجية هو إتاحة الفرص لاستثمار مدّخرات المنطقة داخل محيطها القريب، نظرًا إلى المخاطر المتنامية التي يطرحها عالمٌ يزداد تقلّبًا. وفي مثل هذا السياق، يقلّص الاستثمار في التنويع الاقتصادي المخاطرَ المُحدِقة بالأصول المالية للدول. حاليًا، تُستثمَر نسبة 42 في المئة من أصول صناديق الثروة السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي في الولايات المتحدة، و32 في المئة في أوروبا (انظر الشكل 6). لكن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بالغة الارتفاع في المنطقتَين كلتَيهما، ما يُنذر بازدياد حدّة المخاطر المُزعزعة للاستقرار على صعيد الاقتصاد الكلّي وفي سوق الصرف الأجنبي. في المقابل، لا تُستثمر في آسيا سوى 19 في المئة من أصول صناديق الثروة السيادية. ولا تتّجه سوى حصة ضئيلة جدًّا إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: فلا يتجاوز ما تستثمره هذه الصناديق من أصولها داخل دول مجلس التعاون الخليجي 3 في المئة، وداخل سائر بلدان الشرق الأوسط 4 في المئة. من منظور التنويع، سيكون من المنطقي استثمار حصة أكبر في آسيا والشرق الأوسط. وقد يبدو الاستثمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم محفوفًا بالمخاطر، لكنه مع مرور الوقت يمكن أن يسهم في دفع عجلة النمو إلى مستويات أعلى وتعزيز الأمن الإقليمي عبر ما ينشأ عنه من علاقات اعتمادٍ متبادل، فتزداد بذلك المدّخرات المخصّصة للأجيال المقبلة أمانًا على المدى الطويل.

الإطار 1. مستقبل الطلب على نفط الشرق الأوسط


كارين يونغ

يَخلص تقرير آفاق الطاقة العالمية للعام 2025 الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة إلى أن النفط سيستمرّ في الهيمنة على مزيج الطاقة العالمي حتى العام 2050 إذا بقيت السياسات القائمة على حالها. وسيتَركّز نمو الطلب على النفط بمعظمه في بلدان الجنوب العالمي، حيث ستستحوذ الهند وسائر آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا على الحصة الأكبر من نمو الطلب العالمي على النفط في المدى الطويل، ليزداد طلب الهند وحدها بمقدار 8.2 ملايين برميل يوميًا، فيما يُتوقَّع أن يتراجع طلب دول منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بمقدار 8.5 ملايين برميل يوميًا. ويُعدّ الغاز الطبيعي المُسال المورد الهيدروكربوني الأسرع نموًّا، وذلك لتلبية الطلب الهائل على الكهرباء من أجل تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

من المُحتمَل أن تدفع الحرب مع إيران دولًا عدّة إلى خفض طلبها على النفط في قطاعات النقل لديها بوتيرة أسرع. وقد يخلّف هذا الاضطراب القصير الأجل تداعيات على المدى الطويل، مع بدء تغيُّر النظرة العالمية إلى مضيق هرمز بوصفه ممرًّا موثوقًا لنقل النفط. وسيكمن التحدّي أمام البلدان المُنتِجة للنفط في الخليج والشرق الأوسط في احتمال توجُّه الإنفاق الرأسمالي بشكلٍ أكبر نحو مناطق أخرى، مثل الأميركيتَين وأفريقيا، إذ إن الاهتمام العالمي بأمن الطاقة وبتنويع مصادر الإمداد يبرّر إطلاق عمليات استكشافٍ وإنتاج جديدة.

ولا تقف البلدان المُنتِجة في الخليج وشركاتها الوطنية مكتوفة الأيدي إزاء هذا التحوّل، بل تتبنّى استراتيجيةً مدروسة ومتعدّدة المسارات. أولًا، هي تتوسّع بقوة في المراحل اللاحقة من سلسلة القيمة: فتُعدّ البوليمرات المتقدّمة والموادّ الكيميائية المتخصّصة ركيزةً أساسية في الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)؛ ويدمج مجمّع الرويس الصناعي التابع لشركة بترول أبو ظبي الوطنية (أدنوك) بين تصنيع الموادّ البتروكيميائية، وإنتاج الهيدروجين، وتقنيات احتجاز الكربون؛ فيما تُركّز شركة قطر للطاقة بشكل متزايد على تصدير الغاز الطبيعي المُسال المنخفض الكربون ومشتقات الهيدروجين. ثانيًا، تعمل هذه الدول على تثبيت الطلب الآسيوي باعتبار آسيا سوقها الرئيسة، من خلال زيادة الاستثمارات في مجالَي تكرير النفط وإنتاج الموادّ البتروكيميائية (وأيضًا توسيع قدرات تخزين النفط في سياق ما بعد الحرب) في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ حيث يتَركّز نمو الاستهلاك. ثالثًا، تتمتّع هذه الدول بتكاليف استخراج متدنّية للغاية - إذ تُنتج شركة أرامكو السعودية البرميل بتكلفةٍ تتراوح بين 3 و5 دولارات تقريبًا – ما سيمنحها ميزةً بنيويةً مقارنةً مع المُنتِجين ذوي التكاليف الأعلى، الذين سيجدون أنفسهم مضطرّين إلى خفض إنتاجهم بشدّة أو حتى وقفه كلّيًا. وفي سيناريو السياسات الحالية الذي تعتمده الوكالة الدولية للطاقة، يُتوقَّع أن يكون إنتاج الدول الأعضاء في تحالف أوبك+ في العام 2050 أعلى بنسبة 15 في المئة من أيّ وقتٍ مضى في تاريخ أسواق النفط. لكن السُبل التي سيحافظ بها تحالف أوبك+ على تماسكه تبقى أمرًا أقلّ وضوحًا. فخروج الإمارات العربية المتحدة من منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) في أيار/مايو 2026 أرسى سابقةً لمُنتِجين إقليميين راغبين في الاستثمار الآن لزيادة إنتاجهم والوصول إلى الأسواق ما دام الطلب قويًا والأسعار متماسكة. وهم يَعمَدون إلى تعزيز مصادر الطاقة المتجدّدة لديهم لا لاعتباراتٍ مناخية، بل لتحلّ محلّ النفط الخام المُستخدَم محليًا في توليد الطاقة الكهربائية، ما يتيح مزيدًا من البراميل للتصدير.

علاوةً على ذلك، قد يكون للوضع الجيوسياسي الراهن تأثيرٌ أطول أمدًا على الطلب على النفط من خلال تسريع وتيرة استخدام مصادر الطاقة المتجدّدة، ولا سيما عبر انتشار المركبات الكهربائية. في غضون ذلك، تبعث التطوّرات الجيوسياسية الجارية إشاراتٍ متباينة بشأن وتيرة التحوّل في قطاع الطاقة. فالحواجز التجارية وتصاعد النزعة الحمائية يزيدان من مخاطر التباطؤ الاقتصادي العالمي، ما يقلّص بدوره استهلاك الموادّ الهيدروكربونية، ويزيد من صعوبة وكلفة الاستثمار الرأسمالي في مصادر الطاقة النظيفة والوقود الأحفوري على السواء. كذلك، تُفاقم النزاعات وتنامي السياسات القومية المخاطر المُحدِقة بأمن الطاقة، ما يدفع البلدان إلى تفضيل الوقود الأحفوري ومصادر الطاقة المتجدّدة المُنتَجة محليًا على مصادر الطاقة المستوردة. في الوقت نفسه، يعكس نهج الصين التصديري توجُّهَها نحو مواصلة توجيه فائضها من مُنتجات التكنولوجيا النظيفة – مثل الألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية - نحو الاقتصادات النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ووفقًا لدراسة أجرتها منصّة بلومبرغ إن إي إف، ارتفعت حصة الصين من صادرات التكنولوجيا النظيفة إلى الاقتصادات الناشئة من 23 إلى 31 في المئة منذ العام 2022.1

ومن المُرجَّح أن يحدث التحوّل على مسارَين متباينَين: مسار أبطأ في الولايات المتحدة والاقتصادات المتضرّرة من الحرب التجارية، ومسار أسرع في معظم أنحاء آسيا وأوروبا. أما المُنتِجون في الشرق الأوسط، بما لديهم من ميزة تكلفة لا تُضاهى وتوجُّه مقصود نحو الموادّ البتروكيميائية والأسواق الآسيوية، فيهيّئون أنفسهم ليكونوا آخر مُنتجين للموارد الهيدروكربونية، أي الباقين من عملية غربلة تمتدّ عقودًا بين المُنتِجين حول العالم. والخطر الحقيقي الذي يواجهونه ليس انهيار الطلب على المدى القريب، بل حلول عالمٍ تُهيمن فيه المركبات الكهربائية على قطاع النقل خلال أربعينيات هذا القرن، بينما تصبح الموادّ البتروكيميائية آخر مجال استخدامٍ أساسي متبقٍّ للنفط الخام. الواقع أن الطلب العالمي على النفط يبلغ اليوم أقوى مستوياته في قطاع النقل البري؛ ومع تراجع هذا الطلب، يُرجَّح أن يظلّ سائر الطلب متماسكًا في مجالات الموادّ البتروكيميائية، والصناعات التحويلية والبناء، إضافةً إلى الطيران والشحن.

الهوامش

1 Antoine Vagneur-Jones, Stephanie Muro Padilla, Matthew Hales, “Clean Energy Trade and Emerging Markets: the Impact of Tariffs on the Energy Transition,” Bloomberg NEF, October 30, 2025, https://about.bnef.com/insights/clean-energy/clean-energy-trade-and-emerging-markets-the-impact-of-tariffs-on-the-energy-transition

ضرورة تركيز البلدان المستوردة للنفط على تحسين إنتاجية العمل 

تواجه البلدان المتوسطة الدخل المستوردة للموادّ الهيدروكربونية تحدّيًا رئيسًا يختلف عن ذاك الذي تواجهه البلدان المصدّرة، على الرغم من أن التحدّيَين يرتبطان بموضوع النفط والغاز. ففيما تستفيد هذه الدول مباشرةً من انخفاض أسعار النفط والغاز، يمكن أن يُلحِق بها تراجعُ عائداتهما في المنطقة أضرارًا غير مباشرة. فعلى وجه الخصوص، تعتمد البلدان المتوسطة الدخل المستوردة للموادّ الهيدروكربونية اعتمادًا كبيرًا على التحويلات المالية من المغتربين وتدفّقات رأس المال من دول مجلس التعاون الخليجي، وكلاهما سيتراجع مع تراجع عائدات هذه الموارد (انظر الشكل 7). ويتجلّى هذا الأمر بشكل خاص في ظلّ تركيز دول مجلس التعاون أكثر فأكثر على توظيف المزيد من مواطنيها و"توطين" نسبة أكبر من الوظائف لهذا الغرض.8 فضلًا عن ذلك، تُوجِّه هذه الدول معظم رؤوس أموالها نحو الاستثمار المحلي. وباستثناء المغرب وتونس والأردن، تفوق تحويلات المغتربين في البلدان المستوردة للنفط والغاز العائدات المتأتّية من صادراتها الصناعية. ونظرًا إلى نقص الموارد في هذه الدول، ينبغي أن يكون هدفها الرئيس تحسين إنتاجية العمل عن طريق رفع كفاءة اقتصاداتها.

أما إحراز التقدُّم في التنويع والأداء الاقتصاديَّين، فسيعتمد على مواكبة التحوّلات العالمية. لقد شهد الاقتصاد العالمي تحوّلًا عميقًا خلال العقد الماضي، تجلّى في ثلاثة تطوّراتٍ رئيسة جديرة بالذكر: التطوّر السريع للتكنولوجيا المتقدّمة والذكاء الاصطناعي؛ وإعادة تشكُّل العولمة، بحيث تدفع التباينات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين إلى تَمركُز سلاسل القيمة الاستراتيجية ضمن نطاقاتٍ إقليمية؛ والتحدّي المُلِحّ المتمثّل في التكيّف مع تداعيات الاحترار العالمي، والبدء بالتحوّل الأخضر في عمليات الإنتاج. تنطوي هذه التحوّلات على فرصٍ جديدة قيّمة يمكن أن تدفع عجلة النمو، وإن كانت البلدان المتوسطة الدخل تواجه صعوبةً أكبر في مواكبتها ممّا تواجهه البلدان المرتفعة الدخل.

الواقع أن هياكل الإنتاج العالمية يُعاد تشكيلها بفعل التقدُّم التكنولوجي، ولا سيما تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واستخدام الروبوتات. ويتيح التحوّل الرقمي، الذي لم تَعُد القيمة فيه تُستمَدّ من رأس المال بل من المعرفة، فرصةً لتحسين إنتاجية العمل واستحداث وظائف مُجزية الأجر، خصوصًا في قطاع الخدمات. وهو أيضًا أداةٌ مهمّةٌ لتحديث الخدمات الحكومية. مع ذلك، لا بدّ من وضع سياسات تَحول دون نشوء فجوات في النفاذ إلى التكنولوجيا الرقمية ودون تزايُد استقطاب سوق العمل بين وظائف عالية الأجر وأخرى متدنّية الأجر، على حساب الوظائف المتوسطة.9 ففيما شهدت البلدان المرتفعة الدخل زيادةً كبيرةً في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والرقمنة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال البلدان المتوسطة الدخل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المراحل الأولى من هذا المسار. وقد حقّقت البلدان المتوسطة الدخل، بفضل استثماراتها في البنية التحتية الرقمية، أي في الجانب "المادّي" من التحوّل الرقمي، نموًّا قويًّا في عدد الاشتراكات في خدمات الإنترنت ذات النطاق العريض المتنقّل والثابت، وكذلك في استهلاك بيانات الهاتف المحمول.10 مع ذلك، يشكّل تدنّي مستويات المهارات عائقًا أمام تقدُّم هذه الدول في المرحلة الراهنة، ناهيك عن أن السياسات الكفيلة بأن يسهم الذكاء الاصطناعي في استحداث فرص العمل بدلًا من القضاء عليها لا تزال في مراحلها الأولى.

بعد عقودٍ من العولمة المُفرَطة، تقف التجارة العالمية عند نقطة تحوّل، إذ ثمّة توجُّه متواصل نحو نقل مواقع الإنتاج لتكون أقرب إلى المستهلكين. ومن شأن هذا التوجُّه أن يخفّف المخاطر الجيو-استراتيجية المتنامية من خلال توجيه الإنتاج إلى دولٍ مجاورة تكون العلاقات معها أكثر ودّية. فضلًا عن ذلك، يشمل تطبيق السياسات الخضراء في أوروبا فرض ضرائب على السلع المُنتَجة في بلدان ذات معايير بيئية متدنّية (من خلال ما يُعرَف بآلية تعديل ضريبة الكربون الحدودية)، الأمر الذي يعزّز الحوافز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتبنّي تقنيات إنتاجٍ أكثر مراعاةً للبيئة.11 وتفضيلُ الإنتاج في الدول الأقرب إلى أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن يعود بالنفع على البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة، إذ يوفّر مزايا تنافسية لقطاعاتها التصنيعية. وفي ظلّ هذه التحوّلات العالمية في مجال الإنتاج، تستطيع البلدان المتوسطة الدخل الاستفادة من تركيبتها السكانية الشابة، وموقعها الجغرافي، ومقوّماتها الثقافية. أما القطاعات الواعدة في هذا المجال، فتشمل الخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدّمة، فضلًا عن الزراعة العالية القيمة والصناعات الزراعية.

ثمّة تجاذب بين سياسات التنويع الاقتصادي والسياسات التجارية، يستلزم ضبطًا دقيقًا لهاتَين الاستراتيجيتَين. فغالبًا ما تعتمد سياسات التنويع على آليات حماية انتقائية، وعلى الدعم الحكومي، ومتطلّبات المحتوى المحلي، والتفضيلات في المشتريات العامة، والدعم الاستراتيجي للقطاعات الناشئة، الأمر الذي يولّد مفارقة. فلا غنى عن تعزيز الاندماج في الأسواق العالمية والإقليمية لجذب الاستثمارات، والنفاذ إلى التكنولوجيا، والانخراط في سلاسل القيمة، وتنمية قطاعات إنتاجية مُوجَّهة نحو التصدير، غير أن تحرير التجارة المُفرَط أو تطبيقه بتدرّج غير ملائم لا يؤدّي إلا إلى تسريع انكماش الأنشطة الصناعية. وقد حفّز الانفتاح التجاري في عددٍ من دول المنطقة نمو الواردات بوتيرةٍ أسرع بكثير ممّا عزّز تنويعَ الصادرات، ما فاقم الاختلالات الخارجية ورسّخ أنماط الاستهلاك المُعتمدة على الريع، بدلًا من تحفيز التحوّل الإنتاجي.

ولا تكمن المسألة في ما إذا كان الانفتاح مرغوبًا فيه أم لا، بل في كيفية ترتيب مراحل الاندماج على نحوٍ يدعم التحوّل الإنتاجي بدلًا من تقويضه. فمن شأن مزيدٍ من التكامل الاقتصادي داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نفسها أن يتيح إنشاء أسواقٍ انتقالية تتمتّع بدرجةٍ أكبر من الحماية، وتكون قادرة على احتضان سلاسل القيمة، وأوجه التكامل الصناعي، ووفورات الحجم، قبل رفع الحماية بالكامل أمام المنافسة العالمية. لكن التشظّي السياسي وتباين الاستراتيجيات الوطنية لا يزالان يحدّان من هذه الإمكانيات. في هذا السياق، ينبغي ألا يُنظَر إلى الاتفاقيات التجارية على أنها مجرّد أدوات تجارية، بل بوصفها أدوات استراتيجية في الاقتصاد السياسي، قادرة إما على تسهيل التنويع الاقتصادي المُخطَّط له على المدى الطويل في المنطقة، وإما على عرقلته.

ينبغي ألا يُنظَر إلى الاتفاقيات التجارية على أنها مجرّد أدوات تجارية، بل بوصفها أدوات استراتيجية في الاقتصاد السياسي، قادرة إما على تسهيل التنويع الاقتصادي المُخطَّط له على المدى الطويل في المنطقة، وإما على عرقلته.

فضلًا عن ذلك، يشكّل تغيُّر المناخ، وهو من أبرز العوامل المؤثّرة في المنطقة، تعقيدًا إضافيًا. فمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شديدة التأثُّر بتغيُّر الظواهر المناخية، من خلال ارتفاع درجات الحرارة ومستويات سطح البحر، وتقلّب معدّلات هطول الأمطار، والتصحّر، وتفاقم ندرة المياه العذبة. وتحتاج البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة إلى استثمارات ضخمة للتكيّف مع الاحترار العالمي على نحو يجنّبها تباطؤ النمو وحدوث تداعيات سلبية في توزيع الأعباء. مع ذلك، بقيت السياسات الموضوعة لهذا الغرض محدودةً حتى الآن. ويعود أحد أسباب ذلك إلى أن التكيّف مُكلِفٌ، حتى وإن كانت كلفة التقاعس أفدح بكثير. ونظرًا إلى ما قد تُحقّقه هذه المشاريع من منافع عامة مُحتمَلة، يتعيّن على الدولة تمويلها وتنفيذها، علمًا أن توفير التمويل اللازم يتطلّب تحسين الحوكمة. لكن البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة تتمتّع أيضًا بإمكانات كبيرة في مجال الطاقة المتجدّدة، وبصورة أعمّ، في تنمية "اقتصادها الأخضر". فقد بدأت مصر والأردن والمغرب وتونس بالابتكار في هذا القطاع، من خلال تشغيل محطات كبرى للطاقة الشمسية وتحويل هذه الطاقة إلى هيدروجين.12 وستتمكّن البلدان القريبة جغرافيًا من أوروبا، على نحوٍ متزايد، من تصدير الطاقة المتجدّدة، مثل الكهرباء والهيدروجين، إلى الدول الأوروبية. وفيما قد تشكّل آلياتٌ، مثل آلية تعديل ضريبة الكربون الحدودية، تحدّيًا للمُصدّرين التقليديين، تستطيع دول المنطقة الاستفادة من وفرة أشعة الشمس لديها لتطوير مُنتجات مُصنَّعة باستخدام الطاقة المتجدّدة، يمكنها دخول الأسواق الأوروبية من دون رسومٍ جمركية، ما يشكّل ميزةً نسبية بالغة الأهمية في سياق التحوّل الأخضر.

مسارات التنويع والكفاءة: الأداء والتحدّيات وسُبل المضيّ قدمًا

بناءً على الأداء الاقتصادي الأخير، يمكن تصنيف دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى مجموعتَين: البلدان المرتفعة الدخل التي تتألّف من دول مجلس التعاون الخليجي، والبلدان المتوسطة الدخل التي يمكن تقسيمها بدورها إلى بلدان مصدّرة للنفط وبلدان مستوردة له. تعتمد البلدان المصدّرة للنفط، سواء المرتفعة الدخل أو المتوسطة الدخل، اعتمادًا مباشرًا على عائدات النفط والغاز، بينما تعتمد عليها البلدان المتوسطة الدخل المستوردة للنفط بشكلٍ غير مباشر، عبر التحويلات المالية من المغتربين وتدفّقات رأس المال من دول مجلس التعاون الخليجي بصورة أساسية. فالدافع إلى تنويع الاقتصاد أقوى لدى البلدان المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية، في حين أن الحافز على تحسين الكفاءة أكثر إلحاحًا لدى البلدان المستوردة لهذه الموارد.

دأبت البلدان المرتفعة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية منذ فترة على استثمار جزءٍ كبير من عائداتها النفطية في تنويع اقتصاداتها ورفع إنتاجيتها. وقد تَحقّقت نجاحاتٌ أولية، فيما بانت التحدّيات المُقبلة بوضوحٍ أكبر. وسيتطلّب تحديث هيكل الإنتاج سياساتٍ صناعية تحفّز على الابتكار واستثمارات ضخمة من أجل إنشاء سلاسل قيمة جديدة قادرة على المنافسة عالميًا. وليس التمويل العائقَ الرئيس، بل يكمن التحدّي الأساسي في إرساء الضوابط والموازين وآليات المتابعة والتصحيح، تفاديًا للرهانات الخاسرة التي تفضي في نهاية المطاف إلى مشاريع مُكلِفة بلا طائل.

لم تتمكّن البلدان المتوسطة الدخل من تعزيز قدرتها على الصمود في وجه الصدمات ولا من تحسين إنتاجية العمل. وقد تفاقمت أوجه الضعف هذه جرّاء الاضطرابات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية المتتالية في أعقاب فترة 2010–2011، حين أطاحت الانتفاضات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأنظمةٍ ظلّت في الحكم عقودًا. ومالت البلدان المصدّرة للنفط والغاز بشكلٍ أساسي إلى استهلاك عائداتها بدلًا من استثمارها. أما البلدان المستوردة للموادّ الهيدروكربونية، فلجأت إلى الاقتراض من الخارج للتخفيف من حدّة الصدمات ودعم الاستهلاك، فراكمت ديونًا عامة بلغت حدًّا غير مستدام. والواقع أن هاتَين المجموعتَين من الدول ستتأثّران بتراجع الطلب على الموادّ الهيدروكربونية، سواء بصورةٍ مباشرة عبر انخفاض الإيرادات، أو بطريقةٍ غير مباشرة من خلال انحسار التحويلات المالية والمساعدات. لذا، تكتسب زيادة الاستثمارات وتحسين إنتاجية العمل أهميةً بالغة لكلٍّ من البلدان المستوردة وكذلك المصدّرة للنفط والغاز.

دول مجلس التعاون الخليجي المرتفعة الدخل

لطالما كان التنويع الاقتصادي هدفًا في دول الخليج، لكنه بات أكثر إلحاحًا على مدى السنوات الأخيرة. وقد أطلقت دول مجلس التعاون الخليجي بين العامَين 2008 و2019 برامج إصلاح اقتصادي واجتماعي طموحة، غالبًا ما يُشار إليها بـ"الرؤى الوطنية"، وتهدف إلى تخفيف اعتماد المنطقة على النفط. ففي العام 2008، كانت البحرين وقطر وإمارة أبو ظبي في دولة الإمارات سبّاقةً في إطلاق خططٍ تنموية طويلة المدى خاصّة بكلٍّ منها حملت اسم رؤية 2030، في أعقاب الانهيار المالي والاقتصادي العالمي. وفي العام 2010، استكملت الإمارات العربية المتحدة هذه الخطوة بإطلاق رؤية 2031 موحّدة تشمل البلاد بأكملها. وفي العام 2016، أطلقت السعودية "رؤية 2030"، التي سرعان ما لاقت اهتمامًا دوليًا واسعًا بحكم حجم اقتصادها ومكانتها المحورية في أسواق الطاقة العالمية. ثم جاءت رؤية الكويت 2035 ورؤية عُمان 2040 في العامَين 2017 و2019 على التوالي.

تشترك هذه "الرؤى" في طموحها إلى بناء اقتصادات متنوّعة ومُنتِجة يقودها القطاع الخاص، من خلال استحداث فرص عمل في قطاعات قادرة على المنافسة عالميًا. وقد سعت بأساليب شتّى إلى تحسين أوضاع المالية العامة في بلدانها، وزيادة الاستثمارات المُنتِجة (بوسائل عدّة، منها جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة)، وتعزيز فاعلية الحكومة، وتزويد القوى العاملة بمهارات حديثة، وتقوية بيئة الأعمال، وتحويل القطاع الخاص إلى محرّكٍ للنمو.

وتباينت وتيرة الإصلاحات على نحوٍ متزايد في السنوات الأخيرة. فقد تقدّمت الإمارات على سائر البلدان، في حين أن الدول الخليجية الأصغر والأقلّ ثراءً، مثل عُمان والبحرين، تخلّفت عن الركب وباتت تواجه تحدّياتٍ هيكلية واضحة في ماليّتها العامة.13 وفي السعودية، أفضت "رؤية 2030" إلى بروز ثقافة أكثر انفتاحًا، إلى جانب رقمنة الخدمات الحكومية، وارتفاع مشاركة المرأة في القوى العاملة على نحوٍ لافت، واستحداث ضرائب جديدة، وإصلاح أنظمة الدعم. لكن في مجالاتٍ أخرى، بقيت المكاسب أكثر تواضعًا.14

ولتطوير قطاعاتٍ جديدة، تختبر دول مجلس التعاون الخليجي سياساتٍ صناعية نشطة. ففي السعودية مثلًا، أدّى صندوق الاستثمارات العامة دورًا محوريًا في هذا المسعى عبر الاستثمار بشكلٍ مكثّف في القطاع المُنتِج، إذ يضخّ في الاقتصاد المحلي سنويًا ما يعادل نحو 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة. وقد أُسندت إلى الصندوق مَهمّة دعم الإصلاحات بسُبلٍ عدّة من بينها: إدارة الشركات المملوكة للدولة على أُسُس تجارية، وتحسين إنتاجيتها، وتهيئتها للخصخصة؛ وإطلاق مشاريع مُبتكَرة وإنشاء شركات جديدة قادرة على تحقيق النجاح في مجالاتها بالشراكة مع القطاع الخاص؛ والاستثمار في مشاريع ضخمة تُعيد تشكيل الاقتصاد بطرق جذرية (مثل نيوم، والقدّية، والبحر الأحمر) وتتيح فرصًا استثمارية للقطاع الخاص؛ ودعم نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الشركات الناشئة على التوسّع، والمساهمة في تمويلها، وفتح أسواق أمام أعمالها؛ والمساعدة في بلورة السياسات الحكومية وبناء المؤسسات الداعمة للنمو الاقتصادي.

لكن الفجوة لا تزال كبيرة بين الطموحات والواقع. فجهود الإصلاح لا ترقى، في جزءٍ منها، إلى مستوى الأهداف المنشودة، وخصوصًا تلك المتعلّقة بتوفير فرص عملٍ كافية ومناسِبة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب المتعلّمين، وهو ما يتطلّب تحويل القطاع الخاص إلى محرّكٍ للابتكار والنمو.15 ففي المملكة العربية السعودية، تَمثّل الهدف في زيادة حصة القطاع الخاص من الناتج المحلي الإجمالي من 40 في المئة في العام 2016 إلى 65 في المئة في العام 2030، غير أن هذه الحصة لم تتجاوز 43 في المئة في العام 2025. كذلك، وضعت السعودية هدفًا يقضي برفع حصة صادرات الموادّ غير الهيدروكربونية إلى 50 في المئة من إجمالي الصادرات بحلول العام 2030، إلا أن هذه النسبة لم تبلغ سوى 27 في المئة في العام 2025، مسجّلةً ارتفاعًا طفيفًا عن النسبة الأساسية البالغة 16 في المئة في العام 2016. ولا تُمثّل صادرات الموادّ غير الهيدروكربونية سوى 10 في المئة تقريبًا من إجمالي الصادرات في الكويت وقطر، و25 في المئة في عُمان، فيما تتجاوز نسبتها 50 في المئة في الإمارات والبحرين.16 ولا يزال نشاط القطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي يعتمد إلى حدٍّ كبير على المشاريع المُموَّلة حكوميًا وعلى الاستهلاك، وكلاهما مدعومٌ بعائدات النفط والغاز. وفي البحرين، لا تُمثّل الموارد الهيدروكربونية سوى حصة صغيرة من الناتج المحلي الإجمالي، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى بدء نضوب الاحتياطيات، لكن البلاد تواصل دعم النشاط الاقتصادي بصورةٍ غير مباشرة من خلال التحويلات والإنفاق من البلدان المجاورة.17

لا يزال من الضروري بذل الكثير من الجهود من أجل تحقيق تنويع اقتصادي فعلي. يُظهر الشكل 8 موقع دول مجلس التعاون الخليجي من حيث التنويع الاقتصادي مقارنةً مع مناطق أخرى. ويقيس مؤشّر التنويع، الذي أعدّته كلّية محمد بن راشد للإدارة الحكومية في دبي، مدى نجاح الاقتصادات في تنويع الإنتاج والتجارة والإيرادات الحكومية بعيدًا عن النفط والغاز.18 وتقع جميع دول مجلس التعاون الخليجي دون خطّ الاتّجاه العالمي. تتصدّر الإمارات دول المجلس، تليها عن كثب الكويت والبحرين والسعودية، فيما تتأخّر قطر وعُمان عن الركب. وتوحي المؤشّرات الفرعية (غير المُبيَّنة) بأن الجزء الأكبر من التقدُّم تَحقّق في مجال إنتاج السلع غير القابلة للتداول التجاري، وتلاه تقدُّمٌ متواضع في إنتاج السلع القابلة للتداول التجاري التي يمكن تصديرها.

ثمّة أربعة تحدّيات ينبغي التغلّب عليها كي تتمكّن دول مجلس التعاون الخليجي من تنويع اقتصاداتها على نحو مستدام. يتمثّل التحدّي الأول في تحديد المزيد من المجالات التي يمكنها المنافسة فيها على الصعيد الدولي. أما الثاني، فهو انتهاج سياسات صناعية فعّالة من خلال تحديد الدور المناسب للدولة، سواء بوصفها مستثمرًا أو جهةً تنظيمية أو جهة تخطيط. ويكمن التحدّي الثالث في تفادي الوقوع في فخّ رأسمالية الدولة ومغرياتها، والعمل بدلًا من ذلك على تعزيز القطاع الخاص وقدرته على الابتكار. والتحدّي الرابع هو إقناع النخب الاقتصادية والحاكمة بتقبُّل نمو الشركات المستقلة، حتى وإن هدّدت هذه الأخيرة الحصص السوقية لتلك النخب، بل وحتى هيمنتها السياسية.

إذًا، يتمثّل التحدّي الأول في إنتاج سلع وخدمات قادرة على المنافسة عالميًا. لا ينطوي إنتاج السلع غير القابلة للتداول، ولا سيما الخدمات، على صعوبة كبيرة، نظرًا إلى أن الأسواق المحلية محميّة بطبيعتها. لذا، المسألة الأساسية هي الكلفة. فقد تكون كلفة خدمة قصّ الشعر أقلّ إذا تولّى المَهمّة عاملٌ وافد من بلد فقير بدلًا من مواطن، لكن يُحتمَل أن تصرّ الدولة على أن يتولّى مواطن هذه المهنة، حتى بأجرٍ أعلى، في ظلّ الضغوط الرامية إلى توفير فرص عملٍ للمواطنين. أما إنتاج السلع القابلة للتداول، فهو أكثر صعوبةً، إذ ينبغي إنتاجها بكلفة تنافسية كي تتمكّن من الصمود أمام المنافسة الخارجية. والسؤال المطروح هو ما إذا كان بالإمكان تحسين القدرة التنافسية بالقدر الكافي ليصبح إنتاج السلع القابلة للتداول مُربِحًا خارج المجالات البديهية مثل السياحة. في هذا الإطار، يتبلور عددٌ من المزايا التنموية الإيجابية، منها أن العائدات الضخمة التي تجنيها دول مجلس التعاون الخليجي من النفط والغاز تُتيح لها تمويل استثمارات كبيرة في مجالات مثل الموادّ البتروكيميائية والألمنيوم والأسمدة، حيث أصبحت قادرة على المنافسة عالميًا. كذلك، يمكن لقطاعات أخرى آخذة في النمو، مثل السياحة والضيافة، الاستفادة من اليد العاملة الأجنبية المنخفضة الكلفة نسبيًا.

ثمّة أيضًا ميزة جغرافية، تتمثّل في وقوع دول الخليج عند ملتقى أسواق كبرى في الشرق والغرب، وهي ميزة ترى السعودية، في إطار رؤية 2030، أنها تتيح لها بناء مركز صناعي عملاق وحديث على غرار أوروبا. لكن هذه الدول تواجه أيضًا قيودًا تقنية مرتبطة بوقوعها في بقعةٍ من العالم تتّسم بدرجات حرارة مرتفعة، ويُتوقّع أن تزداد ارتفاعًا. فتحتلّ دول مجلس التعاون الخليجي أساسًا المرتبة الأعلى عالميًا من حيث نصيب الفرد من استهلاك النفط والغاز، اللذَين تعتمد عليهما في تحلية المياه، وتكييف المنازل والمكاتب، وتشغيل المركبات على الطرق السريعة في مدن حديثة تفتقر عمومًا إلى وسائل النقل العام. وإذا أُضيفت إلى ذلك الانبعاثات الناجمة عن إنتاج النفط والغاز، تصبح هذه الدول في طليعة الدول المُنتِجة لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وعند احتساب الأرقام على أساس نصيب الفرد، تحتلّ قطر المرتبة الأولى عالميًا، تليها البحرين والكويت في المرتبتَين الثانية والثالثة على التوالي.19

أما التحدّي الثاني، فيكمن في إنشاء صناعات من الصفر. فالسياسات "الأفقية" - أي التي تسري على الاقتصاد كلّه ولا تستهدف مجالاتٍ بعينها - لا تكفي لإنشاء قطاعات جديدة. على سبيل المثال، يستلزم إطلاق قطاعٍ سياحي توفيرَ البنية التحتية والفنادق والمهارات الجديدة والمتاحف والخدمات المتخصّصة وما إلى ذلك. وفي خضمّ هذا التحوّل، تصطدم الشركات، كلٌّ منها على حدة، بجملةٍ من إخفاقات السوق التي قد تعرقل نجاحها على المدى الطويل وتستدعي تدخّلًا حكوميًا، منها: تقليد المنافسين لها؛ والحاجة إلى الاعتماد على سلع وخدمات أخرى لم تُنتَج أو تُوفَّر بعد (مثل التدريب المهني)؛ وخطر انتقال العمّال الذين تُنفِق الشركات مبالغ طائلة على تدريبهم إلى شركات منافِسة.

وكما هي حال السياسات الصناعية عمومًا، لا يكمن السؤال في ما إذا كان التدخّل الحكومي ضروريًا لمساعدة الشركات على الانطلاق، بقدر ما يكمن في كيفية تنفيذه بصورة فعّالة.20 فعندما تقرّر الدولة مَن ستدعم من أجل إنشاء شركات وطنية رائدة في مجالات جديدة ترى أنها جديرة بالتطوير، يبقى خطر إخفاق الدولة قائمًا، ولا سيما من خلال السعي إلى تحصيل الريع، والزبائنية، والمحسوبية. ويزداد هذا الخطر حين تُوزَّع الموارد على روّاد الأعمال وفقًا لاعتبارات الولاء بدلًا من الكفاءة. ففي الماضي، أولت دول الخليج اهتمامًا كبيرًا بدعم نخبها في قطاع الأعمال، التي خلفَت النخب التجارية المرتبطة بنشأة تلك الدول. ومع مرور الوقت، باتت هذه النخب تسيطر على مؤسّسات تجارية كبرى، ما أفضى إلى نشوء "برجوازية خليجية عليا" واسعة النفوذ،21 تضمّ شركات ذات علاقات سياسية تستفيد من قربها من دوائر السلطة. وقد تؤدّي هذه الصلات عمومًا إلى القضاء على حوافز الابتكار. لهذا السبب، إذا أرادت دول الخليج أن تشجّع الابتكار فعلًا، فعليها إرساء قدرٍ أكبر من الديمقراطية، إن لم يكن في سياساتها فعلى الأقلّ في أسواقها، من خلال زيادة الاعتماد على المنافسة.

إذا أرادت دول الخليج أن تشجّع الابتكار فعلًا، فعليها إرساء قدر أكبر من الديمقراطية، إن لم يكن في سياساتها فعلى الأقلّ في أسواقها، من خلال زيادة الاعتماد على المنافسة.

ويتمحور التحدّي الثالث حول إنشاء قطاعٍ إنتاجي مُبتكر. يمكن حاليًا تصنيف الشركات في دول الخليج ضمن ثلاث فئات. تضمّ الشريحة العليا الشركات الأكبر حجمًا والتي تحظى بأكبر قدرٍ من رأس المال وتُعدّ الأكثر اعتمادًا على المهارات المتخصّصة. وتشمل هذه الفئة الصناعات المرتبطة بالموارد الهيدروكربونية، مثل الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)، إضافةً إلى عددٍ من الشركات الكبرى في قطاعات التمويل والخدمات اللوجستية والمرافق العامة. وتتميّز هذه الشركات عمومًا بحسن إدارتها واستخدامها أحدث التقنيات. أما الشريحة الثانية، فتتألّف من شركاتٍ خاصة كبرى تملكها أُسرٌ بارزة. وتميل هذه الشركات إلى الاعتماد بصورة أكبر على اليد العاملة، كما تعتمد بشكل أساسي على دعم الطاقة وعلى السياسات المؤاتية في مجالَي التجارة والعمل. وقد انصبّ نشاطها تقليديًا على المشتريات الحكومية والواردات، ثم توسّعت أعمالها مع مرور الوقت لتشمل قطاعات البناء والصناعات التحويلية والمصارف والعقارات والخدمات. وعلى الرغم من التطوّر الكبير الذي شهدته هذه الشركات منذ الطفرة النفطية الأولى، لا تزال معظم أنشطتها تندرج في إطار إعادة تدوير الريع بدلًا من تحقيق تنويعٍ اقتصادي مستقل. ولا تزال المشتريات الحكومية والطلب المحلي على السلع غير القابلة للتداول التجاري يشكّلان إلى حدٍّ كبير المحرّك الأساسي للطلب على مُنتجاتها وخدماتها. وحين تدخُل هذه الشركات قطاعاتٍ أكثر تعقيدًا من الناحية التكنولوجية، غالبًا ما تفعل ذلك بالشراكة مع الشركات المملوكة للدولة.

وتتألّف الشريحة الثالثة من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي تشمل المتاجر، والمطاعم، والفنادق، والشركات العاملة في قطاعَي النقل والمقاولات من الباطن في مجال البناء، وهي جميعها تُقدّم خدمات غير قابلة للتداول التجاري. ويتّسم هذا القطاع بمنافسة شديدة دفعت الشركات إلى الابتكار من أجل البقاء. تكمن الصعوبة هنا، ولا سيما مع التقدُّم الذي طرأ على تكنولوجيا المعلومات وإحداثه تحوّلات جذرية في بنية قطاع الأعمال، في إتاحة المجال أمام هذه الشركات لمنافسة المنشآت الراسخة في السوق، والامتناع عن توفير حماية مُفرَطة لهذه الأخيرة.

أما الشركات المملوكة للدولة، التي تستعين بها دول الخليج بصورة متزايدة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، فهي أكثر استجابةً من روّاد الأعمال في القطاع الخاص لرغبات الحكّام. ونتيجةً لذلك، يبدو أن النموذج الحالي، الذي لا يزال قابلًا للتطوّر، يَرتكِز بمعظمه فعليًا على إنشاء شركات وطنية رائدة مملوكة للدولة. ولهذا النظام الفريد من "رأسمالية الدولة" نقاط قوة، إذ لطالما تميّزت الشركات المملوكة للدولة العاملة في قطاعاتٍ مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي والنقل بحسن إدارتها في معظم دول مجلس التعاون الخليجي.22 ولكن، مع تحوّل التركيز الآن إلى إنتاج مختلف السلع القابلة للتداول التجاري، تتزايد احتمالات أن تؤدّي رأسمالية الدولة إلى إنشاء صناعات تظلّ مُعتمِدة على الدعم الحكومي، كما حدث إبّان حقبة إحلال السلع المحلية محلّ الواردات قبل ثمانينيات القرن العشرين في الكثير من الدول النامية.23 وتشير التقديرات إلى أن القطاع العام ككُلّ، بما يشمل صناديق الثروة السيادية والمؤسّسات المالية العامة والوزارات، يمتلك أكثر من 80 في المئة من القيمة السوقية للأسهم في الإمارات والبحرين وعُمان وقطر، و73 في المئة في السعودية، و53 في المئة في الكويت.24 وفي اقتصاداتٍ تهيمن عليها الشركات الكبرى بصورة متزايدة، تبقى المنافسة محدودة. وتتمتّع معظم هذه الشركات بحقوق احتكارية أو امتيازات مماثلة، تشمل حقوق استخراج الموارد، والحصول على طاقة منخفضة التكلفة للصناعات المُستهلِكة لها بكثافة، والحصول على الأراضي لصالح شركات التطوير العقاري العملاقة، فضلًا عن إمكانية الحصول على مبالغ هائلة لتمويل أنشطتها. ويكمن التحدّي في ضمان انطلاقةٍ سليمة للشركات المملوكة للدولة، وإرساء نظام حوكمة يتّسم بضوابط وتوازنات مناسبة، بما يحافظ على مستويات مرتفعة من الإنتاجية والقدرة التنافسية، وخصخصة الشركات حين تصبح الظروف مؤاتية لذلك.

أما التحدّي الرابع والأصعب، فهو سياسي. في النموذج التنافسي، يتوقّف نجاح الشركات أو فشلها على أدائها، لا على مدى قربها من الحكّام. ولكن من غير المضمون أن يكون الحكّام الشباب نسبيًا في دول الخليج اليوم، الذين ينصبّ اهتمامهم على تركيز السلطة في أيديهم، مرتاحين مع فكرة قيام قطاع خاص قوي، ولا سيما أن هذا القطاع قد يدعم قوى سياسية مُعارضة في المستقبل. في الماضي، أتاح اعتماد الشركات الخليجية الكبير على الدولة للقيادات السياسية الحفاظَ على قدرٍ من السيطرة على طبقة رأسمالية كان من الممكن، لولا ذلك، أن تُنازعها السلطة. ولكن، كلّما تراجع الدعم الذي توزّعه الدولة، تراجعت معه سيطرتها أيضًا. ففي السابق، تمكّنت النخب الحاكمة الثرية في دول مجلس التعاون الخليجي من تحصين موقعها وترسيخ سلطتها من دون اللجوء إلى مستويات القمع المرتفعة السائدة في البلدان المتوسطة الدخل. أما السؤال المطروح الآن فهو ما إذا كانت صدمة الموارد الهيدروكربونية المرتبطة بالصراع مع إيران ستدفع هذه الدول نحو اقتصادٍ أكثر شمولًا، أم نحو ترتيبات سياسية أكثر إقصاءً.25

الإطار 2. عُمان والبحرين: تنويع اقتصادي مُبكر بحكم الضرورة


كريستين ديوان

إن الموارد الهيدروكربونية التي ارتقت بمنطقة الخليج إلى مصاف الثروة الطائلة والمكانة العالمية ليست مُوزَّعة بالتساوي بين دولها. فالبحرين وعُمان تمتلكان احتياطيات نفط وغاز أقلّ بكثير من سائر الدول الأربعة الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، لذا لم يكن أمام حكومتَيهما من خيارٍ سوى السعي إلى تنويع اقتصادَيهما. لكن تجربة التنويع "المُبكر" اختلفت بين البلدَين، بسبب توقيت بناء الدولة ومسار التنمية الاقتصادية في كلٍّ منهما. وهذا التباين بالغ الدلالة، إذ يكشف عن مراحل متمايزة من اندماج دول الخليج في الاقتصاد العالمي، فضلًا عن تأثير التمويل الدولي والتحوّل التكنولوجي على هذه البلدان.

تنويعٌ مُبكر في البحرين وتنميةٌ متأخّرة في عُمان

تُعدّ البحرين أول دولة تكتشف النفط في منطقة الخليج العربي، وأول دولة يبدأ نفطها في النضوب. فقد بدأ إنتاج النفط في هذه الجزيرة في العام 1932، وسُرعان ما تلته الصادرات التجارية. تجدر الإشارة إلى أن أول مصفاة لتكرير النفط أُنشئت في العام 1936، ما فتح الباب أمام دخول البحرين مجال المُنتجات النفطية المُكرَّرة وتوسيع صناعاتها الهيدروكربونية. لكن بحلول سبعينيات القرن العشرين، حين شرعت دولٌ خليجية أخرى في تصدير النفط وتحقيق عوائد أكبر بأشواط، كان إنتاج البحرين النفطي قد بلغ ذروته. ومنذ ذلك الحين، تعتمد البحرين على النفط السعودي الذي يغذّي مصفاتها.

وهكذا، باشرت المنامة تنويعَ اقتصادها بعيدًا عن النفط بصورة جدّية في سبعينيات القرن الماضي. فبدأت شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) الإنتاج في العام 1971، لتصبح البلاد واحدةً من أكبر مصدّري الألمنيوم على مستوى العالم. وأسهم تراجع مكانة بيروت كمركز مالي إقليمي، نتيجة الحرب الأهلية اللبنانية، في دخول البحرين مجال الخدمات المالية، فعزّزت المنامة محفظتها الاقتصادية في قطاع العمليات المصرفية الخارجية، والسياحة، وأعمال أخرى مُوجَّهة بمعظمها إلى السوق السعودية.

على غرار البحرين، كانت موارد عُمان الهيدروكربونية أقلّ من موارد جيرانها. لكن على خلاف المنامة، واجهت مسقط عقبات بسبب النزعة المُحافِظة لدى حاكمها في تلك المرحلة، السلطان سعيد بن تيمور، ما أدّى إلى تأخُّرٍ نسبي في استثمار تلك الموارد. ولم يبدأ توظيف العائدات النفطية في التنمية إلا بعد أن أطاح به نجله قابوس بن سعيد في العام 1970، بيد أن هذا المسار لم يأخذ مداه الفعلي إلا في الثمانينيات. ولم تَشرَع عُمان في تنويع اقتصادها حتى العام 1995، مع إطلاق رؤية "عُمان 2020"، التي ركّزت على الصناعات الثقيلة والبتروكيميائية في موانئها. وفي عهد السلطان الحالي هيثم بن طارق، بدأت المساعي الرامية إلى إجراء إصلاحات هيكلية أوسع وتحقيق انضباط مالي أفضل تؤتي ثمارها عبر جذب مزيدٍ من الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، ما سمح بتوسيع قطاع السياحة وإطلاق قطاعاتٍ جديدة، أبرزها الطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر.

العقد الاجتماعي: أوجه التشابه والتباين

أدّى التنويع الاقتصادي المُبكر في البحرين نحو القطاع الصناعي إلى دخول البلاد معترك السياسات العمّالية. فقد كان تَركُّز العمّال في شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) وشركة نفط البحرين (بابكو)، على سبيل المثال، من العوامل الأساسية التي أفضت إلى تشكيل النقابات العمّالية في البلاد. وبما أن الغالبية الشيعية في البحرين تعاني قدرًا من الإقصاء من مؤسسات الدولة، فقد دُفع أبناؤها إلى القطاع الخاص بأعداد أكبر. وأسهم ذلك في ظهور نمطٍ مألوف من الاضطرابات الاجتماعية الدورية في البحرين، حملت أحيانًا بُعدًا طبقيًا، واتّخذت في أحيان أخرى شكل تعبئة دينية مذهبية أكبر.

أما في عُمان، فبعد التمرّد الماركسي الذي شهدته السلطنة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بدأت وتيرة التملمُل السياسي بالتراجع على نحو ملحوظ. وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انصبّ الاهتمام على تهيئة القطاعات المملوكة للدولة والشركات شبه الحكومية للخصخصة. فأسفر ذلك، إلى جانب اعتماد عُمان التاريخي على طبقة رجال أعمال وتجّارٍ من أصول أجنبية، عن تأجيج الاستياء الشعبي والاحتجاجات بشكلٍ دوري، ولا سيما في مدينة صحار الساحلية.

مقوّمات الصمود ومرحلة ما بعد الحرب مع إيران

عنى تأخُّر عُمان في الشروع بمسار التنمية أن مسقط والمنامة خاضتا عمليتَي التنويع الاقتصادي والاندماج في الاقتصاد العالمي في فترتَين مختلفتَين وفي سياقات تكنولوجية متباينة. إن لتأخّر التنويع الاقتصادي في عُمان مزاياه، من بينها أن البلاد أصبحت الآن في موقعٍ يتيح لها الاستفادة من صناعات تتلاءم بدرجة أكبر مع المرحلة الراهنة التي يتم التركيز فيها على التحوّل نحو الطاقة الخضراء والخدمات اللوجستية الخاصة بالنقل. في المقابل، فقدت المنامة بعض مزاياها السابقة، إذ خسرت مكانتها الرائدة في القطاع المالي لصالح دبي، ولا سيما في مجال التمويل الإسلامي. وفي ظلّ الانفتاح السياسي الذي تشهده المملكة العربية السعودية، باتت بعض مزايا البحرين كسوقٍ خارجية مُهدّدة أيضًا.

لقد فاقمت الحرب مع إيران في العام 2026 مكامن الضعف هذه. فموقع عُمان الجغرافي المطلّ على المحيط الهندي يمنحها مزايا لا تتمتّع بها البحرين العالقة خلف مضيق هرمز. وعلى الصعيد السياسي، تبنّت عُمان نهج الانفتاح الاستراتيجي على كلٍّ من إيران والصين. أما البحرين، فتنظر إلى إيران بوصفها تهديدًا وجوديًا، ما ساهم في اعتماد المنامة على السعودية، ومؤخّرًا على شريكتَيها في الاتفاقيات الإبراهيمية، الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. في المرحلة المقبلة، ستحتاج البحرين إلى دعم شركائها الخليجيين، بينما قد تستفيد عُمان من ترتيباتٍ لوجستية جديدة للنقل والطاقة تتيح لها تجاوز سيطرة طهران على مضيق هرمز.

البلدان المتوسطة الدخل

يبدو أن البلدان المتوسطة الدخل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سواء المصدّرة للنفط والغاز أو المستوردة لهما، عالقةٌ في ما يُسمّى "فخّ الدخل المتوسط".26 فالمزايا التي تدفع عجلة النمو المرتفع في البلدان الفقيرة خلال مراحل التنمية الأولى، مثل انخفاض تكاليف اليد العاملة واعتماد التكنولوجيات الأساسية، تتلاشى عندما تبلغ هذه البلدان مستويات الدخل المتوسط. ويعتمد إيجاد مصادر جديدة ومستدامة للنمو على قدرة المجتمع على استنباط حلولٍ ملائمة لظروف كلّ بلدٍ من أجل معالجة مشاكل معقّدة، مثل تعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات من دون الإخلال بالتوازنات الاجتماعية أو توازنات الاقتصاد الكلّي، وفي الوقت نفسه رفع الإنتاجية من خلال تحسين جودة التعليم، ووضع السياسات الصناعية وتنفيذها، وترسيخ الضوابط والتوازنات في منظومة الحوكمة لتحسين أداء النظام.

يعتمد إيجاد مصادر جديدة ومستدامة للنمو على قدرة المجتمع على استنباط حلولٍ ملائمة لظروف كلّ بلدٍ من أجل معالجة مشاكل معقّدة.

شهدت الكثير من البلدان المتوسطة الدخل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلال العقد الذي أعقب الانتفاضات التي بدأت في العامَين 2010 و2011، فترةً من الركود والتدهور الاقتصاديَّين. وكما يوضح الشكل 9، تبلغ معدّلات النمو الحالية في البلدان المستوردة للنفط والغاز أدنى مستوياتها منذ ستينيات القرن العشرين، حتى إنها أسوأ ممّا كانت عليه خلال العقد الضائع في ثمانينيات القرن الماضي. وطوال العقد الممتدّ من العام 2010 إلى العام 2020، حاولت معظم الأنظمة فرض سلطتها أو إعادة ترسيخها، لكنها عجزت في كثيرٍ من الأحيان عن التعامل مع الاضطرابات الداخلية والصدمات الخارجية. وانطبعت العلاقات بين الدولة وقطاع الأعمال بانعدام الثقة، ما أدّى إلى تسجيل أدنى مستويات الاستثمار على الإطلاق. كذلك، تدهورت العلاقة بين الدولة والمجتمع مع تراجع إمكانات ارتقاء السلّم الاجتماعي، وازدياد معدّلات البطالة، وتردّي الخدمات العامة. وبدت بلدانٌ عدّة عاجزة عن مواجهة تحدّيات جديدة كبرى، مثل التحوّل التكنولوجي، وانحسار العولمة، والتغيُّر المناخي.

وقد حال عاملان رئيسان دون تحقيق النمو في البلدان المتوسطة الدخل. يتمثّل الأول في عدم قدرتها على تخفيف وقع الصدمات الاقتصادية من دون التسبّب باختلالات مُكلِفة في الاقتصاد الكلّي، من شأنها إضعاف الترتيبات السياسية عبر إثارة السخط الاجتماعي وإبطاء نمو القطاع الخاص. أما العامل الثاني، فهو انهيار إنتاجية العمل. وترتبط القدرة على امتصاص الصدمات بإتاحة التمويل الخارجي خلال فترات الركود الاقتصادي، وقدرة النخب السياسية على بناء تحالفات تتقاسم تكاليف التكيّف الاقتصادي بصورة عادلة. وفي ظلّ شحّ السيولة في أسواق رأس المال العالمية بعد العام 2023، أمسى التمويل الخارجي نادرًا، فيما انشغلت دول مجلس التعاون الخليجي بتحدّياتها التنموية الخاصة إلى درجةٍ حالت دون توفير شبكة أمان مالية واسعة بالقدر الذي كانت توفّره في الماضي.27 كذلك، في أعقاب الانتفاضات التي اندلعت قبل عقدٍ من الزمن، أدّى قرار النخب السياسية تقييد حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير إلى إضعاف قدرة الدول على فتح باب حوارٍ كان من شأنه أن يساعد على بناء تحالفاتٍ إصلاحية.

على غرار سائر البلدان النامية، تضرّرت البلدان المتوسطة الدخل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشدّة نتيجة سلسلة من الصدمات الخارجية السلبية الكبرى في الفترة التي أعقبت العام 2019. وكانت أولى هذه الصدمات جائحة كوفيد-19، التي شهدت المنطقة خلالها ارتفاعًا في العجز المالي نتيجة التدابير الرامية إلى التخفيف من تداعيات الجائحة على الأُسر والشركات. ثم أدّت حرب روسيا على أوكرانيا إلى ارتفاع أسعار الوقود، ما أضرّ بالبلدان المستوردة للنفط والغاز في العام 2022. وبعد أن بات الحصول على التمويل من أسواق رأس المال العالمية أكثر صعوبةً في العام 2023، إثر محاولات الدول الغنيّة كبح التضخّم من خلال رفع أسعار الفائدة، لم تَعُد البلدان المتوسطة الدخل قادرةً على الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، ما فاقم قيودها المالية. أما حرب إسرائيل على غزة، التي بدأت في ذلك العام، فدمّرت الاقتصاد الفلسطيني، وأحدثت أيضًا اضطرابات في اقتصاد إسرائيل نفسها، وكذلك في اقتصادات مصر والأردن ولبنان وسورية. وكانت النزاعات السابقة في ليبيا وسورية واليمن قد أضرّت ليس باقتصادات هذه البلدان فحسب، بل أيضًا باقتصادات جيرانها. ومؤخّرًا، أدّت الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار النفط بصورة كبيرة، ما أضعف الحسابات الخارجية لبلدان المنطقة وفاقم صعوباتها المالية. وجاءت هذه التطوّرات في أعقاب عقدٍ من السياسات المالية والنقدية التوسّعية في مصر والأردن ولبنان وتونس. فقد أفرطت معظم أنظمة المنطقة، التي عصفت بها الموجات السياسية الناجمة عن انتفاضات العامَين 2010 و2011 وما تلاها، في اللجوء إلى السياسات التوسّعية لشراء الاستقرار الاجتماعي. ومُوِّلت هذه السياسات إلى حدٍّ كبير من خلال الدين الخارجي، إذ كانت أسواق رأس المال تزخر بالسيولة الرخيصة في أعقاب السياسات النقدية التوسّعية التي انتهجتها الدول الغربية بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008. لكن مع نضوب مصادر التمويل الخارجي، اتّسع العجز بسبب الحاجة إلى خدمة الدين الخارجي، واضطرّت هذه البلدان في الوقت نفسه إلى تمويله بصورة متزايدة من مصادر محلية، ما حدّ من الموارد المتاحة لاستثمارات القطاع الخاص وأضرّ بالنمو.28

وقد ألقت الاختلالات المتزايدة في الاقتصاد الكلّي والمخاطر السياسية بثقلها على جهود الاستثمار الوطنية (انظر الشكل 10). فمنذ العام 2020، تراجع متوسط إجمالي الاستثمار في البلدان المتوسطة الدخل، سواء المستوردة للنفط أو المصدّرة له. وجاء أداء إجمالي الاستثمار نتيجة عاملَين اثنَين، هما: تراجع الاستثمار العام وانعدام نمو الاستثمار الخاص. وكان أداء القطاع الخاص مخيِّبًا للآمال بصورة خاصة في مصر، حيث بقيَ الاستثمار الخاص عند نسبة 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي تقريبًا خلال العقد الأول من القرن الحالي، وفي المغرب، حيث سجّل نسبةً أعلى بقليل بلغت 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما وصل في الأردن إلى حوالى 20 في المئة. واستفادت البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية من الارتفاع النسبي في أسعار النفط والغاز، ما أتاح لها فرصةً للاستثمار في التنويع الاقتصادي. ولكن، على الرغم من أنّها سجّلت معدّل استثمارٍ أعلى قليلًا مقارنةً مع البلدان المستوردة للموادّ الهيدروكربونية، لم تستفِد من هذه الفرصة، إذ أنفقت إيراداتها الإضافية إلى حدٍّ كبير على الأمن والاستهلاك.

أما العامل الثاني الذي حال دون تحقيق النمو في البلدان المتوسطة الدخل، فهو تراجع إنتاجية العمل منذ العام 2010 وصاعدًا، بعدما كانت قد ارتفعت خلال فترة الإصلاحات الاقتصادية بين العامَين 1990 و2010. فقد أتاحت سياسات تحرير الأسواق، على الرغم من أنّها نُفِّذَت بطريقة غير متوازنة، تحسينَ الكفاءة في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي. وخلال تلك الفترة، تحسّنت الإنتاجية أيضًا في القطاع الخاص المتنامي في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي التعاونيات الزراعية التي خضعت للخصخصة. كذلك، جرى تفكيك الشركات الكبرى المملوكة للدولة التي كانت تسجّل قيمةً مُضافة سلبية. ومع مرور الوقت، وجد العمل ورأس المال فرصًا أفضل في الشركات الصغيرة، وحتى في القطاع غير الرسمي. لكن تحرير الأسواق لم يُفضِ إلى نشوء قطاعٍ خاص رسمي وحيوي. فقد حال انتشار الرأسماليّين المحظيّين ذوي الصلات السياسية في معظم اقتصادات المنطقة دون تحقيق مكاسب أكبر على مستوى الكفاءة.29 وبعد العام 2011، أدّت اختلالات الاقتصاد الكلّي، ولا سيما العجز غير المستدام، إلى جانب الاضطرابات السياسية، إلى تثبيط نشاط القطاع الخاص، بل وتثبيط الابتكار أيضًا. وتتّضح هذه الاتّجاهات في الشكل 11، الذي يُظهِر أن معدّل نمو الإنتاجية الكلّية لعوامل الإنتاج، وهو مؤشّر على تحسّن إنتاجية العمل، هبط إلى الصفر أو حتى إلى ما دونه في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عقب العام 2011، بعدما كان قد ارتفع خلال فترة التكيّف. وعلى سبيل المقارنة، سجّل نمو الإنتاجية الكلّية لعوامل الإنتاج في اقتصادات شرق آسيا وجنوبها حوالى 2 في المئة سنويًا.30

أما في البلدان المتوسطة الدخل، فلا يقلّ الوضع الراهن صعوبةً عن فترة الأزمة في ثمانينيات القرن العشرين، حين انهار نموذج النمو المُوجَّه نحو الداخل بقيادة الدولة. وقد أفضت تلك الفترة إلى إصلاحاتٍ اقتصادية كبرى، شملت تحرير الاقتصاد، وتقليص دور الدولة، وتعزيز القطاع الخاص.31 ولا يقلّ التحدّي الراهِن أهميةً، على الرغم من اختلافه: فبدلًا من إنشاء الأسواق، يتمثّل السؤال الحقيقي في كيفية ضمان عمل الأسواق بفاعلية. ويشمل التحدّي أيضًا كيفية التعامل مع المستجدّات المرتبطة بالتكيّف مع تغيُّر المناخ، والرقمنة، والتَمركُز الإقليمي للتجارة، والذكاء الاصطناعي. وتختلف استجابات البلدان لهذه التحدّيات. فلبنان لم يبدأ بعد بالتكيّف مع الضغوط الناجمة عن أزمته المالية،32 فيما اختارت مصر والأردن ضبط أوضاعهما المالية من خلال فرض إجراءات تقشّف قاسية،33 وفضّلت تونس الاستهلاك على الاستثمار. وقد تضافرت هذه التدابير لتدفع الاستثمار إلى أدنى مستوياته تاريخيًا. كذلك، زاد التقشّف من مخاطر زعزعة الاستقرار الاجتماعي (كما يشرح القسم التالي).

ومن بين البلدان المتوسطة الدخل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يُعدّ المغرب البلد الوحيد الذي يسعى بفاعلية إلى الارتقاء بقدراته التكنولوجية والانتقال إلى قطاعات ذات إنتاجية عمل أعلى. وتعود قدرة المغرب على تحديث قطاعاته أكثر من سائر البلدان المتوسطة الدخل المستوردة للنفط والغاز إلى انتهاجه سياسة صناعية نشِطة وناجحة نسبيًا، وهي ظاهرة نادرة في المنطقة.34 فقد أسهم إنشاء المناطق الصناعية واعتماد استراتيجيات مُوجَّهة نحو التصدير في جذب استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة، ما جعل المغرب مركزًا للصناعات التحويلية يستفيد من قربه من الأسواق الأوروبية. وشهدت صناعة السيارات نموًّا لافتًا، إذ أصبحت المملكة أكبر مصدّرٍ للسيارات في أفريقيا. كذلك، استفاد قطاع صناعة الطيران في المغرب من الشراكات مع شركات عالمية كبرى. وتدفّقت الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاع الطاقة المتجدّدة، مستفيدةً من إطار تنظيمي مُغرٍ.35 وكما هي الحال في بلدان أخرى، يطرح التصنيع القائم على الاستثمار الأجنبي المباشر مسألة الاندماج السطحي مقابل الاندماج العميق، أي ما إذا كانت المنافع غير المباشرة والروابط المحلية قوية بما يكفي لزيادة المكوّن المحلي في سلاسل القيمة العالمية مع مرور الوقت. وفي قطاعَي السيارات والطيران، تتمثّل التحدّيات الراهنة في زيادة حصة المكوّن المحلي وتعزيز الابتكار. كذلك، انتهجت مجموعة OCP ("المكتب الشريف للفوسفاط" سابقًا)، وهي شركة الفوسفات الوطنية في المغرب، استراتيجيةً طموحة للتحديث الصناعي. لكن هذه الخطوات تترافق مع معوّقات متجذّرة تَحول دون ارتفاع الإنتاجية بوتيرة سريعة. لقد أسهمت مستويات الاستثمار المرتفعة في توسيع البنية التحتية وتحقيق قدر من التطوّر الصناعي، إلا أن النمو الاقتصادي لا يزال منخفضًا ومتقلّبًا. وتؤكّد التحدّيات الاجتماعية، بما فيها ارتفاع معدّلات البطالة في أوساط الشباب، ومحدودية مشاركة النساء في القوى العاملة، وأوجه التفاوت الكبيرة في الدخل وبين المناطق، واستمرار الفقر، الحاجةَ إلى إطارٍ تنموي أكثر شمولًا.

وقد تجلّى القَيدان المتمثّلان في تحقيق الاستقرار والارتقاء التكنولوجي بصورة مختلفة بين البلدان المستوردة للموادّ الهيدروكربونية وتلك المصدّرة لها، ولا سيما بعد اندلاع الانتفاضات العربية في العامَين 2010 و2011. في الواقع، كانت البلدان المتوسطة الدخل المستوردة للنفط والغاز الأكثر تضرّرًا من عدم الاستقرار الاقتصادي بسبب الارتفاع النسبي في أسعار الموارد الهيدروكربونية، فضلًا عن تشديد قيود التمويل في الأسواق المالية العالمية التي كانت تعتمد عليها للحصول على قروض خارجية. في المقابل، استفادت البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية من عائدات النفط والغاز المرتفعة نسبيًا، ما ساعد على توفير بيئة أكثر استقرارًا على صعيد الاقتصاد الكلّي. ولكن، بسبب انعدام ثقة قيادات هذه الدول في القطاع الخاص، واعتمادها الشديد على شركات موالية لها وذات صلات سياسية للهيمنة على الأسواق، بقيت تنمية القطاع الخاص هامشيةً في أحسن الأحوال. وعلى خلاف جيرانها الأثرياء في دول مجلس التعاون الخليجي، لم تُحرِز البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للنفط تقدُّمًا على صعيد التنويع الاقتصادي.

تختلف الصعوبات التي تواجهها البلدان المتوسطة الدخل اختلافًا كبيرًا عن تلك التي تواجهها البلدان المرتفعة الدخل، إذ تُعدّ الأولى أشدّ عرضةً للصدمات بكثير، وتقلّ لديها الموارد القابلة للاستثمار. وتتمحور التحدّيات الأربعة الرئيسة التي تواجه البلدان المتوسطة الدخل في مساعيها لزيادة الاستثمار وإنتاجية العمل حول بناء هوامش أمان وتعزيز القدرة على الصمود لتجنّب ردود الفعل المُفرَطة إزاء الصدمات؛ وحشد المدّخرات المحلية وزيادة المشاركة في القوى العاملة؛ وتشجيع الابتكار على نطاق واسع، وهو ما يتطلّب ضغوطًا تنافسية ديناميّة؛ وأخيرًا، كما هي الحال في البلدان المرتفعة الدخل، توافر الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ الإصلاحات.

ينبغي إعطاء الأولوية للهدف الأول، المتمثّل في تعزيز قدرة الاقتصادات والمجتمعات على الصمود، نظرًا إلى تواتر الصدمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعالم أجمع. فعلى مستوى الاقتصاد الكلّي، يقتضي ذلك توخّي مزيدٍ من الحذر في إدارة تدفقات رؤوس الأموال الخارجية، وبذل جهود أكبر لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة المُنتِجة من أجل استكمال المدّخرات المحلية. وعلى مستوى الأُسر، ينبغي تعزيز الحماية الاجتماعية لضمان ألا تؤدّي الصدمات إلى نشوء حالاتٍ من الفقر يصعب الخروج منها وتؤخّر التنمية بفعل تبعاتها الممتدّة عبر الأجيال. كذلك، لا بدّ من إصلاح منظومة الدعم الشامل، نظرًا إلى أنها مُكلِفة ماليًا (إذ تستحوذ على حصة كبيرة من الإنفاق العام في معظم البلدان)، وعديمة الكفاءة اقتصاديًا (لأنها تشجّع على الإفراط في الاستهلاك)، وغير عادلة اجتماعيًا (لأن الأغنياء يستفيدون منها أكثر من الفقراء). وتحلّ شبكات الأمان الاجتماعي المُوجَّهة إلى الفقراء الكثير من هذه المشاكل.36 ولكن ثمّة حاجة إلى اتّخاذ خطواتٍ لتوسيع التغطية، وتحسين الاستهداف، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الزبائنية والفساد. وينبغي استكمال هذه الشبكات بدعم أكثر سخاءً للضمان الاجتماعي، بما يشمل معاشات التقاعد، والتأمين الصحي، والتعليم للجميع.

أما الهدف الثاني، في ظلّ شحّ الموارد، فهو حشد المدّخرات وزيادة المشاركة في القوى العاملة. لقد أدّى ضعف الزخم الاقتصادي وقلّة الفرص إلى تراجع انخراط المجتمعات في النشاط الاقتصادي، بحيث تشهد دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تدنّي معدّلات الادّخار والمشاركة في القوى العاملة. ولا بدّ من عكس هذه الاتّجاهات لدعم مسار نمو متصاعد ومستدام مع مرور الوقت. ففي معظم البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة، تقلّ معدّلات الادّخار الوطني عن 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي أنها ما دون ثلث المتوسط المسجّل في البلدان المتوسطة الدخل على مستوى العالم.37 ولا يعود انخفاض المدّخرات الوطنية إلى العجز الكبير في المالية العامة فحسب، بل يعكس أيضًا تدنّي مدّخرات الشركات والأُسر. وفي وقتٍ أمست الموارد الخارجية شحيحة، بات الاعتماد على الموارد الذاتية ضرورةً لا غنى عنها.

كذلك، تُعدّ الإيرادات الضريبية منخفضة في معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لذا، ينبغي أن تُركّز الجهود الوطنية على توسيع القاعدة الضريبية وجعل النظام الضريبي أكثر تصاعديةً. ويرتبط جزءٌ من المشكلة بانتشار العمل غير الرسمي على نطاق واسع. ومن خلال إعادة إحياء الجهود الرامية إلى توفير الضمان الاجتماعي للجميع، على غرار ما يجري بحثه حاليًا في المغرب، يمكن الإسهام في زيادة الإيرادات الضريبية والمدّخرات المحلية على السواء. وقد دفعت ندرة الوظائف الجيّدة الكثيرين إلى الانسحاب من القوى العاملة؛ إذ يبلغ متوسط معدّل مشاركة الرجال في القوى العاملة في البلدان المتوسطة الدخل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حوالى 70 في المئة، أي أقلّ من المتوسط العالمي بـ5 نقاط مئوية.38 والأسوأ من ذلك أن هذا المعدّل لا يتجاوز 17.5 في المئة لدى النساء، وهو أدنى بكثير من المتوسط العالمي البالغ نحو 50 في المئة.39 ولا يُعزى انخفاض مشاركة النساء إلى الأنظمة الاجتماعية الأبوية التي تتغيّر ببطءٍ فحسب، بل أيضًا إلى ندرة فرص العمل. وفي الاقتصادات الأكثر حيويةً، من شأن ارتفاع مشاركة النساء في القوى العاملة أن يتيح ثلاثة تحوّلاتٍ مهمّة، وهي تمكينهنّ الشخصي وتحرّرهنّ من القيود الاجتماعية، ما يفضي إلى تحسين تعليم الأطفال وانخفاض معدّلات الخصوبة؛ وزيادة دخل الأُسر، ما يسهم في الحفاظ على الطبقة الوسطى وسط تراجع الأجور؛ وتحقيق نمو اقتصادي أعلى، بسُبلٍ عدّة منها تطوير قطاعات جديدة مثل رعاية الأطفال والمسنّين، فضلًا عن سائر الخدمات المنزلية.

ويتمثّل التحدّي الثالث في تعزيز الابتكار، أي تحقيق إنجازاتٍ أكبر بموارد أقلّ. ويتطلّب ذلك توافر عددٍ من الشروط المُسبَقة، أبرزها ضمان تكافؤ الفرص في المنافسة. ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أكثر من سواها، سعت الأنظمة السلطوية إلى الهيمنة على القطاع الخاص وحماية حلفائها بدلًا من السماح بنشوء منظومة حقيقية ومستقلة لريادة الأعمال. وعند التخلّي عن فوائد "الهدم البنّاء"، الذي يتيح للشركات المتدنّية الإنتاجية الخروجَ من السوق وإفساح المجال أمام شركاتٍ أكثر كفاءة، تُوجَّه عوامل الإنتاج إلى الشركات الموالية للسلطة بدلًا من تلك القادرة على استخدامها بأعلى قدرٍ من الإنتاجية. ويشجّع الحفاظ على الامتيازات النزعة الحمائية، ما يَحول دون استيراد تقنياتٍ أكثر تقدُّمًا، ويؤدّي إلى سوء استخدام عوامل الإنتاج وسوء تخصيص موارد الدولة، ويُفقِد الاقتصادات حيويّتها من خلال عرقلة المنافسة، وهي المحرّك الرئيس للابتكار. نتيجةً لذلك، باتت القطاعات الصناعية في المنطقة تفتقر عمومًا إلى الزخم اللازم لارتقاء سلّم التكنولوجيا، ناهيك عن المشاركة في سلاسل القيمة العالمية.

يمكن ملاحظة هذه الديناميّات في عددٍ من دول مجلس التعاون الخليجي، لكن كلفتها باهظة بصورة خاصة في البلدان المتوسطة الدخل. وتشكّل الجزائر مثالًا واضحًا على هذه المعضلة، إذ لا تزال سياسات التنويع تعتمد اعتمادًا كبيرًا على هياكل القطاع العام، على الرغم من الدعوات المتكرّرة إلى تعزيز زخم القطاع الخاص.40 أما مصر، فتُقدّم نموذجًا مختلفًا للظاهرة نفسها، من خلال تنامي الدور المحوري للمجمّع الصناعي العسكري في قطاعات واسعة من الاقتصاد.41 وفي ليبيا، لا تزال هياكل الدولة المجزّأة وآليات توزيع الريع تقيّد نشوء بيئة ريادة أعمال مُنتِجة.42 أما العراق، فقد ازداد تشرذمًا على الصعيد السياسي، وبات عالقًا في شبكة علاقات زبائنية قائمة على المحسوبية لا تساعد على تنشيط القطاع الخاص أو تحقيق مكاسب في الإنتاجية.43 وتُمثّل تونس على الأرجح مسارًا آخر يبعث على القلق. فبعد أن نجحت تاريخيًا في تطوير واحدٍ من أبرز القطاعات الصناعية الخاصة في المنطقة، يبدو أنها تنزلق تدريجيًا نحو نموذجٍ يتزايد فيه تدخّل الدولة، والضبابية المؤسّسية، والإضعاف المطّرد للجهات الفاعلة المُنتِجة في القطاع الخاص.44

لا يقتصر التنويع الاقتصادي على القطاعات أو حجم الاستثمارات، بل يتعلّق أيضًا بتوزيع القوة الاقتصادية، واستقلالية الجهات الفاعلة المُنتِجة، والبيئة المؤسّسية التي تتطوّر فيها ريادة الأعمال.

أخيرًا، يرتبط الهدف الرابع بتوفير الإرادة السياسية للاستثمار في التنمية. واقع الحال أن التوافق الوطني على تحقيق النمو يتطلّب انخراطًا سياسيًا وشجاعة، وهما عنصران لم يتوفّرا في الماضي. فقد ظلّت الإصلاحات الهيكلية خارج دائرة البحث لوقت طويل. وفي نهاية المطاف، لا يقتصر التنويع الاقتصادي على القطاعات أو حجم الاستثمارات، بل يتعلّق أيضًا بتوزيع القوة الاقتصادية، واستقلالية الجهات الفاعلة المُنتِجة، والبيئة المؤسّسية التي تتطوّر فيها ريادة الأعمال. لكن الأنظمة السياسية الهشّة تخوّفت من ردود فعل الفئات التي ستتكبّد خسائر على المدى القصير، ولم تنجح في حشد الأكثرية التي يُفترَض أن تستفيد على المدى الطويل. فضلًا عن ذلك، ينبغي إقناع فئات وقواعد شعبية رئيسة، مثل العمّال المنضوين في نقابات والنخب الاقتصادية والمستهلكين، بقبول خسائر قصيرة الأجل مقابل وعد بتحقيق مكاسب أكبر على المدى البعيد. وبذلك، تراهن هذه الفئات على تحسُّن آليات التنسيق السياسي والاجتماعي بصورة ملحوظة مقارنةً مع أدائها الضعيف في الماضي. ولا بدّ أن تستند خطط الإصلاح الناجحة إلى سرديةٍ تحظى بتأييد واسع وتتمحور حول التجديد والتقدُّم، وتكون قادرة على حشد السياسيين والناشطين الاجتماعيين والمُبتكِرين وروّاد الأعمال. ويقتضي ذلك توسيع هامش حرية التنظيم والتعبير، وهو شرط أساسي لحشد الشباب والطبقات الوسطى.

العقود الاجتماعية أمام ضغوط متزايدة: معضلات الإصلاح وسياسات التنويع

تواجه الترتيبات الناظِمة للعلاقة بين الدولة والمجتمع في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضغوطًا متزايدة، بعدما قامت تاريخيًا على مزيج من توزيع الموارد، والمحسوبية، واستخدام القوة، وإضفاء الشرعية الرمزية، ودرجات متفاوتة من الإذعان السياسي. فالجيل الذي يدخُل سوق العمل اليوم أفضل تعليمًا من الأجيال السابقة، وتطلّعاته أعلى، وقد نشأ في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح على مستويات المعيشة العالمية. لكنه يواجه في الوقت نفسه معدّلات بطالة أعلى، وتدهورًا في الخدمات العامة، وأسواق عمل أقلّ استقرارًا. وهذا التفاوت بين ما يُستثمَر في التعليم وما يتيحه الاقتصاد من فرص هو نِتاج مواطن ضعفٍ هيكلية فاقمتها مسارات إصلاحية ظلّت منقوصة أو مؤجّلة، أو لم تكن شاملة بما يكفي لتغيير الديناميّات الكامنة في الدول، ما فرض ضغوطًا على العقود الاجتماعية في مختلف أنحاء المنطقة.

لكن طبيعة هذه الضغوط تختلف بين دول مجلس التعاون الخليجي، والبلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية، والبلدان المتوسطة الدخل المستوردة لها، لأن كلّ مجموعة منها تقوم على صيغة مختلفة جذريًا لتوزيع الموارد. ففي دول مجلس التعاون الخليجي، استندت الصيغة الريعية التقليدية إلى مبادلة الثروة الهيدروكربونية بالإذعان السياسي، ويُعاد تشكيلها اليوم بهدوء من خلال سياسات توطين الوظائف، وخفض الدعم، واستحداث الضرائب. وبات يُطلَب من المواطنين المنافسة في اقتصاد السوق في ظلّ تخلّي الدولة عن الضمانات التي كانت توفّرها لهم سابقًا، ما يولّد مظالم لا تجد سوى قنوات رسمية محدودة للتعبير عنها. ومن شأن هذا الوضع أن يزيد من صعوبة الانتقال نحو نماذج اقتصادية جديدة، وهو انتقالٌ مجهول المآلات أساسًا.

أما في البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية، مثل الجزائر والعراق وليبيا، فيَرتكِز العقد الاجتماعي على توزيع الريع لتمويل الاستهلاك بدلًا من توجيهه نحو تنويع اقتصادي مُنتِج.45 لكن عائدات النفط والغاز المتوسطة، وإن كانت تتيح الحفاظ على شبكات ضيّقة من المحسوبية والأجهزة الأمنية، لا تكفي لتمويل الاستهلاك على نطاق واسع وكسب شرعية شعبية واسعة. والنتيجة هي ترتيبات سياسية إقصائية يتحدّد فيها الحصول على الموارد العامة على أساس الولاء لا الإنتاجية، فيما تقلّ فرص العمل المُتاحة للشباب، وترتفع معدّلات البطالة، ويعاني جيل الشباب منذ عقود من الإحباط والتملمُل. وفي البلدان المتوسطة الدخل المستوردة للنفط، مثل مصر والأردن، لا يقوم العقد الاجتماعي على ريوع الموارد المحلية، بل على ريوع جيوسياسية، أي مكاسب مالية تحصل عليها الحكومات نتيجة موقعها الجغرافي وتعاونها أو اصطفافها الأمني، ولا سيما مع الولايات المتحدة. لكن هذه الركيزة الخارجية أخذت تتقوّض، فتَقلّص الحيّز المالي المُتاح للحكومات، وتراكمت الديون، وتصاعدت التوتّرات الاجتماعية.

القاسم المشترك بين المجموعات الثلاث من الدول هو المعضلة التالية: فالإصلاحات اللازمة لبناء اقتصادات مُنتِجة ومتنوّعة مُكلِفة سياسيًا على المدى القصير، إذ إنها تُلحِق خسائر فورية بالنخب المرتبطة بالأنظمة والأُسر العادية على حدٍّ سواء، فيما تتجلّى فوائدها ببطء وتتوزّع على نطاق واسع. لكن التقاعس هو خيار غير مُستدام اقتصاديًا على المديَين المتوسط والطويل. وأمام هذا الوضع، لجأت الأنظمة في مجموعات البلدان الثلاث جميعها إلى الأدوات نفسها، أي تركيز السلطة في أيديها وتشديد القمع، وإن اختلفت الأهداف في كلّ بلد.

فقد لجأت دول مجلس التعاون الخليجي إلى هذه الأدوات بالتوازي مع جهودها الإصلاحية، تحديدًا لضبط التداعيات الاجتماعية الناجمة عن هذا الإصلاح. وقد أفضى ذلك إلى مسارات انتقالية غير مكتملة، تنطوي على خطر تقويض الشروط اللازمة لتحقيق تنويع اقتصادي فعلي. أما البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية ومعظم البلدان المتوسطة الدخل المستوردة لها، وبسبب ضيق حيّزها المالي وضعف قدرات الدولة فيها مقارنةً مع دول مجلس التعاون الخليجي، فاستخدمت إلى حدٍّ كبير أدوات السيطرة نفسها، ولكن ليس لإدارة الإصلاح، بل لتفاديه. بعبارةٍ أخرى، أرجأت هذه البلدان تحوّلها إلى اقتصادات مُنتِجة ومتنوّعة، ما زاد من احتمال تعرّضها إلى المخاطر. وفي البلدان المتوسطة الدخل، تؤدّي الأساليب السياسية المُعتمَدة للتعامل مع التكاليف القصيرة الأجل الناجمة عن معضلة الإصلاح عمليًا إلى تقويض أُسُس الإصلاح المستدام.

ويواجه السياسيون في جميع البلدان إشكالياتٍ معقّدة، إذ يتعيّن عليهم طرح إصلاحات ذات مصداقية تحظى بدعم التحالفات الإصلاحية، واستحداث آليات تعوّض للمتضرّرين من الإصلاح وتضمّهم إلى مساره، وإرساء ضوابط وتوازنات تتيح الاستفادة من الدروس المُستخلَصة وتجنّب الأخطاء المُكلِفة. كذلك، يتعيّن عليهم إتاحة المجال للتعبير عن السخط تفاديًا لانفجار الغضب الشعبي كما حدث مرّةً تلو الأخرى خلال العقد الماضي. ويكمُن خلف ذلك كلّه مطلبٌ أعمق، يتمثّل في بناء أُسُس جديدة للشرعية تَرتكِز على الإنتاجية والإدماج والحوكمة الموثوقة.

بين عقدَين: مخاض العقد الاجتماعي الجديد في دول مجلس التعاون الخليجي

تختلف تجارب الشباب من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي اليوم اختلافًا جذريًا عن تجارب آبائهم، ما يعكس إعادةَ تشكيلٍ جوهرية للعقود الاجتماعية في هذه الدول. فقد استندت الصيغة الريعية التقليدية إلى إعادة توزيع الثروة المتأتّية من الموارد الهيدروكربونية على المواطنين مقابل الحدّ من مشاركتهم السياسية. عمليًا، شملَ ذلك ضمان التوظيف في القطاع العام بأجور ومزايا تفوق بكثير ما يقدّمه القطاع الخاص. وقد بلغت نسبة المواطنين العاملين في القطاع العام حوالى 90 في المئة في بعض الدول.46 وفرضَ هذا الترتيب عبئًا ماليًا كبيرًا: ففي العام 2021، قدّر صندوق النقد الدولي أن فاتورة أجور القطاع العام بلغت حوالى 9 إلى 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في البحرين وقطر وعُمان، بينما بلغت نسبةً أعلى بكثير في السعودية، إذ قاربت 16 في المئة، وفي الكويت، حيث بلغت حوالى 19.5 في المئة.47 وفيما شكّل المواطنون غالبية العاملين في القطاع العام، استحوذ الوافدون على الغالبية الساحقة من وظائف القطاع الخاص، إذ شكّلوا في دول مثل الإمارات وقطر أكثر من 90 في المئة من القوى العاملة في هذا القطاع.48 في غضون ذلك، لم يدفع المواطنون ضريبةً على الدخل، واستفادوا من دعمٍ كبير على الطاقة والمرافق والسلع الأساسية، ما أتاح إبقاء كلفة المعيشة منخفضة وشكّل إحدى الركائز الأساسية للعقد الاجتماعي.

في الواقع، أعاد التنويع الاقتصادي تدريجيًا تشكيل العقد الريعي ليصبح ترتيبًا أكثر إنتاجيةً، يُنتظَر فيه من المواطنين المشاركة في اقتصاد متنوّع والإسهام فيه، بدلًا من الاكتفاء بتلقّي عائدات الثروة النفطية. لكن هذا التحوّل لم يواكبه تعديلٌ مماثل في الظروف المادية أو في التوقّعات التي أرستها الحقبة الريعية لدى المواطنين. ويبرز توتّرٌ هيكلي في صميم مشاريع التنويع الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي. فالعقود القديمة لم تكن توفّر الوظائف والدعم فحسب، بل رسّخت أيضًا إطارًا كاملًا من التوقّعات المتوارثة بين الأجيال بشأن ما يتعيّن على الدولة توفيره لمواطنيها وما يُعدّ مستوىً معيشيًا لائقًا. لكن التنويع الاقتصادي فكّك الأُسُس المادّية لهذا الإطار بوتيرة أسرع ممّا بنى أُسُسًا جديدة، تاركًا جيلًا بأكمله عالقًا بين توقّعات ورثها وواقع لم يَعُد ينسجم معها.

يُعدّ ضمانُ حصول المواطنين على وظائف حكومية أوضح تجلّيات النموذج الريعي، وقد ضاق نطاقه تدريجيًا على مدى السنوات العشر الماضية، إذ شكّلت سياسات توطين القوى العاملة محرّكًا أساسيًا لتوجيه المواطنين نحو القطاع الخاص.49 وفي بعض البلدان المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية التي يتراجع فيها نصيب الفرد من عائدات هذه الموارد، أفضى هذا التحوّل إلى انخراط جيلٍ من المواطنين الشباب في القطاع الخاص وتقاضي أجورٍ هي في الغالب أدنى بكثيرٍ من الأجور التي كان القطاع العام يوفّرها في الماضي (انظر الشكل 12).50 في غضون ذلك، لا يزال الوافدون يشغلون معظم الوظائف التي تتطلّب مهارات عالية وتُدرّ دخلًا مرتفعًا.51

ارتفع معدّل مشاركة النساء في القوى العاملة في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الأخيرة، ويُعزى ذلك في جانبٍ منه إلى تحسُّن مستويات التحصيل العلمي والانفتاح الاجتماعي، وفي جانبٍ آخر إلى حقيقة بسيطة مفادها أنّ راتبًا واحدًا من القطاع الخاص لا يكفي لإعالة أسرة.

وقد تزامن هذا الانكماش في الأجور مع تصاعد الأعباء المعيشية، ما قوّض بشكلٍ متزايد الأُسُس المادّية التي ارتَكز عليها العقد القديم. وأدّى تقليص الدعم في دول مجلس التعاون الخليجي بدءًا من العقد الثاني من القرن الحالي إلى ارتفاع أسعار الوقود والمرافق العامة والخدمات والسكن.52 وما زاد من صعوبة الوضع الجديد على المواطنين سعيُ حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إلى تنويع مصادر إيراداتها عبر الضرائب. فقد طبّقت أربعٌ من الدول الستّ في مجلس التعاون ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5 في المئة عمومًا، وترتفع هذه النسبة إلى 10 في المئة في البحرين و15 في المئة في السعودية، إلى جانب استحداث أُطر جديدة لضريبة الشركات، ولا سيما في دولة الإمارات.53 وبحلول العام 2023، تراوحت الإيرادات الضريبية غير النفطية بين 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الكويت و9 في المئة في السعودية.54 والنتيجة هي واقعٌ معيشي يختلف كلّ الاختلاف عمّا عرفه الجيل السابق.

وقد تَرتَّب عن ذلك كلّه اتّساع ظاهرة الأُسر التي تعتمد على دخلَين في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا تحوّلٌ لا يعكس تغيُّرَ المواقف الاجتماعية فحسب، بل يعكس أيضًا الضرورة الاقتصادية.55 فقد ارتفع معدّل مشاركة النساء في القوى العاملة في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الأخيرة، ويُعزى ذلك في جانبٍ منه إلى تحسُّن مستويات التحصيل العلمي والانفتاح الاجتماعي، وفي جانبٍ آخر إلى حقيقة بسيطة مفادها أنّ راتبًا واحدًا من القطاع الخاص لا يكفي لإعالة أسرة. وحتى بدخلَين اثنَين، يواجه الكثير من الشباب المُقبِلين على الزواج صعوبةً في تملُّك مسكن أو تحمّل تكاليف الزفاف، إذ ارتفعت كلفتهما ارتفاعًا حادًّا لم تواكبه أجور المواطنين.

وبرزت البطالة في صفوف الشباب المواطنين لتشكّل مصدرًا إضافيًا للاستياء، بعد أن كانت في الماضي مسألةً هامشية، وهي تزداد حدّةً اليوم في سياق أسواق عملٍ مجزّأة وتفضيلٍ راسخ للعمل في القطاع العام. هذا ولا يزال كثيرٌ من الشباب المواطنين يتوقّعون أن يحصلوا من القطاع الخاص على ما وفّرته الدولة لذويهم من أمانٍ وظيفي وأجور ومزايا، وهو تباين يؤدّي إلى تضخّم الأجر التحفّظي، أي أدنى أجر يشترطه الشخص لقبول وظيفة.

في الواقع، أفضى هذا الوضع إلى تزايد المظالم في دول الخليج، إلى جانب اتّساع الفجوة بين المواطنين الذين نجحوا في التعامل مع العقد الجديد الأكثر ارتكازًا على الإنتاجية، وأولئك الذين تخلّفوا عن ركبه. ويُعزى ذلك إلى تزايد أوجه اللامساواة الناجمة عن اتّساع الفوارق في الأجور بين المواطنين الذين يشغلون وظائف مرتفعة الأجر وتتطلّب مهارات عالية، وأولئك الذين يشغلون وظائف متدنّية الأجر؛ وعن عدم تكافؤ فرص الالتحاق بوظائف تتطلّب مهاراتٍ عالية داخل المجتمعات.56 وتتضافر هذه العوامل لتُلقي بثقلها على استدامة استراتيجيات التنويع الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي على الصعيدَين الاجتماعي والسياسي.

الإطار 3. تزايد التفاوت بين مواطني دول مجلس التعاون الخليجي


ستيفن هيرتوغ

عمومًا، يعتمد العقد الاجتماعي في دول مجلس التعاون الخليجي بشكلٍ أساسي على التوظيف الحكومي. فمنذ الطفرة النفطية في العام 1973 على الأقلّ، أصبح معظم المواطنين الخليجيين الذكور يتوقّعون الحصول، عاجلًا أم آجلًا، على وظيفة حكومية مستقرّة بأجرٍ جيّد نسبيًا.

وفيما تتقاسم حكومات دول مجلس التعاون الخليجي ثروتها مع مواطنيها بوسائل أخرى – بدءًا من دعم الطاقة، ومرورًا بالتعليم والرعاية الصحية المجانيَّين، ووصولًا إلى مخصّصات الرعاية الاجتماعية المباشرة، وقروض الدعم السكني – يبقى التوظيف الحكومي إلى حدٍّ بعيد الأداة الرئيسة لإعادة توزيع الثروة. وقد أدّى ذلك إلى تضخّم الجهاز البيروقراطي وإلى فاتورة أجورٍ مرتفعة وفقًا للمقاييس الدولية، بلغت في بعض الحالات 50 في المئة من إجمالي النفقات العامة.

لكن هذا العقد الاجتماعي التقليدي آخذٌ في التفكّك تدريجيًا.1 ففي البحرين وعُمان والمملكة العربية السعودية، وهي دول يُعدّ فيها نصيب الفرد من العوائد النفطية أقلّ نسبيًا مقارنةً مع بعض دول الجوار الخليجي، لم تَعُد الوظيفة الحكومية شبه مضمونة للمواطنين الشباب كما كانت لذويهم. وهم في الوقت نفسه يعانون أوضاعًا صعبة في أسواق العمل الخاصة، بسبب المنافسة الحادّة مع أعداد كبيرة من القوى العاملة المهاجرة ذات الأجور المنخفضة. أما الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت، فلديها موارد مالية أكبر نسبيًا تتيح لها الحفاظ على التوظيف الحكومي، لكن من المُرجَّح أن تواجه تحدّيات مماثلة على المدى الطويل.

وبفعل استمرار العجز في الموازنات العامة، اتّبعت البلدان الخليجية الأقلّ ريعًا سياسات هيكلية لضبط الإنفاق العام وكبح تصاعد فاتورة الأجور الحكومية خلال العقد الماضي. ومع التزايد المستمرّ في أعداد المواطنين في سنّ العمل، يعني تجميد التوظيف في القطاع العام أن فرص حصول الوافدين الجدد إلى سوق العمل على وظيفة حكومية باتت ضئيلة للغاية. وقد أدّى ذلك إلى بروز فئة اجتماعية جديدة من المواطنين المُستبعَدين من دائرة الوظيفة العامة، والذين لا خيار أمامهم سوى تدبُّر أمورهم في القطاع الخاص.

لكن العثور على وظيفة جيّدة في القطاع الخاص أمرٌ صعب لأسباب عدّة. أوّلها وأهمّها أنّ المواطنين العاملين في وظائف تتطلّب مهارات متدنّية ومتوسطة يواجهون منافسة شرسة مع القوى العاملة المهاجرة ذات الأجور المنخفضة، وذلك بسبب اعتماد الاقتصادات الخليجية بكثافة على العمّال الأجانب الوافدين من دول الجنوب العالمي الذين يقبلون بتقاضي أجورٍ زهيدة. وتستفيد من هذا الوضع الطبقة الوسطى العاملة في القطاع العام، كما يستفيد منه القطاع الخاص، بيد أنّ المواطنين الواقعين خارج هذه الدائرة يدفعون باهظًا ثمن ذلك، إذ تظلّ الأجور متدنّية خارج الشريحة الصغيرة المؤلّفة من الوظائف ذات المهارات العالية. وكما يبيّن الجدول أدناه، يبقى متوسط أجور المواطنين في القطاع الخاص أدنى بشكلٍ ملحوظ مقارنةً مع متوسط أجور القطاع العام.

الجدول 1. متوسط الأجور الشهرية للمواطنين
البحرين
(الدينار البحريني، 2011)
الذكور الكويتيون
(الدينار الكويتي، 2022)
الإناث الكويتيات
(الدينار الكويتي، 2022)
الذكور السعوديون
(الريال السعودي، 2023)
الإناث السعوديات
(الريال السعودي، 2023)
الإمارات
(الدرهم الإماراتي، 2009)

الحكومة

910

1910

1337

14053

12872

16940

القطاع الخاص

589

1380

822

11412

5373

13550

القطاع الخاص/القطاع العام

64.7%

72.3%

61.5%

81.2%

41.7%

80.0%

المصدر: السلطات الوطنية

ثانيًا، إن الدعم الحكومي المقدّم إلى المواطنين العاملين في القطاع الخاص محدود. فعلى الرغم من وضع حدودٍ دنيا لأجور المواطنين وإلزام شركات القطاع الخاص بتوظيف نسبٍ معيّنة من المواطنين المحليين [توطين الوظائف]، لا تُسهم مثل هذه الإجراءات بشكلٍ يُذكر في توفير فرص عمل جيّدة أو أجور تكفل مستويات معيشة الطبقة الوسطى (بل إن الحدّ الأدنى للأجور، المُقتصِر على المواطنين، يضعف قدرتهم التنافسية أمام الأجانب الذين لا يشملهم هذا الحدّ الأدنى). كذلك، تُقدَّم إعاناتٌ على الأجور إلى المواطنين الأدنى أجرًا، لكنها مُحدَّدة بمدّة زمنية في سائر دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء الكويت، حيث لا يزال توظيف المواطنين في القطاع الخاص نادرًا نسبيًا. أما الأجور الأعلى التي يتقاضاها موظفو القطاع العام، فتنطوي على ما يمكن اعتباره تحويلًا اجتماعيًا دائمًا، وإن كان ضمنيًا.

ونتيجةً لهذه العوامل، برزت على نطاق واسع ظاهرة "الفقراء العاملين": فأكثر من ثلث البحرينيين العاملين في القطاع الخاص في العام 2022 كانوا يتقاضون أقلّ من 350 دينارًا بحرينيًا شهريًّا (930 دولارًا)، مع الإشارة إلى أن هذه النسبة كانت أعلى بكثير في أوساط المواطنين الشباب. وفي المملكة العربية السعودية، كان حوالى نصف المواطنين العاملين في القطاع الخاص في العام 2023 يتقاضون أقلّ من 5 آلاف ريال سعودي شهريًا (1333 دولارًا). في الواقع، يسجّل التفاوت في الأجور داخل القطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي مستوياتٍ مرتفعة بصورةٍ غير مألوفة.

وثمّة أدلّة وافية على أن اتّساع شريحة المواطنين المُستبعَدين من دائرة الوظيفة العامة قد شكّل معالم المشهد السياسي في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي على مدى العقدَين الماضيَين.2 فغالبية الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها المنطقة كانت ذات دوافع اقتصادية. وعادةً ما تمحورت المطالب الرئيسة للمتظاهرين حول تأمين وظائف حكومية، وزيادة الدعم الحكومي لاستحداث فرص عملٍ بأجور أفضل في القطاع الخاص، وتوفير تغطية ضمان اجتماعي تُعادل تلك المُتاحة في القطاع العام. وهذه مطالب تعبّر بوضوح عن هموم من هم خارج دائرة الوظيفة العامة. وحتى الانتفاضة التي شهدتها البحرين في العام 2011، مع أن هدفها الأول كان تغيير النظام، استندت إلى تقليدٍ طويلٍ من الاحتجاجات التي قادها مواطنون شباب عاطلون عن العمل أو يعملون في وظائف أدنى من مؤهّلاتهم.3

لقد نجحت القيادة السعودية في كسب قدرٍ كبيرٍ من التأييد في أوساط الشباب السعوديين بفضل الإصلاحات الاجتماعية الانفتاحية التي رافقت إجراءات التقشّف التي تبنّاها محمد بن سلمان. مع ذلك، قد يعاود السخط الشعبي الظهور مع تقدُّم أبناء جيل "رؤية 2030" في السنّ ورغبتهم في تكوين أُسر وتملّك مساكن، وهذه مساعٍ سيصعب تحقيقها ما لم ترتفع أجور القطاع الخاص للمواطنين "المُستبعَدين من دائرة الوظيفة العامة".

الهوامش

1 Steffen Hertog, “When Rentier Patronage Breaks Down: The Politics of Citizen Outsiders on Gulf Oil States’ Labour Markets,” Studies in Comparative International Development, February 2025, https://doi.org/10.1007/s12116-024-09455-x.

2 المصدر السابق.

3 المصدر السابق.

تأتي هذه الضغوط في ظلّ رهانٍ مُزدوِج محفوفٍ بالمخاطر عَقَدته معظم حكومات دول مجلس التعاون الخليجي.57 الرهان الأول اقتصادي، ومفاده أن التنويع يمكن أن يولّد ما يكفي من فرص العمل ذات الأجور الجيّدة في القطاع الخاص لتكون بديلًا عن الأمان الاقتصادي الذي وفّرته الدولة في السابق بشكلٍ مباشر. لكن تحقيق ذلك ينطوي على تحدّياتٍ كبرى، مثل بناء صناعات قادرة على المنافسة عالميًا، وإقناع مواطنين اعتادوا على توزيع الثروة بأن يخوضوا غمار المنافسة في اقتصاد السوق، والاستعاضة عن عائدات النفط بنموٍ تدفعه الصادرات، ولا سيما في دولٍ حيث يُعدّ نصيب الفرد من العوائد النفطية أقلّ نسبيًا، مثل السعودية والكويت وعُمان والبحرين. أما الرهان الثاني، وهو ذو طابع اجتماعي وسياسي، فمفاده أن التنويع يمكن أن يحدث بالسرعة والنطاق الكافيَين للحيلولة دون انهيار العقد الاجتماعي تحت وطأة الضغوط التي يواجهها. وهذان الرهانان مترابطان، إذ إن تَعثُّر الاقتصاد ينعكس سلبًا على الوضع السياسي للبلد، في حين أن استياء السكان أو تملمُلهم يقوّض الشروط اللازمة لتحقيق النجاح الاقتصادي.58

لكن في صميم مشروع التنويع الاقتصادي معضلةٌ سياسية أعمق. فالاقتصاد المُنتِج يتطلّب قطاعًا خاصًا تنافسيًا بحقّ ومُحصَّنًا من التدخّل السياسي. مع ذلك، متى بلغ القطاع الخاص قدرًا كافيًا من الاستقلالية، قد يغدو مصدر قوة مستقلة تهدّد استقرار الأنظمة الخليجية وأمنها، وهي أنظمة اعتادت إحكام قبضتها على نخب الأعمال من خلال إبقائها معتمدةً على رعاية الدولة. وهكذا، إن القطاع الخاص النشط الذي يتطلّبه التنويع هو تحديدًا ما خشيه الحكّام تاريخيًا وتجنّبوه.

لمواجهة هذه المخاوف بالذات، لجأت معظم الأنظمة الخليجية إلى تركيز السلطة في أيديها، وصياغة سرديّات جديدة لإضفاء الشرعية على حكمها. ولكلٍّ من هاتَين الخطوتَين منطقها الخاص بوصفها أداةً للهندسة الاجتماعية وإدارة السكان، لكنهما مجتمعتَين قد تفاقمان المعضلة الكامنة بدلًا من حلّها، وتُقوّضان بذلك تدريجيًا الشروطَ ذاتها التي يعتمد عليها الرهان الاقتصادي.

حين تنحصر عملية صنع القرار في دائرة ضيّقة من الأشخاص غير الخاضعين للتدقيق والرقابة، يصعب تدارك القرارات الخاطئة وتصويبها أو العدول عنها.

شهدت معظم دول مجلس التعاون الخليجي على مدى العقد الماضي تَركُّزًا كبيرًا لسلطة صنع القرار في يد قائدٍ واحد. فقد تراجع نموذج حكم الأسرة القديم، الذي كانت السلطة فيه مُوزَّعة على أجنحة مختلفة من الأسرة الحاكمة، لصالح حكمٍ فرديّ أشدّ تَركُّزًا، تجلّى بأوضح صوره في السعودية بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، وفي الإمارات بقيادة محمد بن زايد. وامتدّ ذلك إلى المجال الاقتصادي، إذ عُيّن كبار أفراد الأُسر الحاكمة على رأس كبرى الشركات المملوكة للدولة وصناديق الثروة السيادية والوزارات الاقتصادية، ما يُظهر مدى إحكام السيطرة السياسية على إدارة الشأن الاقتصادي. وقد ترافق ذلك مع تهميش نخب الأعمال الراسخة في معظم دول مجلس التعاون الخليجي. فهذه النخب، التي كانت تتمتّع بقدرٍ من النفوذ وبصوتٍ مسموع في دوائر صنع القرار، باتت تعمل الآن إلى حدٍّ كبير وفقًا لتقدير الدولة، من دون أن يكون لها أيّ تأثير مؤسّسي يُذكر في القرار الاقتصادي، أو أيّ حضور فعلي في الحياة السياسية.59

وفيما يتيح تضييق دائرة السلطة سرعةً في اتّخاذ القرارات ويوفّر الإرادة السياسية الموحّدة التي تتطلّبها برامج الإصلاح، تُعدّ مخاطره كبيرة، ولا سيما أنها تمسّ بشكلٍ مباشر أُسُس مشروع التنويع الاقتصادي نفسه. فحين تنحصر عملية صنع القرار في دائرة ضيّقة من الأشخاص غير الخاضعين للتدقيق والرقابة، يصعب تدارك القرارات الخاطئة وتصويبها أو العدول عنها. وما من قناة مؤسّسية تسمح لأصواتٍ من خارج تلك الدائرة بتحديد المشاكل أو الطعن في المسلّمات قبل أن تصبح التكاليف غير قابلة للاسترداد. وتُظهر التعديلات المتكرّرة التي تُجرى على مشاريع رائدة، ومنها مشروع نيوم السعودي، كلفةَ هذا القصور. ففي الأنظمة حيث يشرف قائدٌ واحد على المشاريع الكبرى، لا تُعلَن بشفافيةٍ كاملة الأسباب الكامنة وراء التغييرات الجذرية أو التعديلات التي تطرأ عليها، وتكاد تغيب المساءلة عن الأموال العامة المهدورة أو عن مصير المجتمعات التي قد تكون هُجّرت بسبب هذه المشاريع.60

ثمّة خطرٌ آخر يتمثّل في احتمال أن تختلّ شروط المنافسة الحقيقية في السوق حين تتداخل السلطتان السياسية والاقتصادية، فتخضع قرارات الاستثمار لاعتباراتٍ سياسية لا لمعايير الكفاءة أو الإنتاجية على المدى الطويل. وهذا يشكّل أرضًا خصبة لإقرار مشاريع باهظة تنقلب في نهاية المطاف أعباءً على الدولة. كذلك، يُعيق غياب المنافسة الابتكارَ، ويمنع الشركات الصغيرة والمتوسطة الفعّالة من تحقيق النمو واقتناص حصصٍ سوقية من الشركات الكبرى الراسخة. وإذا جاءت عوائد القطاع الخاص ما دون التوقّعات وجرى تقييد الحريات السياسية، فسيكون لدى المواطنين الأكثر مهارةً وقدرةً على الانتقال - وهم تحديدًا مَن تعتمد عليهم خطط التنويع الاقتصادي - دافعٌ قوي للرحيل. ولكي ينجح التنويع الاقتصادي، لا يمكنه خسارة أشخاصٍ هو في أمسّ الحاجة إليهم.

في جوهر الأمر، يتطلّب إرساءُ قطاع خاص نابض بالحياة سيادةَ القانون، وحقوقَ ملكية مصونة، وثقةَ المستثمرين. وقد تجلّى التجاذب بين تركيز السلطة وحيوية القطاع الخاص بأوضح صوره حين احتُجز رجال أعمال سعوديون بارزون في فندق ريتز كارلتون في الرياض في العام 2017. قُدِّمت هذه الخطوة بوصفها حملةً لمكافحة الفساد، اشترطت على الموقوفين دفعَ مبالغ طائلة أو التنازل عن ممتلكات مقابل الإفراج عنهم، لكنّ كثيرين رأوا فيها محاولةً من محمد بن سلمان لتركيز السلطة في يده.61 أيًّا كانت النوايا، بعثت هذه الواقعة رسالةً مفادها أن حقوق الملكية الخاصة لا يكفلها القانون وأنها رهنٌ بتقدير القيادة السياسية – وذلك خلال مرحلةٍ بلغت فيها الحاجة إلى ثقة المستثمرين أشدّها.62

ولم تكتفِ حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بتوطيد دعائم السلطة على هذا النحو، بل عملت على بناء ركائز جديدة للشرعية لا تقوم على منطق إعادة التوزيع الذي استند إليه العقد الاجتماعي القديم، ولا تستلزم توسيع نطاق المشاركة السياسية. وقد أسهم عامِلان رئيسان في هذا التحوّل، هما النزعات الوطنية الجديدة والانفتاح الاجتماعي الانتقائي. ففي داخل دول الخليج، برزت نزعةٌ وطنية مُرتكِزة على الحكّام ومرتبطة ارتباطًا مباشرًا ببرامجهم الإصلاحية، فحلّت تدريجيًا محلّ أشكال الهوية الأخرى، بما في ذلك الهوية الإسلامية الجامعة والهوية الخليجية. وقد اتّخذت هذه النزعة منحىً شعبويًا في المملكة العربية السعودية. فحملة الاعتقالات في فندق ريتز كارلتون مثلًا حظيت بتأييدٍ واسع في أوساط الشباب السعودي بوصفها خطوةً طال انتظارها لمحاسبة النخب على الامتيازات التي تمتّعت بها لعقودٍ طويلة، وهذا موقفٌ شجّع عليه القائمون على الحملة.63 في غضون ذلك، تسارعت بوادر الانفتاح الاجتماعي، ما أدّى إلى توسيع نطاق الحريات الشخصية بشكلٍ ملموس، إذ أصبح بإمكان النساء قيادة السيارات والدخول إلى سوق العمل بقيودٍ أقلّ، وظهرت أماكن ترفيهية مختلطة بين الجنسَين، كما جرى تقليص صلاحيات الشرطة الدينية. وعلى الرغم من أن هذه التغييرات حقيقية، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت قادرة على التعويض عن الخسائر المادّية الناجمة عن استبدال النظام الريعي القديم، أو عن القيود المفروضة على أشكال التعبير السياسي.

البلدان المتوسطة الدخل، والضغوط على العقود الاجتماعية، وفخّ الإصلاح

تشغل البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة والمستوردة للموادّ الهيدروكربونية مواقع في الاقتصاد السياسي الإقليمي تختلف عن تلك التي تشغلها دول مجلس التعاون الخليجي، وهي أيضًا مواقع أكثر هشاشة. تفتقر هذه البلدان إلى الحيّز المالي الكافي للحفاظ على العقد الاجتماعي القديم، أو إلى القدرات المؤسّسية اللازمة لتطبيق عقدٍ جديد. وعلى خلاف دول مجلس التعاون الخليجي التي تحاول، وإن كان على نحوٍ غير كامل، الانتقال إلى عقدٍ جديدٍ مع مجتمعاتها، تواجه الحكومات في البلدان المتوسطة الدخل وضعًا أكثر حرجًا. فالإصلاحات الضرورية لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل قد تهدّد شبكات المحسوبية وهياكل السلطة التي يعتمد عليها بقاء الأنظمة. واستجابةً لذلك، تلجأ هذه الأنظمة إلى تركيز السلطة والقمع، لا بوصفهما أداتَين للتحوّل، بل بديلًا عنه.

وتتسبّب ثلاثة عوامل بإرهاق العقود الاجتماعية في البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية. أول هذه العوامل هو النمو الديموغرافي الذي يؤدّي باطّراد إلى تراجع نصيب الفرد من الريع. وثانيها هو ارتفاع معدّلات بطالة الشباب، ما يولّد حالةً دائمةً من التملمُل. أما العامل الثالث، فيتمثّل في اتّساع الفجوة بين النخب المرتبطة بشبكات النفوذ وبين عموم السكان، الأمر الذي يقوّض شرعية الأنظمة السياسية والاقتصادية. ويكمن جوهر الصعوبات التي تواجهها هذه الدول في التفاعل بين الحوكمة الضعيفة والثروة الهيدروكربونية المتوسطة. فالعائدات كبيرة بما يكفي لتمويل شبكات المحسوبية والأجهزة الأمنية، لكنها ليست كافية لتمويل الاستثمارات وتحقيق توزيع شامل للموارد من شأنه أن يعزّز الشرعية على نطاق أوسع.64 وتنشأ عن ذلك تسويات سياسية ضيّقة وإقصائية، يصبح فيها الحصول على الموارد العامة مرهونًا بالولاء للنظام.

ففي الجزائر، على سبيل المثال، تتفاوت علاقة المناطق والفئات الاجتماعية والقطاعات الاقتصادية المختلفة بالدولة تفاوتًا كبيرًا من حيث فرص الوصول إلى شبكات المحسوبية، فتنشأ عن ذلك صيغة غير متكافئة إلى حدٍّ بعيد لتوزيع الموارد.65 وقد تصبح الديناميّات الديموغرافية أيضًا قيدًا أشدّ وطأةً من تراجع الريوع الخارجية. فحتى إن ظلّت إيرادات الموارد الهيدروكربونية كبيرةً على المدى المتوسط، ستزيد الضغوط الديموغرافية تدريجيًا التكاليفَ المالية والسياسية لإعادة التوزيع، ما يجعل الحفاظ على العقود الاجتماعية مَهمّةً صعبةً أكثر فأكثر. والعراق مثالٌ آخر على ذلك، حيث يشكّل التوظيف في القطاع العام عاملًا هامًّا في العقد الاجتماعي، إذ توظّف الدولة 4.5 ملايين شخص.66 لكن الوصول الفردي إلى الوظائف العامة يمرّ عبر شبكات المحسوبية الحزبية والطائفية، ويُعَدّ بحدّ ذاته مؤشّرًا على الاصطفاف السياسي. وحتى الحركات الإصلاحية التي انبثقت عن احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019 عجزت عن تحدّي هذا المنطق. فقواعدها الشعبية تطالب أيضًا بالتوظيف في القطاع العام، فيما الحوافز الانتخابية تدفع حتى المرشحين المستقلين إلى تفضيل المحسوبية على الإصلاح.67

وقد أتاحت الطفرة المفاجئة في إيرادات الموارد الهيدروكربونية التي أعقبت اندلاع الحرب في أوكرانيا متنفّسًا مؤقّتًا لهذه الدول، إذ مكّنت حكوماتها من تدعيم التسويات السياسية الهشّة من خلال استئناف توزيع الريع، وإن ظلّت مواطن الضعف الأساسية قائمة، ومن بينها انكشاف المالية العامة أمام تقلّبات أسعار النفط والغاز، وضعف التنويع الاقتصادي، وارتفاع معدّلات بطالة الشباب، وتنامي شعور السكان بأن نظامهم مُصمَّمٌ لخدمة المقرّبين من دوائر النفوذ، ما شكّل تهديدًا للتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي.

في المقابل، تواجه العقود الاجتماعية في البلدان المتوسطة الدخل المستوردة للموادّ الهيدروكربونية أربعة ضغوط متزامنة. أولها ضائقة مالية تُقوّض قدرة الدولة؛ وثانيها تقليص الدعم الحكومي الذي كان يشكّل في السابق ركيزةً للشرعية الشعبية؛ وثالثها الركود في استحداث فرص العمل بالتزامن مع نمو ديموغرافي سريع؛ ورابعها انحسار التدفّقات المالية الخارجية التي كانت تتيح للحكومات سابقًا إرجاء اتّخاذ الخيارات الصعبة. وعلى وجه التحديد، استندت الصيغة التوزيعية التي حافظت على استقرار البلدان المستوردة للنفط، مثل مصر والأردن، إلى ما يمكن تسميته بالريوع الجيوسياسية، أي التحويلات التي تُقدّمها دول الخليج والحكومات الغربية والمؤسسات المالية الدولية لهذه الدول نظرًا إلى أهميتها الاستراتيجية والجيوسياسية. هذه المخصّصات المالية، التي هدفت إلى الحفاظ على الاستقرار السياسي، موّلت كلًّا من الإنفاق العام والدعم وأجور العاملين على مدى فترة طويلة. فعلى سبيل المثال، ساهم دعم الطاقة والموادّ الغذائية في إبقاء الأسعار عند مستويات أدنى بكثير من أسعار السوق، فيما ظلّ القطاع العام محرّكًا رئيسًا للتوظيف الرسمي. ففي مصر مثلًا، استُحدِثَ 45 في المئة من الوظائف الرسمية الجديدة في القطاع العام خلال الفترة الممتدّة بين العامَين 1998 و2006.68

وقد ظلّت هذه الترتيبات متماسكةً ما دام التمويل الخارجي متاحًا، أما اليوم، فهي تتعرّض لضغوطٍ متزايدة. فمع لجوء الحكومات إلى الإنفاق المموَّل بالديون في أعقاب الانتفاضات العربية لضمان الاستقرار الاجتماعي، تراجَع النمو الاقتصادي. على سبيل المثال، يتجاوز الدين العام في مصر حاليًا 90 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تستأثر مدفوعات الفائدة بنحو ثلث الإنفاق الحكومي وثلثَي الإيرادات الضريبية،69 ما يكاد لا يترك حيّزًا ماليًّا يُذكَر للاستثمار الاجتماعي.70 إضافةً إلى ذلك، سجّل الإنفاق على الرعاية الصحية انخفاضًا حادًّا من 4.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2016، إلى 1.1 في المئة في العام 2024، فيما بات نحو 60 في المئة من سكان مصر فقراء أو معرّضين للفقر.71 في المقابل، وصل الدين العام في الأردن إلى 116 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2023، وأدّت خدمة الدين إلى مزاحمة كلٍّ من الاستثمار العام والائتمان المُوجَّه إلى القطاع الخاص.72 هذا ولم يُستعَض عن تقليص الدعم على نحوٍ كافٍ، إذ إن التحويلات النقدية المُوجَّهة في مصر، على سبيل المثال، لا تصل سوى إلى جزءٍ من السكان، بينما تتزايد معدّلات بطالة الشباب وانعدام المساواة.

يُضاف إلى ذلك أن الدعم الخارجي، الذي يعزّز العقود الاجتماعية القديمة، تراجَع بدوره. فقد تحوّلت المساندة الخليجية من تقديم الرعاية المالية غير المشروطة، إلى الانخراط المشروط المرتبط بمدى تنفيذ الإصلاحات. وقد أرغم ذلك دولًا مثل مصر والأردن على الدخول في برامج صندوق النقد الدولي التي تفرض تدابير لا تقوى على تنفيذها العقود الاجتماعية في هذه الدول. إن الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في شباط/فبراير 2026 أظهرت كيف يمكن أن تُجَرّ البلدان المستوردة للنفط إلى أزماتٍ لم تكن لها يد في نشأتها، ذلك أن المساعدات المالية الطويلة الأمد التي تُقدّمها دول مجلس التعاون الخليجي تولّد توقّعاتٍ بالحصول على الدعم السياسي والعسكري. فعلى سبيل المثال، جاءت خطوة مصر الأخيرة بنشر أفراد عسكريين ومنظومات دفاع جويّ متطوّرة في الإمارات العربية المتحدة في سياق الضغوط الخليجية المتصاعدة على مصر لإظهار تضامنها مع داعميها الماليين.73 وفي الوقت نفسه، انخفضت تحويلات العاملين في الخارج، التي كانت تشكّل نحو 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للأردن، إلى أقلّ من 10 في المئة بحلول العام 2022، في ظلّ تراجع توظيف المهاجرين نتيجة جهود دول الخليج لتوطين الوظائف.74 وهكذا، إن الركائز المتعدّدة التي استندت إليها الصيغة القديمة - أي المساعدات المالية الخليجية، وتحويلات المغتربين، والاستهلاك المدعوم، والتوظيف الواسع النطاق في القطاع العام - تتراجع جميعها في آنٍ واحد، ما يفاقم عدم الاستقرار الاجتماعي.

وتتمثّل المعضلة التي يواجهها قادة البلدان المتوسطة الدخل في أن بناء اقتصادات مُنتِجة ومتنوّعة يتطلّب إنشاء مؤسسات تنظيمية قادرة على اتّخاذ إجراءات ضدّ المنشآت التي تتمتّع بنفوذ سياسي، ويستدعي أيضًا إنهاء الروابط التي تُركّز النشاط الاقتصادي في أيدي النخب الموالية سياسيًا. لذا، لا بدّ من إعادة توجيه الإنفاق العام من دفع الأجور إلى الاستثمار في البنية التحتية الإنتاجية ورأس المال البشري، حتى مع تهيئة السلطات الظروف أمام الشركات غير المرتبطة بدوائر النفوذ لدخول السوق والمنافسة فيها.

لكن هذه الإصلاحات تهدّد مباشرةً الأُسُس الاقتصادية التي يستند إليها أصحاب السلطة، بمَن فيهم النخب المقرّبة من دوائر النفوذ، والشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، وشبكات المحسوبية التي تعتمد ريوعها على عرقلة دخول منافسين جدد إلى السوق. ولا تقتصر التبعات السياسية على النخب، إذ إن الإصلاح الحقيقي ينطوي على إعادة هيكلة نظام الدعم والتوظيف في القطاع العام، وهذان إجراءان يؤثّران مباشرةً على الأُسر العادية التي تعتمد على الوظائف في القطاع العام والسلع المدعومة لتحقيق أمنها الاقتصادي. ولذا، يفرض أيّ برنامج إصلاحي ذي مصداقية خسائر فوريةً على هذه الفئات قبل أن يحقّق أيّ مكاسب. وفي حين أن "الخاسرين" من هذه الإصلاحات معروفون، يبقى "الرابحون" افتراضيين ومتفرّقين. وهذا الواقع يهيّئ على نحو منهجي ظروفًا مؤاتيةً لمعارضة الإصلاح،75 فيما تواجه التحالفات التي قد تدعم التحوّل الهيكلي، ما إن تبدأ بالتشكّل، القمعَ بدلًا من التجاوب معها.

وقد استجابت حكومات البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة والمستوردة للموادّ الهيدروكربونية لمعضلات الإصلاح، في المقام الأول، عبر تركيز السلطة وممارسة القمع للحؤول دون الإصلاح برمّته، وحماية شبكات المحسوبية وريوع النخب، التي من شأن جهود التنويع الاقتصادي الجادّة أن تهدّدها. فكانت النتيجة اعتماد استراتيجيةٍ قائمةٍ على التأجيل، تتغلّب فيها اعتبارات البقاء السياسي القصير الأمد باستمرار على الاستقرار الطويل الأمد، وتؤدّي فيها كلّ دورة من دورات التأجيل إلى مفاقمة ضعف المالية العامة، ما يقلّص هامش المناورة عندما يحين وقت مواجهة الاستحقاقات.

أفضى هذا النهج في البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة والمستوردة للنفط إلى أنماطٍ مؤسّسيةٍ مماثلة: تَركُّز السلطة التنفيذية، وتوسّع الجهات العسكرية أو الأمنية في الحياة الاقتصادية، واستخدام تنازلات توزيعية محدودة لتهدئة القواعد الشعبية التي قد تطالب، لولا ذلك، بتغييرٍ جذري أكثر.

فعلى سبيل المثال، تزايَد تَركُّز السلطة في مصر، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في إطار علاقةٍ متشابكةٍ بين المؤسسة العسكرية والرئاسة. وقد أدّى توسّع الدور الاقتصادي للجيش، الذي اتّسم بغياب الشفافية وبمعاملة تفضيلية في الوصول إلى موارد الدولة، إلى تَركُّز صنع القرار في دائرةٍ ضيّقةٍ من المؤسسات المرتبطة بالسلطة التنفيذية، ما أسفر عن تهميش القنوات المدنية.76 وعلى النحو نفسه، في أعقاب الحراك الشعبي في الجزائر، تحرّكت قيادة البلاد في عهد الرئيس عبد المجيد تبون لإعادة تأكيد السلطة التنفيذية، من خلال تعزيز سيطرة الرئاسة على المؤسسات السياسية وتقييد المعارضة.77 وقد عكس ذلك استراتيجيةً أوسع لإعادة تركيز السلطة استجابةً للضغوط المستمرّة من المجتمع.78 وترافق هذا الأمر مع تعزيز أدوات المحسوبية من خلال توسيع نطاق الدعم، وزيادة الأجور، وتقديم إعانات البطالة، بهدف تهدئة السكان واحتواء الاضطرابات الاجتماعية.

تتعدّد الأمثلة التي استُخدِم فيها القمع بديلًا عن إجراء الإصلاحات.

تتعدّد الأمثلة التي استُخدِم فيها القمع بديلًا عن إجراء الإصلاحات. ففي مصر، امتدّت حملة القمع، التي ركّزت في البداية على جماعة الإخوان المسلمين، لتشمل الصحافيين، ونقابات العمّال، والمدافعين عن حقوق الإنسان، وأطرافًا أخرى من المجتمع المدني.79 وقد أفضى ذلك فعليًا إلى قطع القنوات التي يمكن من خلالها معالجة الشكاوى. كذلك أعاد نظام السيسي صياغة العقد الاجتماعي ليتحوّل من عقد يقوم على توفير المنافع إلى عقد يقوم على الحماية، مع إحلال الخطاب الأمني محلّ خطاب إعادة توزيع السلع والخدمات، الذي كان يوفّر الشرعية لكنه لم يَعُد مستدامًا.80 وفي الجزائر عقب الحراك الشعبي، اعتقلت السلطات ناشطين وصحافيين ومتظاهرين في إطار حملة قمع مستمرّة للمعارضة، أسفرت عن خنق المجتمع المدني.81 وفي العراق، تورّطت قوات الأمن منذ احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019 في قتل الناشطين واختطافهم وترهيبهم.82 وفي الأردن، فرضت السلطات في السنوات الأخيرة قيودًا متزايدةً على الحيّز المدني، من خلال الاعتقالات وإقرار قوانين واسعة النطاق لمكافحة الجرائم الإلكترونية تستهدف ما يُنشر عبر الإنترنت، الأمر الذي زاد تقييد التعبير السياسي.83

في نهاية المطاف، تعود هذه الاستجابات بنتائج عكسية اقتصاديًا، وتفضي إلى مآزق لا سُبل جيّدة للخروج منها. فهذه الأنظمة هشّة إلى حدٍّ لا يسمح بإصلاحها، ومُثقَلة بالديون إلى حدٍّ لا يتيح الحفاظ على الوضع القائم، وقمعية إلى حدٍّ يَحول دون بناء التحالفات اللازمة لتحقيق التحوّل. وفي مجموعات الدول الثلاث جميعها، تُقوّض الاستجابات السياسية المُستخدَمة لإدارة تكاليف الإصلاح القصيرة الأجل الظروفَ التي تجعل الإصلاح قابلًا للاستمرار على المدى الطويل. فالمطلوب إذًا عمليةٌ لإعادة التفاوض بشأن العقود الاجتماعية، يكون فيها المواطنون مشاركين فاعلين، لا مجرّد متلقّين غير فاعلين. وينبغي أيضًا أن تكون هذه العملية قائمةً على تقديم الإصلاح بوصفه تضحيةً يتقاسمها الجميع، وعلى وضع آلياتٍ موثوقةٍ لتعويض مَن يتحمّلون تكاليف العملية الإصلاحية، وعلى بناء تحالفاتٍ متينةٍ للمضيّ بالإصلاحات قدمًا، مع منح هذه التحالفات صوتًا سياسيًا حقيقيًا. فلا يمكن أن يستمدّ الإصلاح الشرعية إلا من أُسُسٍ تتيح مشاركة مختلف الفئات الاجتماعية. ومع ذلك، إن القيود التي تبرز في مسار الإصلاح ليست داخليةً بحتة، إذ إن الاقتصاد السياسي للتحوّل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتشكّل أيضًا بفعل علاقات الترابط الإقليمية والديناميّات الجيوسياسية الخارجة عن سيطرة أيّ حكومة منفردة في المنطقة.

تأثير الديناميّات الإقليمية والعالمية على جهود التنويع

لن يتأثّر التحوّل الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالقرارات التي تُتَّخذ داخل دولها فحسب، بل سيتأثّر أيضًا بالسياقَين الإقليمي والعالمي اللذَين تُتَّخذ فيهما تلك القرارات. وقد أطلقت دولٌ عدّة برامج إصلاحية طموحة، بدءًا من الرؤى التنموية البعيدة المدى التي وضعتها دول الخليج لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن الموارد الهيدروكربونية، وصولًا إلى الجهود التي تبذلها البلدان المستوردة للطاقة بهدف تحقيق استقرار الاقتصاد الكلّي، ومعالجة الاختلالات المالية العميقة، وبناء اقتصادات أكثر إنتاجية.84

مع ذلك، يتوقّف نجاح هذه البرامج على عوامل لا يمكن لأيّ دولةٍ أن تتحكّم فيها بمفردها. أولًا، يُشكّل توافر حدٍّ أدنى من الأمن الإقليمي شرطًا مُسبَقًا لتحقيق تنميةٍ اقتصادية مستدامة. وقد أظهرت الصراعات الأخيرة أن الاستثمار والتجارة لا يمكن أن يزدهرا في ظلّ الحروب وانعدام الاستقرار وموجات النزوح.85 ثانيًا، يتعيّن على المنطقة الاستعداد لمستقبلٍ غير واضح المعالم في مجال الطاقة. فمع توجُّه العالم بعيدًا عن الوقود الأحفوري، على الدول المُنتِجة للنفط والغاز أن تتهيّأ لمرحلةٍ لا تكون فيها عائدات الموادّ الهيدروكربونية الركيزةَ الوحيدة لتحقيق الازدهار.86 ولا يقتصر التحدّي على التعامل مع انخفاض الطلب، بل يمتدّ إلى استباق المتغيّرات وتسريع عملية التنويع الاقتصادي قبل أن تُحتّم الضغوط الخارجية اللجوء إلى عمليات تكيّف مؤلمة.87

ثالثًا، يتطلّب التحوّل الاقتصادي مزيدًا من التكامل الإقليمي. فمن شأن خطواتٍ مثل توسيع نطاق التكامل بين الأسواق، وتعزيز الروابط الاقتصادية، وتطوير آليات فعّالة للعمل الجماعي، أن تساعد الدول على تجاوز محدودية المقاربات الوطنية المجزّأة، وتحويل الاعتماد المتبادل بين دول المنطقة إلى عاملٍ يدعم النمو ويزيد القدرة على تحمّل الصدمات.88 لذلك، لن يتوقّف مستقبل المنطقة على الإصلاحات الداخلية فحسب، بل أيضًا على نشوء نظام إقليمي أكثر استقرارًا وتعاونًا.

إعادة بناء نظامٍ إقليمي مستقرّ

تُذكّر الصراعات الدائرة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط بأن التحوّل الاقتصادي يتطلّب استقرارًا في المنطقة.89 مع ذلك، يظلّ هذا الاستقرار غائبًا. فعلى مدى عقود، عوّلت دول الخليج على الضمانات الأمنية الأميركية لحمايتها. لكن حتى في ظلّ هذه البنية الأمنية، باتت المنطقة أقلّ استقرارًا على نحوٍ متزايد، وفاقم الانحسار التدريجي لحقبة السلام الأميركي حالةَ اللايقين، ما دفع الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الأمنية.90 ولا يكمن التحدّي الذي تواجهه دول الخليج في استبدال الولايات المتحدة بطرفٍ آخر، وإن كانت تُدرك حدود الضمانات الأمنية الأميركية، بل في تقليص اعتمادها على جهة واحدة ضامنة للأمن.91 لذلك، تميل دول الخليج أكثر فأكثر إلى التحوّط، أي عدم حصر رهاناتها في طرفٍ واحد، من خلال تنويع شراكاتها وتوسيع علاقاتها الدبلوماسية والأمنية لتشمل جهاتٍ أخرى غير الولايات المتحدة.92

تختلف طبيعة المخاوف الأمنية لدى البلدان المتوسطة الدخل المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية. لتوضيح ذلك، يمكن ذكر ثلاثة أمثلة: تسعى الجزائر إلى منع امتداد حالة اللااستقرار إليها من منطقة الساحل وليبيا وتونس المتعثّرة اقتصاديًا، فيما تتنافس مع المغرب على النفوذ في شمال أفريقيا.93 ويحاول العراق تحييد نفسه عن التنافسات والصراعات الإقليمية المُحتدمة التي تنخرط فيها أطرافٌ متعدّدة مثل إيران وإسرائيل ودول الخليج. أما ليبيا فتظلّ ساحةً مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية، التي رسّخت تدخّلاتها تشرذمَ البلاد وأضعفت مؤسسات الدولة الليبية.94 ولتحقيق الاستقرار في المنطقة، لا بدّ إذًا من كبح هذه التجاذبات. وينطبق ذلك إلى حدٍّ بعيد على البلدان المتوسطة الدخل المستوردة للموادّ الهيدروكربونية، مثل مصر والأردن. فمن شأن بيئةٍ إقليمية أقلّ احتدامًا أن تعزّز فرص هذه الدول في المضيّ نحو الإصلاح الاقتصادي والتنمية. أما الدول المتأثّرة بالصراعات، مثل لبنان وسورية واليمن، فأولوياتها هي إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والحيلولة دون تفاقم حالة الانقسام والتشرذم. ويقتضي ذلك شكلًا من أشكال التسوية الإقليمية، التي ستكون مرهونةً بالمناخ الجيوسياسي السائد.

تميل دول الخليج أكثر فأكثر إلى التحوّط، أي عدم حصر رهاناتها في طرفٍ واحد، من خلال تنويع شراكاتها وتوسيع علاقاتها الدبلوماسية والأمنية لتشمل جهاتٍ أخرى غير الولايات المتحدة.

ثمّة مسألتان ستؤثّران حتمًا في الأمن الإقليمي. تتمثّل الأولى في استراتيجية التحوّط التي تتبنّاها دول الخليج في ظلّ قصور المنظومة الأمنية الأميركية. أما الثانية فتتعلّق بمستقبل علاقات دول المنطقة مع إيران وإسرائيل، وهي علاقاتٌ ستُحدّد ملامحها تصوّرات التهديد المختلفة. ولا يعني التحوّط أن الولايات المتحدة ستتوقّف عن توفير الأمن. فعلى الرغم من مساعي دول الخليج الرامية إلى تنويع شراكاتها، لا تزال ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة. فواشنطن لا تزال توفّر لها قدرات عسكرية متطوّرة، وبنية تحتية دفاعية، إضافةً إلى الوصول السلس إلى النظام المالي والنقدي الأوسع الذي يَرتكِز عليه الاستقرار الإقليمي لدول الخليج. ولا يزال النفط في معظمه يُسعَّر بالدولار الأميركي، وتُستثمر فوائض دول الخليج في الأسواق الأميركية، ويستمرّ التعاون الأمني بين الجانبَين على نطاق واسع.95

علاوةً على ذلك، كشفت محاولات البحث عن شركاء أمنيين آخرين عن قيودٍ كبيرة. واقع الحال أن روسيا يجمعها تعاونٌ وثيقٌ بإيران، ولا تبدي اهتمامًا يذكر بأداء دور الوسيط الإقليمي.96 أما الصين، فقد وسّعت نطاق نفوذها الاقتصادي، وأسهمت في تيسير التقارب السعودي الإيراني في العام 2023.97 مع ذلك، لم تقطع بيجينغ أيّ التزاماتٍ أمنية رسمية في المنطقة، حتى وهي تزوّد إيران بتقنياتٍ ومكوّناتٍ عسكرية بهدف إضعاف الولايات المتحدة.98 باستطاعة دولٍ إقليمية مثل مصر وباكستان وتركيا أن تُقدّم دعمًا سياسيًا وعسكريًا، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محلّ الضمانات الأمنية الأميركية. وتسلّط هذه القيود الضوء على المعوّقات التي تعترض استراتيجيات التحوّط الخليجية.99

في الوقت نفسه، يتّجه مركز الثقل الاقتصادي لدول الخليج بشكلٍ متزايد نحو آسيا. فالجزء الأكبر من صادرات الطاقة الخليجية يتدفّق إلى الأسواق الآسيوية، فيما تتعمّق الروابط التجارية والاستثمارية بين دول الخليج والصين.100 وقد ولّد ذلك فجوةً آخذةً في الاتّساع بين خريطة الثروة الخليجية وخريطة الأمن الخليجي. لكن لا ينبغي تفسير ذلك على أنه استدارةٌ استراتيجية نحو بيجينغ. فحكومات الخليج تستخدم علاقاتها مع الصين في المقام الأول كورقة ضغط في علاقاتها مع الولايات المتحدة، وليس كبديلٍ عنها.

لكن ذلك لم يفضِ إلى توافق دول الخليج على استراتيجيةٍ واحدة، بل إلى اختبار مقاربات متعدّدة، وحتى متنافسة. فقد استخدمت الإمارات العربية المتحدة الاتفاقات الإبراهيمية لإقامة شراكات اقتصادية وجيوسياسية جديدة مع إسرائيل. وسلكت المملكة العربية السعودية المسار الدبلوماسي مع إيران، فيما لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة وتُعزّز روابطها مع الصين. وواصلت قطر وعُمان أداء أدوار وساطة، في ظلّ توطيد علاقاتهما مع طيفٍ واسع من الأطراف الفاعلة. تعكس هذه المقاربات مُجتمِعةً ترتيباتٍ أمنية متباينة تحرّكها حسابات مختلفة، لا رؤية خليجية موحّدة.

وسيتشكّل جانبٌ كبير من النظام الإقليمي المُقبل وفقًا لكيفية تعامل دول المنطقة مع إيران وإسرائيل، اللتَين أصبحتا من أبرز مصادر انعدام الاستقرار الإقليمي، وإن بطرقٍ مختلفة. لا يزال المسار الذي ستسلكه إيران في المستقبل غير واضح المعالم.101 فقد شهدت البلاد في آنٍ واحد أزمة شرعية سياسية، وضائقة اقتصادية، وضغوطًا بيئية، فضلًا عن التداعيات الكارثية التي خلّفتها عقودٌ من العقوبات. لذا، سيتوقّف الاستقرار الإقليمي إلى حدٍّ بعيد على خيار طهران بين الإصلاح والتهدئة مع جيرانها، وبين ترسيخ الحكم السلطوي بقيادة الحرس الثوري الإيراني – وهذا توجُّهٌ لن يؤدّي سوى إلى زيادة عزلتها الدولية. ولا يقلّ مسارها الاقتصادي أهميةً عن ذلك، إذ من شأن إعادة انخراط إيران في الاقتصاد العالمي أن تُعيد تشكيل التفاعلات الإقليمية، فيما قد يُضعف استمرار عزلتها قدرات الدولة الإيرانية بصورة إضافية، ويفاقم السلوك المُزعزع للاستقرار. إذًا، يتمثّل التحدّي الأساسي أمام الأطراف الإقليمية في التوفيق بين الردع والانخراط. فالردع من دون انخراط يفسح المجال أمام دورات متكرّرة من التصعيد، في حين أن الانخراط من دون ردع موثوق يضع الدول في دائرة التهديد.102 وسيتطلّب بناء نظام إقليمي مستدام إرساء توازن بين هذَين النهجَين.

صحيحٌ أن النزاع مع إيران يُعدّ من أبرز مصادر انعدام الاستقرار الإقليمي، بيد أن الاحتلال الإسرائيلي المتواصل وغير القانوني للأراضي الفلسطينية والعربية يشكّل منذ ردحٍ طويل من الزمن عقبةً كأداء تعترض آفاق التوصّل إلى تسوية إقليمية.103 وقد تدهور هذا الوضع منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 بسبب تنامي نزعة إسرائيل التوسّعية وتكثيف اعتداءاتها في المنطقة. فعمليات إسرائيل العسكرية، وخروقاتها الميدانية، وتوغّلاتها البرّية، إلى جانب مساعيها الرامية إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، أفضت جميعها إلى رفع منسوب التوتّر وتقويض سيادة دول الجوار. أما سورية ولبنان فاستقرارهما رهنٌ بإعادة بناء مؤسسات دولة فعّالة، واستعادة وحدة الأراضي، وعودة النازحين إلى ديارهم. لكن العمليات الإسرائيلية كثيرًا ما خلّفت نقيضَ ذلك تمامًا، إذ قوّضت سلطة الدولة، وانتهكت السيادة، ورسّخت تفتيت أراضي دول الجوار.104

من المُرجَّح أن تدفع نزعة الهيمنة الإسرائيلية دولَ المنطقة للسعي إلى تشكيل ثقلٍ موازن في وجه هذا الطموح. وتتقاطع مصالح كلٍّ من السعودية وتركيا ومصر أكثر فأكثر في الحؤول دون نشوء نظام إقليمي تهيمن عليه إسرائيل، ويُسهّل انهيارُ الدول قيامَه.105 فحتى مبادرات تطبيع العلاقات، مثل الاتفاقات الإبراهيمية، لم تُكسِب إسرائيل شرعيةً واسعة في الشرق الأوسط، إذ لا تزال تصطدم بمعارضة جيوسياسية قوية، ولا سيما وسط غياب أيّ تقدُّمٍ في القضية الفلسطينية.

لذلك، من المُستبعَد أن يوفّر نظامٌ إقليمي يَرتكِز على فرض الإرادة بالقوة ويتّسم بالتفكّك والصراعات المتكرّرة، الاستقرارَ اللازم لتحقيق التحوّل الاقتصادي (انظر الشكل 14). وسيتطلّب إرساء الاستقرار المستدام إطارًا أمنيًا تعاونيًا أكثر، يجمع بين الردع والدبلوماسية، ويحدّ من التنافس الإقليمي، ويُسهم في بناء مؤسسات الدولة بدلًا من تقويضها.

فخّ التحوّل عن النفط

سيكون مسار الطلب العالمي على الموادّ الهيدروكربونية، الذي يتشكّل بفعل ديناميّات السوق والاضطرابات الجيوسياسية، عاملًا حاسمًا في تحديد قدرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مواصلة التحوّل الاقتصادي. وفي خضمّ تبدّل مشهد الطاقة العالمي، سيتمثّل التحدّي الرئيس أمام البلدان المصدّرة في كيفية اغتنام نافذة فرصٍ آخذة في التقلّص للحفاظ على عائدات النفط والغاز، وفي الوقت نفسه تسريع عملية الانتقال نحو نماذج اقتصادية متنوّعة ومُنتِجة وقادرة على الصمود.106

وفي ظلّ تسارُع خطى التحوّل في مجال الطاقة، وتباطُؤ نمو الطلب العالمي على النفط، ثم توقُّف منحاه التصاعدي وتراجُعه في نهاية المطاف، ستواجه البلدان المصدّرة للنفط ضغوطًا متزايدةً للتكيّف مع أسواقٍ تزداد تنافسيةً وتقلّبًا. ومن الاستجابات الممكنة أن تلجأ الدول المُنتِجة للنفط بتكاليف منخفضة، ولا سيما في مجلس التعاون الخليجي، إلى تسريع الإنتاج بهدف تحقيق عوائد مالية من احتياطياتها بوتيرة أسرع، والاستحواذ على حصة في السوق. الواقع أن انسحاب الإمارات من منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)، ومن تحالف أوبك+ في نيسان/أبريل 2026، يعكس تنامي التوتّرات داخل تحالفات المُنتِجين، وجاذبية خيار التنافس بصورة أكثر حدّة في سوقٍ آخذةٍ في الانكماش.107 ويدلّ ذلك أيضًا على أن الإمارات، مثلها مثل قطر التي انسحبت من منظمة أوبك في العام 2019، لا ترى نفسها مُلزَمةً بمؤسساتٍ لم تَعُد تتوافق مع مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. فدول مجلس التعاون الخليجي بدأت تمنح الأولوية على نحوٍ متزايد لأهدافها الاقتصادية الخاصة، بما في ذلك استخدام احتياطياتها لتأمين العائدات بوتيرة أسرع دعمًا لاستراتيجيات التنويع الاقتصادي. لكن إذا تبنّى عددٌ من المُنتِجين هذا النهج في الوقت نفسه، فسيؤدّي ذلك إلى سوقٍ عالمية تنافسية للطاقة قد تسرّع انخفاض أسعار الموادّ الهيدروكربونية، لتتقارب العائدات على المدى الأبعد مع تكاليف الإنتاج الحَدّية. عندئذٍ، ستكون النتيجة خاسرةً لجميع المُنتِجين، ما يقوّض الاستقرار المالي ويضعف جهود التنويع.108

تسلّط الحسابات الاستراتيجية لمُنتِجي الطاقة بشأن مستقبل أسواق الطاقة الضوءَ على مفارقة جوهرية مفادها أن التنسيق بين الدول المُنتِجة يبقى ضروريًا حتى مع احتدام المنافسة في ما بينها. فإدارة مستويات الإنتاج بصورة جماعية ستكون أساسيةً إذا ما أرادت هذه الدول تثبيت استقرار عائداتها، والحفاظ على الموارد المالية اللازمة لتمويل عمليات التحوّل الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، من المُرجَّح أن تؤدّي حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط، خصوصًا الاضطرابات التي تطال البنية التحتية الخاصة بالطاقة والممرّات البحرية، إلى تسريع وتيرة التحوّل العالمي في مجال الطاقة، ما يفرض ضغوطًا على الدول المُنتِجة لتسريع تنويع اقتصاداتها.109 ثم إن الصدمات المتكرّرة التي تصيب سلاسل الإمداد وتصوّرات المخاطر المتزايدة يدفعان كبارَ المستوردين الآسيويين - الذين يشكّلون المحرّك الرئيس للطلب المستقبلي على الموادّ الهيدروكربونية، إذ يمرّ نحو 40 في المئة من وارداتهم النفطية عبر مضيق هرمز - إلى تنويع مصادر الطاقة، وتسريع الاستثمار في قطاع الطاقة المتجدّدة، وتقليص الاعتماد على الموادّ الهيدروكربونية من الشرق الأوسط.110 وقد يعجّل هذا بدوره تراجعًا هيكليًا في الطلب على النفط والغاز، فتزداد حدّة التنافس بين البلدان المصدّرة.

وهكذا، إن العلاقة بين التحوّل العالمي في مجال الطاقة والتنويع الاقتصادي علاقةٌ ذات اتّجاهَين. فالدول التي تنجح في تنويع اقتصاداتها ستكون في وضع أفضل لاعتماد استراتيجياتٍ مرنة واستشرافية في إدارة مواردها الهيدروكربونية، والتعامل بسلاسة مع تأثيرات هذا التحوّل. وفي المقابل، قد تُدفَع الدول التي تبقى مُعتمدةً على عوائد النفط والغاز نحو تعظيم العائدات على المدى القصير، ما يزيد من تقلّبات السوق وربما يسرّع التحوّل العالمي بعيدًا عن الوقود الأحفوري. وتترتّب عن ذلك تداعيات بالغة. فإذا تدنّت أسعار النفط والغاز باطّراد نتيجة تراجع الطلب أو الفائض في العرض، قد ينخفض نصيب الفرد من الدخل في الاقتصادات المُنتِجة للموادّ الهيدروكربونية انخفاضًا كبيرًا في العقود المقبلة. ومن شأن ذلك أن يفاقم الضغوط السياسية والاجتماعية، ما يجعل التنويع الاقتصادي بعيدًا عن النفط والغاز أمرًا ملحًّا وأشدّ صعوبةً في آن. لذا، من الأفضل للدول المصدّرة للموادّ الهيدروكربونية استباق التغيير بدلًا من انتظار أن يُفرَض عليها.

التكامل الإقليمي ومكانة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الاقتصاد العالمي

يُعدّ التكامل الإقليمي، لأسباب عدّة، شرطًا لا غنى عنه للمضيّ بالإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، وتحسين اندماج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الاقتصاد العالمي. أولًا، لا تزال المنطقة، بعد عقودٍ من التحرير الاقتصادي، من أقلّ مناطق العالم تكاملًا من الناحية الاقتصادية.111 لذا، من شأن إنشاء سوق إقليمية أكبر وأكثر تكاملًا أن يساعد دول المنطقة على تنويع اقتصاداتها من خلال الجمع بين الموارد المالية الخليجية، وبين القوى العاملة، والقدرات الصناعية، وطاقات ريادة الأعمال في الاقتصادات المتوسطة الدخل. كذلك، يمكن لمزيدٍ من التكامل أن يولّد أوجه تآزُرٍ جديدة في مجالات الاستثمار والإنتاج وسلاسل الإمداد، ما يتيح للدول الاستفادة من المزايا النسبية لبعضها بعضًا، بدلًا من العمل في أسواق وطنية مجزّأة. ومن شأن هذا التكامل أيضًا أن يعزّز القوة الاقتصادية الجماعية للمنطقة، فيمنحها قدرةً تفاوضية أكبر في إبرام اتفاقيات التجارة والاستثمار مع شركاء كبار، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاقتصادات الآسيوية.

ثانيًا، يمكن أن يسهم البناء على التكامل الإقليمي في إعادة توجيه قدرٍ أكبر من ثروة المنطقة المالية إلى الاقتصادات الإقليمية. فجزءٌ كبيرٌ من رؤوس الأموال الخليجية قد استُثمِر في أوروبا وأميركا الشمالية على مدى عقود، بيد أن تصاعد التوتّرات الجيوسياسية، وتزايد حالة اللايقين بشأن كيفية التعامل مع الأصول السيادية في الخارج، سلّطا الضوء على فوائد الاستثمار في المنطقة. فلو استُثمِرت حصةٌ أكبر من أصول دول الخليج في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لأحدَثَ ذلك تحوّلًا في البلدان المتلقّية للاستثمارات، ومَنَحها حافزًا للمضيّ قدمًا بأجندات الإصلاح. في الواقع، طرأ تبدُّلٌ على الانخراط المالي الخليجي خلال السنوات الماضية، وسيتواصل هذا المنحى من دون شكّ مع تقدُّم خطط التنويع الاقتصادي التي تتبنّاها دول مجلس التعاون الخليجي. لقد ولّت حقبة تقديم المساعدات غير المشروطة نسبيًا للدول المُثقلة بالديون، مثل مصر والأردن وباكستان ولبنان، على شكل ودائع لدعم الميزانيات، ومعونات، وأشكال أخرى من الدعم، وحلّ محلّها نهجٌ أكثر انتقائية.112 فحكومات دول الخليج تنتقل من توفير الدعم المباشر للميزانيات نحو تملُّك الأصول والاستثمار في قطاعات رئيسة، مثل البنية التحتية والطاقة والزراعة والطاقة المتجدّدة.113 ويغيّر هذا التبدّل ديناميّات العلاقة بين المستثمرين والبلدان المتلقّية للاستثمارات. فالاستثمارات الخليجية أصبحت تُوجَّه نحو مشاريع قابلة للتمويل، ونحو المشاركة في قطاعات استراتيجية، الأمر الذي يحفّز الدول المتلقّية للاستثمارات على تحسين بيئة الأعمال لديها، وإصلاح المؤسسات المملوكة للدولة، وتعزيز الحوكمة الاقتصادية.114 يبقى التحدّي في المرحلة المقبلة تحويل الاستثمار الخليجي إلى محرّكٍ للتكامل الإقليمي. ويمكن أن تساعد تدابير مثل زيادة الشفافية، ووضع معايير أوضح، وإرساء آليات مؤسّسية إقليمية، على مواءمة الاستثمارات مع استراتيجيات التنمية، وبالتالي تسخير التدفّقات المالية لتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي الإقليمي.

ثالثًا، يُمثّل الكثير من التحدّيات الأشدّ إلحاحًا في المنطقة مشاكل مشتركةً تتجاوز الحدود الوطنية. فندرة المياه، وتغيّر المناخ، والتدهور البيئي، ومسألة الأمن الغذائي، وملفّ عودة اللاجئين والنازحين، كلّها مشاكل تحظى باهتمام مشترك، ولا يمكن معالجتها بفاعلية من خلال سياسات وطنية منعزلة، بل إنها تتطلّب تنسيقًا، وتخطيطًا مشتركًا، وعملًا جماعيًا لحلّها. وعلى المدى القريب، ستكون إعادة إعمار البلدان التي مزّقتها الصراعات، وتمكين النازحين من العودة إلى ديارهم، في صميم أولويات المنطقة. ولن تؤثّر الطريقة التي يُعاد بها إعمار كلٍّ من غزة وسورية ولبنان واليمن على حياة ملايين الأشخاص فحسب، بل ستؤثّر أيضًا على المستقبل الاقتصادي والسياسي للمنطقة ككُلّ.

ستعتمد مشاركة إسرائيل في إطارٍ اقتصادي إقليمي كهذا على مدى التقدُّم المُحرَز نحو تسوية القضية الفلسطينية، وهو أمرٌ حاسمٌ لتحقيق قبول وتعاون أوسع نطاقًا على المستوى الإقليمي. ويتطلّب التصدّي لهذه التحدّيات الإقليمية المشتركة بناء مؤسسات ملائمة، إذ من شأن إنشاء بنكٍ لإعادة الإعمار والتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن يشكّل منصّةً لترسيخ التكامل الإقليمي من خلال مشاريع ملموسة.115 ويمكن لمؤسسةٍ من هذا النوع أن تُوجِّه الاستثمارات نحو أولوياتٍ طويلة الأجل، مثل البنية التحتية، والقدرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ، وإعادة الإعمار بعد الصراعات. فمن دون مؤسساتٍ تدعم هذه الأهداف البعيدة المدى، سيكون من الصعب وضع الأُسُس اللازمة لتحقيق تحوّلٍ اقتصادي واستقرار إقليمي دائمَين.

أخيرًا، يُعدّ تأمين طرق التجارة وتحسين الربط الإقليمي من المساعي التي تتطلّب بطبيعتها عملًا جماعيًا. فقد أظهرت التوتّرات الأخيرة مع إيران مدى هشاشة الممرّات البحرية الرئيسة، ولا سيما مضيقَي هرمز وباب المندب، وسرّعت وتيرة الجهود الرامية إلى تطوير ممرّات بديلة للنقل والطاقة (انظر الشكل 15). والواقع أن الحكومات الخليجية تسعى إلى تعزيز قدرتها على الصمود اقتصاديًا من خلال الاستثمار في مشاريع تربط بلدانها بمنطقة المشرق العربي وتركيا عبر السكك الحديدية وخطوط الأنابيب والموانئ وشبكات الخدمات اللوجستية.116 وفي هذا السياق، يُمثّل توطيد أواصر التكامل الإقليمي محرّكًا مهمًّا للنمو، وعنصرًا متعاظم الأهمية في الأمن الاقتصادي.

من شأن إنشاء بنكٍ لإعادة الإعمار والتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن يشكّل منصّةً لترسيخ التكامل الإقليمي من خلال مشاريع ملموسة.

مع ذلك، ينبغي ألا يقتصر التكامل الإقليمي على العالم العربي، بل لا بدّ أن يشمل أيضًا تركيا وإيران لكي يُحدث التحوّل المنشود وينزع فتيل التوتّر. ومن شأن التكامل الاقتصادي أن يساعد في تهدئة الأوضاع الإقليمية من خلال توفير مصالح مشتركة وعلاقات اعتماد متبادل قائمة على الازدهار المشترك.117 سيقتضي إرساء نظامٍ إقليمي مستقرّ إطارًا جامعًا يُدخِل كلّ الأطراف الفاعلة الإقليمية الرئيسة في ترتيباتٍ تَرتكِز على التعاون. فتركيا وإيران تضمّان أسواقًا محلية كبيرة، وقدرات صناعية ضخمة، وتتمتّعان بموقعَين جغرافيَّين استراتيجيَّين، بينما تملك دول الخليج موارد مالية وفيرة، وقدرات استثمارية هائلة. لذا، يمكن لهذه المقوّمات مُجتمِعةً أن تفتح آفاقًا جديدةً للتجارة والاستثمار والتنمية الصناعية في مختلف أرجاء المنطقة. لكن تحقيق هذه الإمكانات يستوجب خفض التصعيد السياسي، وبذل جهودٍ متواصلة لبناء الثقة بين إيران وجيرانها العرب. فمن دون إحراز تقدُّمٍ من هذا القبيل، يُستبعَد أن تتحقّق بالكامل المكاسب الاقتصادية المرجوّة من التكامل الإقليمي.

لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عقودًا من التحرير الاقتصادي، إلا أن هذه الجهود لم تُثمر عن تحقيق تكاملٍ إقليمي أعمق أو تعزيز مكانة المنطقة في الاقتصاد العالمي. فعلى الرغم من اتفاقيات التجارة الدولية، مثل الاتفاقيات الأورومتوسطية التي تربط عددًا من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالاتحاد الأوروبي، لا تزال المنطقة تؤدّي دورًا ثانويًا في الاقتصاد العالمي، ما يحدّ من قدرتها على تطوير سلاسل قيمة إقليمية، وجذب الاستثمارات، وتحديد شروط انخراطها مع القوى الاقتصادية العالمية.118 لذا، يُعدّ التكامل الإقليمي خطوةً أساسيةً وملحّةً لإعادة النظر في اندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي وسط تنامي التجاذبات الجيوسياسية وظهور تكتّلات اقتصادية متنافسة. وفي خضمّ هذه البيئة الجديدة التي تتّسم بالحمائية، وعودة الرسوم الجمركية، والتنافس العالمي، يصبح إنشاء تكتّلٍ إقليمي أمرًا لا غنى عنه لزيادة القدرة التفاوضية للدول المعنيّة.

خاتمة: حلقة مفرغة أم حلقة مثمرة؟ 

تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عند منعطف مفصلي. فالتفاعل بين مسارات الإصلاح الداخلي، والتطوّرات الإقليمية، والتغيّرات الجيوسياسية الأوسع، هو ما سيرسم ملامح المنطقة على مدى السنوات المقبلة. ولن يحدّد ذلك نجاح عمليات التحوّل الاقتصادي أو إخفاقها داخل كلّ دولة على حدة فحسب، بل سيحدّد أيضًا طبيعة النظام الإقليمي المُرتقب. والسؤال المحوري هو ما إذا كانت المنطقة ستمضي نحو مزيدٍ من الاستقرار والإصلاح الاقتصادي والتكامل، أم نحو مزيدٍ من التشرذم وانعدام الأمن ودوّامات متجدّدة من التدهور الاقتصادي.

تعتري المنطقة توتّراتٌ هيكلية متنامية ناجمة عن نماذج اقتصادية لا تولّد نموًّا، وضغوط ديموغرافية، ومخاطر مناخية، وقيود مالية، وتجاذبات جيوسياسية، وكلّها لم يَعُد من الممكن معالجتها باستجاباتٍ ظرفية وقصيرة الأمد. في الكثير من الدول، ستُفاقم الترتيبات السياسية والاقتصادية الحالية الحلقات المفرغة التي شكّلت مسار الأحداث خلال معظم العقد الماضي. فقد ولّد الركود الاقتصادي إحباطًا اجتماعيًا قوّض الشرعية، وأفضى بالتالي إلى عدم استقرارٍ سياسي أثبط مساعي الاستثمار والإصلاح. وأدّى ذلك إلى ارتفاع معدّلات البطالة، وتنامي خيبة الأمل، ونشوب النزاعات، وبالتالي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي بفعل تدابير اتّخذتها الأنظمة خشية تكرار مشهد الانتفاضات. لكن ثمّة مسارٌ بديل لا يزال ممكنًا.

فإذا أُحسِنت إدارة الزخم الإصلاحي، بإمكانه أن يُنشئ حلقةً مثمرة قد لا تفضي إلى إعادة تشكيل الاقتصادات السياسية المحلية فحسب، بل قد تُحدث تغييرًا في طبيعة النظام الإقليمي أيضًا. ولا يجوز النظر إلى التحوّل الاقتصادي من منظور ضيّق باعتباره عمليةً تقنية بحتة لتنويع الاقتصاد. فهو في جوهره مشروعٌ سياسي يستلزم بناء مصادر جديدة للشرعية، وبلورة عقود اجتماعية جديدة، وإرساء ترتيبات إقليمية جديدة تُيسّر التعاون. هذا التحدّي تتشاركه جميع البلدان، ويقتضي الانتقال من أنظمةٍ اقتصادية هشّة ومُعتمِدة على الريع في الكثير من الأحيان، إلى اقتصادات أكثر إنتاجيةً وقدرةً على تحمّل الصدمات. مع ذلك، يتعيّن على كلّ بلدٍ أن يشقّ مساره بنفسه، تبعًا لما يملكه من موارد وقدرات مؤسّسية، وما يواجهه من قيودٍ سياسية.

في الواقع، يفرض التحوّل الاقتصادي خياراتٍ سياسية صعبة، سواء كان الهدف بناء اقتصاداتٍ أكثر تنوّعًا في حالة البلدان المصدّرة للطاقة، أم اقتصاداتٍ أكثر إنتاجيةً في حالة البلدان المستوردة لها. وسيتعيّن على الحكومات تشكيل تحالفات إصلاحية، واحتواء معارضة أصحاب المصالح الراسخة، وإعادة تعريف دور الدولة. ولضمان الاستقرار في المدى الطويل، عليها أن تتخلّى عن منطق الحلول القصيرة الأمد وأن تتحرّك وفق رؤيةٍ استراتيجية. فلا يمكن أن يظلّ الاستقرار قائمًا إلى ما لا نهاية على حساباتٍ ضيّقة لا هدف لها سوى إبقاء الأنظمة في الحكم، أو على آليات توزيعٍ غير مستدامة ماليًا. بل ينبغي أن تَرتكِز الشرعية بدرجةٍ أكبر على الإنتاجية، والإدماج، وإتاحة الفرص الاقتصادية للجميع، فضلًا عن رؤى تنموية ذات مصداقية وقادرة على توحيد مختلف مكوّنات المجتمع حول مشروع وطني جامع.

ثمّة أربعة شروط مترابطة ستحدّد ما إذا كانت دول المنطقة ستختار الدخول في حلقةٍ مثمرة أم ستبقى عالقةً في حلقةٍ مفرغة، وهي: إكساب الإصلاحات قبولًا سياسيًا واجتماعيًا؛ وتهيئة الظروف اللازمة لإنشاء بنية أمنية إقليمية جديدة؛ وتعزيز التكامل الإقليمي؛ وتَحرُّك المنطقة مُجتمِعةً بوصفها طرفًا عالميًا بنّاءً. 

يتمثّل الشرط الأول في ضمان حصول الإصلاحات على القبول السياسي والاجتماعي. فمهما كانت الإصلاحات الاقتصادية سليمةً من الناحية التقنية، لن يُكتب لها النجاح إذا نُظِر إليها على أنها إملاءاتٌ خارجية تخدم المصالح الضيّقة للنخب. لذا، ينبغي أن تندرج برامج الإصلاح ضمن سرديات وطنية أوسع تتمحور حول السيادة الاقتصادية والأمن القومي والازدهار المشترك. وعلى المجتمعات أن تنظر إلى الإصلاحات باعتبارها جزءًا من مشروع تحوّلٍ اقتصادي طويل الأمد، لا كتضحياتٍ مفروضة فرضًا للحفاظ على الأنظمة السياسية القائمة. من هنا تنبع أهمية تعزيز قدرات الدولة على بلورة سياساتٍ تنموية مستدامة وتنسيقها وتنفيذها، إذ إن الدول هي الجهات الرئيسة المَنوط بها دفع عجلة الإصلاحات وضمان استمرارها. ولا يمكن تحقيق هذه التحوّلات من دون توافر قدرةٍ على التخطيط، ومؤسّساتٍ ذات مصداقية، وكفاءةٍ في وضع تسلسلٍ زمني متماسك للسياسات ولآليات التعويض عن المتضرّرين منها. ويمكن أن تؤدّي الأوساط البحثية والفكرية دورًا مهمًا في هذا المجال، إذ تستطيع مراكز الأبحاث والمعاهد والجامعات والشبكات المعنيّة بالسياسات العامة الإسهامَ في بلورة رؤى استراتيجية، وتكوين خبرة في مجال السياسات، وبناء توافقٍ بين النخب على أولويات راسخة لا تتبدّل.

ومن المهمّ أيضًا بناء تحالفاتٍ إصلاحية واسعة النطاق، إذ لا بدّ أن تشعر النخب الاقتصادية والطبقة الوسطى والمنظمات العمّالية والأجيال الشابة بأن لها مصلحة حقيقية في عملية التحوّل. أما الإصلاحات التي يُنظَر إليها بأنها مُجحِفة اجتماعيًا أو إقصائية سياسيًا، فمن المُرجَّح أن تُقابَل بالاعتراض، وتعمّق فجوة انعدام الثقة، وتولّد ردود فعل دفاعية لدى المجتمعات والأنظمة على السواء. وفي هذه الحالة، سينصبّ اهتمام الأنظمة على البقاء لا على التحوّل الهيكلي، ما يفضي في نهاية المطاف إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وتَزعزُع البنى السياسية مع الوقت.

والشرط الثاني الذي يُسهم في تحديد قدرة بلدان المنطقة على الدخول في حلقةٍ مثمرة هو إنشاء بنية أمنية إقليمية جديدة. لكن هذا المسعى تعترضه عقباتٌ كبيرة. في الواقع، تتباين تصوّرات التهديد تباينًا شديدًا بين دول الخليج، بما في ذلك تصوّراتها تجاه إيران وإسرائيل. فبعض هذه البلدان يرى في إسرائيل شريكًا أمنيًا مُحتمَلًا في التعامل مع إيران، بينما يخشى بعضها الآخر أن تكون الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية بحدّ ذاتها عاملًا مُزعزِعًا للاستقرار. وفي الوقت نفسه، باتت المقاربات الأمنية المتنافسة تحدّد معالم المنطقة بصورة متزايدة. فالإمارات العربية المتحدة تعمل على توطيد روابطها مع الهند وإسرائيل، فيما يبدو أن المملكة العربية السعودية تزداد اهتمامًا بالتعاون مع تركيا وباكستان. في غضون ذلك، يواصل النفوذ الإيراني في كلٍّ من العراق ولبنان واليمن تأجيجَ التوتّرات الإقليمية. أما مصر، فتسير على حبلٍ رفيع بين التوجُّهات الاستراتيجية الإماراتية والسعودية، محاوِلةً التوفيق بين اعتمادها المالي على البلدَين وأولوياتها الأمنية. وقد تزداد حدّة هذه الاصطفافات الأمنية المتنافسة لتُنتج مشهدًا أمنيًا إقليميًا مفكّكًا وغير مستقرّ. فالتجاذبات بين دول الخليج نفسها، والتوتّرات التي لم تُحَلّ بعد مع إيران، ناهيك عن التحالفات الخارجية المتنافسة، كلّها عوامل قد تُزعزع الاستقرار بوجهٍ خاص، إذ تسهم في تحويل الموارد بعيدًا عن المساعي التنموية وفي إعادة إنتاج دوّاماتٍ من انعدام الأمن. مع ذلك، إذا نشأ نظامٌ أمني إقليمي مستقرّ، فمن شأنه أن يدفع بقوةٍ نحو التعاون والاستثمار والتحوّل الاقتصادي على المدى الطويل.

ويكمن الشرط الثالث في تعزيز التكامل الإقليمي. فالتكامل الاقتصادي ليس أمرًا مرغوبًا فحسب، بل هو أيضًا ضروري لنجاح استراتيجيات التنويع والتحوّل الاقتصاديَّين. ولا بدّ من استكمال التكامل التجاري بإصلاحاتٍ أوسع نطاقًا تهدف إلى تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز المنافسة، إلى جانب تحديث الأنظمة الجمركية، وزيادة الربط عبر البنى التحتية. ومن شأن خفض تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، ورفع كفاءة الإجراءات الحدودية أن يعزّزا التكامل التجاري والانخراط في سلاسل القيمة العالمية.119

في المقابل، سيُبقي غياب التكامل الإقليمي المنطقةَ أسيرة حلقتها المفرغة الراهنة. فاستمرار التنافسات السياسية، وضعف الروابط التجارية، ومحدودية التعاون الاقتصادي، كلّها عوامل ستعيق الجهود الرامية إلى بناء اقتصادات متنوّعة ومُنتِجة، من خلال حرمان الدول من فرص الوصول إلى أسواق أوسع. وقد تسفر هذه العوامل أيضًا عن إثباط الاستثمار في منطقةٍ تعاني أصلًا من انخفاضٍ مُزمن في مستويات الاستثمار. وسيُفاقم تجزّؤ الأسواق وانعدام الأمن المستمرّ بدورهما مكامنَ الخلل السياسي الداخلي، ما يرسّخ الركود الاقتصادي والتنافس الجيوسياسي.

ينبغي أن تصبح المنطقة، مُجتمِعةً، طرفًا عالميًا بنّاءً بدلًا من أن تبقى ساحةً للنزاعات الجيوسياسية.

أما الشرط الرابع الذي سيحدّد إمكانية دخول الدول في حلقةٍ مثمرة، فيرتبط بعلاقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالنظام العالمي. ينبغي أن تصبح المنطقة، مُجتمِعةً، طرفًا عالميًا بنّاءً بدلًا من أن تبقى ساحةً للنزاعات الجيوسياسية. ويعني ذلك إنشاء آليات ومؤسّسات إقليمية قادرة على التصدّي للتحدّيات العابرة للحدود، مثل الهجرة، واللاجئين، وتغيّر المناخ، وهشاشة الدول، وإعادة إعمار المناطق المتضرّرة من النزاعات. وقد أسهم غياب مثل هذه الآليات في تكوين صورةٍ عن المنطقة بأنها تعاني من عدم استقرارٍ مزمن وتعجز عن إدارة المشاكل المشتركة بين دولها.

من المُفيد في هذا السياق عقد مقارنةٍ مع جنوب شرق آسيا. فقد أدرك قادة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، على الرغم من الخلافات السياسية وتاريخ النزاعات بين بلدانهم، أن التعاون سيفضي إلى تعزيز الاستقرار والازدهار المشترك والقوة التفاوضية الجماعية. وليست هذه حال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي يُنظَر إليها عالميًا على أنها تتألّف من دولٍ غنيّة ولكن هشّة، تعجز عن التعاون في ما بينها وعن صياغة رؤية مشتركة للمستقبل. وقد ترافق تعرُّض المنطقة للنفوذ الخارجي مع إرثٍ استعماري لا يزال ماثلًا في ظلّ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي واحتلال إسرائيل أراضيَ عربية، فقوّضا آفاق تحقيق تعاونٍ إقليمي هادِف والاضطلاع بدورٍ عالمي مؤثّر. ولا يُعدّ الترويج الحثيث لصورة المنطقة كافيًا لتغيير هذه النظرة، حتى وإن كانت دولٌ خليجية عدّة قد استثمرت بكثافة في الترفيه والرياضة والسياحة وسائر أشكال القوة الناعمة لصقل سمعتها الدولية. بل ينبغي بذل جهودٍ كفيلةٍ بتحويل المنطقة إلى طرفٍ عالمي فاعل قادرٍ على إدارة النزاعات الداخلية، وبناء آليات للتعاون بين دوله على الرغم من تباين المصالح، والعمل الجماعي لمواجهة التحدّيات المشتركة. ويعني ذلك أن على المنطقة أن تتولّى بنفسها مسؤولية بناء مستقبلها بدلًا من انتظار تدخّل القوى الخارجية، وأن تمنع أزماتها الداخلية من إفراز حالات انعدام استقرارٍ تمتدّ تداعياتها إلى سائر أنحاء العالم.

هذه كلّها شروطٌ أساسية لا بدّ من توافرها كي تنجح منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في التفاوض على الصعيد الدولي وانتزاع موقعٍ لها ضمن المنعطفات العالمية المقبلة، وعلى رأسها التحوّل في قطاع الطاقة، وثورة الذكاء الاصطناعي، وأفول حقبة الأُحادية القطبية الأميركية، وبزوغ عالمٍ متعدّد الأقطاب.

نبذة عن أعضاء اللجنة

يوسف الإبراهيم، وزير المالية السابق في الكويت.

فريد بلحاج، النائب السابق لرئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

زياد بهاء الدين، خبير اقتصادي ومحامٍ مصري، ونائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون التنمية الاقتصادية ووزير التعاون الدولي سابقًا. 

ريما خلف، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للّجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) سابقًا.

منى عباس، المديرة التنفيذية لمؤسسة الأصفري.

محمد عبد الرؤوف، مدير برنامج أبحاث الاستدامة والأمن البيئي في مركز الخليج للأبحاث.

عبد الخالق عبد الله، خبير في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وأستاذ زائر في جامعة هارفرد.

سليم عثماني، رجل أعمال جزائري، والرئيس السابق لمجلس إدارة شركة "أن سي أ-رويبة" ولمركز أبحاث CARE الجزائري.

علي الكعلي، مصرفي ووزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار السابق في تونس.

نهى المكاوي، العميدة السابقة لكلّية الشؤون العالمية والسياسات العامة في الجامعة الأميركية في القاهرة.

مهى يحيَ، مديرة مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت.

طارق يوسف، زميل أول في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.


تولّى فريق الترجمة والتحرير في مركز كارنيغي ترجمة هذه الدراسة إلى العربية، مُستعينًا في أقسام منها بنموذج لغوي قائم على الذكاء الاصطناعي. وقد خضع النصّ العربي لجولاتٍ عدّة من التحرير والتدقيق قبل أن يراجعه المؤلّفون.

عن المؤلفين

إسحاق ديوان

مدير الأبحاث في مختبر التمويل من أجل التنمية في كلّية باريس للاقتصاد، وأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت.

إسحاق ديوان، مدير الأبحاث في مختبر التمويل من أجل التنمية في كليّة باريس للاقتصاد، وأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت.

نور عرفة

زميلة أولى ومديرة برنامج الاقتصاد السياسي في المركز العربي في واشنطن العاصمة.

نور عرفة زميلة أولى ومديرة برنامج الاقتصاد السياسي في المركز العربي في واشنطن العاصمة، وكانت حتى آب/أغسطس 2026 زميلة في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، حيث شاركت في إدارة برنامج الاقتصاد السياسي.

حمزة المؤدّب

زميل أبحاث ومدير برنامج الاقتصاد السياسي، مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

حمزة المؤدّب هو زميل أبحاث في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، ومدير برنامج الاقتصاد السياسي فيه. تركّز أبحاثه على الاقتصاد السياسي في تونس وشمال أفريقيا، والأبعاد السياسية للتدفقات غير المشروعة العابرة للحدود، والحوكمة، والفساد، إضافةً إلى العلاقة بين التنمية والأمن.

مروان المعشّر

نائب الرئيس للدراسات

مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.

المؤلفون

إسحاق ديوان
مدير الأبحاث في مختبر التمويل من أجل التنمية في كلّية باريس للاقتصاد، وأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت.
إسحاق ديوان
نور عرفة
زميلة أولى ومديرة برنامج الاقتصاد السياسي في المركز العربي في واشنطن العاصمة.
نور عرفة
حمزة المؤدّب
زميل أبحاث ومدير برنامج الاقتصاد السياسي، مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
حمزة المؤدّب
مروان المعشّر
نائب الرئيس للدراسات
مروان المعشّر

روابط إضافية

Full Textالنص الكامل
الجزائرالعراقليبياإيرانالشرق الأوسطشمال أفريقيامصرالأردنلبنانالمغربتونسالمملكة العربية السعوديةالإماراتقطرالكويتالبحرينعمانالخليجاقتصاد

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Malcolm H. Kerr Carnegie Middle East Center

  • تعليق
    ديوان
    الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعهّد بترك منصبه في العام 2030

    تحليل مقتضب من باحثي كارنيغي حول الأحداث المتعلّقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

      يزيد صايغ

  • تعليق
    ديوان
    رسائل أردنية أكثر حزمًا تجاه إسرائيل

    قد تكون المملكة على مسار الانتقال من التركيز على إدارة الصراع نحو العمل على حلّه، مُستفيدةً من أدوات الضغط الأوروبية.

      مروان المعشّر

  • تعليق
    ديوان
    احتفال أم مأتم في العراق؟

    مع انسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، سيصبح الأكراد أكثر اعتمادًا على بغداد وعلى أنفسهم.


      فلاديمير فان ويلغنبرغ

  • تعليق
    ديوان
    ثلاثة شروخ ونهاية السلام الأميركي في الشرق الأوسط

    مع تعثّر الولايات المتحدة في حربها مع إيران، يُرجَّح أن نشهد تسارعًا في وتيرة فكّ ارتباطها بالمنطقة.

      مايكل يونغ

  • تعليق
    ديوان
    مسار نزع السلاح في العراق يبدأ بإصلاح الحشد الشعبي

    يواجه هدف حكومة الزيدي عقبات بسبب الصراع الإقليمي، لكن بإمكانها اتّخاذ بعض الإجراءات في هذا الصدد.

      علي المولوي

ar footer logo
شارع الأمير بشير، برج العازاريةبناية 2026 1210، ط5وسط بيروت ص.ب 1061 -11رياض الصلحلبنانالهاتف: +961 199 1491
  • بحث
  • ديوان
  • عن المركز
  • الخبراء
  • المشاريع
  • الأنشطة
  • اتصال
  • وظائف
  • خصوصية
  • للإعلام
© 2026 جميع الحقوق محفوظة