Carnegie Endowment for International PeaceCarnegie Endowment for International Peace
  • تبرع
الأزمة القبرصية و«السطو» على ودائع المصارف

المصدر: Getty

مقالة
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

الأزمة القبرصية و«السطو» على ودائع المصارف

تصر أوروبا على إبقاء قبرص في النادي الأوروبي وتنفيذ الاستحقاقات المترتبة عليها، أو سيتوجب على قبرص البقاء خارج ذلك النادي مع كل ما يعينه ذلك من أزمات قد تواجهها.

Link Copied
بواسطة إبراهيم سيف
منشئ 26 مارس 2013

لم يسجل التاريخ الحديث للأزمات المالية سابقة اللجوء إلى الودائع المصرفية للمواطنين والمستثمرين الأجانب في بلد ما لسد العجز في المالية العامة وإخراج القطاع العام من عثرته أو لإنقاذ عدد من المصارف والمؤسسات المالية الكبيرة المتعثرة. فاقتطاع نحو أربعة في المئة من الودائع التي تتجاوز 100 ألف يورو في المصارف، وبغض النظر عن مصدر هذه الودائع، وهو ما رفضه البرلمان القبرصي محقاً، يعني مناقلة مالية من حسابات المدخرين إلى حساب الحكومة التي ستحصل على قرض من مجموعة من الدول الأوروبية سيوظف لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار. والمفارقة أن الاتحاد الأوروبي الذي تشهد دول عديدة من أعضائه تعثراً مالياً، لم يلجأ إلى هذا النوع من التعدي على الودائع التي هي ملك للمودعين وليس من حق الدول التعدي عليها تحت أي ذريعة كانت.

هناك حلول أكثر ذكاء من السطو على الودائع، أولها اللجوء إلى خفض العملة، وهو خيار غير متوافر نظراً إلى أن قبرص جزء من الوحدة النقدية فلا تستطيع التحكم بسياستها النقدية. والخيار الثاني هو اللجوء إلى خفض الإنفاق العام وإعادة النظر ببنوده، وهو ما يوصف بالسياسة المالية، أو زيادة الضرائب على بعض النشاطات، وذلك لتعزيز إيرادات الحكومة وتقليص نفقاتها، لكن ذلك أيضاً ليس خياراً متاحاً بسهولة بسبب حال التباطؤ التي يمر بها الاقتصاد القبرصي وضيق القاعدة الإنتاجية، فالاعتماد الأول هو على إيرادات قطاع السياحة بالدرجة الأولى، وهي متراجعة لأسباب عديدة منها الأزمة التي تعصف بكثير من دول أوروبا، أما قطاع الخدمات فسيفقد ميزته التنافسية إن زيدت الضرائب عليه.
لكن خيار التشدد في السياسة المالية هو الخيار الوحيد المتاح، إذا كان لقبرص أن تحافظ على الاستقرار في المدى الطويل.
 
وبغض النظر عن النتائج التي سيجري التوصل إليها، وشكل حزمة الإنقاذ القبرصية، هناك عدد من الدروس المهمة التي أفضت إليها أزمة الجزيرة المتوسطية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها نصف مليون شخص وتتميز باستقرار ومقدرات كبيرة.
 
الدرس الأول مفاده انعدام وجود ما يعرف بالملاذات الضريبية الآمنة، فليس سراً أن قبرص اجتذبت عدداً كبيراً من أموال رجال الأعمال الذين ينحدرون من أصول روسية، بودائع يُقدَّر أنها تجاوزت 30 بليون دولار ووفّرت أريحية كبيرة للجهاز المصرفي القبرصي، فباتت مؤشراته صحية، ولم يُدقَّق بمصادر تلك الودائع، لكن وفرتها دفعت بأسعار الفائدة إلى مستويات متدنية، وشجعت على التوسع في الائتمان في شكل كبير، ودفعت أسعار الأصول خصوصاً العقارات إلى مستويات مرتفعة، كما شجعت على انتشار نمط من الاستهلاك فاق قدرات الأفراد العاديين في ظل نظام مصرفي متشدد أو متحفظ.
 
الدرس الثاني هو أن دول الاتحاد الأوروبي، تستفيد خلال المراحل الأولى من الانضمام من برامج المساعدات التي تقدمها دول الاتحاد على غرار دول أوروبا الشرقية، لكن المساعدات المخصصة لتطوير البنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية وتعزيز تنافسية الاقتصاد وتحريره خلال مراحل لاحقة للتنافس مع الدول المتقدمة، ترتب استحقاقات ليست سهلة، وهناك ثمن سياسي يجب دفعه لتحقيق ذلك. ويحدث ذلك من خلال مرحلة متدرجة تمتد على مدى سنوات، ونجحت دول صغيرة مثل أستونيا في استغلال هذه التحول وتحقيق نجاحات واجتذبت عدداً من المصانع الكبرى، لكن قبرص بسبب سلوك صناع القرار واللجوء إلى سياسات شعوبية أجلت كل القرارات العميقة المتعلقة بإعادة هيكلة القطاع العام واكتفت بقرارات سهلة، وسمح «المال السهل» من المصارف المتخمة بالودائع الروسية بالاستمرار في نمط إنتاجي - استهلاكي كما كان سائداً قبل الانضمام إلى الوحدة النقدية. وكل هذا يعني أن الساسة القبارصة لم يقدروا حق تقدير معاني الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وما يجب تغييره داخلياً لزيادة تنافسية الاقتصاد وإنتاجيته.
 
الدرس الثالث والذي له استحقاقات عربية، يتعلق بالتعدي على الودائع، فحتى الآن المصارف القبرصية مغلقة، وباتت مدخرات المودعين رهينة لدى الدولة، وهذه سابقة فريدة من نوعها وفق المصرفي العربي إبراهيم دبدوب الذي أكد أن سلوك الحكومة القبرصية ستكون له تداعيات، وسيعيد كثيرون النظر في الاتفاقات المتعلقة بالإيداع ومكان الإيداع، فما يحصل في قبرص يهدد بأن الحكومة في وقت الأزمات قد تشارك المودعين أموالهم.
 
ومهما يكن من أمر، واضح أن آليات الإنقاذ التي يجري تطويرها تلجأ إلى الحلول المالية ولا تسعى إلى البحث عن جذور الأزمة وما الذي تسبب بها، وما الذي دفع بالمسؤولين الماليين إلى التصرف بهذه الطريقة، وكيف سيجري كبحها في المستقبل، الأهم، من سيدفع ثمن ذلك السلوك الواضح أنه لم يستفد شيئاً من دروس الأزمة اليونانية.
على الأرجح ستظهر أوروبا تشدداً بهدف جلب قبرص إلى الحظيرة الأوروبية وإجبارها على اتخاذ القرار الحاسم: البقاء في النادي الأوروبي وتنفيذ الاستحقاقات المترتبة على ذلك، أو البقاء خارج ذلك النادي مع كل ما يعينه ذلك لتوجهات قبرص التي يبدو أنها تنتظر معجزة الغاز كي تستعيد توازنها المفقود بسبب سلوك الساسة الذين اعتقدوا أن العضوية النقدية تعني استمرار العمل كما في السابق، وهذا الافتراض بات خارج البدائل المتاحة.
 
تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة. 

عن المؤلف

إبراهيم سيف

باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط

إبراهيم سيف باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. وهو خبير اقتصادي متخصّص في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على الاقتصادات الانتقالية، والتجارة الدولية مع التركيز على الأردن والشرق الأوسط، والحوكمة المؤسسية، واقتصاد سوق العمل.

    الأعمال الحديثة

  • أوراق بحثية
    القطاع الخاص في مصر بعد الثورة

      إبراهيم سيف, أحمد فاروق غنيم

  • مقالة
    حاجة المعارضة السورية إلى خطاب اقتصادي

      إبراهيم سيف

إبراهيم سيف
باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط
إبراهيم سيف
اقتصاد

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Carnegie Russia Eurasia Center

  • تعليق
    ديوان
    روسيا.. والحسابات الفيروسية

    أحدثت أزمة فيروس كورونا تأثيراً في السياسات الروسية في الشرق الأوسط، وساهمت أيضاً في توفير فرص.

      ديميتري ترينين

  • تعليق
    صدى
    أهداف الوساطة الروسية في ليبيا

    تسعى روسيا، في محاولة منها لتأمين مصالحها الاقتصادية في ليبيا، إلى منح حفتر تأثيراً أكبر على التسوية الدبلوماسية التي قد يجري التوصل إليها مستقبلاً بوساطة من الأمم المتحدة.

      سامويل راماني

  • تعليق
    ديوان
    أبعاد الأزمة القطرية

    للأزمة الدائرة راهناً في الخليج عددٌ من التأثيرات الأقل وضوحاً للعيان.

      ديفيد ليفينغستون, ساغاتوم ساها

  • تعليق
    صدى
    المنافسة البتروكيماوية بين إيران والسعودية

    مع تخفيف العقوبات عن إيران، تأمل البلاد بزيادة صادراتها من المواد البتروكيميائية، مايضعها في منافسة مباشرة مع السعودية للاستحواذ على الأسواق الناشئة.

      تامر بدوي

  • تعليق
    روسيا، إيران، وحزب الله في سورية: رِبحُ اليوم، خِسارةُ الغد

    ينبغي على روسيا وإيران وحزب الله السعي إلى تحقيق مصالحة حقيقية مع المعارضة السورية، والتوصل إلى عملية انتقال سياسي جديّة وفعالة، وإلا سيكون على هذه الأطراف الثلاثة الحفاظ على سلام نَكِدْ وغير قابل للحياة، بعد انتهاء الصراع.

      يزيد صايغ

Carnegie Endowment for International Peace
0