كُتب هذا المقال قبل أن تشنّ إسرائيل حربها على قطاع غزة خلال الأشهر التي تلت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
مقدّمة
التهديد الذي يمثّله تغيّر المناخ في فلسطين هو مزيجٌ من العوامل البشرية والطبيعية والسياسية والتقنية، أي مشكلة شاملة تتسبّب بها قوى خارجة تمامًا عن سيطرة الفلسطينيين الذين لا يتمتعون بالحرية أو يمتلكون الوسائل اللازمة للتكيّف معها. وفي حين أن الجميع في إسرائيل/فلسطين سيتضرّرون على الأرجح من تغيّر المناخ، غالب الظن أن الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وغزة سيشعرون بالوطأة الأكبر لهذا الضرر، نظرًا إلى أنهم يعانون من الحكم العسكري الإسرائيلي، والاستيطان المتواصل للمواطنين اليهود على أرضهم، وتقييد حصولهم على مياههم. كذلك، ستكون المجتمعات الفلسطينية التي يحمل أفرادها الجنسية الإسرائيلية الأكثر تضرّرًا داخل إسرائيل، ولكن يجري التطرّق إلى هذه المسألة في تحليل منفصل.
ستطلق التداعيات الناجمة عن تغيّر المناخ ردود فعل تسلسلية وتسلك مسارات تؤدّي إلى تضخّم المشقّات الزراعية والاقتصادية الراهنة وتفاقم انعدام الأمن الغذائي – وذلك كلّه من خلال فرض إسرائيل سيطرتها باعتبارها تحكم فعليًا الضفة الغربية وغزة. وستكون الاستجابة الفلسطينية مُقيَّدة إلى حدٍّ كبير بالقرارات الإسرائيلية. وتخفيف إسرائيل قبضتها أو عدم تخفيفها هو ما سيحدّد قدرة الفلسطينيين على التعامل والتكيّف مع ما قد يحدث من موجات جفاف كارثية، وموجات حر، وسواها من الأحداث المهمة من الناحية الهيدرولوجية.
عند النظر إلى المسألة من منظور عالمي، يتبيّن أن إسرائيل/فلسطين هي إلى حدٍّ كبير ضحيّة تغيّر المناخ، وليست مساهِمةً فيه؛ حتى إن البيانات لا تشمل الفلسطينيين، وكأنّما لتبرز موقعهم السياسي المتدنّي. وعلى غرار الكثير من الدول الأخرى حول العالم، استشعرت البلاد بالفعل التأثيرات المُقبِلة، مثلًا من خلال درجات الحرارة القياسية التي سُجِّلت في القدس (98 درجة فهرنهايت) وأريحا (113 درجة فهرنهايت) في العام 2020. هذا وتسبّبت الحرارة غير المسبوقة بأنواع أخرى من الأضرار، مثل إجهاد الإمدادات الكهربائية واندلاع حرائق هائلة في النقب، وهي منطقة صحراوية وشبه صحراوية في جنوب البلاد.
ستكون تأثيرات تغيّر المناخ في إسرائيل/فلسطين مشابهة لتبعاته في بلدان أخرى في منطقة شرق المتوسط. يُتوقَّع أن يرتفع متوسط درجة الحرارة، ويُرجَّح أن تنخفض مستويات تساقط الأمطار والثلوج ربما بمعدّل 4 في المئة لكل ارتفاع في درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة. وستزيد قلة انتظام هطول الأمطار، وفي هذا الإطار، ربما تصبح مواسم هطول الأمطار أقصر. وستحدث فترات طويلة من الجفاف في أحيان أكثر، وستزداد أيضًا وتيرة هطول الأمطار الغزيرة وحدوث الفيضانات المفاجئة، وستتبخّر كميات إضافية من الأمطار. ونتيجةً لتغيّر المناخ، سيقلّ حجم إمدادات المياه الطبيعية، حتى إنها ستصبح أكثر تقلّبًا من السابق. وسيتسبّب ارتفاع منسوب مياه البحر بازدياد ملوحة المصدر الرئيس لإمدادات المياه في غزة، وهو عبارة عن طبقة مياه جوفية ساحلية مالحة أصلًا. وسيتزامن تضاؤل إمدادات المياه الطبيعية هذا، وارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر الطويلة مع ازدياد الطلب على المياه لأغراض الزراعة.
ترتبط تداعيات الاحتباس الحراري العالمي في إسرائيل/فلسطين بجغرافيا البلاد وخصائصها الطبيعية، أي مساحتها، وتضاريسها، والمناطق المناخية وأنماط هطول الأمطار، فضلًا عن موارد المياه السطحية والجوفية، وحدودها، وتجديدها، وتصريفها، واستخراجها. وتُضاف إلى هذه العوامل الخريطة السياسية التي سيُبيّن هذا الفصل أنها هي التي تحدّد مَن يحصل على ماذا، ومن أين، والكمية التي يحصل عليها. وتحدّد أيضًا، إلى درجة كبيرة، كيف يمكن أو لا يمكن للفلسطينيين الاستجابة للتأثيرات المناخية المتوقّعة، ولا سيما الأحداث الكارثية مثل فترات الجفاف الطويلة، وتبعاتها الزراعية، والمصاعب الاقتصادية التي تُعتبَر العوامل المحرّكة الأساسية لانعدام الأمن الغذائي.
الموارد المائية
تتميّز إسرائيل/فلسطين ببيئتها الغنيّة، إذ تقع في وسطها منطقة من الجبال، ويحيط بها البحر الأبيض المتوسط عند الساحل الغربي، وغور الأردن شرقًا، والنقب جنوبًا. وتُقدَّر المساحة الإجمالية للبلاد بـ28,090 كيلومترًا مربعًا. وتبلغ مساحة إسرائيل 22,070 كيلومترًا مربعًا، أو 78.6 في المئة من المساحة الإجمالية، من ضمنها صحراء النقب الممتدة على مساحة 13,000 كيلومتر مربع تقريبًا؛ وتبلغ مساحة الضفة الغربية المحاطة باليابسة من الجهات كافة 5655 كيلومترًا مربعًا، ومساحة غزة 365 كيلومترًا مربعًا. وتشكّل الضفة الغربية وغزة معًا 21.4 في المئة فقط من إجمالي مساحة البلاد. تتفاوت كمية تساقط الأمطار والثلوج تفاوتًا كبيرًا بحسب المكان والموسم والسنة، بحيث تتراوح في المتوسط من 800 إلى 900 مليمتر في السنة في الجبال الشمالية وتنخفض إلى أقل من 100 مليمتر في السنة في أقصى جنوب غور الأردن وأعالي النقب. ويُشار إلى أن الصحارى تُعرَّف بأنها مناطق تتلقّى أقل من 250 مليمترًا من الأمطار في السنة. وفترات الجفاف، الطويلة والقصيرة منها، ليست نادرة الحدوث. والتذبذب الملحوظ في هطول الأمطار هذا قد يجعل مفهوم "المتوسط السنوي لهطول الأمطار" الشائع الاستخدام، ذا قيمة ضئيلة لأغراض التخطيط.
تنقسم موارد المياه الطبيعية عادةً إلى قسمَين: سطحية وجوفية. يُعَدّ حوض نهر الأردن المصدر الرئيس للمياه السطحية. إنه "مجرى مائي دولي" وفقًا لقانون المياهالدولي، مشتركٌ بين خمسة أطراف مُشاطِئة، لبنان وسورية والأردن وفلسطين وإسرائيل، باتجاه عقارب الساعة. ويعبر بحيرتَين شمالًا، هما الحولة وطبريا، وينحدر جنوبًا في مسارٍ شديد التعرّج ليصبّ أخيرًا في البحر الميت.
قُدِّر متوسط التدفّق المتاح للمجرى المائي، قبل تحويله عند منبع البحر الميت، بـ1,287 مليون متر مكعب في السنة، مع تقلّبات شديدة. قد يكون هذا التدفق كافيًا لـ1.5 إلى 3 ملايين شخص، إذ يحتاج الشخص الواحد إلى كمية تتراوح من 500 إلى 1000 متر مكعب في السنة للاستخدام المنزلي وإنتاج الأغذية، اعتمادًا على حالة التكنولوجيا الزراعية. وتشير إحصاءات صدرت مؤخرًا إلى انخفاض معدّلات إعادة تغذية مصادر المياه. تزوّد سورية نحو نصف كمّية المياه التي تتدفّق في نهر الأردن، ولا سيما من مرتفعات الجولان، يليها الأردن ولبنان وإسرائيل والضفة الغربية بالترتيب التنازلي. في الواقع، قد تكون إسرائيل مساهِمة سلبية صافية بسبب ارتفاع حجم التبخّر – 230 مليون متر مكعب في السنة – من بحيرة طبريا.
تتوافر المياه الجوفية في الكثير من الطبقات الجوفية، بما في ذلك طبقة المياه الجوفية الساحلية (في إسرائيل وغزة)، وطبقة المياه الجوفية الجبلية (في الضفة الغربية)، التي هي الأكبر على الإطلاق. أما البقيّة فموجودة في إسرائيل. وتتغذّى طبقة المياه الجوفية الساحلية من إسرائيل بصورة أساسية، فيما تتغذّى طبقة المياه الجوفية الجبلية من تلال الضفة الغربية. بين العامَين 1973 و2009، بلغ متوسط إعادة تغذية طبقة المياه الجوفية الساحلية 266 مليون متر مكعب في السنة، ومتوسط إعادة تغذية طبقة المياه الجوفية الجبلية 686 مليون متر مكعب في السنة.
يجب أن يُنظَر إلى الأرقام السابقة على أنها تقديرات تستند جزئيًّا إلى الملاحظة، وكذلك إلى نماذج الرياضيات، خصوصًا في ما يتعلق بالمياه الجوفية. وتختلف هذه الأرقام بحسب نطاق السنوات التي تُحتسَب متوسطاتها. علاوةً على ذلك، فرضت إسرائيل، منذ استيلائها على مرتفعات الجولان والضفة الغربية وغزة في الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1967، شبه احتكار على البيانات عن التدفقات الطبيعية. في المقابل، نظرًا إلى توزّع هذه التدفقات على مناطقهم المجزّأة، لا يمكن للفلسطينيين سوى إجراء قياسات متفرّقة في منطقة محدودة.
وذلك يقود إلى مسألة السيطرة على هذه الموارد المائية، باعتبارها العامل الحاسم في أنماط توزيعها، وكمّية المياه التي يحصل عليها كل طرف، ومتى، ومن أيّة مصادر. إضافةً إلى المساعدة على فهم توزيع المياه، هذه اعتبارات بالغة الأهمية للتقصّي عن التأثير المحتمل لتغيّر المناخ وما إذا كان الفلسطينيون سيتمكّنون من التكيّف معه.
إمدادات المياه في ظل منظومة الضوابط الإسرائيلية
لا يمكن فصل حوكمة المياه عن الحوكمة الشاملة. لقد أصبحت إسرائيل في أعقاب احتلالها الضفة الغربية وغزة في العام 1967، صاحبة السيادة الفعلية على المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط. وهي تتعامل مع الأراضي والمياه في الأراضي المحتلة، في ما خلا تلك المملوكة من جهات خاصة، على أنها أملاكٌ للدولة تابعة لليهود في أيّ مكان من العالم. وفي العام 2022، بلغ إجمالي عدد السكان الفلسطينيين في إسرائيل/فلسطين أكثر من 7 ملايين نسمة، يحمل ما يزيد عن 1.64 مليون منهم الجنسية الإسرائيلية؛ ويقيم 3.2 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، منهم 360,000 نسمة في القدس؛ و2.17 مليون نسمة في غزة ذات المساحة الصغيرة، والتي قد تكون الكيان ذا الكثافة السكانية الأعلى على وجه الأرض. وقد بلغ عدد السكان الإسرائيليين اليهود 7.1 ملايين نسمة في العام 2022.
تنقسم الضفة الغربية إلى أربع مناطق. القدس الشرقية ضمّتها إسرائيل، ولكنّ أبناءها الفلسطينيين، وهم السكان الأصليون، يُعامَلون على أنهم مقيمون دائمون لا مواطنون، في حين أن اليهود الذين أقاموا في مستوطنات في المدينة بعد العام 1967 يُعتبَرون مواطنين. وينقسم باقي الضفة الغربية إلى مناطق يُشار إليها بطريقة ملتوية بأحرف فقط، وهي المناطق "ألف" و"باء" و"جيم". تتولّى السلطة الفلسطينية، التي تتّخذ من رام الله مقرًّا لها، مهام بلدية في المنطقة "ألف"، ومهام أمنية شكلية في المنطقتَين "ألف" و"باء". أما المنطقة "جيم"، التي تضم أكثر من 60 في المئة من الضفة الغربية ومعظم الأراضي الزراعية والمياه التي لا غنى عنها للنمو الاقتصادي الفلسطيني المستدام، فتخضع للحكم الإسرائيلي المباشر، وفيها أكثر من 450,000 مستوطن. وهي تعزل بإحكام المنطقتَين "ألف" و"باء".
تتفاقم التجزئة والاحتواء بسبب مجموعة واسعة من التدابير الأخرى، ولا سيما جدار الفصل المتعرّج الذي يقضم مساحات شاسعة من الأراضي. تجعل هذه التدابير إسرائيل المسيطر الفعلي على جميع المنافذ البرّية والبحرية. فالأجهزة الأمنية الإسرائيلية والمستوطنون يراقبون وينظّمون حركة دخول وخروج الفلسطينيين وبضائعهم. وتخضع غزة للحصار الإسرائيلي برًّا وجوًّا وبحرًا، وهي أيضًا محاصرة من مصر، ومعزولة عن الضفة الغربية. وتحكمها منذ العام 2007 حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي فازت بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية ولكنها حُرِمت من حقّها في تشكيل حكومة. وتتعرّض غزة منذ ذلك الحين للاستهداف بغارات إسرائيلية ألحقت الدمار بالبنى التحتية والمباني السكنية، وتسبّبت بأضرار في شبكة إمدادات المياه.
تُحدَّد إمدادات المياه وتوزيعها في إسرائيل/فلسطين ضمن هذه المنظومة من الضوابط الإسرائيلية. وتُنفَّذ هذه الضوابط في الضفة الغربية من خلال لجنة المياه المشتركة التي يُزعَم أنها تعاونية، والتي أُنشئت بموجب اتفاقية أوسلو 2، أما في غزة فتنفّذها حكومة حماس. والإجراءات التي تتّخذها اللجنة المشتركة هي أقرب إلى الهيمنة أو الاستعمار منها إلى التعاون. فهي تحافظ، من نواحٍ عدّة، على نظام المياه الذي كان سائدًا قبل اتفاقيات أوسلو، والذي منح ضابط المياه الإسرائيلي سلطة قانونية مطلقة من خلال إصدار أوامر عسكرية غير قابلة للطعن، ما يجعل منه قيصرًا حقيقيًّا للمياه.
في ظل هذه القيود، يُعدّ الفلسطينيون الطرف المُشاطِئ الوحيد الذي لا يحصل على كوب مياه واحد من مجرى نهر الأردن. ولكن حين خُصِّص للضفة الغربية 215 مليون متر مكعب في السنة بموجب خطة جونستون للعام 1955 التي جرى التفاوض عليها بين إسرائيل والدول العربية المُشاطِئة برعاية أميركية، استخدمت إسرائيل الخطة لإضفاء الشرعية على تحويلها مياه نهر الأردن خارج الحوض من بحيرة طبريا إلى السهل الساحلي وجنوبًا إلى النقب. وحاليًا تسحب إسرائيل، وفقًا للتقارير، كمية من المياه من حوض نهر الأردن تفوق بمقدار 30 في المئة على الأقل الكمية التي يسحبها الأردن، وبمقدار الضعفَين الكمية التي تسحبها سورية، وتزيد بأكثر من سبعة أضعاف عن الكمية التي يسحبها الفلسطينيون. أما لبنان، وهو من الدول المُشاطِئة أيضًا، فلا يُحوَّل إلى أراضيه أي كمّية من المياه تقريبًا. وقد خلّف استغلال نهر الأردن دمارًا بيئيًّا. فقد جفّفت إسرائيل بحيرة الحولة في مطلع خمسينيات القرن العشرين لتوسيع الأراضي الصالحة للزراعة؛ وتحوّلَ نهر الأردن، في مجراه السفلي، إلى خندق مائي ملوّث. أما البحر الميت، الذي يقع ربعه الشمالي الغربي في الضفة الغربية ولكن يُمنع على الفلسطينيين الوصول إليه، فقد تراجع منسوبه بدلًا من أن يرتفع كما هو الحال في باقي البحار. إنه مشهد مروّع حقًّا هذا الذي تنتشر فيه آلاف البالوعات التي تشكّل خطرًا على البشر وسائر الأنواع. لقد دُمِّر بالكامل موقعٌ ذو قيمة تاريخية ودينية لسكّان المنطقة وما بعدها.
ويجري تخصيص مياه الطبقة الجوفية الجبلية بطريقة مُجحفة أيضًا. ففي العام 2014، استخرج الفلسطينيون أقل من 20 في المئة من تغذيتها السنوية بالمياه. وقد بلغ إجمالي إمدادات المياه في العام 2021 في كلٍّ من الضفة الغربية (باستثناء القدس) وغزة نحو 440 مليون متر مكعب. يُشار إلى أن أقل من ثلث إمدادات المياه في غزة مستدام، أما الباقي فهو سحبٌ زائد للمياه. وفي الضفة الغربية، يشتري الفلسطينيون 95 مليون متر مكعب من شركة المياه الإسرائيلية "ميكوروت"، ما يُعدّ شكلًا آخر من أشكال التبعية المائية.
تُقسَم الإمدادات بالتساوي تقريبًا بين الريّ والقطاع الفرعي البلدي والصناعي. ويبلغ متوسط نصيب الفرد من إمدادات المياه المخصّصة لهذا القطاع نحو 85 ليترًا في اليوم. يعاني النظام بشكل عام من مشاكل تتمثّل في عدم الكفاية، والفاقد المائي الكبير؛ وتقطُّع الإمدادات، والدليل على ذلك خزّانات المياه المنتشرة على أسطح المنازل في كل مكان؛ وعدم المساواة بين المناطق والأُسر. يُشار كذلك إلى أن المياه ملوّثة بشكل عام تقريبًا بالبكتيريا القولونية. وهي أيضًا غير صالحة للشرب في غزة بسبب ملوحتها المرتفعة؛ ويوفّر عددٌ قليل من محطات تحلية المياه إلى توفير مياه الشرب بواسطة صهاريج المياه.
الزراعة هي ثاني أكبر القطاعات استخدامًا للمياه. ثمّة حوالى 90 ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة أو القابلة للزراعة في الضفة الغربية، و11,500 هكتار في غزة. والزراعة البعلية هي النمط السائد، ولا سيما في تلال الضفة الغربية وفي شمال غزة، حيث يزيد معدّل هطول الأمطار عن 400 مليمتر في السنة. تُزرَع مجموعة متنوّعة وغنيّة من المحاصيل البُستانية (بما في ذلك الفواكه والجوزيات والخضروات والزهور) والمحاصيل الحقلية (مثل القمح والشعير)؛ وتنمو أشجار الزيتونفي أكثر من نصف المساحة المزروعة، وهي العمود الفقري للقطاع ومصدر الصادرات الزراعية الأساسي. يُمارَس الريّ في نحو 3 في المئة فقط من الأراضي الصالحة للزراعة، مقسومة بالتساوي بين غزة والضفة الغربية، وتُزرَع فيها الخضروات بصورة أساسية.
إسرائيل: مركز ثقل مائي
في سياق المنافسة الصفرية على الموارد، تُعدّ الخسارة التي تعاني منها فلسطين مكسبًا لإسرائيل. غالبًا ما دافعت إسرائيل عن رفضها زيادة كميات المياه التي يسحبها الفلسطينيون زاعمةً بأنها هي أيضًا تعاني من شحّ المياه؛ ولكن رئيس شركة "ميكوروت" تباهى هذا العام بأن إسرائيل هي "مركز ثقل مائي". تحصل إسرائيل على كميات من المياه أكبر بكثير من تلك التي يحصل عليها الفلسطينيون، وذلك من خلال استخراجها المياه بشكلٍ مُجحف من نهر الأردن والطبقة الجوفية الجبلية، إضافةً إلى الأحواض الفرعية الأصغر،. وتمتلك إسرائيل أيضًا الموارد المالية والتكنولوجيا اللازمة لتحلية المياه، وهي عملية تستهلك الكثير من الطاقة. يُشار أيضًا إلى أن اكتشاف احتياطيات الغاز الطبيعي مؤخرًا يجعل تحلية المياه خيارًا أكثر جاذبية. علاوةً على ذلك، تمكّنت إسرائيل من تنقية كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي لإعادة استخدامها في الريّ. في المجموع، استهلكت إسرائيل 2240 مليون متر مكعب في العام 2016 موزّعة على الشكل التالي: 543 مليون متر مكعب من المياه المالحة المحلّاة، و360 مليون متر مكعب من معالجة مياه الصرف الصحي، و1337 مليون متر مكعب من المياه السطحية والجوفية. يبلغ معدّل الاستخدام المنزلي للمياه للفرد الواحد نحو 100 متر مكعب في السنة، أو 270 ليترًا للفرد في اليوم على مدى سنوات عدة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما يستهلكه الفلسطينيون. يُروَّج لفكرة أن إعادة تدوير مياه الصرف الصحي تندرج في إطار التدابير الآيلة إلى الحفاظ على المياه، ولكن ذلك يتجاهل حقيقة أن إعادة التدوير تحول دون استخدام تلك المياه في تغذية الطبقات الجوفية. إن الاستنتاج الذي لا مفرّ منه هو أن تحويل إسرائيل إلى مركز ثقل مائي يتحقق إلى حدٍّ كبير على حساب فلسطين والدول العربية الأخرى المُشاطِئة لحوض نهر الأردن.
تغيّر المناخ: تهديد مُحدِق بالزراعة والأمن الغذائي
تؤدّي الزراعة أدوارًا مهمة عدّة في حياة الفلسطينيين، إذ تسهم في تعزيز الأمن الغذائي، واستحداث الوظائف، وتشكّل حصنًا في وجه التهديد الدائم الذي تطرحه المستوطنات الإسرائيلية. ولكي نفهم تمامًا حجم التداعيات التي سيخلّفها تغيّر المناخ على الأمن الغذائي والاستقرار السياسي في إسرائيل/فلسطين، من المفيد التطرّق بشكل موجز إلى أهمية هذه الأدوار الأساسية.
إن أكثر من 70 في المئة من الحيازات الزراعية الفلسطينية صغيرة الحجم وتقلّ مساحتها عن الهكتار الواحد، أما تلك التي تزيد مساحتها عن 2 هكتار فتشكّل 13 في المئة فقط من مجموع الحيازات، لكنها تشكّل أكثر من 60 في المئة من إجمالي مساحة الأراضي. هذا ويملك الذكور أكثر من 90 في المئة من جميع الحيازات. ويوظّف القطاع الزراعي حوالى 5 في المئة من القوى العاملة، مع العلم بأن عددًا كبيرًا منهم يعمل بدوام جزئي. لكن حصة القطاع من الناتج المحلي الإجمالي تسلك مسارًا تنازليًا - بحيث بلغت 7.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2020، أي أدنى من المتوسط العالمي البالغ 11 في المئة – لأسباب خارجة إلى حدٍّ كبير عن سيطرة القطاع، من ضمنها تضخّم قطاع الخدمات، والقيود المستمرة التي تفرضها إسرائيل، واقتلاع أكثر من 800 ألف شجرة زيتون، سواء على أيدي المستوطنين أنفسهم أو في إطار استراتيجية ترمي إلى توسيع المستوطنات الإسرائيلية.
تُخصَّص المنتجات المزروعة على هذه الأراضي للاستهلاك المنزلي، ولا سيما في الحيازات الصغيرة، وللتسويق. لقد شهد حجم الصادرات الزراعيةتقلّبات عدّة، إذ بلغ 15 في المئة في العام 2019 من مجموع الصادرات الفلسطينية، بما يعادل تقريبًا نسبة الواردات الزراعية. يسجّل الاقتصاد الفلسطيني الصغير عجزًا مزمنًا كبيرًا وهيكليًا في الميزان التجاري. وفي العام 2022، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني حوالى 18 مليار دولار؛ وتجاوز عجز الميزان التجاري 6 مليارات دولار. ويُعزى ذلك إلى اقتصادٍ أرخبيلي قليل الكفاءة ويفتقر إلى الروابط بين المناطق والقطاعات، ولذا يعجز عن تحقيق فوائد تُجنى من اقتصاد أكبر. يُضاف إلى ذلك أن القطاع الزراعي في حدّ ذاته هو نتاج منظومة من الضوابط والحواجز الإسرائيلية. تشكّل إسرائيل الوجهة الرئيسة لجميع صادرات السلع الأساسية وهي أيضًا مصدر الواردات – بنسبة 88 في المئة و55 في المئة على التوالي في العام 2022 - وبالتالي فهي المستفيد الأساسي من الأنشطة التجارية الفلسطينية، بما فيها تلك المرتبطة بالزراعة.
يرتبط انعدام الأمن الغذائي – أي عدم توافر المياه والغذاء بكميات كافية وبقيم غذائية متنوعة وبأسعار معقولة لجميع أفراد المجتمع - ارتباطًا وثيقًا بالمشاكل الزراعية والمشقّات الاقتصادية. وتشير الأدلة إلى أن 60 في المئة "من جياع العالم يعيشون في بلدان تشهد صراعات". وبين العامَين 2014 و2016، واجه حوالى 20 في المئة من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة حالة انعدام الأمن الغذائي المعتدل، بينما عانى 10 في المئة من السكان ظروفًا أشدّ قسوة. وأكّدت تقييمات سابقة أن أكثر من 7 في المئة من الأطفال أُصيبوا بفشلٍ في النمو الطبيعي.
يُضاف إلى هذه الظروف كلّها تغيّر المناخ الذي لا يمكن التنبؤ بتأثيراته على وجه الدقة، فهي تتبدّل باستمرار على وقع طريقة إدارة الاقتصادات الكبيرة والمتقدّمة لانبعاثاتها، لكنها قد تكون مدمّرة للغاية. ومن شأن كيفية استجابة الكيانات السياسية المتضرّرة، وخاصةً إسرائيل في هذه الحالة، أن تحدّد ما ستكون عليه النتيجة للشعبَين. في هذا الإطار، تبرز مشكلة تتمثّل في مدى قدرة المجتمعات على التطلّع إلى المستقبل من دون الوقوع في فخّ التكهّنات الجامحة. حتمًا، لا يملك صنّاع السياسات الفلسطينيين الترف السياسي اللازم للتفكير بشأن نهاية القرن على غرار التنبؤات للعالم ككل. يحصل في العالم. فحتى منتصف القرن الحالي، وهو التاريخ الآخر المحدَّد للتوقعات المناخية في الكثير من الأحيان، يبدو بعيدًا إذا أخذ المرء في الحسبان التوسّع المطّرد للمستوطنات الإسرائيلية والانزلاق الحاصل نحو يمين الطيف السياسي الإسرائيلي.
تُعدّ الزراعة القطاع الأول الذي قد يتأثّر سلبًا بتداعيات تغيّر المناخ. فمن شأن التقاء ظروف جوية أشدّ قسوة – مثل تراجع معدّلات هطول الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وحدوث موجات حر أطول وأكثر تواترًا، وفترات جفاف مطوّلة، وعواصف شديدة، ورياح قوية (رياح الخماسين) - أن يعيق زراعة محاصيل كالقمح والشعير، ويزيد الضغط على جذور النباتات، ويؤدّي إلى جفاف الزهور وتكاثر الحشرات، ويقلّل كمية المحاصيل ونوعيتها. هذا وتشكّل حرائق الغابات بالفعل تهديدًا أيضًا، ولا سيما في المناطق التي دأب فيها الصندوق القومي اليهودي على زراعة أشجار صنوبر أوروبية ظنًّا منه أنها ستزيد هطول الأمطار (وفي محاولة سيئة الصيت لحجب معالم القرى الفلسطينية المدمّرة). وفيما لا يمكن التكهّن بحجم الحرائق وشدّتها، من الممكن أن تطال ألسنة النيران أشجار الفاكهة ومحاصيل أخرى.
ستكون الزراعة البعلية، وهي الطريقة الرئيسة للزراعة في المنطقة، الأكثر تضرّرًا، ولا سيما أشجار الزيتون والجوزيات والعنب. علاوةً على ذلك، قد يرتفع مستوى المياه المالحة العالي أساسًا في غزة، وتنخفض غلّة المحاصيل أيضًا. وبالتالي، سيُضطر الكثير من الأُسر التي تعتمد كليًا أو جزئيًا على الزراعة إلى محاولة تحقيق توازن دقيق بين طرح منتجاتها في الأسواق واستخدامها لتأمين حاجاتها الخاصة، ما يكبّدها مشقّات اقتصادية و/أو يؤدّي إلى تراجع التنوّع الغذائي. ويمكن أن تقوّض التحديّات الاقتصادية أيضًا القدرة على شراء المدخلات الزراعية، ما يتسبّب بتقليص غلّة المحاصيل بصورة إضافية.
يستورد الفلسطينيون أساسًا كميات كبيرة من المواد الغذائية التي يستهلكونها؛ فالتقلّبات الزراعية، مقرونةً بالنمو السكاني، تقتضي توفير موارد إضافية لسدّ العجز الغذائي. ولن يكون ذلك ممكنًا من دون تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وهذا لم يحدث حتى الآن. لقد أظهرت معدّلات نمو الناتج المحلي الإجمالي والناتج القومي الإجمالي الحقيقي للفرد الواحد تقلّبات بين صعود وهبوط حادَّين خلال العقود الثلاثة الماضية تقريبًا، وتجاوز معدّل الفقر 27 في المئة في العام 2021. وتعتمد معالجة العجز الكبير في الميزان التجاري وميزان المدفوعات في فلسطين على التحويلات المستقرة من الفلسطينيين في الخارج؛ وكذلك على مداخيل الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، وعلى المساعدات الدولية، وهذان المصدران يُعتبران غير مستقرَّين لأنهما يتأثّران بالديناميات السياسية. ويتوقف سدّ العجز الغذائي أيضًا على توافر الإمدادات الغذائية والأسعار في السوق الدولية، التي يمكن أن تتأثر بالظواهر المناخية القاسية أو بأزمات أخرى. على سبيل المثال، تَسبَّب الغزو الروسي لأوكرانيا بارتفاع أسعار القمح، وهو سلعة أساسية في المنطقة. في المحصّلة، يفاقم تغيّر المناخ حالة انعدام الأمن الغذائي، ولا سيما في أوساط الفئات السكانية الأكثر فقرًا في المناطق الحضرية ومخيمات اللاجئين.
التأثيرات السياسية المُحتملة لتغيّر المناخ في فلسطين
غالب الظن أن التأثيرات السياسية ستكون رهنًا بمدى حدّة التداعيات المناخية. ففي حال أدّى حدثٌ كارثي إلى نقص في المياه لفترة طويلة وظروف جوية قاسية، متسبّبًا بمشاكل في القطاع الزراعي ومشقّات اقتصادية من شأنها أن تؤدّي إلى مستويات أعلى من انعدام الأمن الغذائي، هل ستندلع مواجهة شاملة بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟ وهل سيفضي هذا الوضع إلى طردٍ جماعي للفلسطينيين؟ وهل سيعبر الفلسطينيون اليائسون الحدود نحو دول الجوار طلبًا للإغاثة؟
ما زالت الأبحاث حول العلاقة بين ندرة الموارد والعنف والهجرة غير حاسمة. فعلى الرغم من كل الحديث حول حروب المياه في الشرق الأوسط، حالت الأوضاع الجيو-استراتيجية المتعلقة بكل حوض نهري دون وقوع ذلك حتى الآن. لقد حدثت موجات نزوح كبيرة للاجئين من وإلى منطقة الشرق الأوسط وغيرها من المناطق في التاريخ الحديث، وكان ذلك بشكل أساسي نتيجة صراعات عرقية وحروب أهلية وغزوات أجنبية. ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، اندلعت مواجهات عنيفة كثيرة في إسرائيل/فلسطين، مثل الانتفاضة الثانية في العام 2000 أو عمليات القصف الإسرائيلي المتكرّرة على قطاع غزة، لكن لم يُفضِ ذلك إلى نزوح ضخم للسكان. لا شكّ من أن النزوح إلى الخارج حدث بصورة بطيئة، إلّا أنه لا يُقارن بنطاق عمليات التهجير في العامَين 1948 أو 1967. مع ذلك، ستبقى الاضطرابات السياسية والتحرّكات السكانية الواسعة احتمالًا واردًا.
وفي استطلاع لآراء باحثين متخصّصين في قضايا الشرق الأوسط أُجري في ربيع العام 2023، عبّر ثلث الأشخاص المُستطلَعة آراؤهم فقط عن اعتقادهم بإمكانية قيام دولة فلسطينية خلال السنوات العشر المقبلة. علاوةً على ذلك، وصف أكثر من ثُلثَي الباحثين النظام السياسي الراهن في إسرائيل/فلسطين بأنه "دولة واحدة شبيهة بنظام الأبرتهايد". ولا يختلف ذلك عن تصريحات صادرة عن منظمات حقوق إنسان بارزة، سارت على خطى منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية. وتترسّخ هذه الحقيقة يومًا بعد يوم، كما أظهرت الحكومة اليمينية الحالية التي تضمّ أعضاء عنصريين ذوي توجّهات "تميل إلى الفاشية"، يبدون عازمين على ارتكاب التطهير العرقي بحقّ الفلسطينيين. لطالما دأبت الولايات المتحدة والقوى الأوروبية على حماية إسرائيل من أي إدانة أو عقوبات دولية. وخير دليلٍ على الدعم الضخم الذي تقدّمه واشنطن عسكريًا وسياسيًا استخدامها حق النقض أكثر من 50 مرة للدفاع عن إسرائيل في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
إن افتراض أن الوضع الراهن سيدوم سنواتٍ كثيرة ليس بالأمر غير المنطقي. وفي حال تجسّد مستقبل أكثر إشراقًا، سيتم تأطير هذا النقاش بصورة مختلفة. في غضون ذلك، تقتضي الحكمة اعتماد المبدأ الاحترازي المتمثّل في افتراض أن إسرائيل لن تحيد عن نهجها القائم على حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه، بما في ذلك استغلال موارده المائية.
ثمة اعتبار مهم آخر يجب أخذه في الحسبان: إلى أين يمكن أن يتوجّه السكان الذين قد يغادرون بصورة جماعية؟ لن تقتصر الظروف المناخية الكارثية على إسرائيل/فلسطين فحسب، بل ستعاني الدول المجاورة من تبعاتها أيضًا. لن يفكّر الفلسطينيون تحت أي ظرفٍ كان في اللجوء إلى لبنان، لأن الأوضاع فيه أسوأ ممّا قد تكون عليه الحال في ظل كارثة مناخية؛ والفلسطينيون الذين يعيشون هناك أساسًا سيرحّبون بمغادرته لو أُتيحت لهم فرصة ذلك. وسورية أيضًا في وضع يُرثى له، ولا سيما أن عملية إعادة الإعمار بعد الحرب ستكون طويلة ومضنية متى وإذا حدثت. وفي الأردن، يُعدّ وضع الموارد المائية حرجًا أيضًا، وفي حال حدوث أزمة مناخية حادّة، قد تكون ظروفه أسوأ من الضفة الغربية. أما مصر، على الرغم من أن أحوال المياه فيها أفضل بكثير، فيخيّم عليها اللايقين، إذ إن عملية بناء سدّ النهضة الإثيوبي العظيم تهدّد إمداداتها المائية، ناهيك عن أن مساحات شاسعة من دلتا النيل، وهي أكثر المناطق الزراعية خصوبةً في البلاد، قد تغمرها مياه البحر في وقتٍ قريب.
لم يكن ممكنًا لغاية اليوم تصوّر سيناريو معاكس: هل من الممكن أن يحاول عددٌ كبير من سكان الدول العربية المجاورة، ولا سيما الأردن، العبور إلى داخل إسرائيل/فلسطين؟ كيف سيكون ردّ إسرائيل، الدولة التي تستقبل اليهود فقط بشكل أساسي؟ على أي حالٍ، إذا واجه الفلسطينيون ظروفًا لا تُحتمَل، وحاولوا اللجوء بأعداد كبيرة إلى دول أخرى، فلا يجب أن يُعزى سبب نزوحهم إلى ظاهرة تغيّر المناخ (على الرغم من أنها الذريعة التي ستستعملها إسرائيل على الأرجح)، بل إلى الواقع المرير الذي يعيشونه أساسًا.
خاتمة
سوف تؤثّر الحسابات السياسية والاجتماعية في نهاية المطاف على التبعات الناجمة عن تغيّر المناخ، كما هو الحال في الكوارث الطبيعية الأخرى. وغالبًا ما تتكبّد الفئات الفقيرة والمهمّشة العبء الأكبر، بدل أن يتحمّله أولئك الذين يتسبّبون بالأزمة. ويندرج الفلسطينيون ضمن هذه الفئات المهمّشة، فقد حرمتهم إسرائيل من أرضهم، ومياههم، وحرية تنقّلهم، من جملة أمور أخرى، في ظلّ سعيها إلى فرض سيادتها بحكم الأمر الواقع على البقعة الجغرافية الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط.
ولكي يتسنّى للفلسطينيين التحضير لمواجهة تداعيات تغيّر المناخ والتكيّف معها، على إسرائيل رفع قيودها على استخداماتهم المائية، ليس من قبيل الإحسان، بل لأن الاتفاقيات الدولية تنصّ على أن للفلسطينيين الحق في الحصول على مصادر المياه. لكن الموارد المائية لن تكون وحدها كفيلة بتمكين الفلسطينيين من بناء مجتمع قادر على الصمود والتكيّف في وجه تغيّر المناخ، بل هم بحاجة أيضًا إلى اقتصاد قابل للاستمرار والنمو، وإلى التنقّل بحرية، وإلى حدود مفتوحة، وغير ذلك من الشروط اللازمة للعيش. ومن أجل تحقيق ذلك، يجب على إسرائيل إما أن تُنهي احتلالها أو أن تضع حدًّا لنهجها القائم على الفصل العنصري، وأن تتعلّم التعايش مع الفلسطينيين على قدم المساواة في جميع أنحاء البلاد.
من المؤسف للجانبَين الفلسطيني والإسرائيلي أن البلاد تسير على ما يبدو في الاتجاه الآخر. من أجل دفع إسرائيل إلى تغيير مسارها، على الفلسطينيين إعادة ترتيب بيتهم الداخلي، وعلى الولايات المتحدة وقف دعمها المطلق لإسرائيل، على أمل ألا تقع كارثة مناخية إقليمية تُرغم الجميع على السير في الاتجاه الصحيح.