مايكل يونغ
{
"authors": [
"مايكل يونغ"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"لبنان",
"سورية"
]
}المصدر: Getty
إلى أين تتّجه العلاقات بين لبنان وسورية؟
يحلّل صهيب جوهر، في مقابلةٍ معه، التحوّلات العميقة التي طرأت على الروابط بين البلدَين الجارَين.
صهيب جوهر باحث ومحلل سياسي لبناني متخصّص في شؤون الشرق الأوسط، مع تركيز على الأمن الإقليمي والجغرافيا السياسية لمنطقة المشرق. هو زميل أبحاث بارز في مركز "تراينغل" للدراسات في لبنان، وزميل بحثي مقيم في معهد السياسة والمجتمع في الأردن. نُشرت كتاباته على منصّة صدى التابعة لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وموقع الجزيرة، ومجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، ومركز "سيتا" للأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تركيا. كذلك، يعمل جوهر مستشارًا إعلاميًا لنائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري، إلا أن الآراء الواردة في هذه المقابلة تعبّر عن وجهة نظره الشخصية فقط.
مايكل يونغ: دعا الرئيس دونالد ترامب سورية إلى مواجهة حزب الله عسكريًا داخل لبنان، لكن دمشق رفضت ذلك. لماذا؟
صهيب جوهر: أظنّ أن تصريحات الرئيس ترامب عكست نقاشًا أوسع داخل إدارته، أكثر ممّا عبّرت عن توقّعٍ باستعداد سورية للتدخّل عسكريًا في لبنان. فالافتراض كان أن دمشق قد تكون مستعدّة، بعد سقوط نظام الأسد، لاتّخاذ موقفٍ أكثر تصادميةً تجاه حزب الله. لكن في الواقع، تنظر القيادة السورية الجديدة إلى الوضع بشكلٍ مختلفٍ تمامًا. فهي ترى أن إرسال قوات سورية إلى لبنان ينطوي على مخاطر سياسية وأمنية جسيمة، فيما لا يُقدّم سوى مكاسب استراتيجية محدودة جدًّا. والأولوية اليوم تتمحور حول إعادة بناء الدولة السورية، وتحقيق تعافي الاقتصاد، وجذب الاستثمارات الدولية، لا فتح جبهةٍ أخرى قد تخرج عن السيطرة بسهولة ويصعب لجم تداعياتها.
لكن هذا لا يعني أن سورية غير مستعدّة للتعاون على الصعيد الأمني؛ بل على العكس. فقد أعربت دمشق عن استعدادها للتنسيق مع لبنان في مجالات تتقاطع فيها مصالح البلدَين، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وضبط أمن الحدود، والمساهمة في الجهود الرامية إلى مكافحة شبكات تهريب الأسلحة والأنشطة المسلّحة عبر الحدود. فسورية مستعدّةٌ لدعم الدولة اللبنانية في التعامل مع التهديدات الأمنية، لكنها لا تُبدي اهتمامًا يُذكر بالتدخّل العسكري المباشر داخل لبنان. وترى القيادة السورية أن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال التعاون مع المؤسسات اللبنانية.
يونغ: في مقالٍ نشرته حديثًا في مركز "سيتا" التركي للأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، جادلتَ بأن سورية تُعيد تعريف علاقتها بلبنان لا أنها تتخلّى عنها. ما الذي قصدته تحديدًا؟
جوهر: على مدى عقود، تمحورت السياسة السورية تجاه لبنان حول النفوذ السياسي والعسكري المباشر. لا أظنّ أن سورية تسعى اليوم إلى إعادة إحياء هذا النموذج. إن ما يتغيّر ليس اهتمام سورية بلبنان – فهذا أمرٌ تفرضه الجغرافيا ولا يمكن أن يتغيّر - بل الطريقة التي تسعى من خلالها إلى حماية مصالحها. وكما أشرتُ في مقالي، إن النهج الجديد مؤسّسيٌّ بدرجةٍ أكبر بكثير. فبدلًا من الاعتماد على النفوذ العسكري أو المحسوبية السياسية، تريد دمشق بناء علاقات بين الدولتَين ترتكز على أمن الحدود، والتعاون الاقتصادي، والتجارة، ومشاريع بنية تحتية منسّقة. ويعكس ذلك الأولويات السورية الداخلية إلى جانب المشهد الإقليمي الأوسع، الذي يختلف اختلافًا كبيرًا عمّا كان عليه قبل عشرين عامًا.
ثمّة تحوّلٌ مهمٌّ آخر يتعلّق بحزب الله. فالمسؤولون السوريون يميّزون بشكلٍ متزايد بين حزب الله بصفته تنظيمًا مسلّحًا، والطائفة الشيعية في لبنان بوصفها جماعةً سياسية واجتماعية. ويوضح ذلك سبب استمرار دمشق في تثمين التواصل مع شخصياتٍ مثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، مع تجنّب أي سياساتٍ قد تفاقم الانقسامات الطائفية داخل لبنان. لذا، أصف مقاربة سورية للملف اللبناني بأنها عملية تعديلٍ استراتيجي أكثر ممّا هي تراجعٌ استراتيجي.
يونغ: لقد جادلتَ بأن العلاقات بين سورية ولبنان تعكس تنافسًا إقليميًا أوسع على مستقبل دول المشرق. ما الذي تقصده بذلك؟
جوهر: يصعب فهم العلاقات السورية اللبنانية اليوم إذا نظرنا إليها بمعزلٍ عن سياقها. فهي جزءٌ من تحوّلٍ إقليمي أوسع بكثير يجري في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد وتراجع النفوذ الإيراني في سورية. على مدى سنوات، تَحدَّد التوازن الإقليمي بسعي إيران إلى بناء ممرٍّ استراتيجي يمتدّ من طهران عبر العراق وسورية وصولًا إلى لبنان، وقد أدّى حزب الله دورًا محوريًا في هذا المسعى. لكن هذا الإطار تَقوَّض إلى حدٍّ بعيد، والتنافس على ما سيحلّ محلّه ما زال في بداياته.
اليوم، تحاول تركيا تعزيز استقرار سورية ووحدة أراضيها، مع التركيز على توسيع مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي. وتسعى دول الخليج إلى إعادة سورية ولبنان إلى الحضن السياسي العربي، من دون إرساء نظامٍ جديد من الهيمنة الخارجية. أما الولايات المتحدة، فتركّز على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية والحدّ من نفوذ القوى المسلّحة غير الحكومية، بينما تستمرّ إسرائيل في إعطاء الأولوية لأمن حدودها الشمالية. لذلك، لم تعد النقاشات حول سلاح حزب الله، وأمن الحدود، والبنية التحتية الخاصة بالطاقة، وممرّات النقل والعبور، قضايا لبنانية أو سورية بحتة، بل أصبحت جزءًا من تنافسٍ إقليمي أوسع على النفوذ، ومشاريع الربط الاقتصادي، وموازين القوى المستقبلية في المنطقة.
أعتقد أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت دول المشرق تتّجه نحو نظامٍ إقليمي قائمٍ على دول ذات سيادة تتعاون في ما بينها، أم أنها ستظلّ محكومةً بصراعاتٍ بالوكالة ومناطق نفوذٍ متنافسة؟ إن الإجابة على هذا السؤال لن تحدّد ما سيحدث في سورية ولبنان فحسب، بل ستشكّل أيضًا مسار المنطقة ككل على مدى السنوات المقبلة.
يونغ: كيف تطوّر نهج لبنان تجاه تركيا، وما كان تأثير ذلك على العلاقات اللبنانية السورية؟
جوهر: لقد تغيّر النهج الذي اتّبعه لبنان تجاه تركيا بشكل ملحوظ خلال العام الماضي. فقد تراجعت التحفظات السابقة التي استند الكثير منها إلى اعتبارات السياسة الداخلية، لتفسح المجال تدريجيًّا أمام نهجٍ أكثر براغماتية، في ظلّ تبدُّل الأولويات الإقليمية. وتجلّى هذا التحوّل من خلال زياراتٍ رفيعة المستوى إلى تركيا، أجراها نائب رئيس الوزراء طارق متري، ورئيس الوزراء نواف سلام، ثم الرئيس جوزاف عون الأسبوع الماضي. من منظور بيروت، لم تعد تركيا مجرّد قوة إقليمية مهمّة فحسب، بل بات يُنظر إليها على أنها إحدى الدول القليلة القادرة على الحفاظ على علاقة ذات مصداقية مع القيادة السورية الجديدة، والعمل في الوقت نفسه عن كثب مع الولايات المتحدة ودول الخليج والعراق. هذا يمنح أنقرة مرونةً دبلوماسية تفتقر إليها معظم القوى الإقليمية الأخرى حاليًا.
نتيجةً لذلك، اتّسع نطاق التعاون بين لبنان وتركيا الآن ليشمل، إلى جانب القضايا الثنائية التقليدية، أمن الحدود، والتكامل الاقتصادي، والطاقة، وإعادة الإعمار، وخطوط النقل، وربما الأهم من ذلك كله، التنسيق بشأن مستقبل العلاقات بين بيروت ودمشق. مع ذلك، لا أعتقد أن لبنان يرى في تركيا بديلًا عن التواصل المباشر مع سورية، بل ينظر إلى أنقرة بشكل متزايد على أنها شريك إقليمي بنّاء قادر على تيسير الحوار، وتخفيف التوتّرات، ودعم قيام علاقة مؤسسية تسير وفق قواعد واضحة ويمكن التنبّؤ بمسارها بين لبنان وسورية. وتبرز أهمية هذا الأمر بشكل خاص في قضايا مثل إدارة الحدود، وملفّ عودة اللاجئين، والتنسيق الأمني، والتعاون الاقتصادي في المستقبل.
يونغ: أليس من قبيل التفاؤل المُفرط القول إن سورية تخلّت عن ميلها التاريخي إلى الهيمنة على لبنان؟
جوهر: أتفهّم هذا التشكيك لأن الجغرافيا لم ولن تتغيّر. فما يحدث في لبنان يؤثّر حتمًا على أمن سورية، سواء تعلّق الأمر بالحدود، أو شبكات التهريب، أو الجماعات المسلّحة، أو اللاجئين، أو العمليات العسكرية الإسرائيلية. لا يمكن لأي حكومة في دمشق أن تتعامل مع لبنان كملفٍّ يمكن تجاهله في السياسة الخارجية. لكنني لا أعتقد أن السؤال يتمثّل في ما إذا ستظلّ لسورية مصالح في لبنان؛ فهذا أمرٌ مفروغٌ منه. السؤال الأهم هو كيف ستسعى إلى تحقيق هذه المصالح. فالبيئة الإقليمية التي سمحت لسورية في السابق بالهيمنة على لبنان لم تعد قائمة. والواقع هو أن سورية نفسها تغيّرت، ولبنان تغيّر، وموازين القوى في مختلف أنحاء الشرق الأوسط تغيّرت أيضًا. والقيادة السورية الجديدة منشغلة بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق التعافي الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الخارجية، وتأمين الشرعية الدولية. إن أي محاولةٍ لإحياء نموذج الوصاية السياسية أو التدخل العسكري القديم ستتعارض مع جميع هذه الأهداف، وستواجه مقاومة قوية من داخل لبنان وكذلك من قوى إقليمية رئيسة، ولا سيما تركيا والمملكة العربية السعودية، اللتَين دعمتا باستمرار قيام دولة لبنانية أقوى، بدلًا من عودة السيطرة الخارجية على لبنان.
لكن هذا لا يعني أن سورية ستنسحب كليًّا من الشأن اللبناني. بل سيستمر التنسيق الوثيق في مجالات أمن الحدود، والتعاون الاستخباراتي، والتجارة، والنقل، وغيرها من القضايا التي تتقاطع فيها مصالح البلدَين. فهذه الروابط، التي تعيد تشكيل العلاقة بينهما، تُعدّ أمرًا لا مفر منه، لأن أمن أحدهما يؤثّر بشكل مباشر على أمن الآخر. أما ما إذا كان هذا النهج سينجح في نهاية المطاف، فهذا أمرٌ لن نتمكن من الحكم عليه إلا مع مرور الوقت، ولا سيما عندما تواجه الحكومتان أزمتهما الأمنية الكبرى التالية معًا.
عن المؤلف
محرّر مدوّنة 'ديوان', مدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
مايكل يونغ محرّر مدوّنة "ديوان" ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.
- على لبنان محاولة وضع حزب الله على طاولة الولايات المتحدة وإيرانتعليق
- محنة سورية في ظلّ الانتدابتعليق
مايكل يونغ
الأعمال الحديثة
المزيد من أعمال ديوان
- استمرار الإفلات من العقاب في انفجار 4 آبتعليق
يكمن جوهر الخلل الذي يعتري لبنان في عجزه عن تحقيق المساءلة والشرعية المؤسساتية.
مهى يحيَ
- سورية الجديدة ولبنان القديم: أزمة غياب الدولةتعليق
من شأن أي تحرّك أميركي لتنفيذ اقتراح ترامب، القاضي بأن تقنع واشنطن دمشق بخوض مواجهة عسكرية مع حزب الله، أن يؤدّي إلى عواقب كارثية.
خضر خضّور
- على لبنان محاولة وضع حزب الله على طاولة الولايات المتحدة وإيرانتعليق
مع انطلاق المحادثات بين واشنطن وطهران، أمام بيروت فرصةٌ لطرح خطةٍ إقليميةٍ بشأن نزع السلاح.
مايكل يونغ
- محنة سورية في ظلّ الانتدابتعليق
تستذكر إليزابيث تومسون، في مقابلة معها، كيف صاغت البلاد دستورًا ليبراليًا في العام 1920، قبل أن تجهض فرنسا وبريطانيا هذا المسار.
مايكل يونغ
- الأمن الإسرائيلي قائمٌ على انعدام الأمن في الشرق الأوسطتعليق
فيما تستمر المفاوضات مع إيران ولبنان، يظلّ نشر الفوضى في صُلب حسابات حكومة نتنياهو.
مايكل يونغ