خضر خضّور
{
"authors": [
"خضر خضّور"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"لبنان",
"سورية",
"المشرق العربي",
"الولايات المتحدة",
"إسرائيل"
]
}المصدر: Getty
خلال اجتماعٍ عُقد بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأمير قطر في 16 حزيران/يونيو 2026، على هامش أعمال قمة مجموعة الدول السبع في فرنسا، طرح ترامب مقترحًا يقضي بأن تتولّى سورية مهمة "التعامل مع حزب الله" في لبنان، بدلًا من إسرائيل. يبدو أن الولايات المتحدة ترغب في إخراج لبنان من فلك إيران، أو على الأقل الحدّ من قدرة طهران على توظيف حزب الله بما يخدم مصالحها. لكن النظام الجديد في دمشق، الذي يُتوقَّع منه على ما يبدو أن يسهم في استقرار الأوضاع في لبنان، لم يثبت بعد قدرته على تحقيق الاستقرار في سورية عقب الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد. يُضاف إلى ذلك أن أي محاولة أميركية لتأليب سورية ذات الغالبية السنية على حزب الله الشيعي (وبالتالي إيران)، يُرجَّح أن تؤجّج النعرات الطائفية بين اللبنانيين والسوريين. وقد يؤدّي ذلك في نهاية المطاف إلى تحويل الصراع الجيوسياسي بين الجانب الأميركي الإسرائيلي من جهة، والجانب الإيراني من جهة أخرى، إلى مواجهة طائفية تتركّز داخل الحدود اللبنانية.
لم يكن هذا الاقتراح مجرّد ملاحظة عابرة من ترامب. ففي اليوم التالي، قال الرئيس الأميركي في تصريحات له إنه أجرى محادثات مع الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن حزب الله. فليس من قبيل الصدفة أن الولايات المتحدة بصدد التفكير في رفع اسم سورية من لائحة الدول الراعية للإرهاب. وقد يؤول إلغاء هذا التصنيف القائم منذ فترة طويلة إلى إفساح المجال أمام تعاونٍ أمني، بل عسكري أيضًا، بين واشنطن ودمشق. في غضون ذلك، نفى الشرع أن تكون لدى سورية أي نية للتدخل عسكريًا في لبنان، لكنه حرص على إعادة صياغة تصريحات ترامب، معتبرًا أنها تشير إلى "دور سورية في السعي إلى حلّ آمن وسلمي" في لبنان. حتى في ظلّ هذا السيناريو (الذي يجب الإقرار بأنه أكثر غموضًا)، قد تجد واشنطن ودمشق أن بإمكانهما حرمان إيران من القدرة على توظيف لبنان كورقة ضغط ومساومة في جولات التفاوض مع الولايات المتحدة.
وفقًا لحسابات واشنطن، لا تكمن المشكلة في سلاح حزب الله فقط، بل في إصرار طهران على إشراك لبنان في المفاوضات؛ فقد ربطت إيران استمرار التزامها بمذكرة التفاهم الهشّة المُبرمة مع الولايات المتحدة بانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان ووقف الهجمات الإسرائيلية على أهداف لبنانية. وبالتالي، طالما أن إسرائيل تواصل احتلال الأراضي اللبنانية وشنّ غارات على مناطق مختلفة من البلاد سعيًا إلى شلّ قدرات حزب الله العسكرية واللوجستية، ستظلّ طهران تعمَد إلى تعليق مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة أو إلغائها. ومن خلال إدخال سورية في المعادلة لمحاربة حزب الله، يمكن للولايات المتحدة إخراج إسرائيل منها. فبموجب هذا المنطق، تحلّ سورية محلّ إسرائيل باعتبارها العدو اللدود للحزب، مُحقّقةً الهدف الأميركي الإسرائيلي المشترك المتمثّل في تحييد التهديد الذي يشكّله حزب الله ونزع سلاحه. وغالب الظن أن تُصوّر واشنطن في هذه الحالة تدخّل دمشق في لبنان على أنه شأنٌ سوري لا سلطة لها عليه، وبالتالي يجب أن يبقى منفصلًا عن المفاوضات الأميركية الإيرانية.
لكن هنا تكمن المفارقة. فواشنطن تحاول إقناع دمشق بالتدخّل في لبنان لا لأن سورية قادرة على ذلك، بل لمجرّد أنها معادية لحزب الله الذي دعم نظام الأسد عسكريًّا. مع ذلك، لا يصلح العداء لبلورة سياسة سليمة، ولا يكفل السيطرة على عواقبها. فسورية اليوم ليست دولة متكاملة الأركان تمتلك جيشًا وطنيًا موحّدًا ومؤسسات راسخة، بل هي عبارة عن نظام ناشئ يحاول التعويل على انتصاره العسكري الداخلي لإعادة بناء الدولة السورية.
تسعى دمشق جاهدةً من أجل حكم بلدٍ يخوض مرحلةً انتقالية بعد أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية، حيث لا تزال السلطة منقسمة بين مختلف الفصائل والمناطق. كذلك، يشهد الجيش السوري عملية إعادة هيكلة شاملة، فيما لا تزال الإدارة الحاكمة قيد التشكّل، ولا تزال العلاقات مع الأقليات غير مستقرة. وقد أظهر تصاعد أعمال العنف الطائفي في الساحل السوري وكذلك في السويداء، والتي تورّطت فيها بشكلٍ كبير قوات الأمن التابعة للنظام، إلى جانب التوتّرات مع القوات الكردية، أن جوهر القضية السورية يكمن في ما إذا كان بوسع مركز السلطة الجديد إقناع مختلف طوائف البلاد ومكوّناتها بأنه يمثّلها فعلًا. أما مطالبة دمشق بالتدخّل في لبنان، فتتجاوز أولويته الأكثر إلحاحًا، وهي تحقيق النضج السياسي للنظام الجديد.
وغالب الظن أن يصطدم أي انخراطٍ عسكري سوري في لبنان بعقباتٍ جسيمة. فلبنان يعاني من تداعيات حرب إسرائيلية مدمّرة، وسط اقتصاد منهار، ودولة عاجزة عن توفير الرعاية لمواطنيها أو احتكار قرارَي الحرب والسلم. وقد خلّف العدوان الإسرائيلي على لبنان نحو 4200 قتيل وأكثر من 11 ألف جريح، وأسفر عن نزوح ما يقرب من 1.2 مليون شخص، فيما تعرّضت عشرات آلاف المنازل للتدمير أو لأضرار جسيمة. واقع الحال أن هذه الحقائق المريرة تُسهم في إعادة تشكيل المزاج العام داخل المجتمع اللبناني.
فحتى الشيعة الذين يشاركون في النقاش الدائر في مختلف أنحاء لبنان حول مدى وجوب أن يسلّم حزب الله سلاحه إلى الجيش اللبناني، عليهم التعامل مع مسألة أكثر إلحاحًا، وهي الكارثة الاجتماعية والإنسانية التي ألمّت بالطائفة الشيعية نتيجة الحرب مع إسرائيل. ومن شأن إقدام قوة سورية ذات غالبية سنّية على عبور الحدود من أجل التصدّي للحزب الشيعي الأكثر شعبيةً في لبنان، أن يصيب الشيعة ككُل بأزمة وجودية. فأي مواجهة من هذا النوع قد تدفع أبناء الطائفة الشيعية، حتى أولئك الذين لا يُبدون في الظروف العادية تأييدًا لحزب الله، إلى الاصطفاف حوله.
وستتعامل بقية الطوائف مع هذا الوضع انطلاقًا من مخاوف وحسابات مختلفة. إنّ المسيحيين لا يشكّلون كتلة واحدة ذات موقف موحّد مؤيّد أو معارض لحزب الله. فبينما يعتبر كثرٌ منهم أن الحزب ذراعٌ لإيران وأن سلاحه سببٌ في اندلاع الحرب، يخشى آخرون من أن يؤدّي أي تحرّك من دمشق لإضعافه إلى نشوب صراع داخلي، أو حتى إلى عودة مرحلة جديدة من الهيمنة السورية على لبنان. أما الدروز، على العموم، فينظرون إلى النظام الجديد في دمشق من منظور ما يجري للأقليات في سورية، ولا سيما لأبناء طائفتهم وأقاربهم في السويداء، ما يعني أن معظمهم لا يثقون بالنظام الجديد.
ولأن الكثير من السنّة ممتعضون منذ فترة طويلة من دور حزب الله في المشهد السياسي الداخلي في لبنان، فضلًا عن دعمه للنظام السوري المخلوع، قد ينظر بعضهم بعين الرضا إلى أي تحرّك حاسم ضدّ الحزب. مع ذلك، سيكون من الحماقة اعتبار الطائفة بأكملها قاعدة شعبية جاهزة لتأييد حملةٍ خارجية تستهدف حزب الله. فالكثير من السنّة، الذين يشعرون بالمرارة إزاء طريقة تعامل السلطات اللبنانية معهم بسبب دعمهم للثورة السورية – فيما لا تزال قضية الإسلاميين السنّة المؤيّدين للثورة الذين ما زالوا يقبعون في سجن رومية تشكّل مسألةً شديدة الحساسية – يتخوّفون من التعرّض للإجراءات القاسية نفسها. في المحصّلة، إن فكرة شنّ حملة عسكرية سورية ضدّ حزب الله تُحدث شرخًا بين اللبنانيين، حتى بين أبناء الطائفة الواحدة.
في الواقع، يكشف اقتراح ترامب عن سوء فهمٍ للديناميّات الداخلية في لبنان. وعلى نطاق أوسع، يعكس أيضًا طريقةً إشكالية في النظر إلى دول منطقة المشرق. وقد عبّر توم برّاك، السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص السابق إلى سورية، عن جانبٍ من هذا التصوّر في أيلول/سبتمبر 2025 حين قال إن الشرق الأوسط لا يتكوّن من دول، بل من قبائل وقرى ووحدات اجتماعية وسياسية صغيرة في الكثير من الأحيان. عبّر تصريحه هذا عن ميلٍ للنظر إلى المنطقة ليس باعتبارها مجموعة دولٍ بحاجةٍ إلى إعادة بناء، بل باعتبارها مساحات مجتمعية يمكن إعادة ترتيبها لتحقيق أهدافٍ أمنية. وبناءً على ذلك، يُختزل لبنان إلى مجرّد ورقة يجب انتزاعها من يد إيران، وتُختزل سورية إلى مجرّد أداةٍ لخدمة هذه الغاية.
لكن الدول لا يمكنها التغلّب على تحدّياتها، ناهيك عن الخروج من دوّامة العنف والخراب عندما تُستغلّ على هذا النحو. فلا يمكن لسورية التي تعاني المشكلة نفسها إلى حدٍّ بعيد، أن تملأ الفراغ الذي يخلّفه غياب الدولة في لبنان. بل غالب الظن أن يفضي هذا النهج إلى تأجيج الصراع. قد يكون هذا النزاع أقل حدّةً في ظاهره من حربٍ إقليمية، لكنه سيكون أشدّ نخرًا للنسيج الداخلي، لأنه يتجذّر في بنية الدولة الواحدة، ويؤلّب أبناءها بعضهم على بعض.
عن المؤلف
باحث غير مقيم, مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
خضر خضّور باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تركّز أبحاثه على الهياكل القَبَلية في منطقة المشرق، والعلاقات المدنية العسكرية في سورية، ودور الحدود في تشكيل الهويات المحليّة والوطنية في الشرق الأوسط.
- الدولة السورية بعد أحداث السويداءتعليق
- حدود بلا دولة: سورية والقوى الخارجية وانعدام الاستقرار المستمرأوراق بحثية
أرميناك توكماجيان, خضر خضّور
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- يجب حلّ مجلس السلام الفاشل الذي أنشأه دونالد ترامبتعليق
ماذا يكمن خلف إعلان ماركو روبيو أن هذه الهيئة أصبحت الآن منظمة دولية غير حكومية؟
زها حسن
- على لبنان محاولة وضع حزب الله على طاولة الولايات المتحدة وإيرانتعليق
مع انطلاق المحادثات بين واشنطن وطهران، أمام بيروت فرصةٌ لطرح خطةٍ إقليميةٍ بشأن نزع السلاح.
مايكل يونغ
- محنة سورية في ظلّ الانتدابتعليق
تستذكر إليزابيث تومسون، في مقابلة معها، كيف صاغت البلاد دستورًا ليبراليًا في العام 1920، قبل أن تجهض فرنسا وبريطانيا هذا المسار.
مايكل يونغ
- مذكّرة التفاهم لإنهاء الحربتعليق
على الرغم من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ثمّة عقبات حقيقية تعترض التوصّل إلى اتفاق دائم.
مروان المعشّر
- النظر إلى ما وراء الجدار: قراءة في فلسطين وإسرائيلتعليق
يغفل نقاش السياسات أن المشروع الوطني الفلسطيني قد أُفرِغ من مضمونه، وأن الأبرتهايد يشكّل خطرًا ماثلًا.
ناثان ج. براون