يبدو، عند مراجعة لحظة صدور مسودة وثيقة سياسة ملكية الدولة في أيار/مايو 2022، أن الحكومة المصرية توفّقت تمامًا في اختيار التوقيت المناسب. فقد تم الإعلان عنها بعد فترة وجيزة من بدء الحكومة مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرضها الرابع خلال ست سنوات، بقيمة 3 مليارات دولار، ثم جرى اعتمادها كمقياس هيكلي لبرنامج صندوق النقد الدولي الجديد للإصلاح المالي والاقتصادي. ثم إن السياسة تم إقرارها في كانون الأول/ديسمبر 2022، لتساعد في إطلاق التسهيل الائتماني الممتدّ من صندوق النقد الدولي. مع ذلك، يعكس هذا الترتيب ثقة محدودة بالاقتصاد المصري، إذ قامت الحكومة سابقًا بالتفاوض على اقتراض مبالغ وصلت إلى 12 مليار دولار وتلقّت تدفقات مالية "ساخنة" أكثر بكثير من الجهات التي أقبلت على شراء ديونها السيادية بعد قروض صندوق النقد الدولي السابقة. وفي ظل الحاجة إلى سداد 17 مليار دولار إلى صندوق النقد الدولي على مدى خمس سنوات، ناهيك عن تكاليف خدمة الديون الأخرى، ليس أمام الحكومة من خيار سوى بيع الأصول العامة. لذا، أعلنت الحكومة في أوائل شباط/فبراير 2023 عن نيّتها بيع حصص في 32 شركة مملوكة للدولة بحلول شهر آذار/مارس 2024.
يثير تسلسل هذه الأحداث وتوقيتها أسئلة متداخلة. هل عمليات خصخصة هذه الشركات أساسًا عبارة عن عمليات بيع طارئة وغير متوقعة استوجبتها الحاجة لدرء التخلّف عن السداد، تسهّلها بالصدفة الحميدة سياسة ملكية الدولة؟ أم أن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها مصر توفّر للحكومة ببساطة فرصة لتنفيذ استراتيجية محدّدة مسبقًا لبدء عملية تحويل الاقتصاد؟ تورِد سياسة ملكية الدولة أهدافًا توحي بطموحات مصر الاستراتيجية، ومن ضمنها تعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وإرساء اقتصاد مؤاتٍ للاستثمارات، وتحديد حضور الدولة في الاقتصاد. وتصحبها كذلك أهداف محدّدة، مثل زيادة الاستثمار إلى 25-30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي ورفع النمو الاقتصادي إلى 7-9 في المئة، وجعل الدولة تتحمّل المسؤولية الأساسية في القطاعات التي لا تجذب الرساميل الخاصة، وإرساء الاستقرار المالي مع توسيع شبكات الأمان الاجتماعي.
ولكن هل كل هذا مجرّد كلام مُصمَّم فقط لنيل استحسان صندوق النقد؟ وسواء كان كلامًا للاستهلاك أم التزامًا سياسيًا حقيقيًا، فما الذي تشير إليه خطة الخصخصة التي تم الإعلان عنها في شباط/فبراير في ما يتعلق بمستقبل الاقتصاد السياسي في مصر؟ هل سينهار الاقتصاد أم سيزدهر؟ وهل ستتمكن الدولة من الصمود في وجه ردود الفعل السياسية من السكان المتضرّرين بشكل مباشر أو غير مباشر من بيع الأصول الوطنية؟ إذا تم تنفيذ الخطة بالكامل، ستؤثّر الخصخصة بشكل ملموس على المشتريات المستقبلية لديون مصر السيادية، وعلى العلاقات داخل فئات مختلفة من المستثمرين وفي ما بينها، وعلى تدفّق العوائد إلى أشخاص داخل النظام (سواء كانوا ضباطًا عسكريين أو أمنيين رفيعي المستوى أو مدنيين ضمن شبكات المحسوبية القائمة).
القطاعات المستهدفة للخصخصة الكاملة
يمكن وصف بعضٍ من الشركات الـ32 المعروضة للبيع الجزئي بأنها من بين "مجوهرات العائلة" في البلاد - أي تلك التي تُعدّ منذ فترة طويلة من بين أكثر الشركات المملوكة للدولة ربحيةً. ولكن ليست الشركات وحدها ما يكشف عن نوايا الحكومة والنتائج المحتملة لسياسة ملكية الدولة، بل القطاعات التي تعمل فيها أيضًا. وتشمل هذه القطاعات القطاع المصرفي والتمويلي، والعقارات، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعات الطبية والدوائية، وتوليد الكهرباء، والمعالجة الكثيفة الكربون. وثمة شركتان معروضتان، هما صافي ووطنية، تملكهما المؤسسة العسكرية، إنما لا تعملان في أيٍّ من هذه القطاعات، إذ تُنتج الأولى المياه المعبّأة بينما تبيع الثانية الوقود لسائقي المركبات. لم تُدرج سياسة ملكية الدولة أيًّا من هذَين النشاطَين للخصخصة، لكن من المفترض أن الشركتَين مُدرجتان من أجل تلبية متطلبات صندوق النقد الدولي حيال خصخصة بعض الأصول المملوكة للمؤسسة العسكرية. يمكن التخلّي عن الشركتَين بسهولة لأنهما ليستا ذات أهمية حيوية للمؤسسة العسكرية أو الدولة.
هذه جميعًا هي قطاعات سبق أن دخلها مستثمرون من القطاعَين العام والخاص من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، أو أبدوا رغبتهم في دخولها. على سبيل المثال، استحوذ صندوق الثروة السيادية لدولة الإمارات العربية المتحدة على حصص كبيرة في القطاع الطبي والدوائي، وفي الخدمات اللوجستية في مصر. لكن العرض الجديد المقدّم من الحكومة المصرية أكثر إغراءً من العروض السابقة، ما يشير إلى أنها ترغب في جذب المزيد من الاستثمارات الكبيرة من دول مجلس التعاون الخليجي، وأنها لا تتوقع اهتمامًا كبيرًا من مصادر أجنبية أخرى. علاوةً على ذلك، تشير التصريحات الرسمية حول طريقة الخصخصة إلى تفضيل الشراء بالعملات الأجنبية من جانب مستثمرين أساسيين، بدلًا من الشراء من خلال الاكتتاب العام في البورصة المصرية، والذي سيكون بالعملة المحلية. لا يوحي هذا التفضيل فحسب بأن مصر في حاجة ماسة إلى العملات الأجنبية، بل أيضًا بأن الهدف الأساسي يتمثّل في المستثمرين الخليجيين. وتشير التجارب السابقة إلى أن المستثمرين الخليجيين سيتخوّفون أقل من المستثمرين المبتدئين أو الشركات المتعدّدة الجنسيات من امتلاك حصص كبيرة، ولو كانت حصصًا أقلية، في شركات لا تزال الحكومة هي المساهم الأكبر فيها.
الشركات المُراد خصخصتها جزئيًا
حتى البيع الجزئي للشركات المحدّدة المعروضة سيحرم الحكومة من تدفقات الإيرادات المستقبلية، مع توجيهها إلى أيدي القطاع الخاص. ففي القطاع المصرفي والتمويلي، تشمل البنوك المعروضة بنك القاهرة والمصرف المتحد والبنك العربي الأفريقي الدولي، وجميعها مربحة. مع ذلك، يُعزى نجاحها المالي في المقام الأول إلى الفارق السخي بين الفوائد المدفوعة على الودائع والفوائد المُحقَّقة من الاستثمار في ديون مصر السيادية، والتي تشكّل عادةً حوالى نصف قروضها. بلغ هذا الفارق، المستند إلى معدلات الفائدة على الودائع المصرفية ليوم واحد والفوائد المدفوعة على أذونات الخزينة، نسبة 7 في المئة العام الماضي. تتمتع البنوك بإمكانيات واضحة لتوسيع قاعدة عملائها بسرعة وبالتالي زيادة ربحيتها. صحيحٌ أن نحو ثلث المصريين البالغين فقط لديهم حسابات مصرفية، في حين أن ما يقرب من نصف الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في البلاد ليست لديها إمكانية الوصول إلى الائتمان. علاوةً على ذلك، ترفض الحكومة منح تراخيص لإنشاء بنوك جديدة، ما يزيد من ربحية وجاذبية ما يقرب من أربعين بنكًا عاملًا في البلاد.
من خلال عرض خصخصة ما بين 20 و30 في المئة من أسهم هذه البنوك، ستتخلّى الحكومة عن الأرباح التي تجنيها من خلال إيداع أذونات الخزينة معها، وهي أرباح تعوِّض حاليًا بعض الفوائد المدفوعة لخدمة الدَّين الوطني. من غير الواضح ما إذا كانت كلفة هذه الفرصة الضائعة قد تم خصمها من الأرباح المقدّرة التي يُتوقع أن تحقّقها الخصخصة، لكنها كلفة ستزيد من دون شك حاجة الحكومة إلى العملات الأجنبية.
وفي قطاع التأمين، الشركتان المعروضتان هما مصر لتأمينات الحياة ومصر للتأمين. تُعدّ الشركة الأولى أكبر مُصدِّر لوثائق التأمين على الحياة في البلاد، وتتمتع الثانية باحتكار التأمين في قطاع الطاقة الحيوي. والشركتان مملوكتان للدولة حاليًا بنسبة 100 في المئة ولهما أملاك عقارية كبيرة، يعود عدد كبير منها إلى الإجراءات الاشتراكية التي اتّخذها الرئيس السابق جمال عبد الناصر في أوائل ستينيات القرن الماضي. وعلى غرار البنوك، من المحتمل أن توفّر هاتان الشركتان أرباحًا كبيرة لأولئك الذين يملكون حصة فيها ويستفيدون من الإدراك أن رأس المال لا يحقّق عائدًا من تجميده في العقارات المقوّمة بأقل من قيمتها. وعلى غرار البنوك أيضًا، فإن ربحية شركات التأمين مضمونة من الحكومة نفسها، إذ إن حوالى نصف إجمالي رأس المال الذي تستثمره شركات التأمين هو في الديون الحكومية.
وتُعتبر الشركات المعروضة في القطاعَين العقاري والسياحي جذّابة بالمثل، وتشمل أشهر الفنادق التاريخية في البلاد، مثل أولد كتراكت، ووينتر بالاس الأقصر، ومينا هاوس. وبحسب أحد التقارير، سيتمكن المشترون من بناء فنادق جديدة على أراضٍ قيّمة مجاورة للفنادق القائمة. ووفقًا للمصدر نفسه، من المتوقع أيضًا أن يتضاعف عدد الليالي السياحية بأكثر من ثلاث مرات بحلول العام 2025 من المستوى المنخفض الذي بلغ 43 مليونًا في العام 2020، ما يشير إلى أن الفنادق السبعة المعروضة ستشهد على الأرجح نموًا كبيرًا وفوريًا في أرباحها.
ومن المحتمل أن تشمل العروض الأكثر جاذبية الشركات العاملة في استخراج أو معالجة المواد الهيدروكربونية أو استخدام الطاقة التي تولّدها لإنتاج المواد الكيمياوية، والبلاستيك، والإسمنت، والأسمدة، والحديد والصلب. ونظرًا إلى أن الشركات تستطيع أن تشتري الغاز الطبيعي من الحكومة بأسعار مدعّمة وتصدير الكثير مما تنتجه، جنت أرباحًا كبيرة. وقد تكون الشركات المنتجة للكهرباء جذابة أيضًا، إذ يمكن للشركات الرئيسة شراء الغاز الطبيعي بنحو 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، أي أكثر بقليل من سعر هنري هب الذي كان الأدنى في العالم اعتبارًا من آذار/مارس 2023. ولكن الحصول على حصص جزئية في محطة كهرباء بني سويف، التي بنتها شركة سيمنز وتعمل بالغاز الطبيعي، له مخاطر على المشترين المحتملين الذين قد يواجهون ارتفاعًا في سعر الغاز من جهة وضرورة الالتزام بثبات سعره على المستهلكين، وهذان الأمران يصبّان في صالح الحكومة.
علاوةً على ذلك، سيتعيّن على المشترين المحتملين في قطاع الطاقة تحمّل مسؤولية ديون بنحو مليارَي دولار أميركي مستحقة لمؤسسات مالية أجنبية، ولا سيما في ألمانيا. لا بدّ من الانتظار لرؤية كيف ستردّ الحكومة الألمانية ودافعو الضرائب هناك على البيع الجزئي لشركات تلقّت أموالًا في إطار المساعدات الإنمائية لمصر - لأن القروض كانت مضمونة من جانب الحكومة الألمانية - ولكن هذا الأمر قد يشكّل عاملًا معقِّدًا إضافيًا. تعتمد المحطتان اللتان تعملان بطاقة الرياح لتحديد أساس معدل عائدهما على سعر التغذية للشبكة الوطنية. ولكن تراجعت الحكومة بالفعل عن التزامها بتحديد أسعار مرتفعة نسبيًا كوسيلة لجذب الاستثمارات في توربينات الرياح ومزارع الطاقة الشمسية، ومن المرجح أن تحافظ على هذا الموقف لتجنّب المزيد من التضخم وكبح ردود الفعل الشعبية.
التأثيرات
كما يشير التحليل أعلاه، ركّزت الحكومة المصرية على المستثمرين المقيمين في الخليج لشراء حصص أقلية بالعملات الأجنبية في الشركات المدرّة للربح عمومًا في القطاعات الاقتصادية الرئيسة. لكن ثمة أسئلة هامة لا تزال من دون إجابة، ويرتبط بعضها مباشرةً بهذه الصفقات، بينما يرتبط البعض الآخر بالنتائج الاقتصادية والسياسية البعيدة المدى.
بعض الأسئلة الأساسية متعلّقة بالريوع والتنظيمات، ويسهم هذان العاملان بشكل كبير في تحديد ربحية بعض، إن لم يكن كل، الشركات المعروضة. على سبيل المثال، هل ستستمر الريوع على شكل أسعار منخفضة للوقود بمعدلاتها الحالية مع بدء الخصخصة؟ وهل سيتم إرخاء القواعد التنظيمية التي تهدف حاليًا في جزء منها إلى حماية المستهلكين من التضخم، للسماح بزيادة الربحية؟ وهل ستقدّم الحكومة أي ضمانات للمشترين المحتملين حول هذه المسائل؟ إذا كان الأمر كذلك، كيف ستبرّر الحكومة هذه الضمانات في الحالات التي يتأثر فيها الجمهور سلبًا بزيادة الأسعار فيما يستفيد الأجانب منها؟
يتعلق السؤال الأكثر إلحاحًا بسعر الصرف الذي سيشتري بموجبه المستثمرون الأساسيون الحصص. ففي شباط/فبراير 2023، أدّى الخلاف حول السعر إلى توقف المفاوضات بين صندوق الثروة السيادية السعودي والحكومة المصرية لشراء المصرف المتحد. قد يزيد تقديم سعر أفضل للسعوديين الضغط التنازلي الممارَس على الجنيه المصري، وسينظر المصريون الذين يكافحون للتعامل مع التضخم والعواقب الأخرى الناجمة عن نقص العملات الأجنبية إلى الصفقة على أنها معاملة تفضيلية للسعوديين على حساب المصريين. من الواضح أن المفاوضات بين الحكومة والمشترين المحتملين ستكون صعبة. وسواء جرت تلك المفاوضات بطريقة شبه علنية على الأقل أو بقيت خاصة تمامًا، ستشكّل مقياسًا لحساسية الحكومة تجاه ردود الفعل السياسية المحتملة والتوازن بين القمع والانفتاح في كيفية تفسير الخصخصة لمواطنيها.
الأسئلة الأخرى ذات الصلة اقتصاديةٌ بطبيعتها: هل ستكون التدفقات المالية الأجنبية المتولّدة عن عمليات الخصخصة الجزئية كافية لتغطية الفجوة التمويلية الكبيرة التي نمت جزئيًا بسبب صُغر التسهيل الائتماني الممتدّ من صندوق النقد الدولي والانخفاض الكبير في احتمال تدفّق الأموال الساخنة الجديدة؟ من المقدَّر حاليًا أن تولّد عمليات الخصخصة ما بين 2.5 مليار دولارو4.6 مليارات دولار في فترة 2023-2024، وهذا المبلغ هو أقل بكثير مما تحتاج إليه مصر، نظرًا إلى الفجوة التمويلية المقدَّرة بنحو 5 مليارات دولار بحلول صيف 2023. ولكن هل ستؤدي التدفقات المالية الأجنبية إلى تأثيرات إيجابية كافية على سعر الصرف ومعدّل التضخم لتحفيز الاستثمارات الأجنبية الجديدة في ديون مصر السيادية؟ وكم من الإيرادات الحالية للشركات سيتم التخلّي عنها بسبب الخصخصة الجزئية؟ وهل ستنجم تداعيات تضخّمية بسبب التعديلات المتوقعة على الأطر التنظيمية؟
ستصبح الجوانب الهيكلية للاقتصاد السياسي أكثر أهمية في أعقاب عمليات الخصخصة. على سبيل المثال، قد تخفّ متلازمة "الوسط المفقود" في اقتصاد يضمّ بعض الشركات الكبيرة جدًّا، والكثير من الشركات الصغيرة، والقليل نسبيًا من الشركات المتوسطة الحجم، ولكن من دون التوصّل إلى حلٍّ كامل لها. ويُعزى ذلك أساسًا إلى "تجزئة" الاقتصاد السياسي، على حدّ تعبير عمرو عادلي، و"تقسيمه بين من هم في الداخل ومن هم في الخارج"، على حدّ تعبير ستيفن هيرتوغ.1 لمعالجة متلازمة الوسط المفقود، ستحتاج الحكومة المصرية إلى "تسوية الملعب" الاقتصادي عن طريق خفض الريوع أو إلغائها وإزالة التنظيمات التي تفيد الشركات الكبيرة، على النحو الذي دعا إليه تقرير فريق صندوق النقد الدولي عن مصر. لكن الرغبة في بيع أسهم في الشركات المملوكة للدولة بأعلى سعر ممكن قد يقوّض هذه الإصلاحات إذ إنه يحدّ من ربحية تلك الشركات وبالتالي من جاذبيتها للمستثمرين المحتملين.
في الواقع، يمكن للخصخصة أن تفاقم الفجوات القائمة في الحجم والثروة وحصص السوق بين الشركات الكبيرة ذات الرساميل الكثيفة والشركات الصغيرة والمتوسطة. وتشير خطة الخصخصة المُعلنة إلى أن الحكومة تفضّل أن "تُكَبِّر حجرها" بدلًا من معالجة القيود التي تمنع حاليًا نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة. فإذا كانت الحكومة معنية بهذه الشركات، ستفضل الاكتتاب العام في البورصة المصرية على المبيعات لمستثمرين أساسيين. فمن شأن طرح الأسهم للاكتتاب العام أن يجذب رأس المال المحلّي، وغالب الظن أن يكون من داخل قطاعات السوق، ما يساعد على دمج الشركات الصغيرة والمتوسطة. من شأن ردود الفعل القومية أن تعزّز المصالح الاقتصادية المختلفة، والمتضاربة في بعض الحالات، لأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة وأصحاب الشركات الكبيرة، في أعقاب المبيعات لمستثمرين خليجيين.
وبالمثل، من المستبعد أن تدفع عمليات الخصخصة التحول من إنتاج السلع غير القابلة للتداول (أي غير القابلة للتصدير) إلى السلع القابلة للتداول، إلا في القطاعات المرتبطة مباشرةً بالمواد الهيدروكربونية. تُعدّ قطاعات أخرى مثل القطاع العقاري أو قطاع الصناعات الدوائية بطبيعتها إما غير قابلة للتداول أو تعتمد بشكل كبير على استيراد السلع الوسيطة. لكن القطاعات الهيدروكربونية الرئيسة ستواجه عمومًا تحدّي التحول إلى الطاقة الخضراء، والتي من المحتمل أن تخضع إلى جباية رسومٍ خاصة، على الأقل في الاتحاد الأوروبي، على واردات الصلب والأسمدة والإسمنت وغيرها من المنتجات التي تُنتَج بوسائل كثيفة الكربون. وبالتالي، ستتراجع الميزة النسبية لمصر القائمة بشكل أساسي على الغاز الطبيعي، وفي النهاية، ستضطر البلاد للتحول إلى الطاقة الخضراء. لكن هذا الأمر يتطلب إدخال تحديثات رأسمالية وتكنولوجية لا تستطيع الدولة توفيرها حاليًا. وأخيرًا، لماذا يجب على المستثمرين الخليجيين المساعدة في إجراء هذه التحديثات في مصر وليس في بلدانهم؟ باختصار، لن تسهم الجولة الأولى من الخصخصة الجزئية على الأقل بشكل كبير في معالجة ميزان العجز التجاري عن طريق تحويل الإنتاج إلى السلع القابلة للتداول.
ومن التأثيرات الأخرى أن سياسة ملكية الدولة لن تقلّل بشكل كبير على الأرجح الدور المهيمن للمؤسسة العسكرية في الاقتصاد. من المقرّر بيع شركتَين عسكريتَين فقط في إطار البيع الجزئي خلال ما يُفترض أنه جولة خصخصة أولية ستستمر لأكثر من عام. ويشير ذلك إلى أن الحكومة المصرية تماطل وتحاول كسب الوقت في هذه المسألة الحساسة، وربما تأمل أن يفقد صندوق النقد الدولي اهتمامه عندما تتحسّن الظروف الاقتصادية، إذا تحسّنت. وبالإضافة إلى عدم رغبة الحكومة في خصخصة الأصول العسكرية، يمكن لعملية الخصخصة نفسها أن تعزّز دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد. فهي ستُنشئ مصالح مشتركة بين المستثمرين والضباط، ليس فقط في الشركات التي كانت مملوكة بالكامل للمؤسسة العسكرية سابقًا، بل أيضًا في الشركات المدنية المملوكة للدولة. ويُعزى ذلك إلى أن الروابط العسكرية في "جمهورية الضباط" متغلغلة في جزء كبير من الاقتصاد السياسي، وإلى أن المستثمرين في المؤسسات الكبيرة يجب أن يعملوا عادةً ضمن الظروف التي شكلتها هذه الروابط.
تعزّز خطوة موازية اتّخذها مجلس الشعب المصري في كانون الأول/ديسمبر 2022 لتحويل الإيرادات من عمليات قناة السويس إلى صندوق خاص صرّح الرئيس عبد الفتاح السيسي أنه سيكون تحت إشراف "جهة سيادية" - وهو تصنيف يشير عادةً إما إلى المؤسسة العسكرية أو إلى جهاز المخابرات العامة - الانطباعَ بأن القصد من سياسة ملكية الدولة ليس تجريد المؤسسة العسكرية من الأصول الاقتصادية الهامة، بل العكس. ومن المؤشرات أيضًا أن الحكومة تواصل إسناد أدوار رئيسة للمؤسسة العسكرية في مشروعات استصلاح الأراضي العملاقة.
من المستبعد أيضًا أن تُحدث سياسة ملكية الدولة تغييرات سياسية جوهرية. سيكون المستثمرون الخليجيون، وخاصة صناديق الثروة السيادية، مدفوعين بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية، ما قد يثير توترات بينهم وبين المصريين. على الأقل، سيضع امتلاك مزيجٍ من الأجانب والمصريين حصصًا رئيسة من الاقتصاد عقبات أمام تشكيل برجوازية أكثر تماسكًا ووحدةً لديها مصلحة ونفوذ للدفع نحو تحرير الاقتصاد السياسي. ويعني تفضيل المستثمرين الأساسيين على الاكتتابات العامة أن الخطة تتجاهل فرصة تاريخية لتوسيع قاعدة المساهمين والمساعدة في تعزيز طبقة وسطى صاعدة. يُضاف إلى ذلك أن الحاجة إلى جذب الرساميل إلى الشركات الكبيرة في القطاعات الرئيسة ستجعل زيادة الربحية أولويةً على حساب تلبية مصالح العاملين والمستهلكين، ما يؤدي إلى تفاقم حالة عدم المساواة.
على شفا جرف هارٍ
لم تُنفَّذ سياسة ملكية الدولة بعد، وبالتالي، تُعتبر الإشارة العامة إلى أن بيع الأصول الوطنية لن يضمن مستقبلًا اقتصاديًا مشرقًا لمصر، ذات طبيعة نظرية وليست تجريبية. وستبقى أسئلة كثيرة مطروحة. على سبيل المثال، هل سيؤدي البيع الجزئي للأصول المملوكة للدولة بشكل عام إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأمد فقط، مع فرض تكاليف طويلة الأمد على الاقتصاد السياسي؟ أم سيسهم في إحياء رأس المال الميت وتحسين معدلات النمو الاقتصادي، مع ما يصحب ذلك ربما من تسرّب الثروة إلى شرائح أوسع من السكان؟
تظهر المؤشرات الحالية أنه في أقل تقدير، لن تعالج عمليات الخصخصة الأولية الاختلالات المالية والتجارية. لكن يمكنها تحسين الاختلالات بدرجة كافية لتحفيز تدفّق الاستثمارات إلى الديون السيادية وحتى جذب بعض الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بما في ذلك في قطاعات جديدة واعدة مثل الأعمال التجارية الزراعية والخدمات اللوجستية في منطقة قناة السويس. أما إذا لم يحدث هذا التحسّن، فسيتعيّن بيع المزيد من أصول الدولة، ما يؤدي إلى تفاقم التوترات المحتملة الناجمة عن الجولة الأولى من الخصخصة.
مصر إذًا على شفا جرف هارٍ. فهي حاليًا في كفّة الميزان الهش، بينما تأمل قيادتها أن بيع الأصول القيّمة سيجنّبها الاضطرار إلى تحرير اقتصادها السياسي حقًا وإضفاء الطابع المدني عليه بفعل ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة. لكن إصلاح الاقتصاد سيكون ضروريًا لمستقبل البلاد، وبالتالي يكمن الاختبار الحقيقي لسياسة ملكية الدولة في ما إذا ستعزّز هذه النتيجة أم لا.
هوامش
1 Amr Adly, Cleft Capitalism: The Social Origins of Failed Market Making in Egypt (Palo Alto: Stanford University Press, 2020);
انظر أيضًا:
Steffen Hertog, Locked Out of Development: Insiders and Outsiders in Arab Capitalism (Cambridge: Cambridge University Press, 2022).