ميدان طلعت حرب: متظاهر يرفع أعلاماً مصرية قرب نصب طلعت باشا حرب (1867-1941)، مؤسّس بنك مصر، في الميدان الذي يحمل اسمه. بُنيت جادّات واسعة حول الميدان في الاتّجاهات كافة في أواخر القرن التاسع عشر، منها شارع قصر النيل حيث تقع الجدارية. تصوير أحمد حسن
الفريق الإبداعي يتجمّع قبل الانطلاق إلى العمل في ليل 27 حزيران/يونيو. وُجِد الإطار مرمياً على قارعة أحد الشوارع في القاهرة، وسوف يُستخدَم لعرض صور فوتوغرافية في جدارية قصر النيل في وسط القاهرة. من اليسار إلى اليمين: الفنّانون علاء عبد الحميد وجان نيكولاي نيليس وعمار أبو بكر (الصف الأمامي). من اليسار إلى اليمين: الفنانة نورا البدري والكاتب أحمد أبو الحسن (الصف الخلفي). تصوير أحمد حسن
النحّات علاء عبد الحميد يحضّر الجدار الذي سيحتضن قريباً جدارية قصر النيل في وسط القاهرة، ليل 27 حزيران/يونيو، عبر إزالة طبقات الطلاء والغرافيتي. تصوير أحمد حسن
النسور الثلاثة المصنوعة من الجص للنحّات علاء عبد الحميد، والتي تبدو مثل علم يرفرف في وسط السارية، تشكّل جزءاً من جدارية قصر النيل في وسط القاهرة. النسر هو الرمز الوطني في مصر. تصوير عبد الرحمن زين الدين
الفنان عمار أبو بكر يعمل على جدارية قصر النيل في ليل 27 حزيران/يونيو في وسط القاهرة. وقد عُلِّقت فوق البورتريه تماثيل للنحّات علاء عبد الحميد ترمز إلى الـ"با" أي الذات العليا، وهي واحد من خمسة أجزاء كان المصريون القدامى يعتقدون أنها تُكوِّن الروح البشرية. تصوير أحمد حسن
مع بزوغ الفجر بعد أول ليلة أمضاها الفريق في العمل على الجدارية، يعلّق النحّات علاء عبد الحميد (اليسار) والفنّان رامي الفاس (اليمين) تمثال عبد الحميد عن الـ"با" (الذات العليا) فوق بورتريه نسائي سيصبح المحور الأساسي في جدارية قصر النيل. تصوير أحمد حسن
الفنّان "سنوبي" من فريق "كتائب موناليزا" المتخصّص في فن الشارع يقدّم المساعدة لفريق جدارية قصر النيل في الصباح الباكر ليوم 28 حزيران/يونيو بعدما أمضوا ليلتهم الأولى في العمل على الجدارية. تصوير أحمد حسن
الخطّاط سامح اسماعيل يعيد رواية كلمات الكاتب أحمد أبو الحسن الذي ألهمت أبياته الشِّعرية عن تاريخ مصر القديمة، جدارية قصر النيل في وسط القاهرة، مع استمرار العمل خلال ليل 28 حزيران/يونيو. تصوير أحمد حسن
كتابات بخط سامح اسماعيل لأبيات شعرية بقلم أحمد أبو الحسن على جدارية قصر النيل في وسط القاهرة. تصوير عبد الرحمن زين الدين
سامح اسماعيل يستخدم اللون الأخضر بدرجات مختلفة في الكتابة على جدارية قصر النيل في وسط القاهرة. تصوير عبد الرحمن زين الدين
الفنّان عمار أبو بكر يعمل على البورتريه المتلألئ لشابّة مصرية خلال ليل 28 حزيران/يونيو. كان الفنانون في مصر القديمة يستخدمون لوناً أصفر برتقالياً برّاقاً في بورتريهات النساء. تصوير أحمد حسن
الفنان عمار أبو بكر يضيف التفاصيل إلى البورتريه الذي يشكّل محور جدارية قصر النيل. وُضِع تمثال عبد الحميد الذي يُجسّد الـ"با" أو الذات العليا في مصر القديمة، فوق رأس المرأة، في مايشبه أفعى الكوبرا المنتصبة على رؤوس الآلهات. تصوير عبد الرحمن زين الدين
مع بزوغ الفجر، يرسم عمار أبو بكر قلادة من الخرز الأزرق والأحمر والأصفر حول عنق المرأة وكتفَيها، مايضفي عليها طابعاً ملوكياً مستوحى من مصر القديمة. وتحيط بالبورتريه الوجداني كتابات ملوّنة بخط سامح اسماعيل يُعيد من خلالها رواية الأبيات الشعرية لأحمد أبو الحسن. تصوير عبد الرحمن زين الدين
صورة عن قرب للبورتريه الوجداني الذي يشكّل محور جدارية قصر النيل. يقول الفنان عمار أبو بكر الذي نظّم المشروع: "على غرار البورتريه، مصر جميلة إنما حزينة".
صورة عن قرب لخط سامح اسماعيل الغريب إنما المتطوّر على جدارية قصر النيل في وسط القاهرة. وقد عُلِّقت فوق الكتابات تماثيل لعلاء عبد الحميد تجسّد الـ"با" أو الذات العليا في الفلسفة المصرية القديمة. تصوير أحمد حسن
منظر عام لجدارية قصر النيل في وسط القاهرة. يشكّل البورتريه الوجداني لعمار أبو بكر محور الجدارية، وتتدلّى فوقه تماثيل تحمل توقيع النحّات علاء عبد الحميد تحيط بها كتابات بخط سامح اسماعيل يُعيد من خلالها رواية الأبيات الشِّعرية لأحمد أبو الحسن. وفي أقصى اليمين، صور فوتوغرافية لحقول القمح التقطها الفنّانان نورا البدري وجان نيكولاي نيليس المقيمان في ألمانيا، في إشارة إلى الدور الذي يؤدّيه انعدام الأمن الغذائي في الانتفاضات الاجتماعية. تصوير أحمد حسن
حوار في الشكل والمضمون في المساحة العامة: أحد المارّة يعبر أمام جدارية قصر النيل في وسط القاهرة. تصوير أحمد حسن
يقول الفنّان عمار أبو بكر، الذي يعمل على تصميم جدارية في شارع قصر النيل الذي يُعتبَر من الشوارع الأساسية في القاهرة ويمرّ عبر ميدان التحرير، عن المشروع: "يجب أن يكون الفن الآن في الشارع مع الناس". وقد باشر أبو بكر صنع الجدارية بطول 25 متراً وعلو 4 أمتار بالتعاون مع مجموعة من الفنانين قبيل تظاهرات 30 حزيران/يونيو الماضي، عندما كان فنّانون آخرون يستقيلون من مناصبهم تعبيراً عن احتجاجهم إزاء المخاوف من قيام حكومة الإخوان المسلمين بالتضييق على الفنون. لكن قبل ذلك بوقت طويل، كان أبو بكر وزملاؤه الفنّانون يصنعون أعمالاً فنية في الشارع، بدافع من اقتناعهم بأن الفن ينتمي إلى عامة الناس، وليس إلى المساحة الخاصة. وينضم إلى أبو بكر، في صنع هذه الجدارية، نحّاتٌ وخطّاطٌ وعدد من المصوّرين. والنتيجة حوارٌ في الشكل والمضمون، حيث يستطيع المشاهد تقدير الرموز المصرية القديمة وسط الأسلوب الشاعري في الخط والنحت في عمل مصمَّم بهدف إضفاء الجمال واللون على شوارع مصر المغبرّة التي تتراكم النفايات على جانبَي طرقاتها.
يدمج العمل بين الفنون البصرية والأدبية: الخط والرسم والشعر والنحت. واللافت تضمُّنه بيوتاً من قصيدة للكاتب والصحافي أحمد أبو الحسن ألفَها قبل الثورة، وتهدف إلى التعبير عن التاريخ القديم الذي غالباً مايدخل غياهب النسيان، في بلد يتخبّط في مواجهة مجموعة كبيرة من التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية. يقول أبو الحسن: "تاريخنا حافل بالمحطات التي يجب أن يكون الجميع على اطلاع عليها، لأن المستقبل هو مختلط بين الشعوب".
تتمحور هذه الجدارية حول لوحة لمصرية شابّة مطليّة باللون الذهبي المتلألئ تضع قلادةً من الخرز الأزرق والأحمر والأصفر حول عنقها وكتفَيها. تدعو اللوحة المارّة إلى التماهي مع الصورة - وجه مصري مألوف مع شعر مضفّر مستوحى من الرموز الملَكية في مصر القديمة. واللوحة مزيَّنة بقلادة نفرتيتي الشهيرة وتحيط به كتاباتٌ بخط سامح اسماعيل بالأحمر والأسود والأصفر، تبثّ حياة في الأبيات الشِّعرية لأبو الحسن التي تتكرّر مرات عدّة في الجدارية. يقول أبو بكر الذي يدرّس في كلية الفنون الجميلة في الأقصر "نريد، من خلال هذه اللوحة، أن نذكّر الناس بما فقدوه. لدى مصر تاريخٌ ممتدّ على سبعة آلاف عام يجب الدفاع عنه - إنها حضارة عظيمة تركت جمالاً وتاريخاً مذهلَين. علينا الدفاع عن الحضارة المصرية بكاملها". ويلمّح بكلامه هذا إلى الإسلاميين الذين انتقدوا مثلاً عرض التماثيل الفرعونية العارية، معتبرين أنها تتعارض مع الحساسيات الإسلامية. إلا أن أبو بكر يعلّق "هذا غير صحيح. الفن قريب من الدين - إنه موجود في معابدنا القديمة وفي المقابر الصوفية".
يستخدم الفنانون المصريون، أسوةً بفنّاني الجداريات المكسيكيين في مطلع القرن العشرين، الرموز القديمة والدينية في تعليقاتهم السياسية غير المباشرة. إعادة تملّك التراث الثقافي عملٌ حافل بالتحدّيات عندما تعزل السياسة المجتمعات المحلية عن المواقع الأثرية التي تثير إعجاب السياح الأجانب.
باتت شوارع القاهرة الواسعة، التي كانت من قبل مسرحاً لمشهد ثقافي مزدهر، الآن في وضع مزرٍ بسبب الإهمال وتغطّيها طبقة سميكة من الغبار والسخام،. على مرمى حجر من الجدارية، يقع مسرح قصر النيل الذي كان يستضيف من قبل حفلات المطربة الأسطورية أم كلثوم، لكنه أصبح شبه مغلق مؤخراً. إزاء هذا الواقع المتردّي، قام الفنّانون في 27 حزيران/يونيو الماضي بتنظيف الجدار من الغرافيتي والطلاء النافر وإعلان عقاري كبير. يقول أبو بكر "أصبح كل شيء قبيحاً جداً في مدننا على مر السنين. يجب أن نعطي الناس فرصة لتقدير الجمال من جديد".
الفن ليس أمراً مألوفاً على الإطلاق في الحياة اليومية لعمّال إحدى ورش البناء في الشارع المقابل للجدارية. يقول محمد شاب في 21 عاماً: "في مدارسنا عددٌ كبير جداً من الطلاب. لايكترث أحد إذا كانت لدينا صفوف في الفن أو الموسيقى. أنا أعتبر أنه من أجل إرساء الديمقراطية في مصر، يجب أن تكون هناك مدارس أفضل للجميع". مع تراجع المخصّصات التعليمية في الموازنة، تبقى الفنون على الهامش أو بكل بساطة غير موجودة. وهكذا يُحرَم الشباب الذين غالباً مايتعرّضون للتهميش، من فرصة التأمل الذاتي والحوار اللذين يرافقان التثقيف على الفنون، مع العلم بأن 32 في المئة من المصريين هم دون سنّ الخامسة عشرة بحسب الإحصاءات الحكومية.
هذا هو أيضاً رأي النحّات والمحاضر في مادّة الفنون الجميلة، علاء عبد الحميد، 27 عاماً، "يأتي عدد كبير من طلابي من القرى، ويخشون حتى استعمال اسمهم وصورتهم على موقع فايسبوك والتكلّم علناً عن الأمور. فنّ الشارع في مصر نوعٌ من الثورة. نحطّم المحظورات ونحارب منظومة تمنعنا من تحقيق أحلامنا".
وقد ساهم الحميد في الجدارية من خلال أربعة تماثيل مصنوعة من قطع السيارات المرميّة، وقام أبو بكر بطلائها بعناية شديدة كي تتّخذ شكل طيور ملوَّنة. وكانت هذه التماثيل من قبل جزءاً من أول معرض منفرد نظّمه الحميد بعنوان "الحل هو الحل" في إعادة صياغة لشعار الإخوان المسلمين الشهير "الإسلام هو الحل". على الرغم من أن المعرض أقيم قبل أكثر من عامَين، وقع الحميد مؤخراً على ملصقات تروّج له في شوارع القاهرة، وقد علّق بالقول "جعلني هذا أفكّر في أن الملصقات تتمتّع بحرية أكبر بكثير من منحوتاتي. الأشخاص الوحيدون الذين يذهبون إلى المعارض اليوم هم الفنّانون وهواة الجمع والصحافيون. الأشخاص العاديون لايعرفون شيئاً عن المشهد الفني. لهذا قرّرت أن أضع تماثيلي في الشارع وأعرض أعمالي في مدن أخرى".
يحمل الجزء الأخير من الجدارية توقيع الفنّانَين نورا البدري وجان نيكولاي نيليس المقيمين في ألمانيا. لقد صنعا لوحةً من الصور الفوتوغرافية التي التقطاها لحقول القمح الألمانية في إشارة إلى المضاربات التي أدّت إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في العام 2010، مادفع بمنظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة (الفاو) إلى توقّع حدوث أعمال شغب. فعلى الرغم من أن مصر كانت تتمتّع بالاكتفاء الذاتي قبل ستينيات القرن الماضي، إنها الآن أكبر مستورد للقمح في العالم، مايجعلها شديدة التأثّر بالتقلّبات في أسعار الحبوب العالمية. وفي العام 2011، بلغ مؤشّر أسعار الغذاء الذي تضعه الفاو أعلى مستوى له منذ إطلاقه في العام 1990.
يضع نيليس والبدري الصور الفوتوغرافية الثلاث على الجدار في أطر وجدوها ملقاة على قارعة أحد شوارع القاهرة، إنما بعد قيامهما أولاً بتمزيق لوحة إعلانية عائدة لأحد الأقطاب الكبار في قطاع العقارات بتحريض من المخرج أحمد حسن الذي قال لهما "نحن ضد أمثاله من رجال الأعمال في مصر". وورد في تقرير صادر عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في أيار/مايو 2013، أن أكثر من 40 في المئة من السكّان يعيشون بأقل من دولارَين في اليوم، في حين يسيطر اثنان في المئة على 98 في المئة من الاقتصاد. ويتابع التقرير أن القطاع الخاص الذي يستشري فيه الفساد عمدَ إلى بيع وحدات سكنية مدعومة من الحكومة ومخصّصة لأصحاب الدخل المنخفض، بأسعار مرتفعة جداً. يعيش نحو ربع السكان الآن في مساكن عشوائية، وهذه كارثة مدينية وبيئية في إحدى الدول التي ينتشر فيها التمدين بالوتيرة الأسرع في العالم. لازالت مصر بعيدة جداً عن تحقيق العدالة الاجتماعية التي هي من أهداف الثورة.
وهكذا فإن الجدارية في شارع قصر النيل هي بمثابة وسيلة إعلامية نقدية كما أنها نوعٌ من الحوار. إنها تساهم في إعادة تملّك التراث الثقافي، وتشكّل مصدراً للجمال الذي بات حاجة ملحّة في المساحة العامة المهملة. يقول أبو بكر "الجدار هو صحيفتنا، وسيلتنا الإعلامية. خلال الأعوام الستين الماضية، خسرت مصر أشياء كثيرة، ونحن نطلب من الناس دراسة تاريخ هذه البلاد من أجل مستقبلها".
تحفّز الجدارية، التي هي بمثابة معرض عام في الهواء الطلق، الحوار بين الفنّانين والجمهور حول أفكار الهوية المصرية، وضياع الثقافة، والانقسام الاجتماعي، والجمال والفن.
أنجيلا بوسكوفيتش كاتبة وباحثة ومنتجة ثقافية مقيمة في القاهرة.
* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.