Carnegie Endowment for International PeaceCarnegie Endowment for International Peace
  • تبرع
{
  "authors": [
    "أنجيلا بوسكوفيتش"
  ],
  "type": "commentary",
  "blog": "صدى",
  "centerAffiliationAll": "",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace"
  ],
  "collections": [
    "التغيير في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا"
  ],
  "englishNewsletterAll": "",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "Carnegie Endowment for International Peace",
  "programAffiliation": "",
  "programs": [],
  "projects": [],
  "regions": [
    "شمال أفريقيا",
    "مصر"
  ],
  "topics": []
}
Attribution logo

المصدر: Getty

تعليق
صدى

مقال مصوّر: النضال من أجل سينما إبداعية

وسط الرقابة والعوائق البيروقراطية، يسعى السينمائيون المستقلون في مصر جاهدين لإنتاج فن يؤثّر في الوعي العام.

Link Copied
بواسطة أنجيلا بوسكوفيتش
منشئ 11 مارس 2015

المدونة

صدى

"صدى" نشرة إلكترونية تندرج في صلب برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تسعى إلى تحفيز وإغناء النقاش عن أبرز الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، وتقدّم فسحة للمفكرين والكتّاب، الجدد كما المعروفين في مجالاتهم، يتسنّى لهم من خلالها الإضاءة على هذه المواضيع من وجهة نظر تحليلية.

تعرف على المزيد
 
لافتات على جدار في وسط القاهرة تسوّق لفعاليات ثقافية، أبرزها مهرجان القاهرة الدولي للسينما النسائية (إلى اليسار) والعرض المسرحي "المفرمة" (إلى اليمين) الذي ينتمي إلى فئة المسرح التجريبي وتستكشف مشاهده البصرية كيف أن جمود الحياة اليومية، لاسيما في مجتمع ذكوري، يجعل من الصعب، لابل من المستحيل، إجراء تغييرات اجتماعية. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
لوحات إعلانية لمجموعة من الأفلام التجارية المصرية التي تُعرَض في سينما ريفولي العريقة في مصر. يروي فيلم "الفيل الأزرق" (إلى اليسار) قصة معالج نفسي يهتم بمعالجة المجرمين الذين يعانون من مشكلات نفسية في مستشفى في القاهرة، وقد كان موضع إطراء من النقّاد والجماهير على السواء الذين أثنوا على معالجته لمواضيع تُعتبَر من المحظورات. وفي الوسط إعلان لفيلم "عمر وسلوى" الذي حقّق أرقاماً مرتفعة جداً في شبّاك التذاكر، وهو فيلم كوميدي موسيقي شبيه بعدد كبير من الأفلام التجارية التي تصوّر الثقافة المدينية المحلية عبر الاستعانة بالموسيقى الصاخبة والشخصيات المبهرجة. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
تعرض سينما أوديون في الأغلب أفلاماً تجارية على مقربة من مشروع "زاوية" الذي يعرض في سينما من شاشة واحدة أفلاماً يقول القيّمون على المشروع إنها "لاتصل إلى دور السينما". في الوسط إعلان لفيلم "الجزيرة 2"، الجزء الثاني من فيلم "الجزيرة" الذي حقّق نجاحاً كبيراً على شبّاك التذاكر في العام 2007، وقد تضمّن بعض المشاهد اللافتة التي تنطوي على انتقادات للشرطة. يروي فيلم "الجزيرة 2" قصّة عائلة من مزارعي الحشيشة شبيهة بعائلة "العرّاب" في الجنوب المهمل والفقير في مصر. يتضمّن الفيلم مشاهد تُظهر الشرطة تقاتل إلى جانب القرويين ضد الإسلاميين، ويوجّه انتقادات لثورة 25 كانون الثاني/يناير، ساخراً من هتافاتها في الشارع. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
تعرض سينما "زاوية" المؤلفة من شاشة واحدة و170 مقعداً، والتي فتحت أبوابها في آذار/مارس 2014، أفلاماً مصرية وأجنبية لاتُعرَض في السوق التجارية. لسينما "زاوية" مدخل خاص بها، وتتوزّع برامجها بين الأفلام والمهرجانات والفعاليات. ينظّم "برنامج التعليم والسينما" المخصص للمدارس والجامعات المحلية عروضاً سينمائية ونقاشات في المدن المصرية. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
أُغلِقت سينما كريم، في شارع عماد الدين التاريخي في مصر، لمدة سبعة أعوام بداعي الترميم. وأعادت فتح أبوابها في 28 كانون الثاني/يناير الماضي تحت اسم "دنيا كريم" التي تدعم أيضاً مبادرة "زاوية" السينمائية. كانت سينما كريم التي كانت تُعرَف في البداية باسم "سينما فيمينا"، تعرض في شكل أساسي أفلاماً يونانية خلال الستينيات إلى أن تبدّلت ملكيتها في أواخر الثمانينيات وباتت تضم صالات متعدّدة تعرض أفلاماً مصرية. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
تُظهر لوحة إعلانية مضاءة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الـ36 الذي أقيم بين 9 و18 تشرين الأول/أكتوبر 2014، الممثلة المعروفة نادية لطفي التي تُعتبَر من أيقونات السينما والثقافة المصريتين خلال العصر الذهبي للسينما المصرية. يشار إلى أن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ألغي في العامَين 2011 و2013 بسبب عدم الاستقرار في البلاد، وقاطع كثرٌ مهرجان 2012 الذي حاصرته مجموعة من المشكلات. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
يسلّط معرض أقيم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الـ36، الضوء على تاريخ السينما المصرية، ومسيرة كل من الممثلة سميرة أحمد والممثل السوري-المصري الأسطوري فريد الأطرش. تُبِرز الصور ومقاطع الفيديو دور البطولة الذي أدّاه الأطرش في فيلم "شاطئ الحب". لقد جرى تأميم السينما بعد ثورة 1952 وتحوّلت إلى أداة مهمة للبروباغندا خلال عهد عبد الناصر. بحلول السبعينيات، أصبحت الأفلام المصرية أكثر ليبرالية وغالباً ماكانت تلجأ إلى الترميز عند التطرّق إلى المواضيع السياسية. وقد تغيّرت صناعة الأفلام من جديد في الثمانينيات، ففي تلك المرحلة أنتج عدد كبير من المخرجين المستقلين أفلاماً تتضمّن انتقادات لسياسات أنور السادات الاقتصادية في حين ركّزت الأفلام التجارية على عناصر الثقافة الشعبية. ازدادت أعداد الأفلام المستقلة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكذلك الأفلام التي توجّه انتقادات اجتماعية وسياسية عن طريق الترميز والتي لاتزال تُنتَج حتى يومنا هذا.
 
إعلانات لفعاليات ثقافية في أحد شوارع القاهرة. جمع المهرجان الموسيقي "علّي صوتك ضد التحرش" (في الأعلى) فرقاً مختلفة في إطار حملة "مجتمعي أرقى" التي نظّمتها وزارة الشباب والرياضة. تضمّن المهرجان أيضاً مشاريع انبثقت عن ورش عمل حول الغرافيتي ورواية القصص أقيمت في مراكز شبابية في المدن المصرية، وهدفت إلى نشر التوعية بين الفتيان والشباب ضد التحرش الجنسي. وعرض مهرجان "بانوراما الفيلم الأوروبي" السابع (في الوسط) أفلاماً أوروبية في سينما "زاوية" وسينما تجارية في القاهرة، مع تركيز خاص على المخرجين الناشئين. وعرض مهرجان القاهرة الدولي السابع للسينما النسائية (في الأسفل) أكثر من 60 فيلماً من 40 بلداً. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
ملصقات لوكالة "المُحَرِّك"، وهي أول وكالة عربية تمثّل الموسيقى العربية المستقلة وفنانيها لحجزهم في العروض الحية والجولات حول العالم، معلَّقة على إحدى "البوابات" في شارع الفلكي في القاهرة. شيّدت الشرطة هذه الجدران الإسمنتية بين تشرين الأول/أكتوبر 2011 وشباط/فبراير 2012 لمنع المتظاهرين من الوصول إلى وزارة الداخلية وسواها من المباني الحكومية، ماأدّى إلى شلّ هذه الأحياء التي كانت تنبض بالحياة. بيد أن الفنانين رسموا على الجدران وحوّلوا الشوارع إلى محترفات في الهواء الطلق حيث كان السكّان يتجمّعون للاطلاع على آخر أعمالهم الفنية. تُترَك الأبواب عادةً مفتوحة ليتمكّن المشاة من المرور، ويُستخدَم الجدار الآن بمثابة لوحة إعلانية يستعملها منظّمو الأحداث الثقافية من أجل تسويق المهرجانات والفعاليات. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
تعرض سينما مترو أفلاماً مصرية تجارية في شكل خاص، مثل الفيلمَين الكوميديين "عمر وسلوى" و"حماتي بتحبني"، من إنتاج شركة السبكي التي تُعتبَر من الشركات الكبرى لإنتاج الأفلام التجارية. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
تقع سينما النهضة مكان مسرح محمد فريد القديم في شارع عماد الدين التاريخي. السينما جزء من سلسلة من دور السينما التي تملكها وتشغّلها سينما العربية في مختلف أنحاء مصر وتُعرَض فيها أفلام تجارية. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
سينما مترو في وسط القاهرة تروّج للفيلمَين الكوميديين "عمر وسلوى" (إلى اليسار) و"حماتي بتحبني" (إلى اليمين). تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
تتذكر سينما راديو التي شُيِّدت في الثلاثينيات، وهي عبارة عن سينما ومسرح في مبنى مؤلّف من طابقين في شارع طلعت حرب، العصر الذهبي للسينما المصرية. كان المقدّم باسم يوسف يصوّر حلقات برنامجه التلفزيوني الشهير، "البرنامج"، في المسرح بحضور الجمهور. توقّف يوسف عن عرض برنامجه في 30 أيار/مايو 2014، وقد صرّح في مؤتمر صحافي أنه لايستطيع مواصلة البرنامج في ظل الأجواء السائدة حالياً على الساحة الإعلامية. تعمل شركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري التي تملك حالياً سينما راديو، على ترميم الواجهة المصممة بحسب أسلوب الآرت ديكو. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش
 
جدار يحمل في ثناياه طبقات من التاريخ. ملصقات تروّج لفعاليات موسيقية ومسرحية على أحد الجدران في القاهرة. يروّج الغرافيتي في أعلى اليمين لحملة "هنلاقيهم" للبحث عن المفقودين أثناء الثورة، مع ذكر رقمَين هاتفيين للاتصال والتبليغ عن المفقودين. تصوير أنجيلا بوسكوفيتش

تقدّم الفنون في مصر مساحةً للتفكير وسط بيئة إعلامية تغيب عنها الأصوات النقدية. يتطلّع السينمائيون والجماهير على السواء إلى مايُسمّى سينما مستقلة أو فنّية، كما تقول المخرجة منى لطفي التي تعمل على فيلمها الوثائقي الأول، وهي عضو في مجموعة "حصّالة" المستقلة لصناعة الأفلام في القاهرة. تشرح لطفي: "تهب رياح جديدة في السينما المصرية، حيث يعمل المخرجون خارج إطار الصناعة التجارية وتبحث الجماهير عن أفلام وشخصيات يمكنها التماهي معها". تحول القيود القانونية والاجتماعية دون قدرة الفنون على استكشاف أفكار من خارج نطاق المعايير السياسية والاجتماعية المحدّدة - مثل المعايير المتعلّقة بالوحدة والنظام العام والأخلاق العامة - لكن ظهرت بعض الفرص المحدودة في صناعة الإفلام لتقديم شخصيات وروايات مختلفة قليلاً.

يلقي الوثائقي الذي تعمل لطفي على إخراجه بعنوان "في الأعماق الرمادية"، نظرة عن كثب إلى المصريين وعلاقتهم المتقلّبة مع الدولة التي تشهد مؤخراً تبدّلاً مع كل منعطف تاريخي وتغيير في هوية الرئيس، وذلك من خلال قصّة منجم فحم المغارة في شمال سيناء الذي تم إغلاقه، والذي تأثّر بمختلف الأحداث التي شهدتها البلاد منذ افتتاحه في العام 1964. يتصدّر شمال سيناء عناوين الأخبار بوتيرة متزايدة بسبب التمرد الإسلامي الذي تشهده المنطقة منذ وقت طويل، والذي كثّف هجماته على الجيش المصري، بيد أن الفيلم يتحدّث عن عمّال منجم المغارة وتجاربهم الشخصية في العمل في مثل هذه الظروف القاسية عندما كانت حكومة جمال عبد الناصر تضمن التوظيف لجميع الطلاب الثانويين والخريجين الجامعيين. تقدّم قصص عمّال المنجم عن العمل لساعات طويلة في بيئة معزولة عن الخارج، صورة مجازية عن مقاومة الظلام واليأس في إشارةٍ إلى تغلّب المصريين على الخيبات والإخفاقات التي تسبّبت بها الحكومات المتعاقبة على امتداد أكثر من ستين عاماً، كما تقول لطفي التي تأمل بعرض فيلمها الوثائقي في مطلع العام 2016: "نحن عالقون في هذه الدورة من الإحباط والأمل، والنور والظلام، وهي موجودة أيضاً داخل كل شخص منا، وعلينا نحن السينمائيين أن نستعمل مهاراتنا للتفكير ملياً في وضعنا وفي مانمرّ به الآن".

صحيح أنه كانت لمصر سابقاً ثقافة سينمائية مزدهرة جعلتها تحتل الموقع الأول في صناعة الأفلام في المنطقة، إلا أنه بعد التراجع العام في الفنون المصرية منذ السبعينيات، باتت معظم دور السينما تكتفي حالياً بعرض الأفلام الهوليوودية الناجحة والأفلام المصرية التي تنتمي إلى النزعة السائدة وتعتمد بمعظمها على شخصيات وروايات نمطية. يستقطب السينمائيون التجاريون الجماهير من خلال الشخصيات المثيرة مثل الراقصة الشرقية الحاضرة في كل الأفلام، أما التوصيف الأعمق للعلاقة بين الرجل والمرأة، مثلاً، فغائب إلى حد كبير. بدلاً من ذلك، تهدف معظم الأفلام الرائجة إلى تحقيق أرباح سريعة، على غرار تلك التي تنتجها شركة السبكي للإنتاج السينمائي التي تحقّق نجاحاً هائلاً وبات اسمها مرادفاً ل الكوميديا التهريجية المتدنّية النوعية. وكذلك تمتلئ المساحة السينمائية التجارية بأفلام الميلودراما العاطفية. يقول المخرج كريم حنفي الذي لقي فيلمه "باب الوداع" الذي يقدّم فيه وصفاً سوداوياً عن أسرة في وسط القاهرة، قبولاً كبيراً من الجمهور في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في العام 2014: "عدد دور السينما قليل نسبياً بالمقارنة مع عدد السكان، وهي موجّهة تجارياً. إذاً يشاهد الناس هذه الأنواع من الأفلام لعدم توافر أنواع أخرى ولأنهم متعطّشون للثقافة، وليس بالضرورة لأنهم يحبّون مشاهدة مثل هذه الأفلام".

حتى الآونة الأخيرة، لم تكن الأفلام الأجنبية والمستقلة تُعرَض في دور سينما مجهّزة كما يجب، بل في معاهد على غرار المركز الثقافي الفرنسي الذي يُنظّم مهرجاناً سنوياً في الربيع تُعرَض فيه أحداث الأعمال السينمائية للمخرجين المصريين. منذ آذار/مارس 2014، يسدّ مشروع "زاوية" الفراغ في هذا المجال، وهو عبارة عن سينما من شاشة واحدة تضم 170 مقعداً وتعرض أفلاماً مستقلة لمنتجين أجانب ومصريين داخل مبنى مرمّم في وسط القاهرة. تقول نادية العيسى التي تدير شباك التذاكر في صالة "زاوية" وتعمل على تصميم المشروع وتسويقه: "يزداد الاهتمام بهذا النوع من السينما في مصر، وجمهورنا يتوسّع". في الأشهر الستة الأولى من العرض، باع مشروع "زاوية" عشرة آلاف تذكرة؛ وقد عرض مؤخراً أفلاماً في إطار مهرجان "بانوراما الفيلم الأوروبي" السنوي. تبحث هذه النزعة عن بعض البوادر المشرقة في المجتمع، لاسيما وسط الجيل الشاب الذي بدأ يطرح الأسئلة عن المعايير الاجتماعية والهوية المصرية. لقد أُعجِبت الجماهير كثيراً بفيلم "يهود مصر: نهاية رحلة" الذي عرضه مشروع "زاوية" إلى درجة أنهم طالبوا بعرض إضافي لجزئه الأول "يهود مصر"، وهو وثائقي للمخرج أمير رمسيس صدر في العام 2012 ولقي استحساناً كبيراً، وقد تولّى رمسيس تمويل الجزء الأكبر من تكاليفه ويروي فيه كيف كان اليهود والمسيحيون والمسلمون يتعايشون معاً في المجتمع نفسه.

بيد أن مشروع "زاوية" اضطُرّ إلى الرضوخ لسلطات الرقابة المصرية، وفضّل أحياناً الامتناع عن عرض بعض الأفلام بدلاً من حذف مشاهد منها. قبل عرض أي فيلم على الجمهور في مصر، يجب أن يمرّ أولاً على هيئة الرقابة، مع العلم بأن السلطات لاتعترض عمل المؤسسات المعروفة مثل المركز الثقافي الفرنسي بقدر ماتفعل مع دور السينما المحلية، كما يشرح المحامي أحمد عزت المتخصص في قضايا حرية التعبير. يضمن دستور كانون الثاني/يناير 2014 الحقوق الثقافية التي يتم التطرق إليها تحديداً في المواد 47 إلى 50، وفي المادتَين 65 و67، لكن القوانين الأخرى تنص على خلاف ذلك. حتى إن رئيس الوزراء ابراهيم ملهب أبطل في نيسان/أبريل 2014 قرار هيئة الرقابة، وحظَر عرض الفيلم "حلاوة روح" من بطولة الممثلة والمغنّية اللبنانية هيفا وهبي التي تؤدّي دور مغنّية في ملهى ليلى يُعجَب بها الرجال في الحي الذي تعيش فيه وسكانه هم من أبناء الطبقة العاملة، وذلك على خلفية تلميحاته الجنسية، مع العلم بأن دور السينما كانت قد باشرت بعرضه للبالغين فقط. وقد دفعت خطوة رئيس الوزراء برئيس هيئة الرقابة في مصر إلى الاستقالة تعبيراً عن احتجاجه. يقول عزت تعليقاً على القرار الحكومي الذي أبطلته محكمة إدارية في تشرين الثاني/نوفمبر 2014: "لايملك رئيس الوزراء صلاحية اتخاذ مثل هذا القرار - إنه تصرف غير قانوني".

إلى جانب العراقيل التي تفرضها الرقابة، يواجه السينمائيون الذين يعملون خارج إطار النزعة السائدة، متاهةً من التحديات البيروقراطية التي تجعل من الصعب إنتاج فن نقدي. ينبغي على المخرجين الحصول على ترخيص من نقابة المهن السينمائية التي لاتمنح صفة العضوية الدائمة سوى للسينمائيين الذين درسوا في الأكاديميات السينمائية الرسمية في البلاد. أما السينمائيون الذين لايملكون هذه المؤهّلات - معظم المصريين الذين يريدون دراسة الإخراج إما يسافرون إلى الخارج وإما يتعلّمون من خلال الممارسة عبر تصوير مواد بواسطة الكاميرات الرقمية ثم يحاولون لاحقاً تحويلها إلى أفلام قصيرة - فيُضطرّون إلى تسديد رسوم مرتفعة إلى النقابة للحصول على إذن للعمل على مشروع معيّن، وفي حال مخالفتهم هذا البند، يمكن محاكمتهم أمام محكمة جنائية. ويجب الحصول أيضاً على إذن من وزارة الداخلية لتصوير الفيلم وإلا يواجه طاقم العمل خطر الاعتقال عند التصوير في الشارع، كما أنه ينبغي على هيئة الرقابة الموافقة مسبقاً على النصوص التي تعيدها عادةً إلى المخرجين مع التنقيحات المطلوبة. يقول عزت: "لايتحدّث معظم الفنانين عن التغييرات التي يُضطرون إلى القيام بها لأنهم يريدون إنهاء عملهم. لكن هناك ثغرة خطرة بين الواقع في الشارع ونظرة الناس إلى أنفسهم وكيفية تصويرهم في الأفلام".

في البلدان الأخرى، تسعى السينما المستقلة عادةً إلى إضافة تنوّع إلى صناعة الأفلام وتقديم روايات وآراء بديلة. أما في مجتمع محافظ على غرار مصر التي تواجه تحدّيات سياسية واجتماعية معقّدة ومتشابكة، فيقول السينمائيون إنهم يسعون إلى التفكير ملياً في الأحداث مع جماهيرهم في نوعٍ من التبادل. بيد أن معالجة المسائل الحسّاسة التي تحيط بالسياسة والجنس والدين بأسلوبٍ يدقّق في السلطة ويسلّط الضوء على المحظورات الاجتماعية تصطدم بعراقيل وتعقيدات بسبب الإجراءات البيروقراطية ومنظومة الرقابة التي تهدف إلى فرض قيود على إنتاج مثل هذه الأفلام بذريعة الدفاع عن النظام الاجتماعي وقيَم البلاد. تقول حنفي: "تمرّ بلادي في أوضاع سيئة جداً في الوقت الحالي. لكن الناس لايزالون يتمتعون بحس فنّي عالٍ في حياتهم اليومية - يرسمون تصاميم مدهشة على عربات الـ"توك توك"، هناك موسيقى في الشوارع، وقصص حب محرّمة، والمقاهي أشبه بالعروض المسرحية. هذا ماأراه في مدينتي، ونحن السينمائيين نفتح باباً إلى عالم آخر". لكن العوالم التي يستطيع هؤلاء المخرجون تصويرها، وحتى لو كانت جزءاً من الواقع اليومي للناس، تخضع لرقابة مشدّدة من الدولة التي تمارس سيطرة أبوية على الثقافة بدلاً من أن تترك للمواطنين حرية الاختيار ليقرّروا بأنفسهم مايريدون مشاهدته.

أنجيلا بوسكوفيتش كاتبة وباحثة ومنتجة ثقافية مقيمة في القاهرة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

عن المؤلف

أنجيلا بوسكوفيتش

أنجيلا بوسكوفيتش
شمال أفريقيامصر

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال صدى

  • تعليق
    صدى
    الاقتصاد السياسي للبيانات الاجتماعية: فرص ومخاطر رقمنة منظومة الاستهداف بالمغرب

    في حين أن انتقال المغرب إلى نظام استهداف اجتماعي رقمي يُسهم في تحسين الكفاءة والتنسيق في البرامج الاجتماعية، إلا أنه ينطوي على مخاطر الإقصاء ويُعزّز السياسات التقشفية. يستخدم النظام الجديد خوارزميات تعتمد على بيانات اجتماعية واقتصادية لتحديد أهلية الاستفادة من مزايا مثل التحويلات النقدية والتأمين الصحي. ومع ذلك، تؤدي العيوب التقنية، والفجوة الرقمية، والمعايير الصارمة في النظام الجديد إلى استبعاد غير عادل للعديد من الأسر الأكثر احتياجاً للمساعدة.

      عبد الرفيع زعنون

  • تعليق
    صدى
    تأمين الحق الدستوري لتونس في الماء: حلول سياسية

    تواجه تونس أزمة مياه متفاقمة تتمثل في احتجاجات واسعة النطاق من أجل الوصول إلى المياه الصالحة للشرب، خاصةً في المناطق الريفية التي تعاني من شبكات إمداد غير متطورة. ويؤدي إلى تفاقم هذا الوضع تغير المناخ، والسياسات الزراعية. القديمة، واستهلاك المياه الصناعية، مما يستدعي إصلاحات سياسية شاملة لضمان حق التونسيين الدستوري في المياه وضمان الحصول العادل على المياه في جميع أنحاء البلاد.


      نورا عمر

  • تعليق
    صدى
    التحركات الصوماليَّة لمواجهة طموح إثيوبيا في القرن الإفريقي

    في إطار مواجهة طموح اثيوبيا الذي ينذر بتأجيج الصراع في منطقة القرن الإفريقي، تحاول حكومة الصومال استقطاب الدعم السياسي الدوليّ وإقامة جملة من التحالفات الاستراتيجيَّة تضمن لها موازنة النفوذ السياسي لإثيوبيا وتفوقها عسكريًا.

      هشام قدري أحمد

  • تعليق
    صدى
    قانون جديد يثير الجدل بشأن تقييد حماة المال العام بالمغرب

    يثار في المغرب جدل بشأن أحقية المجتمع المدني في ملاحقة ناهبي المال العام بعدما حصرت الحكومة قائمة المؤسسات المخولة بمعالجة هذا الملف، في محاولة لإقصاء جمعيات المجتمع المدني الناشطة في محاربة الفساد.

      حسن الأشرف

  • تعليق
    صدى
    المبادرة الأطلسية: رهانات تموقع المغرب بمنطقة الساحل والصحراء

    يطمح المغرب إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية بمنطقة الساحل وجنوب الصحراء، التي تشهد موجة من الانقلابات التي تتغذى على تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

      عبدالرفيع زعنون

ar footer logo
0