السعوديون ما زالوا ينتظرون تولي مجالسهم البلدية نصف المنتخبة لمهامها، على الرغم من واقع أن الجولة الأخيرة من الإنتخابات أجريت قبل ثمانية أشهر. والتأخير أخمد الحماس الشعبي للمجالس وطرح أسئلة حول جدية الحكومة السعودية في مجال الإصلاح السياسي. لقد كان الأمل معقودا على أن الانتخابات البلدية ستفتح الباب أمام مشاركة شعبية أوسع وانتخابات لهيئات سياسية أخرى.

 

لقد وجدت الإنتخابات وفرص أخرى للمشاركة الشعبية في وقت مبكر من تاريخ المملكة العربية السعودية، على الرغم من أنها كانت مقتصرة على بضع مناطق ومناصب. فحتى مطلع الستينات، كانت المجالس البلدية منتخبة بالكامل، شأنها في ذلك شأن بعض المناصب الأكاديمية وفي مجال الأعمال. ولكن في مطلع الستينات اعتبر قادة من غلاة المحافظين يؤيدون النظام السعودي فكرة الانتخابات غير مشروعة. وفي جهد يرمي إلى تعزيز الحكومة المركزية، حُلّت المجالس المنتخبة وإستُبدِلَت بمجالس معينة مؤقتة وفي الأحياء.

 

ومن ناحية فنية، إتُّخِذ القرار بإعادة تأسيس المجالس البلدية عام 1977 ولكنه لم يطبق إلا هذا العام. وتم إيجاد 179 مجلسا بلديا (تتألف من أربعة إلى أربعة عشر عضوا إستنادا إلى حجم كل بلدية). وكان نصف الأعضاء منتخبين؛ وبقيتهم سيعينون من قبل وزير الشؤون البلدية والقروية. وتشمل مسؤوليات هذه المجالس إعداد ميزانية البلدية وبنيتها التنظيمية، وإصدار قواعد ومعايير للتخطيط المديني وغير ذلك من الأنشطة، والإشراف على المعاملات المالية، وتحديد الضرائب ورسوم الخدمات.

 

وشملت المظاهر الإيجابية في انتخابات هذا العام نقاشا واسع النطاق حول قضايا وتجريبا بالتكتيكات السياسية. وكانت البرامج الانتخابية نوعا من العرس الديموقراطي، حيث دُعِيَ المواطنون إلى خيم ضخمة للإستماع إلى متحدثين دعاهم المرشحون لمناقشة قضايا من قبيل الفساد، وتوزيع الأراضي، وميزانيات الدولة، وتوزيع الثروة، وحكم القانون وتكافؤ الفرص. وعقد المرشحون تحالفات فيما بينهم، مظهرين تكتيكات معقدة إلى حد كبير في صياغة ما عرفت بأنها "قوائم ذهبية".

 

وحدّت مظاهر أخرى من العملية الإنتخابية – والتي منحت حق الإقتراع للذكور الذين تربو أعمارهم على سن ال 21 ولا يخدمون في المؤسسة العسكرية، والذين يشكلون مجرد 20 بالمائة من السكان – من المشاركة والحماس. كما مارست الحكومة جهدا قليلا لتثقيف المواطنين ودفعهم للتصويت، وهو ما قد يفسر نسبة المشاركة المتدنية في أنحاء البلاد. والإستثناءات كانت المناطق التي روج فيها ناشطون اجتماعيون وقادة جماعات أهلية بشكل نشط للانتخابات ونظموا فيها مراكز تسجيل.

 

كما أن فعالية المجالس البلدية سيتم تقويض أركانها أيضا بواسطة عوامل انتخابية وبنيوية في آن معا. فكل مدينة قُسِّمَت إلى العديد من الدوائر الفرعية وأدلى المواطنون بأصواتهم لمرشحين في كافة الدوائر، ما أضعف مفهوم التمثيل المباشر. ومن المرجح لواقع أن نصف أعضاء المجالس سيتم تعيينهم أن يخلق توترا في المجلس، حيث إن كل عضو معين سيحاول أن يدافع عن مصالح مؤيديه. وثمة عيب آخر يتمثل في السلطة المحدودة الممنوحة لهذه المجالس البلدية. فهي لا تملك كلمة الفصل في بيع وتوزيع الأراضي العامة (وهي مسألة حساسة بسبب إساءة مسؤولين لإستخدام صلاحياتهم)، على سبيل المثال، كما أنها لن تشرف على غير ذلك من الخدمات العامة من قبيل الصحة، والتعليم، والمجاري.

 

ويدرك أعضاء المجالس المنتخبون جيدا عيوب المجالس وهم ينظرون في طرق لمعالجتها حالما يتم تفعيل المجالس. ويستعد الأعضاء لتأسيس جمعية وطنية للمجالس البلدية بغية تنسيق الاستراتيجيات والبرامج. ويمكن لجمعية كهذه أن تعطي المجالس دورا سياسيا أكثر وضوحا وستساعدها في مراقبة المشاريع الحكومية والإشراف عليها من أجل التخفيف من الفساد وتحسين الأداء على المستوى البلدي. وثمة هدف آخر مشترك في صفوف أعضاء المجالس المنتخبين وهو يتمثل في زيادة الإتصال مع الناخبين عبر تأسيس مراكز للجماعات الأهلية في كافة الدوائر، وهو اجراء تمت الموافقة عليه مؤخرا من قبل الحكومة.

 

لقد أثبتت الإنتخابات البلدية في السعودية أن المواطنين مستعدون للمزيد من الإصلاح السياسي وللمزيد من الإنتخابات المباشرة. والآن فإن الأمر يرجع إلى الحكومة لتقليد المجالس لمهامها، والسماح لها بأن تلعب دورا نشطا في الحياة السياسية للبلاد، والمضي قدما لكي تبدأ في برنامج إصلاح سياسي شامل ويضم الجميع. إن النقاش والنشاط السياسي المنتعشين في صفوف السعوديين سيكونان ترياقا هاما لنفوذ جماعات العنف المتعصبة التي تهدد البلاد.

 

جعفر الشايب هو كاتب سعودي وعضو منتخب في المجلس البلدي في القطيف.