مايكل يونغ
{
"authors": [
"مايكل يونغ"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"إيران",
"الولايات المتحدة",
"إسرائيل",
"الخليج"
]
}المصدر: Getty
الآتي قد يكون أعظم
تتناول نيكول غرايفسكي، في مقابلةٍ معها، الأبعاد العسكرية للهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
نيكول غرايفسكي باحثة غير مقيمة في برنامج السياسة النووية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وأستاذة مساعدة على مسار التثبيت في مركز الأبحاث الدولية التابع لمعهد الدراسات السياسية في باريس (Sciences-Po). وهي تشارك أيضًا في مشروع الأبحاث السياساتية المتعلّقة بالطاقة الذريّة في مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في جامعة هارفرد. وتنشر مقالاتٍ في هذا الصدد عبر صفحتها التي تحمل عنوان Axes and Atoms (محاور وذرّات) على منصّة سابستاك. غرايفسكي متخصّصة في الشؤون الروسية والإيرانية، ومؤلّفة كتاب Russia and Iran: Partners in Defiance from Syria to Ukraine (روسيا وإيران: شركاء في التحدّي من سورية إلى أوكرانيا)، الذي سيصدر هذا الشهر عن منشورات جامعة أكسفورد ودار نشر هيرست. أجرت "ديوان" مقابلة معها في أوائل آذار/مارس لمناقشة البُعد العسكري للهجوم الأميركي والإسرائيلي المستمرّ على إيران، ومختلف تداعياته.
مايكل يونغ: نشرتِ مؤخّرًا مقالًا عبر صفحتك على منصّة سابستاك، حلّلتِ فيه الأهداف والغايات بعد ثلاثة أيام من بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران. ما أهم الاستنتاجات التي خلص إليها المقال، وهل طرأ عليها أي تغيير منذ نشره؟
نيكول غرايفسكي: كانت الخلاصات الرئيسة للمقال أن الهجمات استهدفت بشكلٍ أساسي البنى التحتية العسكرية التقليدية والشخصيات القيادية، وذلك على الأرجح بهدف استنزاف قدرات النظام. لكن منذ تاريخ نشر ذلك المقال، رأينا الحملة تتوسّع لتشمل أهدافًا أخرى، إذ صدرت تقارير متضاربة تتحدّث عن خطط طموحة أكثر، تبدو ارتجالية وظرفية أكثر ممّا تبدو نابعة من تفكير استراتيجي.
استُهلَّت الحملة بضربات موجّهة ضدّ القيادة الإيرانية. فقد ركّزت الموجة الأولى من الهجمات على استهداف القيادات العليا وتعطيل منظومة القيادة والسيطرة، فطالت مسؤولين إيرانيين بارزين ومواقع قيادية تابعة للنظام، باستخدام منظومات مثل الصواريخ البالستية الإسرائيلية الموجّهة جوًا وصواريخ كروز الأميركية الدقيقة. وقد عكَس ذلك التصوّرَ العملياتي الأولي للحملة، الذي هدَف إلى إحداث صدمة للنظام، وإضعاف السيطرة المركزية، وتقييد خيارات الردّ الإيراني، بدلًا من السعي فورًا إلى استهداف كل عناصر القوة العسكرية الإيرانية. وامتدّ الاستهداف المبكر أيضًا على نطاقٍ أوسع من القيادة السياسية، ليشمل أجهزة النظام القمعية والإعلامية. فقد استهدفت الحملة مقرّ قوات البسيج، ودمّرت قاعدة مالك الأشتر التابعة للحرس الثوري الإيراني في طهران، وشنّت إسرائيل هجومًا على مقرّ هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. وأشارت هذه الأهداف إلى أن الحملة لم تكن تهدف فقط إلى إضعاف القدرات العسكرية، بل أيضًا إلى تقويض قدرة النظام على السيطرة على المعلومات وعلى حشد أجهزة القمع داخليًا.
ثم تحوّلت العملية نحو الإقدام على التقويض المنهجي لقدرات إيران الصاروخية وتفكيك منظومة دفاعها الجوي. من الناحية العسكرية، كان هذا الإجراء الأكثر تأثيرًا على الأرجح في مسار الحملة حتى الآن، إذ أفاد مسؤولون إسرائيليون بأنهم حققوا سيطرة جوية شبه كاملة على المجال الجوي الإيراني بعد تدمير جزءٍ كبير من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية وتنفيذ آلاف الضربات. ومع إضعاف هذه الدفاعات، تستطيع الأنظمة والمسيّرات الطويلة التحمّل والمصمّمة لمهام جمع المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة، والاستطلاع، العمل بحرية أكبر بكثير فوق الأراضي الإيرانية، ما يتيح تتبّع منصّات إطلاق الصواريخ المتحرّكة وتوجيه الضربات إليها قبل أن يتسنّى لها إطلاق الصواريخ.
واقع الحال أن البنية التحتية الصاروخية الإيرانية استُهدفت بكثافة في إطار هذا المسعى. فتعرّضت قواعد صاروخية رئيسة عدّة، من بينها منشآت قرب تبريز وقاعدة الإمام علي قرب مدينة خرم أباد، لضربات باستخدام قنابل خارقة للتحصينات. ويبدو أن مواقع أخرى استُهدفت بشكل أكثر انتقائية، عبر شنّ هجمات على مرافق تجهيز المنظومات الصاروخية أو مواقع منصّات إطلاق الصواريخ بدلًا من استهداف المنشآت بأكملها. وأفادت إسرائيل بأنها ضربت مئات الأهداف المرتبطة بالقدرات الصاروخية والبنية التحتية الخاصة بالطائرات المسيّرة.
مع ذلك، تمكّنت إيران من تنفيذ ضربات صاروخية انتقامية كبيرة. فقد تحدّثت مصادر في طهران عن إطلاق مئات الصواريخ البالستية والصواريخ البحرية الموجّهة، إلى جانب أعدادٍ كبيرة من الطائرات المسيّرة منذ بداية الحرب. لكن وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية تراجعت بشكلٍ ملحوظ خلال الأيام الماضية. وقد يُعزى هذا التراجع في جزءٍ منه إلى تقلّص قدرات طهران على إطلاق الصواريخ، وفي الجزء الآخر إلى سعي إيران للحفاظ على ما تبقّى لديها من مخزونٍ صاروخي تحسّبًا لصراعٍ أطول أمدًا.
تَمثَّل عنصرٌ آخر من عناصر الحملة في الاستهداف المنهجي للقاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية. فقد استُهدفت منشآت مرتبطة بتصنيع الصواريخ، من بينها مجمّع الشهيد همّت الصناعي في منطقة خُجير، إضافةً إلى مواقع مرتبطة بإنتاج الوقود الصاروخي. كذلك، استهدفت إسرائيل مجمّع شركة صناعات الطائرات الإيرانية قرب أصفهان. ولا تهدف هذه الضربات إلى تحقيق تأثيرات فورية في ساحة المعركة بقدر ما تهدف إلى إضعاف قدرة إيران على إعادة بناء مخزونها من الصواريخ مع مرور الوقت.
حتى الآن، يبدو استهداف المنشآت النووية في هذه الحملة محدودًا نسبيًا مقارنةً مع الضربات الكبرى التي نُفِّذت خلال حرب الاثني عشر يومًا في حزيران/يونيو 2025. فقد ألحقت حملة العام الماضي أضرارًا جسيمة بمنشآت تخصيب اليورانيوم الرئيسة في إيران، بما في ذلك فوردو ونطنز وأصفهان. ويبدو أن ضربات العام 2026 تهدف بشكلٍ أساسي إلى ترسيخ الأضرار التي ألحقتها الحملة السابقة، لا إلى تكرار النسق نفسه من الهجمات.
رصدت صور الأقمار الصناعية مؤخرًا وقوع ضررٍ إضافي في منشأة نطنز، ولا سيما في محيط مداخل المجمّع والمباني السطحية. إلى جانب نطنز، استهدفت إسرائيل موقعًا سريًا يقع في شمال شرق طهران ويُعرف باسم مينزادهي، وهو عبارة عن منشأة تحت الأرض قدّرت إسرائيل أن إيران نقلت إليها عناصر من البنية التحتية المرتبطة بالأسلحة النووية بعد حملة حزيران/يونيو الفائت. كذلك دُمّر مجمّع مالك الأشتر التابع للحرس الثوري الإيراني، الذي يضمّ أنشطة مرتبطة بتطوير الأسلحة النووية. ونُفِّذت ضرباتٌ ضدّ موقع مجدة أو لويزان، وفيه مرافق تابعة للقيادة الإدارية المُشرفة على مشروع الأسلحة النووية الإيراني، والذي كانت طهران قد بدأت مؤخرًا إعادة بنائه بعد عملية العام الماضي.
ووردت أيضًا تقارير عن احتمال إرسال قوات خاصة للسيطرة على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب في أصفهان. وإذا تأكّد ذلك، فسيشكّل مرحلةً جديدة مهمة في الحرب وتصعيدًا في مستوى الطموح، إذ سينتقل الهدف من إضعاف البنية التحتية النووية الإيرانية إلى السعي للسيطرة المادية على الموادّ الانشطارية. وستمثّل هذه الخطوة أيضًا فئة مختلفة من العمليات مقارنةً مع الإجراءات التي جرى اتّخاذها حتى الآن.
أبرز تطوّر طرأ منذ تحليلي الأول هو اتّساع نطاق الحملة ليشمل البنية التحتية المرتبطة بقطاع الطاقة. ففي 7 آذار/مارس، استهدفت الغارات منشآت لتخزين النفط في طهران، وطالت أجزاء من البنية التحتية الخاصة بالغاز في إيران، بما في ذلك منشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي ومرافق معالجة مرتبطة بمحطة بوشهر. وحتى ذلك الحين، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد تجنّبتا إلى حدٍّ كبير استهداف البنية التحتية النفطية الإيرانية، على الأرجح خشية أن يؤدّي ذلك إلى زعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية. لكن منسوب ضبط النفس يبدو الآن في طور التراجع.
باختصار، يبدو أن الحملة مرّت بمراحل متداخلة عدّة: الاغتيالات في صفوف القيادة العليا، والإضعاف المنهجي للقدرات العسكرية، والهجمات على القاعدة الصناعية الدفاعية، وصولًا الآن إلى ممارسة ضغوط اقتصادية عبر استهداف البنية التحتية المرتبطة بالطاقة. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الضغط سيفضي إلى نتيجة سياسية. فقد طالبت الولايات المتحدة إيران بالاستسلام غير المشروط، فيما رفض المسؤولون الإيرانيون مقترحات وقف إطلاق النار، وحذّروا من أنهم مستعدّون لخوض صراعٍ طويل الأمد. في الوقت الراهن، ما زالت مواقف الطرفَين متباعدة جدًّا، ما يشير إلى أن أكثر مراحل هذه الحرب خطورةً لم تبدأ بعد على الأرجح.
يونغ: قُبيل اندلاع الصراع الراهن، كتبتِ مقالًا على "ديوان" جادلتِ فيه بأن الطموحات الأميركية في إيران تتعدّى الملف النووي، وأن تكاليف الحملة المُحتملة ومخاطرها تستوجب تدقيقًا عامًا أوسع بكثير ممّا كان يجري. أولًا، لماذا اعتبرتِ ذلك؟ وثانيًا، بعد أن رأينا ما حدث، مع قرار الولايات المتحدة وإسرائيل شنّ هجوم على إيران، هل تعتقدين أن الجانب الأميركي الإسرائيلي، بعد مرور أسبوعَين تقريبًا على اندلاع الحرب، ما زال يعتبر أن التكاليف والمخاطر المترتّبة عن هذا القرار تستحق العناء؟
غرايفسكي: كتبتُ ذلك المقال لأنني شعرتُ أن المجتمع الأوسع من خبراء السياسة النووية، ولا سيما المحلّلين الذين لا يتابعون إيران عن كثب، كانوا يتناولون هذا الوضع من منظورٍ ضيّق للغاية.
كثيرًا ما يميل الباحثون في شؤون السياسة النووية إلى الدخول على خطّ النقاش كلما تصدّرت المسائل النووية العناوين، والتركيز فورًا على الجوانب التقنية، مثل: مستويات التخصيب، وسلاسل أجهزة الطرد المركزي، والمهل الزمنية لتحقيق اختراق نووي [أي المدة اللازمة لإنتاج موادّ انشطارية كافية لصنع سلاح نووي]، وآليات أيّ اتفاق مُحتمل. وهذا التركيز قد يكون مفيدًا في بعض السياقات، لكنه في هذه الحالة كان يسهم في تشويه التحليل وتضليله.
فالمؤشرات الصادرة من المنطقة بكل بساطة لم تدعم الفكرة القائلة إن المسألة تتعلّق في الدرجة الأولى بإعادة إحياء المسار الدبلوماسي النووي. مع ذلك، واصلت معظم التحليلات تناول الوضع وكأننا ما زلنا ضمن الإطار المألوف للنقاش حول إبرام اتفاق نووي مع إيران، أي احتمال استئناف المفاوضات، أو إمكانية قبول إيران بقيود جديدة، أو مدى استعدادها لتقديم تنازلات تقنية.
بمجرّد الابتعاد عن تناول المسألة النووية من منظور ضيّق، تتّضح بشكلٍ أكبر الديناميّات الاستراتيجية الأوسع التي تحرّك الأحداث. في حالة إيران، تقاطعت تطوّراتٌ عدّة في ما بينها، وكانت لها صلة محدودة للغاية بالملف النووي في حدّ ذاته. فبحلول مطلع هذا العام، ازدادت المخاوف الإسرائيلية بشأن صواريخ طهران البالستية، وتصاعدت حدّة التوتّرات في الداخل الإيراني عقب حملة القمع العنيفة للاحتجاجات التي اندلعت في كانون الثاني/يناير، وكانت عمليات الانتشار العسكري في المنطقة تتبدّل على نحوٍ يوحي بالاستعداد لصراعٍ عسكري، أكثر ممّا يوحي بالتمهيد لمسارٍ دبلوماسي. أشارت كلّ هذه العوامل مجتمعةً إلى بيئة متدهورة لم يكن فيها الملف النووي سوى عنصرٍ واحد من عناصر مواجهةٍ أوسع بكثير.
لقد شهدنا منذ بداية كانون الثاني/يناير تعزيزًا مطّردًا وواضحًا للوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، تَمثَّل في إرسال حاملة طائرات إضافية مع مجموعتها القتالية إلى المنطقة، ونشر قاذفات بعيدة المدى، وتوسيع نطاق الدفاعات الجوية والصاروخية، وبناء بنية لوجستية أوسع من أجل دعم العمليات القتالية المستمرة. في غضون ذلك، كانت الولايات المتحدة تتحدّث علنًا بشكل متزايد عن احتمال إبرام اتفاق نووي مع إيران، على الرغم من أن الفجوة بين الموقف الأميركي والموقف الإيراني لم تُسدّ على ما يبدو. مع ذلك، دلّ حجم الانتشار العسكري، وتنوّع القدرات المُستخدمة، والوتيرة التي تم بلوغها، على أن التخطيط الذي يجري هو لاحتمال اندلاع مواجهةٍ عسكرية واسعة، وليس عبارة عن تحرّك مدروس يهدف عادةً إلى دعم المفاوضات. باختصار، لم يَبدُ أن حشد هذه القوّة كان هدفه تعزيز الأوراق التفاوضية، بل بدا أنه تحضيرٌ لشنّ حملة كبرى.
بغضّ النظر عن خطورة القضايا النووية العالقة مع إيران، فهذه ليست مشاكل تُعالج عادةً من خلال نشر حاملات طائرات ومجموعاتها القتالية، وتعزيز القدرات الضاربة في المنطقة، وتموضع أصول عسكرية مُصمَّمة لتنفيذ عمليات هجومية متواصلة. وحين يتم حشد هذا الكمّ من القدرات العسكرية، تكون الأهداف عادةً أبعد بكثير من مجرّد الملف النووي.
بعد مرور أسبوعٍ ونيّف على اندلاع الحرب، رسّخت أنماط الاستهداف تلك المخاوف إلى حدٍّ كبير. ووفقًا للبيانات المتوافرة، لم يُستهدف بشكل مباشر لغاية الآن سوى عددٍ قليل جدًّا من المنشآت النووية. بدلًا من ذلك، انصبّ التركيز الأساسي للحملة على ضرب القدرات العسكرية الإيرانية، وبخاصةٍ برنامج الصواريخ البالستية، إلى جانب استهداف شخصيات قيادية ومؤسسات رئيسة مرتبطة بالنظام.
يونغ: كيف أسهم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في تشكيل مسار الصراع، أو بالأحرى، هل أثّر فيه فعلًا؟
غرايفسكي: لقد أثار ذلك حالةً من انعدام اليقين والتنافس بين مراكز القوة داخل النظام السياسي الإيراني، إلّا أنه لم يتسبّب بالانهيار السريع الذي توقّعه بعض المراقبين في الخارج. وأفادت تقارير أن مجلس خبراء القيادة أعلن مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران خلال جلسةٍ عُقدت افتراضيًا في 8 آذار/مارس، ما يظهر مدى سرعة تفعيل الآليات المؤسّسية للخلافة داخل النظام. في غضون ذلك، يبدو أن الشخصيات التي تمارس النفوذ الأكثر وضوحًا في الوقت الراهن ليست بالضرورة الشخصيات التي تشغل المناصب القيادية التنفيذية الرسمية. بل إنّ قدرًا كبيرًا من عملية صنع القرار يتركّز على ما يبدو في أيدي كبار أصحاب النفوذ، على غرار علي لاريجاني ومحمد باقر قاليباف، إضافةً إلى شخصياتٍ أمنية في الحرس الثوري الإيراني وقوات خاتم الأنبياء. في المقابل، يبدو أن الرئيس مسعود بيزشكيان يؤدّي دورًا أكثر محدوديةً بكثير في صياغة القرارات خلال زمن الحرب.
عمومًا، لا تعني وفاة خامنئي أن إيران أصبحت فجأةً دولة جوفاء أو من دون قيادة، إذ إنها بُنيت بطريقة تتوزَّع فيها السلطة على مؤسسات كثيرة. لا شكّ في أن خامنئي كان المحور الأساسي في هذه المنظومة، إلّا أن النظام عمل أيضًا طيلة عقودٍ على بناء مؤسسات موازية. والسؤال الأساسي هو ما إذا كان ستظلّ ديناميّات السلطة في صفوف النخب السياسية والأمنية تحت السيطرة مع استمرار الصراع، أم ما إذا ستبدأ ضغوط الحرب بتعميق الانقسامات في أوساطها.
يونغ: ما قراءتكِ للتصريحات الرسمية الصادرة عن حكومات طرفَي النزاع بشأن التقدّم العسكري في الحرب؟ وإلى أي حدٍّ تتطابق الرواية الرسمية لكلّ طرفٍ مع ما تلاحظينه وتحلّلينه؟
غرايفسكي: يميل كلّ طرف في أيّ حربٍ إلى المبالغة في انتصاراته والتقليل من حجم انتكاساته، وهذا الصراع ليس استثناءً. على الجانب الأكثر مبالغةً، للخطاب الرسمي الإيراني تاريخٌ طويلٌ من تضخيم قدرات طهران وتأثيراتها على سير المعركة. لكنني شعرتُ أيضًا بالإحباط من بعض التحليلات التي تقيّم الأداء العسكري الإيراني من خلال الحكم على إيران في الكثير من الأحيان وفقًا لمعايير لم تُبنَ عقيدتها العسكرية على أساسها.
فالاستراتيجية العسكرية الإيرانية لم تُصمَّم أصلًا لتعمل بالطريقة التي تعمل بها الولايات المتحدة وإسرائيل في حربٍ عالية الوتيرة ومرتكزة على الضربات الدقيقة، إذ إنها قائمة على الصمود، والردّ الانتقامي، والقدرة على رفع التكاليف المتكبّدة تدريجيًا من خلال إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتصعيد الإقليمي. وبالتالي، قد لا تبدو هذه الاستراتيجية لافتة كثيرًا عند تقييمها من منظور العمليات العسكرية الغربية، لكن هذا الأمر يعني أن الحكم على الأداء الإيراني يجب أن يتمّ على أساس الاستراتيجية التي وضعتها طهران، لا وفقًا للاستراتيجية التي يرغب بعض المحلّلين في أن تكون قد اعتمدتها.
لقد واصلت الجمهورية الإسلامية شنّ الهجمات، بالرغم من الضغوط الشديدة التي ترزح تحت وطأتها. فبين 28 شباط/فبراير و4 آذار/مارس، نفّذت أكثر من 90 غارة ضدّ إسرائيل وحدها، ليشكّل بذلك مجموع الضربات خلال خمسة أيام نسبة 60 في المئة من إجمالي الضربات المُسجّلة خلال حرب حزيران/يونيو 2025. وكانت الضربات الإيرانية التي استهدفت منطقة الخليج من بين أكثر عناصر الردّ تماسكًا على الصعيد العملياتي، مع أن هذا معيارٌ متواضع ويتماشى إلى حدٍّ كبير مع ما كان متوقّعًا أن تستطيع إيران تحقيقه. لقد تسبّبت الضربات الإيرانية التي استهدفت بنى تحتية عسكرية ومدنية في البحرين والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بإقفال عددٍ من السفارات، وتعطيل سير الأعمال في القواعد الأميركية، وأرغمت حكومات المنطقة على تشغيل منظومات الدفاع الجوي على نطاق واسع وبوتيرة مرتفعة، ما يُسهم في إجهاد مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية.
مع ذلك، لم يكن الأداء العسكري العام لإيران في هذا الصراع مُلفتًا، ولا يمكن اعتبار أنه يشكّل تهديدًا خطيرًا للولايات المتحدة أو لإسرائيل بالمفهوم التقليدي. إن فشل طهران في نشر الكثير من منصّات إطلاق الصواريخ قبل اندلاع الصراع، مكّن أجهزة المراقبة من رصد القواعد الصاروخية المعروفة وتتبُّع عمليات إطلاق الصواريخ في الوقت الفعلي. كذلك، يبدو أن إيران لا تمتلك سوى قدرة محدودة على إعادة تحميل منصّات الإطلاق بسرعة في الميدان أو إصلاح الأنظمة المتضرّرة، ما يتيح للطائرات المسيّرة أو المقاتلات تدمير المنصّات بمجرّد إعادتها إلى مواقع معروفة أو تركها بعد حدوث أعطال تقنيّة.
علاوةً على ذلك، علينا أن نكون حذرين من استخلاص استنتاجات حاسمة من البيانات المتاحة علنًا حول سير المعركة. حتى الآن، لم نتمكّن من الحصول على صور شاملة من الأقمار الصناعية للكثير من المواقع التي استُهدِفت في الخليج أو في إسرائيل، ما يصعّب تقييم حجم الأضرار الكاملة التي لحقت بأيّ طرف. والكثير من المعلومات المُتداولة راهنًا مُستمدّة من صور جزئية، أو تصريحات رسمية، أو مقاطع فيديو متفرّقة، لذا تبقى الكثير من المعطيات غير مؤكّدة.
من الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إضعاف عناصر من القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما بنيتها التحتية الصاروخية ودفاعاتها الجوية. لكن هذه النتيجة ليست مفاجئة تمامًا. فقد تعلّمت الدولتان الكثير من حرب حزيران/يونيو 2025، وبدأتا هذه الحملة مزوّدتَين بميزة مُلفتة في جمع المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة، والقوة الجوية، إضافةً إلى القدرة على توجيه ضربات دقيقة. من الواضح أن التركيز المتواصل على المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع، جنبًا إلى جنبٍ مع القدرة على توجيه ضربات سريعة عبر مسافات طويلة، هما عنصران يمنحان الجانب الأميركي والإسرائيلي تفوّقًا كبيرًا على مستوى العمليات العسكرية.
تتمتّع الولايات المتحدة وإسرائيل راهنًا بتفوّق كبير في المجال الجوي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن العمليات البرّية ستكون سلسة. وفي حال تحوّل الصراع إلى حملة برّية، ستنطوي العمليات العسكرية على مجموعة مختلفةً للغاية من التحديات. ما يقلقني هو أن يستنتج القادة السياسيون في الولايات المتحدة أو إسرائيل من التفوّق المُلاحَظ في المرحلة الراهنة من الحرب أن المراحل اللاحقة من الصراع ستكون بالسهولة نفسها، في حين أن ديناميّات الحرب البرية في إيران ستكون في الواقع أكثر تعقيدًا ويصعب التنبؤ بأحداثها.
يونغ: قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن "الاستسلام غير المشروط" هو النتيجة الوحيدة المقبولة لأي اتفاق مع إيران. هل هذا هدفٌ واقعي، وهل الولايات المتحدة قادرة على فرضه؛ أم على العكس، كما أشار بعض المراقبين، هل يكون الإيرانيون في موقع أفضل للنجاح في هذه الجولة، لأن كل ما عليهم فعله هو الصمود في وجه الهجوم الأميركي والإسرائيلي؟
غرايفسكي: تشكّلت الاستراتيجية العسكرية الإيرانية برمّتها انطلاقًا من الدروس المستفادة من الحرب العراقية الإيرانية. فقد أثّرت تلك الحرب تأثيرًا عميقًا على طريقة تفكير القيادة الإيرانية في مسائل الحرب، والصمود، والبقاء السياسي. ولم تكن العبرة التي استخلصها النظام من تلك التجربة أن عليه إلحاق الهزيمة بخصوم أقوى منه بالمعنى التقليدي، بل أن عليه الصمود مدّةً كافية كي يتكبّدوا تكاليف سياسية. فالعناصر المحورية في هذه العقيدة تتمثّل في الصمود، والردّ الانتقامي المستمرّ، والقدرة على تحمّل الضربات. من هذا المنظور، لا تحتاج إيران إلى تحقيق "انتصارٍ" وفق التعريف الذي تتبنّاه الولايات المتحدة أو إسرائيل للنصر؛ بل يكفيها أن تصمد في وجه هذه الحملة، وأن تحافظ على قدرٍ كافٍ من قدراتها لتتمكّن من مواصلة الردّ الانتقامي، وأن تتجنّب في الوقت نفسه انهيار نظامها السياسي. وهذا يُعدّ سقفًا أدنى بكثيرٍ من الاستسلام غير المشروط.
مع ذلك، لا يزال من المبكر جدًّا التوصّل إلى استنتاجات قاطعة حول ما سيؤول إليه الصراع. أحد أبرز نقاط الاستفهام يتمثّل في ما سيدور في أوساط النخب السياسية والأمنية الإيرانية مع استمرار الحرب. والأمر الآخر الذي لا يزال غير معروفٍ هو مدى استعداد الولايات المتحدة وإسرائيل فعلًا للمضي قدمًا من أجل تحقيق أهدافهما. فممارسة الضغط العسكري من الجوّ يمثّل جانبًا واحدًا من الصراع، لكن فرض استسلام غير مشروط سيتطلّب مستوى من التصعيد قد يتجاوز بأشواط نطاق الحملة الراهنة. ويبقى السؤال ما إذا كان ذلك يعني حربًا جوية طويلة الأمد، أم توغلًا بريًا، أم محاولات للدفع إلى سقوط النظام الإيراني. ومع أن ميزان القوة العسكرية يميل بشكل كبير لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن السيطرة على الديناميّات السياسية للحرب أصعب بكثير.
عن المؤلف
محرّر مدوّنة 'ديوان', مدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
مايكل يونغ محرّر مدوّنة "ديوان" ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.
- القوة النارية في مواجهة قوة الإرادةتعليق
- محور مقاومة أم انتحار؟تعليق
مايكل يونغ
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- حربٌ بلا استراتيجيةتعليق
قد تؤدّي حالة التخبّط التي تعيشها الإدارة الأميركية بشأن إيران إلى مزيدٍ من العنف وعدم الاستقرار في المرحلة المقبلة.
مروان المعشّر
- القوة النارية في مواجهة قوة الإرادةتعليق
يقدّم نيسان رفاتي، في مقابلةٍ معه، تقييمًا للأسبوع الأول من الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران.
مايكل يونغ
- ما هي خطة إسرائيل في لبنان؟تعليق
جوهرها يكمن في فرض استسلامٍ غير مشروط على حزب الله، واستئصاله من بين صفوف طائفته ومؤيّديه.
يزيد صايغ
- محور مقاومة أم انتحار؟تعليق
فيما تخوض إيران الحرب دفاعًا عن مصالحها الإقٍليمية وبقاء نظامها، قد تجرّ حزب الله إلى الهاوية.
مايكل يونغ
- الطموحات الأميركية في إيران تتعدّى الملف النوويتعليق
وبناءً على ذلك، فإن تكاليف الهجوم المُحتمل ومخاطره تستوجب تدقيقًا عامًا أوسع بكثير ممّا يجري حاليًا.
نيكول غرايفسكي