يقدّم نيسان رفاتي، في مقابلةٍ معه، تقييمًا للأسبوع الأول من الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران.
مايكل يونغ
{
"authors": [
"نجوى ياسين"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"المشرق العربي",
"لبنان"
]
}المصدر: Getty
إلى جانب التدمير والتهجير، تمنع الحرب أيضًا اللبنانيين من الحداد على أحبّائهم.
كان أخي في الثالثة والأربعين من عمره حين رحل بعد ورم ونزيف دماغي مفاجئَين. في الظروف العادية، كنا سنذهب أنا وعائلتي في ذكرى الأربعين، التي حلّت يوم2 آذار/مارس الجاري، إلى قريتنا في جنوب لبنان، لنتلو الصلوات ونفرش الورود حيث يرقد. كانت ستجتمع العائلة والأصدقاء، ليس فقط لإحياء ذكراه، بل لسماع قهقهته على ما يجري في هذا العالم الذي باتت ألوانه باهتة جرّاء الحروب والدمار والصراعات.
لكن لم يُكتَب لذلك أن يحدث. فالذهاب إلى الجنوب لم يعد مجرّد رحلةٍ محفوفةٍ بالمخاطر، إذ باتت أهداف الجيش الإسرائيلي تشمل ما هو أبعد من المنشآت التابعة لحزب الله، لتشمل قصف المنازل والمقاهي والجسور وغيرها من البنى التحتية. باتت الحرب عملية تدمير مُمنهجة تتضمّن تهجير أكثر من 700 ألف لبناني من مناطق شاسعة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وذلك في مشاهد دمار تُذكِّر بحرب غزة حيث ارتكبت إسرائيل إبادة جماعية بحقّ الفلسطينيين. لم يعد سلوك طريق الجنوب فحسب ينطوي على مخاطرة، بل بات الأمر وكأنّ ألغامًا متنقّلة تحاصر من لا يريد مغادرة أرضه، فتقتل من لم يستجِب لتحذيرات الإخلاء، حتى إن لم يتواجد بالقرب من أي منشأة عسكرية.
ليس الهدف هنا أن أكتب عن أخي، أو أن أشرح معنى فقده. فلذلك مساحةٌ أخرى، أكثر هدوءًا وخصوصية، لا يمكن أن تختزلها كلماتٌ في مقال. لكن الهدف هو طرح سؤالٍ أوسع: ماذا يحدث حين تتداخل الحروب مع أكثر اللحظات الإنسانية إيلامًا، أي لحظة الحداد نفسها؟
فعلى وقع التصعيد العسكري الذي بدأ يوم 2 آذار/مارس 2026، حين أطلق حزب الله رشقةً صاروخية على إسرائيل انتقامًا لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وفقًا لما ورد في بيانٍ للحزب، والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان طوال خمسة عشر شهرًا بعد اتفاق وقف إطلاق النار، تحوّل لبنان بأكمله إلى بقعةٍ جغرافية تكافح للحفاظ على أنفاسها، كأحبالٍ صوتية تبلغ أعلى نوتة موسيقية ثم تختنق من شدّة الإنهاك.
غالبًا ما تُقاس الحروب بالأرقام. في الأسابيع الأخيرة وحدها، بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، أُجبر نحو 700 ألف شخص على الفرار من منازلهم، فيما يواصل الجيش الإسرائيلي غاراته المكثّفة على ضاحية بيروت الجنوبية ومناطق في البقاع والجنوب. وحذّرت المنظمة الأممية من التكلفة الباهظة التي يتكبّدها المدنيون، مشيرةً إلى أن نحو 200 ألف طفل ومراهق من بين النازحين يعيشون ظروفًا قاسية.
كذلك، شملت الحرب تحذيرات بالإخلاء لأكثر من مئة قرية وبلدة في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية، ما أدّى إلى إفراغ مناطق واسعة من سكانها وتحويلها إلى بؤرٍ عسكرية فعلية. لكن خلف هذه الأرقام تختبئ خسائر أقل وضوحًا. فالحروب لا تدمّر البيوت فحسب، بل تغيّر أيضًا الطريقة التي يودّع بها الناس موتاهم.
في لبنان، تُعدّ ذكرى الأربعين محطةً أساسية من طقوس الحداد. هذه اللحظة لا تعني نهاية الحزن، لكنها تشكّل انتقالًا رمزيًا من الصدمة الأولى إلى ذاكرة مشتركة. الأمر لا يتعلق بالدين فقط، بل بالمجتمعات نفسها. فالمجتمعات تحتاج إلى طقوس لتنظيم الحزن، تمامًا كما تحتاج إلى مؤسسات لتنظيم الحياة.
تُعطّل الحرب إذًا الطقوس الرمزية كذكرى الأربعين، فتتحوّل الزيارات إلى لحظات مؤجّلة، ويُهجَّر الحداد نفسه. وهكذا، لا تُسرق الأرض فقط، بل تُقوَّض أيضًا العلاقة بين الذاكرة والمكان، ويُمنَع الناس حتى من الحزن على أحبّائهم.
أنا أتحدث هنا عن ذكرى الأربعين، فكيف هي حال من لم يتمكنوا أصلًا من دفن موتاهم بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ العام 2024 وحتى اليوم؟ كيف يمكن للحزن أن يجد مكانه عندما يُحرَم الإنسان حتى من لحظة الوداع الأخيرة؟ بل إن الأمر تجاوز ذلك أحيانًا، حين لم تسلم المقابر نفسها من القصف. فقد تعرّضت مقبرة الباشورة في بيروت للتدمير نتيجة القصف الإسرائيلي في العام 2024، في مشهدٍ صادم لأهالي المدينة، ولا سيما لعائلاتٍ يرقد أحبّاؤها هناك. لكثيرٍ من اللبنانيين، لم يكن هذا الهجوم مجرّد دمار لَحِق بمكانٍ عام، بل كان أشبه بسلبهم ذكرى شخصية مرة أخرى، وكأن قبور أحبّتهم لم تعد مكانًا آمنًا للحزن. ولم تكن الباشورة الحالة الوحيدة، فقد طالت الاعتداءات أيضًا مقابر أخرى، مثل مقبرة دهرا في جنوب لبنان، ومقبرة آل شكر في بلدة النبي شيت في البقاع، إذ لم تعد الحرب تكتفي بترويع الأحياء، بل امتدّت حتى إلى مطاردة الموتى في أماكن راحتهم. هذا ما يعيشه اليوم كثرٌ من اللبنانيين الذين نزحوا من الجنوب والبقاع ومختلف أنحاء البلاد. فبعضهم ترك خلفه بيوتًا، وبعضهم الآخر ترك خلفه مدافن أحبّته.
سيُعاد فتح الطرق المؤدّية إلى القرى الجنوبية يومًا ما. وسيعود الناس إلى بيوتهم وحقولهم، وسيزورون مجدّدًا مدافن الأحبّة الراحلين. وربما ستُقام ذكرى الأربعين التي لم تحدث في موعدها. لكن حتى ذلك الحين، تبدو الحرب أوسع من مجرّد تدمير منشآت عسكرية، أو استهداف عناصر مسلّحة، أو تحقيق مصالح سياسية، أو تهجير آلاف اللبنانيين، أو حتى قتل الأجساد. فهي تستهدف في النهاية الأرواح نفسها، الأرواح التي تحمل الأحلام والطموحات والذكريات.
تبدو الغاية اليوم أن تنظر إلى التلفاز فيتزعزع كيانك، وأن تبقى عالقًا في دوّامة لامتناهية من الأسئلة: هل من حربٍ دائرة أم لا؟ هل عليّ أن أسافر أم أن أبقى؟ هل أبني منزلي الجديد أم أؤجّله؟ هل أبدأ مشروعًا خطّطتُ له أم أنتظر؟ هكذا إذًا يعيش اللبناني، في حالةٍ دائمة من الحيرة، كأنه يتحوّل تدريجيًا إلى كائن فيزيولوجي فقط: يأكل، وينام، ويشرب، ويذهب إلى عمله، بينما حياته الحقيقية معلّقة إلى أجل غير مسمّى، بانتظار أن يقرّر الآخرون لحظة رحيله ويأخذون جسده.
هذا هو شعور المرء الذي لا يستطيع حتى زيارة موتاه، أو الذي يخشى أن تطال القذائف الأماكن التي يرقد فيها أحبّته. لا يقتصر الأمر على مجرّد تدميرٍ للحجر أو للأرض، بل يتعدّى ذلك لمحاولة محو الذاكرة نفسها، تلك الذاكرة التي تربط الإنسان بمكانه، وبأحبّائه، وبالحياة التي يحاول أن يتمسّك بها.
أيُّ وجعٍ يبدو أكثر حضورًا الآن، وجع الحرب أم وجع فقدان الأحبة؟ ربما لهذا السبب تبقى الحروب قادرةً على تعطيل تفاصيل كثيرة في حياة البشر، لكنها تعجز عن أمرٍ واحد: أن تُنهي العلاقة بين الإنسان وذكرياته، حتى وإن رحلنا جميعًا.
نجوى ياسين
منسقة الأنشطة والإعلام
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
يقدّم نيسان رفاتي، في مقابلةٍ معه، تقييمًا للأسبوع الأول من الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران.
مايكل يونغ
جوهرها يكمن في فرض استسلامٍ غير مشروط على حزب الله، واستئصاله من بين صفوف طائفته ومؤيّديه.
يزيد صايغ
فيما تخوض إيران الحرب دفاعًا عن مصالحها الإقٍليمية وبقاء نظامها، قد تجرّ حزب الله إلى الهاوية.
مايكل يونغ
ترزح هذه المنظمة تحت وطأة العقوبات الأميركية، وتتأرجح بين ضرورة التغيير والإحجام عنه.
محمد فواز
ساد شعورٌ بالخيانة لدى الأكراد بعد الهجوم الذي نفّذته دمشق مؤخرًا وتخلّي الحلفاء العرب عنهم.
فلاديمير فان ويلغنبرغ