مايكل يونغ
{
"authors": [
"مايكل يونغ"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"المشرق العربي",
"سورية",
"لبنان",
"إسرائيل",
"الولايات المتحدة"
]
}المصدر: Getty
سورية تنأى بنفسها عن الحرب الإيرانية
يشرح خضر خضّور، في مقابلةٍ معه، أن دمشق تحاول تعزيز حماية حدودها، لكن نجاحها في تجنّب الصراع ليس مضمونًا.
خضر خضّور باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تتمحور اهتماماته البحثية حول العلاقات المدنية العسكرية والهويات المحليّة في منطقة المشرق، مع تركيز خاصّ على سورية. أجرت "ديوان" مقابلة معه في منتصف آذار/مارس من أجل الاطّلاع على قراءته للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى، واستطلاع تداعيات الصراع على سورية ونظام أحمد الشرع.
مايكل يونغ: تُعتبر سورية استثناءً نادرًا، إذ بقيت على هامش الصراع الدائر في المنطقة. فما تفسير ذلك؟
خضر خضّور: تبدو سورية على هامش الحرب فقط بالمعنى العسكري الضيّق. فهي ليست جبهة رئيسة مثل إيران أو لبنان، لكنها بالتأكيد ليست محصّنة من تداعيات الحرب. فقد أسفر إضعاف حزب الله وتفكيك الشبكة الموالية لإيران التي كانت تستخدم الممرّ البرّي الممتدّ عبر سورية وصولًا إلى لبنان، عن تغيير البيئة الإقليمية التي كان نظام بشار الأسد يعوّل عليها، وهو ما أسهم في سقوطه في كانون الأول/ديسمبر 2024. ثم تولّت السلطات الجديدة مقاليد الحكم في دمشق وكان شغلها الشاغل ألّا تتحوّل سورية مجدّدًا إلى ساحةٍ للصراعات الإقليمية. لذلك، انصبّ تركيز السلطات السورية منذ اندلاع الحرب مع إيران على إدارة التداعيات الناجمة عن هذا الصراع، بدلًا من الانخراط المباشر فيه، وذلك من خلال تعزيز الانتشار العسكري على طول الحدود السورية المشتركة مع لبنان والعراق، وتشديد الرقابة والتدقيق على المعابر الحدودية، ومنع تسلّل المقاتلين أو انتقال السلاح عبر الحدود. وبهذا المعنى، فإن سورية ليست خارج الصراع تمامًا، بل تحاول إدارة ارتداداته من دون أن تصبح جبهةً إضافية رئيسة فيه.
يونغ: كيف تفاعلت القوى السياسية المختلفة في سورية مع هذه الحرب؟
خضّور: تباينت ردود الفعل داخل سورية وخارجها تبعًا لموقع كل طرف في المشهد السياسي الجديد. وقد ركّزت السلطات في دمشق حتى الآن على الضبط والاحتواء، من خلال تعزيز السيطرة الأمنية على الحدود، ومنع امتداد رقعة التوتّرات الإقليمية إلى الداخل السوري. أما القوات الكردية، فقد انصبّ اهتمامها أساسًا على تطبيق بنود دمجها ضمن هيكل الدولة السورية عَقب اتفاق وقف إطلاق النار، والمضيّ قدمًا على مسار التفاهمات التدريجية مع دمشق، بدلًا من اتّخاذ موقف مستقل من الحرب الراهنة. في المقابل، تبدو الشبكات التي كانت مرتبطة سابقًا بإيران وحزب الله، والمتمركزة اليوم بمعظمها في لبنان، في موقع دفاعي، ذلك أن سقوط بشار الأسد قطع خطّ الإمداد الأساسي إلى لبنان، وكذلك لأن حزب الله نفسه يرزح تحت وطأة ضغوطٍ غير مسبوقة. وفي الجنوب السوري، ما زال سلوك القوى المحلية محكومًا بدرجة أكبر بالاعتبارات الأمنية والضغوط الإسرائيلية، أكثر من كونه نابعًا من موقف سياسي سوري موحّد إزاء الحرب.
يونغ: تحدّثتَ عن نشر وحدات من الجيش السوري على طول الحدود مع لبنان. هل تعتقد أنها ستُوظَّف في مسعى للتوغّل داخل لبنان والتضييق على حزب الله؟
خضّور: لا يمكن اعتبار نشر القوات السورية على طول الحدود اللبنانية إجراءً سياديًا اعتياديًا، فهذه الحدود ليست مجرّد خطٍّ يفصل بين دولتَين، بل تمثّل فضاءً أمنيًا واجتماعيًا متكاملًا. على سبيل المثال، في المنطقة الممتدّة بين القصير في سورية والهرمل في لبنان، والتي تشمل منطقة البقاع الشمالي، تداخلت شبكات التهريب والجماعات المسلحة والروابط العائلية وملكية الأراضي عبر الحدود في ما بينها وأصبحت مترابطة على نحوٍ وثيق خلال الحرب الأهلية، في ظلّ اضطلاع حزب الله والنظام السوري السابق بدورٍ عسكري في المنطقة. وبالتالي، خلّف سقوط بشار الأسد فراغًا أمنيًا على جانبَي الحدود، وحلّت القوات السورية الجديدة محلّ قوات نظام الأسد وحلفائه في بعض هذه المناطق الحدودية، ما أفضى إلى إرساء وضعٍ هشّ وغير مستقرّ بين الدولة اللبنانية، التي كانت قبضتها ضعيفة تاريخيًا في تلك المناطق، والسلطات السورية الناشئة التي يتألّف جيشها من فصائل متمرّدة سابقة، ولذا قد يحتاج قسطًا من الوقت حتى يصبح مؤسسة عسكرية موحّدة ومكتملة الأركان.
من هذا المنظور، لا تهدف التعزيزات العسكرية السورية فقط إلى إغلاق الحدود بالمعنى القانوني، بل أيضًا إلى تحويلها من ممرّ لوجستي إلى خطّ سيطرة فعلي. تريد دمشق أن تحول دون عودة هذه المنطقة الحدودية مجدّدًا إلى وظيفتها السابقة، أي إلى شريان أساسي لنقل السلاح والمقاتلين ولتأمين عمق استراتيجي لحزب الله في الداخل السوري. لكن هذه الأهداف لا يمكن فصلها عن طبيعة النظام السوري الجديدة، الذي يسعى إلى ممارسة سلطات دولة ذات سيادة، لكنه لم يستكمل بعد بناء جهاز دولة مؤسّساتي ومحايد. ولهذا السبب، لا يُنظر إلى تعزيز الانتشار العسكري في البقاع على أنه إجراء تقني بحت، بل هو تحرّكٌ ينطوي على دلالات سياسية واجتماعية وطائفية.
لذلك، لا أستبعد احتمال أن تُستخدم هذه التعزيزات العسكرية للضغط على حزب الله. وعلى الأغلب، لا يطمح رئيس سورية في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وفريقه إلى تدخّلٍ واسع في لبنان أو إلى إعادة فرض الوصاية السورية على البلاد. لكن هذا لا ينفي احتمال اللجوء إلى أشكالٍ محدودة من التحرّك عبر الحدود، من قبيل عملياتٍ موضعية أو تنسيق أمني أوثق مع الدولة اللبنانية. فما تريده دمشق ليس فتح جبهة جديدة، بل تأكيد قدرتها على احتكار العنف داخل الأراضي السورية، وإغلاق الممرّ الذي كان يربط لبنان بعمقه الاستراتيجي شرقًا في الداخل السوري.
مع ذلك، تكمن المشكلة في أن أي مسعى لفرض سيادة صارمة على هذه الحدود سيصطدم بواقع محلي قائم على التداخل المتبادل عوضًا عن الفصل. وهذا النمط الذي نشهده في البقاع يتكرّر أيضًا في عكار وشمال لبنان، فيما قد تلجأ بعض الشبكات المرتبطة بالنظام السوري السابق إلى استخدام لبنان والمناطق الحدودية كقاعدة خلفية لتنفيذ عمليات ضدّ الإدارة السورية الجديدة، ما من شأنه أن يؤدّي إلى تداعيات تلقي بظلالها على حمص أو الساحل السوري. إذًا، أيّ احتكاكٍ محدود يُعتبر قابلًا للتوسّع سريعًا، لأن هذه ليست حدودًا تفصل بين دولتَين، بل هي عبارة عن حيّزٍ واحد تتقاطع فيه عوامل مرتبطة بالجغرافيا والأمن والهوية والشبكات المحلية.
يونغ: سمعنا، على مدى الأشهر القليلة الماضية، عن مساعٍ تقودها تركيا بهدف التقريب بين القيادة السورية الجديدة من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى. هل تم تأكيد الأمر؟ وإن صحّ ذلك، فما غاية أنقرة منه، وما مصلحة إيران فيه؟
خضّور: حتى الآن، ما من أدلّة موثوقة على أن تركيا تقود مسارًا لتحقيق المصالحة بالمعنى السياسي الكامل بين القيادة السورية الجديدة، وإيران أو حزب الله. لكن ما يتّضح هو أن أنقرة تتحرّك على مسارَين متوازيَين: أولًا، هي تعمل على توطيد أركان السلطات الجديدة في دمشق ودعم توسيع نفوذ الدولة، بما في ذلك إدارة الملف الكردي ضمن إطار الدولة السورية.
وثانيًا، تتواصل تركيا مع أطراف متعدّدة في محاولةٍ لاحتواء الحرب الإقليمية ومنع انزلاقها إلى حالةٍ من الفوضى الأوسع. ومن هذا المنظور، فإن أيّ اتصالات تركية مُحتملة مع طهران أو مع أطراف مقرّبة من حزب الله سيكون هدفها في الغالب إدارة التوتّرات وتقليل المخاطر، أكثر من السعي إلى بناء محور سياسي جديد. أما مصلحة إيران اليوم فأكثر تواضعًا على الأرجح، أي تجنّب أن تتحوّل خسارتها لسورية - باعتبارها مركزًا لوجستيًا وسياسيًا لطهران في منطقة المشرق – إلى خسارةٍ نهائية، والحفاظ على ما تبقّى من قنوات نفوذها بعد سقوط الأسد وانقطاع خطّ الإمداد الأساسي إلى لبنان. إن موقع سورية ضمن النظام الإقليمي قد تغيّر، إذ باتت عمليًا تدور في فلك النفوذ الغربي، بعد عقودٍ من اصطفافها إلى جانب إيران.
يونغ: كيف يؤثّر برأيك الوضع في لبنان على سورية، ولا سيما في ظلّ ما يبدو أنه مسعى إسرائيلي لإغلاق ملف حزب الله بصورة نهائية، عسكريًا وبوسائل أخرى؟
خضّور: تؤثّر التطوّرات الراهنة في لبنان على سورية لأن مستقبل حزب الله لم يَعُد مجرّد شأنٍ لبناني داخلي. فعلى مدى سنوات، شكّلت الحدود اللبنانية السورية جزءًا من بنيةٍ أمنيةٍ واحدة مكّنت الحزب من التنقّل والتسلّح والحفاظ على عمقه الاستراتيجي شرقًا. وإن كانت إسرائيل تحاول إغلاق هذا الملف عسكريًا وسياسيًا، بدعمٍ من اعتبارات لبنانية داخلية، فهذا يعني عمليًا تغيير وظيفة الحدود السورية نفسها. وبالتالي، يصبح الضغط على سورية مزدوجًا، إذ يتعيّن عليها من جهة، منع إعادة فتح الممرّ الذي كان يربط لبنان بعمقه الشرقي في المنطقة، ومن جهة أخرى، التعامل مع التداعيات المباشرة للحرب، بدءًا من الإغلاق المؤقّت للمعابر ووصولًا إلى عودة المواطنين السوريين من لبنان مع اتّساع رقعة الصراع. لذا، حتى لو حاولت دمشق البقاء خارج هذه المواجهة، فإن التطوّرات في لبنان تدفعها تدريجيًا إلى الاضطلاع بدورٍ أمني أكبر. وتكمن المشكلة في أن هذا الدور يتنامى في وقتٍ لا تزال الدولة السورية الجديدة ضعيفة، ما يعني أن جهودها لاحتواء الصراع الإقليمي قد تعجز عن مواكبة حجم التطوّرات، ما قد يفرض على سورية انخراطًا مباشرًا أكثر.
مع ذلك، لا ينحصر تأثير لبنان على سورية بمسألة الحدود أو الهواجس الأمنية المباشرة فحسب، بل يرتبط أيضًا بطبيعة السلطات الجديدة في دمشق ونظرتها إلى دورها الإٍقليمي. فهذه الإدارة لا تعتبر حزب الله مجرّد طرفٍ لبناني، بل تنظر إليه بوصفه جزءًا من منظومةٍ أوسع حاربتها داخل سورية لسنوات، ضمن امتدادٍ سياسي عسكري شيعي يربط إيران بالعراق وسورية ولبنان. وتتجلّى أهمية هذا التصوّر في أن المسألة، من منظور حكّام سورية الحاليين، لا تتعلّق فقط بمنع التهريب أو إغلاق المعابر، بل تشمل أيضًا الحيلولة دون عودة البيئة التي سمحت لحزب الله بالعمل داخل حيّزٍ واحد عابرٍ للحدود في منطقة المشرق.
لكن المفارقة تكمن في أن النظام السوري الجديد يحاول الاضطلاع بهذا الدور في وقتٍ لا يزال في طور الانتقال من كونه سلطة فئوية إلى سلطة دولة. فهو يسعى إلى تقديم نفسه كدولةٍ قادرةٍ على احتكار استخدام العنف وفرض سيطرتها على الحدود، لكنه لا يزال يفتقر إلى المؤسسات المستقرّة وإلى الهامش الاقتصادي والسياسي اللازم للتعامل مع تأثيرات هذا التحوّل. ومن هذا المنطلق، قد تؤدّي التطوّرات في لبنان إلى دفع سورية نحو انخراطٍ أكبر، ليس بالضرورة لأن دمشق تريد خوض مواجهة مباشرة، بل لأن مكامن ضعفها تجعلها أكثر تأثُّرًا بأيّ خرقٍ حدودي، وأكثر عرضةً للانجرار إلى ديناميّاتٍ طائفية وأمنية أوسع تمتدّ من سهل البقاع إلى حمص، وربما إلى الساحل السوري.
عن المؤلف
محرّر مدوّنة 'ديوان', مدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
مايكل يونغ محرّر مدوّنة "ديوان" ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.
- واشنطن في مواجهة طهران: مخاطر كبيرة ومكاسب محدودةتعليق
- الآتي قد يكون أعظمتعليق
مايكل يونغ
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- واشنطن في مواجهة طهران: مخاطر كبيرة ومكاسب محدودةتعليق
يتناول حسن منيمنة، في مقابلةٍ معه، الصراع الدائر راهنًا وما يرافقه من سوء تقدير.
مايكل يونغ
- حروب إسرائيل الأبديةتعليق
لم تَعُد استراتيجية الدولة العبرية تتركّز على الردع والدبلوماسية، بل باتت تتمحور حول الهيمنة والاستنزاف.
ناثان ج. براون
- تمديدٌ تحت النارتعليق
قد يبدو قرار مجلس النواب اللبناني استثنائيًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع ليس كذلك.
عصام القيسي
- ذكرى الأربعين المؤجَّلةتعليق
إلى جانب التدمير والتهجير، تمنع الحرب أيضًا اللبنانيين من الحداد على أحبّائهم.
نجوى ياسين
- الحرب وارتداداتها في الخليج العربيتعليق
إن طريقة تعامل دول المنطقة مع تداعيات الضربات الإيرانية تنطوي على مفارقة.
انجي عمر