الرغبة في التحرُّر من الهيمنة الإيرانية قد تؤدّي إلى وضعٍ تُضطرّ فيه بيروت إلى القبول بالهيمنة الإسرائيلية.
مايكل يونغ
{
"authors": [
"انجي عمر"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"مصر",
"إيران",
"الولايات المتحدة",
"إسرائيل"
]
}المصدر: Getty
توجّه مساعي القاهرة رسالةً إلى الولايات المتحدة ودول المنطقة مفادها أنها لا تزال حاضرةً على طاولة المحادثات الدبلوماسية.
ظلّت مصر، خلال معظم العقد الماضي، على هامش جهود الوساطة في مفاوضات الشرق الأوسط، غير أن دورها الهادئ، إلى جانب تركيا وباكستان، في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران وإسهامها في التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الراهن، أعادها إلى المكانة التي شغلتها سابقًا كلاعبٍ قادرٍ على إدارة الأزمات من خلال مبادراتٍ دبلوماسية خلف الكواليس.
وفيما لم يُسلَّط الضوء على دور مصر في المساعدة على تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في المؤتمرات الصحافية، ولم يُقدَّم باعتباره إنجازًا باهرًا، يبدو أنه جَمَع بين البُعدَين التكتيكي والاستراتيجي، عبر تيسير قنوات التواصل وتقليص فجوة الخلافات في سياق المواجهة السياسية والعسكرية بين واشنطن وطهران. في الواقع، تشير بعض التحليلات إلى أن إبقاء المساعي المصرية بعيدًا عن الأضواء لم يكن عرضيًا، بل جاء حرصًا على تجنّب حدوث نزاعٍ دبلوماسي حادّ مع إسرائيل، التي تنظر إلى صراعها مع إيران على أنه حربٌ وجودية.
تفيد تقارير دبلوماسية بأن إسهام مصر في التوصّل إلى وقف إطلاق النار تمّ من خلال اتصالات استخباراتية مكثّفة، وهي مقاربةٌ اعتمدتها القاهرة منذ عقود في إدارة الأزمات. في هذه الحالة تحديدًا، يبدو أنّ مسؤولين مصريين ساعدوا على فتح قناة اتصالٍ بين واشنطن وطهران في وقتٍ كان التواصل المباشر مُكلِفًا سياسيًا للطرفَين. وبحسب ما ورد، نقل وسطاء مصريون إلى الإيرانيين هواجسَ الأميركيين بشأن تصعيدٍ إضافي في منطقة الخليج، بالتوازي مع إيصالهم إلى الجانب الأميركي تحذيراتٍ إيرانية من تنفيذ ردٍّ مُحتمل في حال اتّساع رقعة الصراع. وقد ساعدت هذه الرسائل المتبادلة في تقليص مخاطر سوء التقدير، وأتاحت للطرفَين اختبار مساراتٍ مُحتملة للخروج من الأزمة قبل الإعلان رسميًا عن أي التزامات.
غالبًا ما يعتمد جهاز المخابرات العامة المصرية، الذي أدّى دورًا محوريًا في وقف إطلاق النار في غزة، هذا النمط من المساعي الدبلوماسية التي تُجرى خلف الكواليس، عبر نقل الرسائل وتوضيح الخطوط الحمراء والتفاوض على شروط خفض التصعيد، من دون إلزام أي طرفٍ بالانخراط في تواصل علني ومباشر. وفي سياق التصعيد الأخير، نجح الجهاز على ما يبدو في فتح قناة اتصالٍ خلفية عملية لاحتواء الأزمة، من خلال تمرير رسائل عاجلة بشأن عتبات التصعيد العسكري، وتحديد الأفعال التي قد تستجلب ردًّا، فضلاً عن نقل مقترحاتٍ ترمي إلى وضع سقفٍ للضربات والضربات المضادّة.
بموازاة ذلك، أفادت تقارير بأنّ الوسطاء المصريين نسّقوا مع أطراف إقليمية أخرى منخرطة في جهود الوساطة، لضمان عدم تعارُض الرسائل التي تنقلها تركيا أو باكستان مثلًا مع تلك التي تصدر عن القاهرة. ومع أن التفاصيل لا تزال طيّ الكتمان إلى حدٍّ بعيد، يوحي هذا النمط بأن دور مصر لم يتمثّل تحديدًا في "التوسّط من أجل التوصّل إلى اتفاق"، بقدر ما هدفَ إلى منع تفاقُم الأزمة وخروجها عن السيطرة، عبر إبقاء قنوات التواصل مفتوحةً في ظلّ جمود المساعي الدبلوماسية الرسمية.
تاريخيًا، اضطلعت مصر في إطار جهود خفض التصعيد الإقليمي بثلاث مهامّ رئيسة: فهي شكّلت قناةً خلفية لتبادل الرسائل بين الأطراف المتنازعة، وعملت على ترسيخ فكرة أن استقرار دول الخليج يمثّل أولويةً عربية مشتركة، وحشدت أدواتها الدبلوماسية والأمنية للحثّ على ضبط النفس والتهدئة بين القوى الإقليمية المتناحرة. إنّ لمصر باعًا طويلًا من الانخراط في هذه المساعي، بدءًا من اتفاقية كامب ديفيد (1978)، ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (1979). مع أن القاهرة لم تكن وسيطًا في تلك الاتفاقات، فإن قرارها بالتوقيع عليها أعاد تشكيل المشهد الدبلوماسي الإقليمي وأتاح لواشنطن فرصةً استراتيجية لتعزيز نفوذها في العالم العربي. وقد تكرّر هذا النهج خلال حرب الخليج الثانية بين 1990 و1991، حين دعمت مصر التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة ضدّ العراق، وساهمت في إضفاء شرعيةٍ إقليمية على ذلك المجهود، ما عزّز مكانة القاهرة كشريكٍ موثوقٍ قادر على إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة وتوفير غطاءٍ سياسي خلال الأزمات.
في هذا الإطار، إن دافع مصر للانخراط في جهود خفض التصعيد مع إيران نابعٌ بشكلٍ كبير من الأوضاع الاقتصادية الصعبة في البلاد، إذ يواجه الاقتصاد المصري ضغوطًا هيكلية متزايدة ناجمة عن ارتفاع معدّلات التضخم، ونقص مزمن في العملات الأجنبية، إلى جانب عبء خدمة دينٍ خارجي ثقيل، ما يحدّ من قدرة البلاد على امتصاص صدماتٍ مثل تعطيل خطوط الشحن والارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة. الواقع أن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز أسفرا عن ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن عالميًا، ما أفضى إلى زيادةٍ إضافية في معدّلات التضخم في مصر ومضاعفة فاتورة وارداتها التي كانت مرتفعة أساسًا. وسُرعان ما تجلّت تداعيات هذه الضغوط المتراكمة في سوق الصرف، حيث تراجعت قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي، لتصل إلى مستوى 55 جنيهًا للدولار.
كذلك، أثّر التصعيد مع إيران على قطاعات أخرى في مصر. فالتوتّرات الإقليمية قد تُلقي بظلالها على قطاعها السياحي، الذي يُعدّ مصدرًا قيّمًا للعملات الأجنبية، ناهيك عن أن احتمال قيام جماعة أنصار الله في اليمن بإغلاق مضيق باب المندب، وبالتالي تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر، قد يؤدّي إلى تقليص إيرادات قناة السويس. إذًا، دفعت هذه العوامل مجتمعةً مصر إلى الاضطلاع بدور الوسيط، وهو توجّهٌ ساهمت علاقاتها الأمنية مع واشنطن في تعزيزه. يُشار إلى أن علاقتهما تتسّم بطابع مؤسّسي راسخ، وتوطّدها شبكة الروابط الواسعة التي نسجتها أجهزة المخابرات المصرية في مختلف أنحاء المنطقة على مدى سنواتٍ طويلة.
مع ذلك، وبصرف النظر عن دوافع القاهرة، لا ينبغي تضخيم قدرتها على التأثير في مجريات الأمور. فمصر لا تستطيع أن تُملي على طهران قراراتها، ولا أن توجّه استراتيجية واشنطن الأوسع، لكن تحرّكها الدبلوماسي حمل دلالة سياسية واضحة. فقد بقيت مصر لسنواتٍ تراقب تحوّل ثقل الدبلوماسية الإقليمية نحو دول الخليج ووسطاء آخرين، ومن خلال اضطلاعها بدور الوساطة هذه المرة، بعثت القاهرة رسالةً إلى واشنطن ودول المنطقة مفادها أنها لا تزال لاعبًا فاعلًا على طاولة التوازنات الإقليمية.
تمحور جانبٌ من المساعي الدبلوماسية المصرية حول السير على حبلٍ رفيع في محاولةٍ لإرساء توازن بين المواقف المتعارضة. فقد هدفت القاهرة، من خلال انخراطها في جهود الوساطة، إلى توطيد علاقاتها مع دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة اللتَين قدّمتا لها دعمًا ماليًا، في ظلّ حرصها على عدم الظهور في موقع التابع للقيادة الخليجية. مع ذلك، قد تواجه مصر ضغوطًا من شركائها الخليجيين بعيدًا عن الأضواء، ما قد يدفعها إلى تبنّي مواقف أكثر تشدّدًا إزاء إيران في حال تجدّدت التوتّرات. لذا، تبدو الاستراتيجية المصرية قائمة على تفادي الاصطفاف العلني إلى طرف معيّن، في ظلّ مواصلة الانخراط في المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إدارة الأزمات.
في الخلاصة، يعكس دور مصر في تيسير وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران محاولةً محسوبةً لاستعادة مكانتها الدبلوماسية، فهي لا تحتاج إلى فرض هيمنةٍ سياسية على المنطقة لتأكيد نفوذها، بل تحتاج ببساطة إلى الاضطلاع بدورٍ نشطٍ وفعّال خلال فترات الاضطرابات. إذًا، من خلال توظيف خبراتها وحنكتها في المجال الدبلوماسي، تُظهر مصر أن تراجع نفوذها في المنطقة خلال السنوات الماضية لا يعني غيابه، فهي ما زالت حاضرةً في المشهد السياسي الإقليمي.
انجي عمر
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
الرغبة في التحرُّر من الهيمنة الإيرانية قد تؤدّي إلى وضعٍ تُضطرّ فيه بيروت إلى القبول بالهيمنة الإسرائيلية.
مايكل يونغ
تحليل مقتضب من باحثي كارنيغي حول الأحداث المتعلقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
مايكل يونغ
تنطوي أهدافه على ربط الجبهتَين اللبنانية والإيرانية معًا، والدفاع عن بقائه في الداخل على المستويَين العسكري والسياسي.
محمد فواز
على المنطقة تبنّي مقاربة جديدة لا تكتفي بمواجهة الضغوط الخارجية، بل تُرسي أيضًا علاقة أكثر توازنًا وندّيةً مع العالم.
مروان المعشّر
إنّ حَذَر قائد المؤسسة العسكرية رودولف هيكل مفهوم، لكنه قادرٌ على التحرّك، ويجب أن يتحرّك.
مايكل يونغ