عصام القيسي
{
"authors": [
"عصام القيسي"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"لبنان",
"المشرق العربي",
"إسرائيل"
]
}المصدر: Getty
إعادة رسم خريطة لبنان الجغرافية والاجتماعية
فيما تواصل إسرائيل التمدّد في أراضي البلاد، ينظر اللبنانيون بعضهم إلى بعض بعين الريبة.
قد لا يكون لبنان اليوم في حالة حرب شاملة تمامًا، ولكنه من دون شكّ ليس في حالة سلام. فالغارات الإسرائيلية تتواصل، وحزب الله لا يزال يطلق الصواريخ والمسيّرات، فيما أوامر الإخلاء الإسرائيلية تتوسّع يوميًا لتشمل المزيد من البلدات اللبنانية. في غضون ذلك، لا يزال الكثير من قرى الجنوب والبقاع خاليةً من السكان، بينما تواصل المسيّرات الاستطلاعية والهجومية الإسرائيلية تحليقها المكثّف فوق الأراضي اللبنانية كافة، بما في ذلك العاصمة بيروت، حيث يسعى الناس جاهدين للمضيّ في حياتهم بالرغم من الضوضاء والخطر.
إحدى النتائج التي يخلّفها انعدام الاستقرار المتواصل هذا هي إعادة رسم خريطة لبنان تدريجيًا، بعد أن تقلّصت عمليًا بمئات الكيلومترات المربّعة عن المساحة الوطنية البالغة 10452 كيلومترًا مربعًا، وهو رقمٌ كثيرًا ما يُستحضر في الخطاب العام. فأجزاء كاملة من البلاد باتت تشهد اليوم حالاتٍ متفاوتةً من الاحتلال العسكري، أو الخطر الكامن، أو الإفراغ من السكان، أو الهجر. والأمر الأكثر إثارةً للقلق هو نشوء حواجز اجتماعية في مختلف أنحاء البلاد، وهي حواجز لا تتمثّل في حدود مادّية، أو نقاط تفتيش، أو مراسيم رسمية، بل إنها غير مرئية تتجلّى في أنماطٍ من التجنّب والتردّد والارتياب بين اللبنانيين من مختلف الطوائف.
بدأت أحدث فصول انعدام الاستقرار في لبنان، وهو ما بات شبه منسيّ اليوم، في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 عندما فتح حزب الله "جبهة إسناد" بعد يومٍ واحد على هجوم حركة حماس ضدّ إسرائيل، التي سُرعان ما ردّت بقصفٍ على الأراضي اللبنانية. وطوال ما تبقّى من العام 2023، بدا الصراع واضحًا جغرافيًا، إذ انحصر القتال في جنوب لبنان، وظلّ، نظريًا على الأقلّ، خطُّ تماس واضح يفصل بين ميدان الحرب والمناطق التي لا حرب فيها. وكانت بيروت تراقب الأحداث عن بُعد، وبدا أن الحكومة تفترض (شأنها شأن حزب الله) أن المواجهة ستظلّ مضبوطة.
لكن هذا الافتراض لم يصمد في العام 2024، إذ صعّدت إسرائيل عملياتها في لبنان بشكل حادّ بحلول صيف ذلك العام، منتقِلةً إلى حرب شاملة استهدفت حزب الله بشكلٍ ممنهج، بدءًا من القادة الميدانيين، وصولًا إلى اغتيال قيادات الصف الأول. وقد تعرّضت بيروت والبقاع، الواقعَين بعيدًا عن الجنوب، لضربات متكرّرة. ثم بحلول الخريف، اتّسعت رقعة الحرب لتطال كامل التراب الوطني، إذ امتدّت حتى إلى أقصى الشمال.
وربما يكون وقف إطلاق النار الذي توسّطت فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 قد أوقف النزاع رسميًا، إلا أنه لم يفضِ إلى أي استقرار. فعلى الورق، كان من المفترض أن يضع هذا الترتيب حدًّا للأعمال العدائية، ويسهّل قيام الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله. والواقع أن الحزب، الذي جرى إضعافه بشكلٍ ملحوظ، التزم على مدى خمسة عشر شهرًا بوقف إطلاق النار، لكنه عكَف بهدوءٍ على إعادة بناء قدراته، حتى فيما كان الجيش اللبناني يداهم بعض مستودعات أسلحته جنوب نهر الليطاني. في غضون ذلك، واصلت إسرائيل استهداف أشخاص ومواقع في شتّى أنحاء لبنان، متذرّعةً على حدّ زعمها بإنفاذ الاتفاق. هذا واحتفظت القوات الإسرائيلية بالسيطرة على عددٍ من التلال في الأراضي اللبنانية بمحاذاة الحدود الجنوبية. فما كان إلا أن وجد لبنان نفسه في حالة من الترقُّب القلق، إذ تراجعت حدّة الحرب الشاملة، بيد أن احتمال اندلاعها مجددًّا ظلّ حاضرًا.
ثم حلّ يوم الثاني من آذار/مارس 2026، حينما أطلق حزب الله صليةً صاروخية باتجاه شمال إسرائيل، مُعلنًا انخراطه في الدفاع عن طهران في خضمّ الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية عليها. فأسفرت المواجهة التي تلت ذلك عن مقتل وإصابة الآلاف في لبنان. وبعدئذٍ، أدّى وقفٌ جديد لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، دخل حيّز التنفيذ في 17 نيسان/أبريل، إلى إحداث تغيير إضافي في الجغرافيا اللبنانية.
فقد أنشأت إسرائيل ما سمّته "الخطّ الأصفر" داخل لبنان، وهو خطّ يُحظَّر تجاوزه. وبذلك تكون احتلّت 608 كيلومترات مربعة على طول الحدود (أي ما يقارب 6 في المئة من الأراضي اللبنانية)، وحوّلت عشرات القرى إلى "مناطق عازلة" ذات طابع عسكري. كذلك عمَدت إلى تسوية الكثير من هذه القرى بالأرض، زاعمةً أنها تؤوي أنفاقًا وبنية تحتية تابعة لحزب الله. وفي صباح 17 نيسان/أبريل، وهو اليوم الذي دخل فيه وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، أعادت إسرائيل إصدار أوامر إخلاء شملت كل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني (وتبلغ مساحتها نحو ألف كيلومتر مربع)، وهي منطقة كانت قد عُزِلَت عن بقية البلاد جرّاء تدمير إسرائيل الجسور الحيوية. ومذّاك الحين، توسّعت الأوامر تدريجيًا لتطال بلدات واقعة شمال الليطاني، إضافةً إلى أجزاء من البقاع.
يسود فهمٌ في لبنان اليوم بأن واشنطن تكبح إسرائيل عن استئناف حملتها العسكرية في سائر أرجاء البلاد، بما في ذلك بيروت، وضاحيتها الجنوبية ذات الغالبية الشيعية. (وكانت الضاحية، حيث يتمتّع حزب الله بنفوذٍ سياسي وأمني قوي، قد شهدت نزوح مئات الآلاف من سكانها بين 2 آذار/مارس و16 نيسان/أبريل، بسبب التحذيرات والهجمات الإسرائيلية). لكن في 6 أيار/مايو، قصفت إسرائيل الضاحية الجنوبية للمرة الأولى منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، واغتالت أحد كبار قادة قوة الرضوان في حزب الله. ولم يكن ذلك مفاجئًا، إذ بيّنت إسرائيل بوضوح في آذار/مارس أنها لا تنظر إلى المناطق ذات الغالبية الشيعية على أنها مجرّد حيّز مدني، بل بيئات تتجذّر فيها بنية حزب الله التحتية وعناصره.
لذا، يخشى الكثير من السكان الذين فرّوا من الضاحية، أو حتى من البلدات الجنوبية الواقعة شمال الليطاني، العودة إلى منازلهم على الرغم من سريان وقف إطلاق النار منذ نيسان/أبريل. فهاتان المنطقتان أصبحتا، إلى جانب المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، والتي يُحظَّر دخولها إلى حدٍّ كبير، تُعامَلان أكثر فأكثر على أنهما ساحتَي حرب. ويفترض كثرٌ، على نحو وجيه، أن أيّ منطقةٍ ترتبط بحزب الله ستصبح مجدّدًا هدفًا، وأن المناطق التي ثبُت عدم أمانها لا يمكن أن تصبح مناطق آمنة بين ليلةٍ وضحاها.
مع ذلك، لا يشهد لبنان تغيّرات جغرافية واضطرابات ديموغرافية فحسب، إذ اكتسب مفهوم الجبهات بين اللبنانيين بعدًا إضافيًا. فلم تعد مجرّد حدودٍ مادّية تفصل بين الأطراف المتحاربة، بل أمست خطوط تماسٍ من نوعٍ آخر تسلّلت إلى نسيج المجتمع نفسه، وطال تأثيرها المنطق الاجتماعي الذي تُصنَّف على أساسه الأماكن والمجتمعات المحلية، وحتى الأفراد، وفقًا لدرجاتٍ متفاوتة من المخاطر الأمنية المُفترَضة.
فمع انتقال العائلات الشيعية النازحة إلى مناطق يقطنها في الغالب أبناء طوائف أخرى، بدأ الكثير من اللبنانيين، بصورةٍ ضمنية، باحتساب المخاطر من منظور طائفي. ونادرًا ما يُعبَّر عن ذلك صراحة، إذ يُعدّ استخدام الخطاب الطائفي غير لائق في الأوساط الاجتماعية المهذّبة، بل يظهر من خلال استخدام العبارات الملطّفة وتوخّي الحذر. فأصحاب العقارات يطرحون أسئلةً غير مباشرة عن المستأجرين المحتملين، فيما ينظر السكان بعين الريبة إلى الوافدين الجدد لمبانيهم. كذلك، تخشى المجتمعات المحلية من أن تُعرِّض استضافة العائلات النازحة أحياءها من دون قصد للاستهداف الإسرائيلي. ومع مرور الوقت، أعادت هذه الافتراضات تشكيل سلوك الناس، فتغيّرت طبيعة الزيارات الاجتماعية، وعُدّلَت المسارات اليومية لتجنّب المرور في المناطق التي تُعتبَر عرضةً للخطر. وهكذا، اتّخذت الهوية الطائفية طابعًا أمنيًا.
لا شكّ في أن البُعد الطائفي متجذّر في الجغرافيا اللبنانية، إذ لطالما حملت الأحياء والبلدات والمناطق هويات مذهبية وطائفية. لكن الصراع بين حزب الله وإسرائيل ينتج حصيلةً أشدّ فتكًا، عبر تحويل هذه الهويات إلى فئاتٍ تُصنَّف بحسب مستوى التهديد الأمني المتصوّر عنها. ويكتسب هذا الأمر أهميةً لأن النزاع الحالي لا يزهق الأرواح ويدمّر سُبل العيش فحسب، بل يغيّر أيضًا طريقة عيش المجتمعات الناجية. وقد تؤدّي حالة اللايقين التي يعيشها لبنان اليوم، إذا ما طال أمدها، إلى إعادة تشكيل النسيج المجتمعي بقدر ما تفعل الحروب المفتوحة.
استضافت واشنطن يومَي 14 و15 أيار/مايو الجاري جولة مفاوضات جديدة بين الوفدَين اللبناني والإسرائيلي توصّلت إلى تمديد "وقف إطلاق النار". وقد تحدّث المسؤولون الأميركيون عن احتمال التوصّل إلى "اتفاق سلام"، ولكن لا يزال من غير الواضح ما الذي يجري التفاوض عليه بالتحديد، إذ إن الحكومة اللبنانية لا تملك زمام السيطرة على تصرّفات حزب الله. فبينما تستمرّ إسرائيل في قصف لبنان متى شاءت، ضمن سقفٍ تتسامح معه واشنطن، يواصل حزب الله هجماته باتجاه إسرائيل، فيما يحاول المدنيون اللبنانيون التكيّف مع حالة اللايقين السائدة. في غضون ذلك، وبينما تواصل إسرائيل تقليص مساحة لبنان الجغرافية، تزداد الحواجز الاجتماعية الداخلية في البلاد رسوخًا، مدفوعةً بسلوك تجنّب الآخر والشعور بالريبة والانكفاء المكاني.
عن المؤلف
محلّل أبحاث
عصام القيسي محلّل أبحاث في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، يركّز عمله على لبنان وسورية.
- إسرائيل تستهدف حلفاء حزب الله المرتبطين بالإخوان المسلمينتعليق
- تمديدٌ تحت النارتعليق
عصام القيسي
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- جرّ لبنان إلى مواجهة مسلّحة مع حزب الله هو ضربٌ من الجنونتعليق
لقد تغيّر دور هذا الطرف داخليًا وإقليميًا، لذا على البلاد وضع استراتيجية نزع سلاح تأخذ ذلك في الحسبان.
مايكل يونغ
- لماذا يدور الشرق الأوسط في حلقةٍ مستمرّة من "الحروب الأبدية"؟تعليق
لأن الصراعات الدائمة تُعزّز السيطرة، وتُوفّر مكاسب اقتصادية، وتسمح للقادة بتجاهل خيارات الشعوب.
انجي عمر
- أين هي الأُسس اللازمة لمفاوضات لبنان مع إسرائيل؟تعليق
من الشروط المُسبقة لأيّ محادثات جديّة أن تسعى قيادة البلاد إلى حشد دعم وطني واسع لمثل هذا المسار.
مايكل يونغ
- جردة حساب عسكرية لحرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيرانتعليق
يناقش جيم لامسون، في مقابلة معه، الصراع الإقليمي المتواصل، ويرى صورة غير واضحة عن الفائزين والخاسرين فيه.
مايكل يونغ
- كيف ينظر سنّة لبنان إلى مسألة السلام مع إسرائيلتعليق
تسعى الطائفة إلى ترك مسافة بينها وبين حزب الله، ومسافة أكبر بينها وبين فكرة التطبيع مع الجار الجنوبي.
محمد فواز