• الأبحاث
  • ديوان
  • عن المركز
  • الخبراء
ar nav logoCarnegie Endowment for International Peace
لبنانإيران
{
  "authors": [
    "نقاش صدى"
  ],
  "type": "commentary",
  "centerAffiliationAll": "",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace"
  ],
  "collections": [],
  "englishNewsletterAll": "",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "Carnegie Endowment for International Peace",
  "programAffiliation": "",
  "programs": [],
  "projects": [],
  "regions": [
    "شمال أفريقيا",
    "مصر"
  ],
  "topics": [
    "الإصلاح السياسي"
  ]
}

المصدر: Getty

تعليق

ماذا تحمل رئاسة السيسي لمصر؟

أعلن المشير عبد الفتاح السيسي رسمياً ترشّحه للرئاسة في مصر، في 26 آذار/مارس الماضي، ويُرجَّح فوزه على نطاق واسع. آي آفاق تحملها رئاسة السيسي لمصر؟

Link Copied
بواسطة نقاش صدى
منشئ 3 أبريل 2014

أعلن المشير عبد الفتاح السيسي رسمياً ترشّحه للرئاسة في مصر، في 26 آذار/مارس الماضي، ويُرجَّح فوزه على نطاق واسع. إلا أن إدارته سوف تواجه مجموعة من المسائل الحسّاسة في مناخ سياسي شديد الانقسام. 

آي آفاق تحملها رئاسة السيسي لمصر؟ ما التحدّيات المطروحة على مستوى الإصلاح الاقتصادي، وما هي التوقّعات بالنسبة إلى الديناميكية السياسية الداخلية، والاستقرار العام، والسياسة الخارجية؟

أربعة خبراء يشاركوننا آراءهم حول مستقبل مصر. ندعوكم إلى الانضمام إلى النقاش عبر التعبير عن وجهة نظركم في قسم للتعليقات.

مواجهة الحقائق الاقتصادية

مستنصر بارما

مستنصر بارما، محلّل في السياسات وخبير في الاقتصاد السياسي مقيم في نيروبي، كان سابقاً كبير الباحثين الاقتصاديين في غرفة التجارة الأميركية في مصر. 

"صعب جداً"، لعل هاتَين الكلمتين تختصران الموقف الذي عبّر عنه المرشّح الأوفر حظاً للانتخابات الرئاسية في مصر، عبد الفتاح السيسي، حول الوضع الاقتصادي في البلاد. على الأرجح أنه محق في استنتاجه هذا نظراً إلى تسجيل التضخّم والبطالة أرقاماً مزدوجة، وبلوغ عجز الموازنة 12 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وانقضاء عام إضافي من دون تحقيق الأهداف المنشودة في النمو الاقتصادي.

لقد أعلن السيسي عن أجزاء من استراتيجيته الاقتصادية - ينص اتفاق أُبرِم مؤخراً مع شركة إماراتية على بناء مليون وحدة سكنية جديدة لأصحاب الدخل المنخفض، كما يشكل إعادة إطلاق البرنامج النووي المصري خطوة أساسية في مقاربة السيسي لمعالجة أزمة الطاقة في البلاد. في حين أن هذه البرامج جيّدة، يملك السيسي فرصة حقيقية لوضع مصر على مسار التعافي الاقتصادي الذي يتّسم بالاستدامة على المدى الطويل. لهذه الغاية، عليه أن يتخلّص من الاعتماد على الدول المجاورة، وأن يتّخذ القرارات الصعبة التي تتعارض في معظم الأحيان مع المطالب الشعبوية.

يكمن التحدّي المطروح على السيسي في الابتعاد عن الصدقات والشروع في تنفيذ بعض الإصلاحات الاقتصادية. منذ عزل محمد مرسي، تلقّت مصر أكثر من 15 مليار دولار من المساعدات من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت. وقد ساهمت التدفّقات المالية في معالجة بعض المسائل بدءاً من تثبيت قيمة العملة الوطنية، وصولاً إلى الحدّ من النقص في الطاقة. لكن هذا الضخّ للأموال ليس سوى حل مؤقّت سيؤدّي في نهاية المطاف إلى إحباط الإرادة السياسية لتحقيق إصلاح فعلي. هذا وقد أدّت الاستراتيجيات التوسّعية منذ انتفاضة العام 2011 إلى تفاقم الوضع المالي في مصر، مع اقتراب الدين العام من بلوغ نسبة مئة في المئة من إجمالي الناتج المحلي. من شأن اعتماد "موازنة متوازِنة" عبر تمويل النمو من خلال الاستثمارات المستقرة الطويلة الأمد أن يساعد مصر على التخلّص من الثلاثي الخبيث المتمثّل في الدعم الحكومي، والأجور، والفوائد، والتي يلتهم كل منها نحو ربع النفقات الحكومية.

محك الاختبار الأكبر الذي يواجهه السيسي في هذا المجال هو الابتعاد عن اتّخاذ إجراءات متشدّدة والعمل بدلاً من ذلك على ترسيخ عملية شاملة لصنع القرارات الاقتصادية بمشاركة مختلف الأطراف. وقد أعطى وزير الدفاع الأولوية القصوى لبسط الأمن في البلاد إدراكاً منه أهمية هذا الأمر في إعادة بناء الثقة لدى المستثمرين. بيد أن النهج المتشدّد الذي أدّى إلى إقصاء "الإخوان المسلمين" ليس الوسيلة المناسبة. إن إلغاء البيئة التي تحتضن كوكبة متنوّعة من الأصوات مصدر خطر بحد ذاته سيسعى السيسي جاهداً إلى تجنّبه.

عبّر وزير المال عن غضبه قائلاً: "توقّفوا عن المطالبات وابدأوا بالعمل". في حين تحرّك وزير العمل لفرض حظر على الإضرابات العمالية لمدّة 12 شهراً. على الأرجح أن هذه التصاريح والممارسات الأحادية المتشدّدة سترتدّ بنتائج عكسية. في حال وصول السيسي إلى الرئاسة، من الأجدى به أن يتحاور مع العمّال عبر تمكين النقابات المستقلّة بدلاً من حظرها. ويجب أن يشارك المواطنون في آلية إعداد الموازنة، كما يجب إطلاعهم بوضوح على الجوانب الجيّدة والسيّئة في القرارات مثل الإلغاء التدريجي للدعم الحكومي للمواد الغذائية والمحروقات. من شأن وضع الموازنة بمشاركة جميع الأفرقاء أن يساعد السيسي إلى حد كبير في الحفاظ على الديمقراطية في عهده، وعدم الوقوع في الفخ الذي سقط فيه مرسي الذي كان انتخابه الإجراء الديمقراطي الوحيد في عهده. مشاركة الجميع أمرٌ أساسي، ومن الأجدى بالسيسي أن يرسي توازناً بين البراغماتية وذكرى الصيحات التي تصاعدت من ميدان التحرير: "رغيف، حرّية، عدالة اجتماعية".

لامجال للمعارضة

ياسر الشيمي

ياسر الشيمي، زميل تدريس في جامعة بوسطن. 

مما لاشك فيه أن القوى غير الديمقراطية التي أُطلقت بعد إطاحة الرئيس محمد مرسي من خلال التدخّل العسكري في الثالث من تموز/يوليو الماضي، سوف تستمر بزخم، ولاسيما في الوقت الذي يستعد المشير عبد الفتاح السيسي للارتقاء الرئاسة. فأحداث 3 تموز/يوليو لم ترسم فقط نهاية المسار المصري نحو الدمقرطة، بحد السلاح، مع العلم بأن هذا المسار كان حافلاً بالشوائب، بل طبعت أيضاً نهاية السياسة بحد ذاتها. تتألف مهمة السيسي من شقَّين: ترسيخ منظومة سياسية يقودها العسكر، والانطلاق في برنامج واسع النطاق لبناء الأمة بتمويل من الأنظمة الملَكية الخليجية المناهضة لل للإسلاميين، وبإدارة جنرالات الجيش (وبعض التكنوقراط)، وتنفيذ عمّال يعملون في ظروف بائسة. 

تتعارض السياسة التعدّدية الحقيقية مع هذه الطموحات، لكن يجب الحفاظ على المظاهر الخارجية. من أجل دفع الولايات المتحدة نحو استئناف مساعداتها العسكرية لمصر، ستستمر السلطات المصرية في ادّعاء الديمقراطية في حين تُحاك الدسائس للتلاعب بالإجراءات. هكذا نظّمت مصر استفتاء دستورياً، حيث وافق 98 في المئة من الناخبين على مسودّة أثارت انقساماً شديداً في البلاد (حُكِم على الأشخاص الذين صوّتوا بـ"كلا"، بالسجن)، وسوف تُجري انتخابات برلمانية يُمنَع على المجموعة السياسية التي فازت بغالبية الأصوات في الجولة الأخيرة، من التنافس فيها. يُفترَض بواشنطن أن تقبل بهذه الممارسات إذا لم تكن تريد أن يرتمي حكّام القاهرة في أحضان موسكو. مما لاشك فيه أن مصر ليست في صدد العودة إلى ديكتاتورية مبارك؛ فهذا الأخير تكبّد على الأقل عناء إنشاء حزب سياسي، وكذلك مشقّة السماح بمساحة معيّنة للتعبير الحر. تفتقر التدابير الجديدة إلى الاعتناء بالتفاصيل الدقيقة، لكنها تبدو غير ضرورية في ظل المساعدات المتواصلة من الخليج.

لاتترك السياسة الخاضعة إلى سيطرة العسكر متّسعاً من المكان للتعبير عن رأي مخالف، وتُربَط الأصوات المعارِضة الآن إما بالخيانة وإما بدعم الإرهاب. أما حقوق الإنسان فمسألة ثانوية يُنظَر فيها لاحقاً. يعتبر الجنرالات الحاكمون أن هذه المقاربة المتشدّدة هي الخيار الوحيد لإنقاذ بلاد ترزح تحت وطأة الاحتجاجات المتواصلة، وتدهور المؤشّرات الاقتصادية، والتدخّل الأجنبي الذي يتسبّب بزعزعة الاستقرار. في نظرهم، لاتستطيع بلاد حيث يعيش أكثر من ربع السكّان دون خط الفقر وتبلغ نسبة الأمّية 50 في المئة، أن تنعم برفاهية الديمقراطية وحقوق الإنسان. ماتحتاج إليه مصر هو فرض النظام، وليس حرية التعبير والتجمّع. بحسب هذا المنطق، كي تخرج القاهرة من الدوّامة، على المصريين أن يتقيّدوا بخطة الجيش، بدلاً من التشكيك في حكمتها أو جدواها.

في مصر الجديدة-القديمة، لامكان للإسلاميين. أما غير الإسلاميين، على تنوّعهم، فأمامهم خياران: إما تأدية الدور الذي كانت تضطلع به المعارضة العلمانية القديمة في عهد مبارك - دور هزلي خاضع وغير مؤثّر - وإما التعرّض إلى الإقصاء. ينخرط بعضهم في اللعبة بدافع الجشع أو الخوف، في حين يُسجَن البعض الآخر أو يتم إسكاته. تُقرَع طبول "الحرب على الإرهاب" بقوّة أكبر، ولاسيما أن عدداً كبيراً من الإسلاميين يجنح، بصورة متوقّعة، نحو التشدّد رداً على القمع. ومن سخرية القدر أن علّة وجود النظام الجديد مستمدّة من محاربة التهديد الذي ساهم بنفسه في صعوده.

مع تعطيل المشاركة السياسية وحرية التعبير عن الآراء، تزدهر أساليب أخرى، مثل الاحتجاجات وأعمال الشغب والغرافيتي التخريبي، والأسوأ من ذلك، الهجمات العنيفة ضد موظّفي الحكومة ومنشآتها. وهذا بدوره يُضعف أكثر فأكثر الاقتصاد الذي يعاني أصلاً من الهشاشة، ويُطلق دوامة انحدارية من سوء الأداء الاقتصادي واللاستقرار السياسي الاجتماعي. وقد لاتتحقّق أبداً معافاة اقتصادية بقيادة الجيش.

يعوّل البعض على وصول السيسي الذي يرون فيه شخصية توافقية، إلى الرئاسة لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، لكن حتى لو افترضنا أنه يريد ذلك، ثمة أسباب تدعو إلى التشكيك: 1) إنه شخصية مثيرة للاستقطاب مايعني أنه يتعذّر عليه قيادة مثل هذه العملية؛ 2) الإسلاميون غاضبون من الأحداث الأخيرة إلى درجة أنهم لن يقبلوا بالتسوية؛ 3) قد تحتاج إدارته إلى عدوّ لتحويل الأنظار عن الوضع الاقتصادي المتردّي؛ 4) لايرى ائتلافه المؤلّف من أجهزة أمنية انتقامية ونخبٍ من عهد مبارك، حاجة إلى تقديم تنازلات. لكن بما أن النصر الكامل لايلوح في الأفق، في المستقبل المنظور، ستبقى السياسة المصرية عنيفة وهستيرية وغير مستقرّة. أهلاً بك في المنصب سيادة الرئيس.

السياسة الخارجية المصرية تحت تأثير المانحين

ميشيل دنّ

ميشيل دن، كبيرة الباحثين في مركز كارنيغي للسلام الدولي.

سوف يُحدّد عاملان أساسيان على الأرجح السياسات الخارجية التي سينتهجها عبد الفتاح السيسي في المدى المنظور. العامل الأول هو معركته ضد الإخوان المسلمين والمجموعات المتطرّفة في سيناء، في ما يتمثّل الثاني في الاعتماد الاقتصادي غير المسبوق على السعودية. العاملان مترابطان، نظراً إلى التقاء المصالح بين الجيش المصري وبين دول الخليج. يحتاج السيسي إلى الدعم المالي من الخليج لضخ الزخم في الاقتصاد المصري المتعثّر وتعزيز موقعه في مواجهة الإخوان. أما الخليج فيحتاج إلى السيسي لهزم الإخوان، أملاً في درء التململ السياسي الذي يمكن أن تتسبّب به المجموعات التابعة للإخوان في البلدان الخليجية.

تعتمد مصر بصورة متزايدة على المساعدات الاقتصادية الخليجية منذ أحداث العام 2011، ولاسيما أن الحكومة أنفقت احتياطي العملات الأجنبية لديها من أجل الحفاظ على مستوى مرتفع من الإنفاق الاجتماعي ودعم الجنيه المصري، في خضم الاضطرابات السياسية التي أعقبت سقوط مبارك. في الأشهر الثمانية عشر الأولى من المرحلة الانتقالية، عندما كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتولّى الحكم في البلاد، حصلت مصر على مساعدات قدرها نحو 2.3 مليار دولار فقط من دول الخليج (السعودية وقطر والكويت) على الرغم من أن التعهّدات بلغت 7 مليارات دولار على الأقل. وخلال رئاسة مرسي، قدّمت قطر نحو 8 مليارات دولار في شكل هبات وقروض ميسّرة، ماأثار موجة واسعة من القلق والتهكّم في مصر على خلفيّة الاعتماد على المساعدات من الخليج.

منذ عزل مرسي في تموز/يوليو 2013، لم تعد قطر الراعي الأساسي لمصر، بل تقدّمت السعودية والإمارات والكويت لتأدية هذا الدور، في نزعةٍ يبدو أنها ستشهد تسارعاً في وتيرتها خلال رئاسة السيسي. فبحلول مطلع العام 2014، كانت الحكومة المدعومة من العسكر قد حصلت من هذه الدول الثلاث على نحو 12 مليار دولار من خلال أشكال مختلفة من المساعدات (بما في ذلك مساعدات نقدية، وكذلك مساعدات في قطاع النفط، وفي المشاريع، وودائع لدى المصرف المركزي لدعم الجنيه المصري)، ويُتوقَّع أن يصل مزيد من المساعدات قريباً. واقع الحال هو أن المبادرات الأساسية التي ظهرت في حملة السيسي حتى الآن هي عبارة عن مشاريع اقتصادية ضخمة مموَّلة من الخليج (مشروع في قطاع الإسكان، وآخر في مجال تنمية منطقة قناة السويس)، بمشاركة واسعة من الجيش. فكل المؤشرات توحي بأن السيسي سيستمر في الاعتماد على تدفّقات النقد و/أو الطاقة، وقدرها نحو مليارَي دولار في الشهر، من الخليج من أجل الاستمرار في تعويم حكومته والحد من أزمة الطاقة المستمرة التي تعاني منها البلاد.

إذن، كيف سيؤثّر اعتماد السيسي الشديد وغير المسبوق على المساعدات الخليجية، في سياساته الخارجية؟

 دلَّت بعض المؤشّرات على أنّ القاهرة لن تتمكّن من الانحراف عن الخطوط التي رسمتها الرياض في السياسات، طالما أنها تعتمد عليها بشدّة على الصعيد الاقتصادي. فعندما قام السيسي بخلع مرسي، سرعان ماابتعدت الحكومة الانتقالية عن دعم الثورة السورية وتبنّت نهجاً مختلفاً، مشيرةً إلى أنها لن تدعم بعد الآن "الجهاد" في سورية. وبدأت على وجه الخصوص تستهدف اللاجئين السوريين في مصر الذين تخوّفت من نزعات تخريبية خطرة لديهم. ومع انعقاد القمة العربية في آذار/مارس 2014، اعتمدت الحكومة المصرية بهدوء موقفاً أكثر انسجاماً مع موقف حلفائها الخليجيين في التعامل مع الملف السوري، مشيرةً إلى "اتصالاتها" المستمرة مع المعارضة السورية ودول الخليج.

يبقى المجهول الأكبر في السياسة الخارجية المصرية هو: هل ستتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة أم تستمر بخطى متعثّرة أم تتعزّز خلال رئاسة السيسي؟ لدى الولايات المتحدة تحفّظاتها بشأن المسار الذي تسلكه مصر حالياً، لكنها ترغب في إيجاد طريقة للحفاظ على العلاقات. وعلى الأرجح أن السيسي يريد أن تستأنف الولايات المتحدة مساعداتها العسكرية المعلَّقة من أجل إرضاء جنرالاته. بيد أن السعودية لم تعرض فقط التعويض عن المساعدات العسكرية الأميركية، بل عرضت أيضاً تمويل شراء الأسلحة من روسيا. وهكذا تتحوّل مصر بيدقاً في العلاقات المتشنّجة بين واشنطن وموسكو والرياض.

تحدّث السيسي، في خطابه المقتضب الذي أعلن فيه ترشّحه للرئاسة، عن مواضيع مبتذلة في السياسة الخارجية، منها الحاجة إلى استعادة مصر "قوتها ونفوذها وتأثيرها" في العالم ورفضها التدخّل الخارجي في شؤونها ("مصر ليست ملعباً لطرف داخلي أو إقليمي أو دولي ولن تكون كذلك أبداً"). لكن في لحظة صراحةٍ، لمّح أيضاً إلى أنه لايمكن ولايجب الإبقاء على هذا المستوى الشديد من التبعية للخليج: "تعتمد مصر البلد الغني بموارده وشعبه على الإعانات والمساعدات. وهذا غير مقبول...".

يبقى أن نرى ما إذا كان السيسي سيعمل على تحقيق المصالحة الداخلية ويتّخذ قرارات سياسية واقتصادية شجاعة من شأنها أن تسمح لمصر بالتخلّص من هذه التبعية.

كيف سيستخدم السيسي شعبيته؟

وائل نوارة

وائل نوارة، كاتب عمود خاص عبر موقع المونيتور، وهو كاتب وناشط مصري شارك في تأسيس حزب الدستور والجمعية الوطنية للتغيير.

قد يستفيد المصريون من وصول زعيم يتمتّع بالشعبية والانضباط مثل السيسي إلى مقعد الرئاسة، لأنه لديه فرصة أفضل من غيره في مصارحة الشعب من أجل مواجهة الحقائق الاقتصادية. كما يتميز السيسي عن الكثير من منافسيه برصيد من الخبرة الحقيقية في إدارة مؤسسة ضخمة في ظروف صعبة، بينما تتركز خبرة معظم منافسيه في إلقاء الخطابات الحماسية المؤثّرة. يصل الرئيس العتيد إلى سدّة الحكم بعد ثورة كبرى ضد نظامٍ فاسد، وانتفاضةٍ طالبت بالعدالة الاجتماعية، لذلك ومهما كانت شعبيته، فسيجد حتماً صعوبة في أن يطلب من المصريين إن يقبلوا تطبيق إصلاحات اقتصادية قاسية وتحمُّل المسؤولية في إخراج البلاد من مأزقها الحالي. وعلى الرغم من أن السيسي يتمتّع بشعبية واسعة مع أكثرية كبيرة من التأييد، إلا أن الاستقطاب الشديد في البلاد، يجعل قطاعاً غير صغير يعارض السيسي بشدّة، وبعض أعضاء هذا المعسكر هم مستعدّون لفعل أي شيء من أجل إفشال رئاسته.

على الجبهة الأمنية، أمضى السيسي حياته المهنية كاملة كجندي، وكان لعدة أعوام رئيساً للمخابرات الحربية ثم زيراً للدفاع. لكن ليس من الواضح بعد هل وصول السيسي إلى الرئاسة سيجعل الإخوان المسلمين يقبلون أخيراً بالواقع المصري الجديد، أم هل سيدفعهم هذا نحو المزيد من العدوانية فيتوغلون أكثر في طريق الانتقام والعنف، مما سيؤدّي إلى إطالة أمد النزاع وتقويض الفرص المتاحة أمام البلاد لاستعادة درجة من الاستقرار لابد منها من أجل تعافي السياحة والاستثمار والاقتصاد.

لا شك أن السيسي يحظى بشعبية ضخمة، لكن قدرته على استخدام هذه الشعبية والمحافظة على هذا الرصيد السياسي من خلال التوازن بين الإصلاحات القاسية والنجاحات السريعة، هو ما سيحدد مدى نجاح رئاسته. 

على الجبهة السياسية، من الحكمة أن يتّخذ السيسي تدابير لإنعاش العملية السياسية بعدما دخلت مرحلة الموت السريري، عبر تعزيز الأحزاب وتوفير مساحة كافية لظهور معارضة فعّالة بدل تكرار أخطاء السادات، فيؤسّس، أو يتحالف مع حزب سياسي يولد من رحم السلطة ويحكم قبضته عليها، فتعاني الحياة السياسية من الاحتكار من حزب واحد. هل سيعمل من أجل قيام برلمان قوي يحظى باحترام السلطة التنفيذية، وقضاءٍ مستقل، وإعلام حيوي، أم أنه سيقزم من دور هذه المؤسسات ويحوّلها إلى ديكور أو مجرد أدوات تدور في فلكه وتنفذ "توجيهاته"؟ ذكر السيسي في خطاب استقالته من المؤسسة العسكرية الجهاز الحكومي "المترهّل"، لكن هل سيتمكّن من ترشيده وتحديثه؟ ماذا ستكون الكلفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهل يمكنه تحمّل التداعيات السياسية والكلفة الاجتماعية لإعادة الهيكلة؟ في حال نجاحه، سيكون للسيسي فرصة لإلهام الشعب من أجل العمل بفعالية وتحمّل مسؤولية حياتهم ومستقبلهم. سوف يضطر المصريون إلى التحلي بالصبر. ولكن هناك مخاطرة، أن يستنفذ السيسي رصيده بسرعة دون ظهور نتائج واضحة، بينما يفقد المصريون صبرهم، لأن ثمار الإصلاح تنمو ببطء كما علمتنا الطبيعة. 

لقد أوضح السيسي أنه يؤمن بأن مصر تستطيع أن تتقدم وتستعيد مكانتها وتصبح "قد الدنيا" على حد تعبيره. لكن كيف سيتحقّق ذلك؟ كشفت خطابات السيسي عن شجاعة رجلٍ لايخشى التكلّم بصراحة مع الشعب وإطلاعهم على الحقائق الصعبة، متطرّقاً إلى التحدّيات الاقتصادية والحاجة إلى العمل بجهد لإنقاذ اقتصاد البلاد. كما أنه يحذّر في الوقت نفسه من أنه لايملك عصا سحرية، ويشير إلى أن إعادة البناء هي من واجب الجميع ومسؤوليتهم. لكن الشجاعة في الكلام شيء وتطبيق إصلاحات فعلية مؤلمة هو شيءٌ آخر. 

في الأيام والأسابيع المقبلة، سيسمع المصريون وعوداً كثيرة من مختلف الطامحين للرئاسة. لكن الوعود هي مجرد أقوال غالباً ماتصدر عن المرشحين ذوي الحظوظ الضئيلة أو المعدومة بالفوز، ولذلك يستفيضون في إطلاقها بكرم "عزومة المراكبية". بيد أنّ الأقوال ليست كافية كي تجتاز مصر هذا المأزق الشديد. فالأجوبة عن الأسئلة التي ذكرناها ستحدد مدى نجاح حكم السيسي في حال وصوله إلى سدّة الرئاسة في مصر.

عن المؤلف

نقاش صدى

نقاش صدى
الإصلاح السياسيشمال أفريقيامصر

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Malcolm H. Kerr Carnegie Middle East Center

  • تعليق
    ديوان
    حين تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة

    تناولت نهائيات كأس الأمم الأفريقية، التي استضافها المغرب مؤخرًا، قضايا أوسع بكثير من المباريات.

      عصام القيسي, ياسمين زغلول

  • إعادة النظر في اتفاقات تقاسم السلطة في ليبيا
    مقالة
    إعادة النظر في اتفاقات تقاسم السلطة في ليبيا

    ينبغي على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إعادة تقييم نهجها في البلاد، بحيث يصبح تحقيق توافق فعلي بين الأطراف المتناحرة الهدف النهائي للأزمة السياسية، بدلًا من الاكتفاء بعملية إجرائية شكلية تعرقل المسار التفاوضي عند كل منعطف.

      ثريا راهم

  • مقالة
    بين التهميش وتغيّر المناخ: صمود قبيلة آيت خباش في المغرب

    أدّت التغيّرات البيئية إلى مفاقمة أوجه التفاوت الاجتماعي في أوساط الرعاة الأمازيغ الرحّل في جهة درعة-تافيلالت، ما دفعهم إلى البحث عن سُبلٍ للتكيّف مع الواقع الجديد، وكشَف عن الثغرات التي تشوب أُطر السياسات المناخية المركزية الموجّهة من الدولة.

      ياسمين زغلول, إيلا ويليامز

  • تعليق
    ديوان
    النساء والمياه والتكيّف لدى قبيلة آيت خباش

    لا تتجلّى وطأة التدهور البيئي من خلال المجهود البدني فحسب، بل أيضًا من خلال ما يصاحبه من تأثيرات وجدانية واجتماعية.

      ياسمين زغلول, إيلا ويليامز

  • تعليق
    ديوان
    نجم السيسي الجديد

    لقد وسّع جهاز "مستقبل مصر" محفظة مشروعاته بسرعة لافتة، إلا أن غياب الشفافية لا يزال قائمًا.

      يزيد صايغ

ar footer logo
شارع الأمير بشير، برج العازاريةبناية 2026 1210، ط5وسط بيروت ص.ب 1061 -11رياض الصلحلبنانالهاتف: +961 199 1491
  • بحث
  • ديوان
  • عن المركز
  • الخبراء
  • المشاريع
  • الأنشطة
  • اتصال
  • وظائف
  • خصوصية
  • للإعلام
© 2026 جميع الحقوق محفوظة