خضر خضّور
المصدر: Getty
جيش "أبناء المناطق": الترتيبات العسكرية في سورية ما بعد الأسد
شكّلت إعادة هيكلة القوات المسلحة إجراءً طارئًا لمنع خطر التفكّك، إلا أن بنيتها الموزّعة بين تشكيلات محلية على الأرض قد تزيد من احتمالات حدوث تفكّكٍ في المستقبل.
أُنجز هذا المقال بدعمٍ من مؤسسات المجتمع المفتوح.
مقدّمة
بعد انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت سورية مرحلةً انتقاليةً وسط بيئةٍ اجتماعية وسياسية تغيّرت ملامحها بشكل كبير بعد أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية. وتزامن ذلك مع عودة النازحين، والموظفين المدنيين، والشبكات المحلية التي شتّتتها سنوات الصراع، فيما بدأت المدن والأسواق تستعيد تدريجيًا ارتباطها بمحيطها الاجتماعي. وسلكت الفصائل المسلحة مسارًا مشابهًا، إذ أعادت تنظيم صفوفها ضمن البيئات الجغرافية والاجتماعية التي انبثقت منها، قبل أن تُدمج لاحقًا في الجيش السوري الجديد. ولم يقتصر ذلك على إعادة بناء الهياكل العسكرية فحسب، بل أدّى أيضًا إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الجيش والمجتمع في مرحلة ما بعد الأسد.
لقد اتّبعت السلطات الجديدة في دمشق لإعادة هيكلة الجيش السوري نهجًا يختلف إلى حدٍّ بعيد عن النهج الذي كان سائدًا خلال سنوات حكم الأسد، وقد اضطرّت إلى ذلك بهدف بسط سلطتها سريعًا على الأرض في مواجهة تحديات داخلية وخارجية كانت تهدّد بتفكيك البلاد. في ظلّ الترتيب الجديد، لم تَعُد دمشق تتولّى بشكل كامل إدارة الوحدات العسكرية، بل تجري إعادة تشكيل الوحدات من خلال الهياكل المحلية التي أُنشئت خلال سنوات الحرب، والتي يظلّ ارتباطها بالحكومة المركزية شكليًا في الغالب. ولا بدّ من مراقبة تداعيات هذا الأمر عن كثب، إذ قد تفرض نتائجه تحدّياتٍ على الحكومة المركزية لا تقلّ صعوبةً عن تلك التي حاول المسؤولون السوريون تفاديها في المقام الأول.
نموذجان للتنظيم العسكري منذ العام 1970
تاريخيًا، كانت الفرق العسكرية في الجيش السوري ترتبط ببيئات اجتماعية ومناطق جغرافية محدّدة، وتديرها قيادة شديدة المركزية في دمشق. لكن حين أنشأ حكّام سورية الجدد سلطةً انتقاليةً بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، برز نمطٌ مختلف، إذ لم تُشكَّل الوحدات العسكرية من خلال فرض هيكلية صارمة من أعلى الهرم إلى أسفله، بل ظلّت الوحدات مرتبطةً بالمجتمعات المحلية التي انبثقت منها خلال سنوات الحرب. لذا، تعمل هذه الوحدات في الغالب ككياناتٍ محلية لامركزية.
الجيش في عهد نظام الأسد وأهدافه
بعد تأسيس الجيش السوري في العام 1946، اضطلعت التشكيلات العسكرية بدورٍ محوري في الحياة السياسية، ولا سيما خلال الانقلابات التي هزّت البلاد في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.1 وتبدّل هذا الدور جذريًا بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة في العام 1970، إذ لم تَعُد الفرقة العسكرية في عهده وحدةً قتالية بالدرجة الأولى، بل أصبحت أداةً لفرض السيطرة داخل الدولة. وقد تسارعت وتيرة هذا التحوّل خلال ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما بعد أزمة العام 1984 نتيجة محاولة رفعت الأسد انتزاع مقاليد الحكم من شقيقه المريض. عندئذٍ ترسّخ شكلٌ من أشكال الإقطاع العسكري. فلم يَعُد مجال العمليات الأساسي للفرقة العسكرية هو جبهة القتال مع إسرائيل، بل باتت تعمل داخل المحافظات السورية، وتوسّعت مهامها لتشمل أدوارًا أمنية وإدارية واقتصادية. وتولّى قادة الفرق إدارة مناطق محدّدة في ظلّ نظام الإقطاعيات العسكرية الذي منحهم قدرًا واسعًا من الاستقلالية ضمن نطاق مناطق عملياتهم.
حمى هذا الترتيب نظام الأسد من الانقلابات العسكرية. فقد أنشأ منظومة امتيازات منحت قادة الفرق موارد اقتصادية مستقلة، ما عزّز ارتباطهم بالوضع القائم ورفع كلفة شنّ أي تمرّد داخل الجيش. وهكذا، باتت الفرقة العسكرية مجالًا اقتصاديًا قائمًا بذاته. وتحوّلت مرافق، مثل الندوات داخل الثكنات العسكرية، إلى مصادر غير رسمية للدخل، إذ استفاد القادة من عائداتها. كذلك، وفّرت الأراضي الزراعية التابعة للوحدات العسكرية، بما في ذلك بساتين الزيتون والأراضي المزروعة، إيراداتٍ إضافية خارج القنوات المالية الرسمية.2 وبرزت أيضًا أشكالٌ أخرى من مصادر الدخل غير الرسمية داخل الوحدات، شملت استغلال مخصّصات الوقود والإمدادات اللوجستية، إلى جانب ممارسات مثل إرغام المجنّدين على أداء عملٍ إنتاجي داخل منطقة الفرقة.3 إذًا، لم تَعُد قيادة الفرقة مجرّد منصب عسكري، بل باتت امتيازًا يُمنح لكبار الضباط لفتراتٍ زمنية محدودة، ما يتيح لهم مراكمة الثروة وبناء شبكات نفوذ قبل تولّي منصب آخر أو التقاعد.
ومع اندلاع الثورة السورية في العام 2011، تحوّلت هذه الإقطاعيات العسكرية، التي كانت تسهم سابقًا في تعزيز الاستقرار، إلى عبءٍ هيكلي. فقد بات النظام يعتمد بصورة متزايدة على الميليشيات المحلية للتعويض عن أوجه القصور التي اعترت الوحدات النظامية، ما أضعف قدرة الدولة على إدارة العمليات العسكرية. وساهم تدخّل قوى خارجية، مثل إيران وحزب الله وروسيا، في تقويض تماسك المؤسسة العسكرية وفاقم اختلال التوازن داخلها، فلم تَعُد تعمل كقوة موّحدة، بل تحوّلت إلى مجموعة من الوحدات التي تعتمد على التمويل الخارجي، وشبكات المحسوبية، والدعم العملياتي.
هيكل الجيش السوري الجديد
شهدت سورية نقطة تحوّلٍ كبرى عندما نجحت الفصائل المسلحة في إطاحة بشار الأسد، ما أدّى إلى إعادة ترتيب سياسية شاملة في البلاد. فقد أنشأت القيادة الجديدة إدارةً للعمليات العسكرية نجحت في جمع الفصائل المسلحة تحت مظلّة هيئة تحرير الشام التي يقودها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، لتصبح الهيئة بذلك الإطار الناظم لإدارة المرحلة الانتقالية. وعَقب فرار الأسد إلى موسكو، تولّت حكومة الإنقاذ، التي كانت تتّخذ من إدلب مقرًّا لها، إدارة مؤسسات الدولة في دمشق، فيما جرى حلّ الجيش السابق. وعيّنت السلطات مرهف أبو قصرة وزيرًا للدفاع للإشراف على وزارة الدفاع الجديدة. ثم جاء مؤتمر النصر، الذي عُقِد في أواخر كانون الثاني/يناير 2025، ليرسّخ هذا التحوّل من خلال إعلان الولاء للشرع، وإطلاق عملية دمج فصائل المعارضة ضمن هيكل عسكري موحّد.
لكن إنشاء جيش جديد لم يؤدِّ إلى إحياء القوات المسلحة بالمعنى المؤسّسي التقليدي، إذ سُمِح لفصائل المعارضة بالحفاظ على جزءٍ كبير من هياكلها الداخلية وقياداتها، ما جعل الجيش كيانًا غير مركزي يقوم على التفاوض بين المركز والوحدات المحلية. ويتألّف الجيش اليوم من عشرين فرقة عاملة، تضمّ مقاتلين من أكثر من ستّين فصيلًا عسكريًا. وبينما تغيب الأرقام الموثوقة حول تركيبة المقاتلين في كل فرقة، يبدو أن نحو نصف الفرق يقوده قادة، أو يقوم على فصائل ترتبط بالمناطق التي تعمل فيها.4 أما بقية الفرق، فلا تتّسم بالضرورة بطابع "وطني" أو مؤسّسي أكثر، إذ إن الكثير منها نشأ أيضًا من فصائل محلية وشبكات تشكّلت خلال الحرب، ما أسهم في تماسكها. ويكمن وجه الاختلاف بينها في مدى حفاظها على الروابط المحلية والفصائلية واستمرارية الشبكات التي نشأت خلال الحرب.
على سبيل المثال، دُمِج جيش الإسلام، وهو تشكيل معارض بارز في دوما في الغوطة الشرقية، في الفرقة 70 من الجيش بعد سنواتٍ من التهجير في شمال سورية، حيث أعادت قيادته وشبكاته تأسيس نفسها في ريف دمشق. وتكمن أهمية هذا الأمر في أن جيش الإسلام لم يكن مجرّد فصيل عسكري؛ ففي الفترة الممتدّة بين العامَين 2012 و2018، كان الطرفَ المسلّح المهيمن في دوما ومعظم أنحاء الغوطة الشرقية، حيث تطوّرت السلطة العسكرية والإدارة المحلية والحياة التجارية ضمن علاقةٍ وثيقةٍ ومتداخلة في ما بينها. بتعبير آخر، اقترنت عودة الفصيل بنمطٍ من الحوكمة تزامن مع انتخاب مجلس محلي مُعترَف به من السلطات في دمشق، ومع استعادة دوما دورَها بوصفها مركزًا حَضَريًا رئيسًا وسوقًا أساسيةً في الغوطة الشرقية. وقد عنى ذلك عمليًا عودة ترتيبٍ محلي تشكّل في زمن الحرب، ولكن هذه المرة ضمن إطار الدولة.
في المقابل، تُظهِر التطوّرات في شرق سورية نمطًا مختلفًا من الدمج المحلي، حيث جرى دمج فصائل مثل أحرار الشرقية، التي تتألّف في معظمها من مقاتلين يتحدّرون من المنطقة، ونشطوا خلال الحرب كجزءٍ من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، في الفرقة 86 بقيادة العميد أحمد إحسان فياض الهايس، المُلقَّب بأبو حاتم شقرا، وهو قائد سابق لفصيل أحرار الشرقية من دير الزور. وقد أُنيط بهذه الفرقة الانتشار في قطاعات تمتدّ عبر شرق سورية، في محافظات الرقّة ودير الزور والحسكة، وصولًا إلى الحدود العراقية. وفي هذه الحالة، تعتمد عودة الدولة إلى شرق البلاد على قادةٍ ومقاتلين تتجذّر سلطتهم في الجغرافيا نفسها التي يُتوقَّع منهم اليوم بسط الأمن فيها.
يبرز نمطٌ مختلفٌ في الفرقة 62 (العمشات)، التي يقودها العميد محمد حسين الجاسم (أبو عمشة). فقد انبثقت هذه الفرقة من فرقة السلطان سليمان شاه في الجيش الوطني السوري المدعومة من تركيا، وانتشرت في محافظة حماة التي يتحدّر منها معظم مقاتليها. ولا تكمن أهمية هذا المثال في أنه حالة من التمثيل المناطقي بقدر ما تكمن في مدى استمرارية الروابط الفصائلية والعائلية حتى بعد عملية الدمج في الجيش الجديد. فعددٌ من أفراد عائلة الجاسم يشغل مناصب على مستوى قيادة الألوية، الأمر الذي عزّز التداخل بين البنية العائلية والهرمية العسكرية، وجعل الفرقة عمليًا امتدادًا للشبكات العائلية.
تمتدّ إعادة هيكلة الجيش السوري لتشمل أيضًا قوات سورية الديمقراطية (قسد) السابقة ذات القيادة الكردية. فعلى خلاف الفصائل التي انضمّت إلى النظام الجديد عبر مؤتمر النصر، وما تضمّنه من إعلان الولاء لأحمد الشرع، دُمِجَت "قسد" من خلال اتفاق منفصل مع دمشق. ويجري تنظيم هذه القوات ضمن أربع فرق تتوزّع على مناطق كوباني والحسكة والقامشلي والمالكية، بالتزامن مع نقل مسؤولية الإِشراف الإداري على المعابر الحدودية، وحقول النفط، والمؤسسات المدنية، في كلٍّ من دير الزور والرقّة والحسكة، إلى السلطات المركزية تدريجيًا.
وفي حالة "قسد"، لا تستخدم دمشق عملية الدمج لإزالة هذا التنظيم دفعةً واحدة، بل تسعى لتفكيكه إلى مكوّناتٍ أصغر تُدمَج تدريجيًا في فرق الجيش السوري الجديد وألويته، مع الإبقاء على القيادة المحلية من أجل ضمان الاستمرارية التشغيلية. بالتوازي مع ذلك، ستُدمَج أيضًا المؤسسات الأمنية والهياكل الإدارية ضمن الوزارات المركزية في المراكز الحضرية الرئيسة مثل الحسكة والقامشلي. وهذه الخطوة هي عمليًا مسار مرحلي يجري التفاوض بشأنه وفق توجيهات دمشق.
في جنوب سورية، ولا سيما في السويداء، قد ينطبق منطق مماثل على إعادة هيكلة علاقات القوة. فالمحافظة لا تخضع لسيطرة دمشق المباشرة، بل لتشكيلات مسلحة مُوحَّدة جزئيًا ضمن إطار تنظيمي شبه متماسك يتولى مسؤولية الأمن المحلي. وتستند هذه التشكيلات إلى شرعية اجتماعية طائفية ضمن المجتمع الدرزي تحت قيادة الشيخ حكمت الهجري، فيما يعزّز الدعم الخارجي الذي تتلقّاه من إسرائيل استقلاليتها النسبية. وستتطلّب إعادة دمج هذه التشكيلات في الدولة على الأرجح ترتيبات يجري التفاوض عليها، على غرار المسار المتّبع مع "قسد"، ولا سيما في حال التوصّل إلى تفاهمات برعاية دولية تتيح إعادة تعريف العلاقات بين دمشق وهذه التشكيلات من دون اللجوء إلى مواجهة مباشرة.
لكن في ظلّ الإطار القائم في سورية اليوم، لا يُعَدّ نموذج "قسد" ولا ما قد يحدث في السويداء أمرًا استثنائيًا، بل يمثّل كلاهما تجلّيًا للنموذج العسكري الجديد، حيث يشكّل التحوّل في البنية العسكرية السورية انتقالًا إلى منطقٍ مختلفٍ في تنظيم القوة. فخلافًا للنظام القديم، الذي كان يعمل بوصفه شبكة محسوبياتٍ تُنَسَّق السلطة العسكرية ضمنها عبر صلاتٍ هرميةٍ تربط الفرق العسكرية بمركز النظام، يتّسم النمط الجديد بطابع أكثر تعدّديةً وتشرذمًا، وإن ظلّ مُرتكِزًا إلى إطار وطني واحد. وهذا بدوره يعيد تشكيل علاقات القوة داخل المجتمع السوري.
مفارقة إعادة تشكيل السلطة في الدولة السورية
تجري عملية بناء الجيش السوري في سياق مسارٍ أوسع من التحوّل الاجتماعي والسياسي الذي تشهده الدولة والمجتمع. فالفصائل المسلحة في صدد العودة إلى مناطقها الأصلية بالتزامن مع عودة عشرات آلاف المدنيين الذين نزحوا خلال الصراع، في حين أن الشبكات المحلية التي فكّكتها الحرب تُعيد تشكيل نفسها.5 وهكذا، لا تعمل السلطة الانتقالية في ظلّ هذا المناخ على إعادة بناء الجيش السوري من أعلى إلى أسفل، بل من أسفل إلى أعلى، في إطار الديناميّات الأوسع لعمليات العودة.
والواقع أن الشرع يطمح إلى إعادة تأسيس مركز سياسي عسكري في دمشق تتمحور حوله مؤسسات الدولة الجديدة، وتُستمَدّ نخبتُه من دائرة ضيّقة من رفاقه في هيئة تحرير الشام. لكن هذا الطموح يفتقر إلى بنية سيطرةٍ مكتملة الأركان، ذلك أن المركز الجديد تعوزه الأدوات التي كانت سابقًا تضمن احتكار القرار العسكري، وفي مقدّمتها جهاز أمني قادر على المراقبة والضبط. في ظلّ النظام القديم، كان ضباط شعبة المخابرات العسكرية يمارسون رقابةً مستمرةً على القادة الميدانيين، ويشكّلون حلقة الوصل المؤسّسية بين الفرق العسكرية والمركز. ولم يكن ذلك بديلًا عن التسلسل القيادي الرسمي، بل أتاح للسلطات المركزية قناةً سياسية وأمنية موازية لمراقبة القادة وضمان امتثالهم. أما اليوم، فقد فُكّكَت هذه الآلية من دون استبدالها بمنظومة أمنية مُكافئة. هذا الأمر أعاد تعريف العلاقة بين المركز والفرق العسكرية، بحيث باتت تُرسَم الحدود الفاصلة بينهما من خلال التفاوض وموازين القوى على الأرض، لا وفقًا لعلاقةٍ هرميةٍ تقليدية.
لكن هذا النهج ينطوي على مفارقة يتعيّن على القيادة السورية معالجتها، إذ يسود اعتقادٌ بأن الفصائل المسلحة المحلية ستندمج مع مرور الوقت بشكل أفضل في الجيش الجديد من خلال عملية توسيعٍ للمؤسسة. وهذا ما يتجلّى في السياسة الراهنة المتمثّلة في تخريج ضباط جدد وإعادة تدريب الكوادر العسكرية على مدى سنوات عدّة بغية تشكيل قيادة عسكرية جديدة تتجاوز الإرث الفصائلي. لكن هذا الرهان على عامل الوقت لا يجري في فراغ، بل يتجلّى في بيئة اجتماعية وسياسية متغيّرة، تحكمها ديناميّات العودة التي قد تؤدّي إلى ترسيخ البُنى المحلية إذا ما طال أمد هذه المرحلة الانتقالية.
ومن المرجّح أن يؤول هذا الوضع إلى إعادة تشكيل علاقات القوة داخل الدولة السورية، إذ إن نشر الفصائل في مناطقها الأصلية لا يمثّل مجرّد قرار عسكري، بل يعني أيضًا أنها تستطيع إعادة بناء الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تشكّلت إبّان الحرب. وبهذه الطريقة، ستتمكّن هذه الوحدات من إعادة إنتاج نفسها داخل بيئات تعزّز استقلاليتها النسبية عن المركز. وفي هذه الحالة، لن تعمل الدولة كهرمٍ للسلطة، بل كنظامٍ قائم على الاعتماد المتبادل حيث تتقاطع مستويات مختلفة من القوة. فالمركز يحتاج إلى الفرق العسكرية المحلية لضمان الاستقرار واستمرارية السيطرة على الأرض، فيما تتطلّع هذه الفرق إلى المركز لاكتساب الشرعية والموارد والدعم المؤسسي. لكن هذا الاعتماد المتبادل لن يفضي إلى توازن مستقرّ، بل سينتج علاقة غير متكافئة تتغيّر باستمرار تبعًا للظروف المحلية وقدرة كل طرف على التكيّف. وما قد ينتج عن ذلك هو دولة جديدة أقرب إلى شبكة من الوحدات العسكرية المترابطة منها إلى منظومة مركزية متماسكة.
سيضمن هذا التحوّل أن يستند الجيش الجديد إلى علاقة عضوية بين الوحدات العسكرية والمجتمع الذي تنبثق منه. فقد أصبحت الشرعية العسكرية تستمد قوتها من الروابط الاجتماعية المحلية بقدر ما تستمدها من الاعتراف الرسمي الصادر عن وزارة الدفاع. ومن هذا المنظور، ما يبدو مجرّد إعادة تموضع جغرافي هو في الواقع إعادة هندسة للدولة نفسها، بما يطمس الحدود الفاصلة بين الجيش والمجتمع. وقد يكون هذا الأمر جّيدًا من بعض النواحي، إلا أنه يعني أيضًا أن الجيش قد يصبح انعكاسًا لتناقضات المجتمع السوري، بدلًا من أن يسعى إلى ضبط هذه التناقضات أو احتوائها. فالواقع أن التنافسات المحلية، وروابط التضامن الأهلي، وذكريات الحرب، والتنافس على الموارد، أمورٌ قد يُعاد إنتاجها داخل الوحدات العسكرية التي تُعَدّ رسميًا جزءًا من الدولة. ونتيجةً لذلك، قد تصبح العلاقات السياسية في سورية خاضعةً أكثر فأكثر لوساطة تشكيلات مسلحة تحظى بالشرعية المحلية والاعتراف الرسمي في آن. ولا يقتصر الخطر على احتمال أن تعجز السلطة المركزية عن فرض سيطرتها من الأعلى، بل يمتدّ إلى احتمال أن تنتقل النزاعات داخل المجتمع إلى المؤسسة نفسها التي يُفترَض أن تتولّى احتواءها والحدّ من تبعاتها.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن ما تشهده سورية هو مجرّد مرحلة انتقالية قصيرة الأمد نحو إعادة إرساء مركزية الدولة، بل إن المشهد أقرب إلى ترسيخ نمط جديد للحكم، أصبحت فيه لامركزية القوات المسلحة شرطًا هيكليًا لبقاء الدولة. فالمركز يفتقر إلى الأدوات الكافية لإعادة فرض سيطرته الكاملة، فيما تُواصِل الوحدات المحلية إعادة إنتاج نفسها داخل بيئاتها الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، لا تمثّل المسألة انحرافًا مؤقّتًا عن نموذج المركزية القوية، بل إعادة تعريفٍ للمفهوم الكلاسيكي للحكم، الذي يقوم على مبدأ احتكار الدولة للعنف.
ولهذا السبب، ينطوي هذا النمط الناشئ على مخاطر تتجاوز المرحلة الانتقالية في سورية. قد يبدو مفهومًا أن تكون القيادة السورية قد رأت في تعزيز الهياكل المحلية تدبيرًا طارئًا لإدارة مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة، كانت البلاد خلالها تواجه خطر التفكّك. مع ذلك، ينطوي هذا التدبير أيضًا على احتمالات حدوث تفكّكٍ في المستقبل لا تقلّ خطورة. فإدارة العنف عبر وحدات محلية مرتبطة ببيئاتها الاجتماعية قد تحقّق استقرارًا آنيًا وتَحول دون الانهيار السريع، إلا أنها تفتح الباب أيضًا أمام تكاثر مراكز القوة المحلية التي ستجد الدولة صعوبةً في تفكيكها، ولا سيما إذا ما بقي المركز ضعيفًا، وتأخّر تعافي سورية الاقتصادي.
والواقع أنّ تجربتَي لبنان والعراق تُظهِران كيف يمكن أن تدوم ترتيباتٌ من هذا القبيل أكثر من حالات الطوارئ التي أفرزتها. ففي لبنان، أدّت التسوية التي أعقبت الحرب إلى نزع سلاح معظم الميليشيات، بيد أن حزب الله ظلّ خارج نطاق احتكار الدولة للعنف، فيما انخرط قادة الميليشيات الطائفية السابقون في مؤسسات الدولة، وحوّلوا الوزارات والموارد العامة إلى أدواتٍ للمحسوبية والريع والسلطة، ما أسفر عمليًا عن إعادة إنتاج نظام زمن الحرب في زمن السلم. أما في العراق، فبرزت قوات الحشد الشعبي عقب ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العام 2014، ومُنِحَت في وقت لاحق وضعًا رسميًا، وواصلت شبكاتُها العمل في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية. صحيحٌ أنّ هذين المثلَين ليسا نموذجَين يُحتذى بهما في حالة سورية، إلا أنهما يبيّنان أن منح الاستقلالية للجهات المسلحة قد ينتج مراكز قوة بديلة عن الدولة، إذا لم يجرِ تجاوز الظروف التي أتاحت لها هذه الاستقلالية في المقام الأول.
لم يَعُد التحدّي الذي تواجهه الدولة السورية الجديدة إذًا مقتصرًا على كيفية إعادة بناء جيش مركزي، بل بات يتمثّل في ما إذا كان بالإمكان إعادة ترسيخ السلطة المركزية نفسها من خلال جماعات مسلحة لا تزال لامركزيةً على الصعيدَين الاجتماعي والجغرافي. فما بدأ بوصفه ترتيبًا طارئًا قد يتحوّل في نهاية المطاف إلى البنية المُميِّزة للدولة السورية.
خاتمة
ستسعى القيادة السورية إلى ترسيخ سلطة سياسية مركزية قوية انطلاقًا من دمشق، حيث يتولّى الشرع ومسؤولون سابقون في هيئة تحرير الشام مناصب قيادية في المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية. لكن الهيكل العسكري الذي تمتدّ عبره سلطة هذا المركز إلى مختلف أنحاء البلاد يجري تشكيله بصورة مختلفة. فهو يعتمد على قادة ومقاتلين لا يزال نفوذهم متجذّرًا في الشبكات المحلية والتشكيلات التي نشأت خلال الحرب، ما يولّد توتّرًا لا حلّ له. لذا، قد تكون المحصّلة نظامًا هجينًا تُراكِم فيه دمشق السلطةَ في المركز، بينما تدير الحكم عبر بُنى مسلحة لا تستطيع تفكيكها بالكامل.
عن المؤلف
باحث غير مقيم, مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
خضر خضّور باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تركّز أبحاثه على الهياكل القَبَلية في منطقة المشرق، والعلاقات المدنية العسكرية في سورية، ودور الحدود في تشكيل الهويات المحليّة والوطنية في الشرق الأوسط.
- سورية الجديدة ولبنان القديم: أزمة غياب الدولةتعليق
- الدولة السورية بعد أحداث السويداءتعليق
خضر خضّور
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال Malcolm H. Kerr Carnegie Middle East Center
- التهريب والسلم الأهلي على الحدود اللبنانية: حالة السمّاقيةمقالة
تهدّد حملة السلطات اللبنانية لمكافحة الأنشطة غير المشروعة عبر الحدود بتضييق الخناق الاقتصادي على شريحةٍ واسعة من سكان هذه القرية المُهمَلة تاريخيًا والمناطق المحيطة بها في محافظة عكار.
مهنّد الحاج علي
- سورية الجديدة ولبنان القديم: أزمة غياب الدولةتعليق
من شأن أي تحرّك أميركي لتنفيذ اقتراح ترامب، القاضي بأن تقنع واشنطن دمشق بخوض مواجهة عسكرية مع حزب الله، أن يؤدّي إلى عواقب كارثية.
خضر خضّور
- على لبنان محاولة وضع حزب الله على طاولة الولايات المتحدة وإيرانتعليق
مع انطلاق المحادثات بين واشنطن وطهران، أمام بيروت فرصةٌ لطرح خطةٍ إقليميةٍ بشأن نزع السلاح.
مايكل يونغ
- محنة سورية في ظلّ الانتدابتعليق
تستذكر إليزابيث تومسون، في مقابلة معها، كيف صاغت البلاد دستورًا ليبراليًا في العام 1920، قبل أن تجهض فرنسا وبريطانيا هذا المسار.
مايكل يونغ
- الأمن الإسرائيلي قائمٌ على انعدام الأمن في الشرق الأوسطتعليق
فيما تستمر المفاوضات مع إيران ولبنان، يظلّ نشر الفوضى في صُلب حسابات حكومة نتنياهو.
مايكل يونغ