إبراهيم سيف, أحمد فاروق غنيم
المصدر: Getty
تحديات التحول الإقتصادي في مصر
إن الإجراءات الاقتصادية التي اتّخذتها الحكومة الانتقالية المصرية كردِّ فعلٍ تضع مزيداً من الضغط على عجز الميزانية غير المبرَّر أصلاً. وناهيك عن الحفاظ على الدعم الاقتصادي غير الفعّال، ستكون التداعيات طويلة الأمد لاستمرار السياسات الاقتصادية السيئة حادةً.
يمرّ الاقتصاد المصري بفترة حرجة، في وقت تتحوّل فيه البلاد إلى الديمقراطية. وفي حين أن التحوُّل من السلطوية يلقى ترحيباً بالتأكيد، ألا أنه أثار عدم استقرار لم تعرفه مصر على مدى السنوات الثلاثين الماضية. ويمثّل تنفيذ الإصلاح الاقتصادي في ظل عدم اليقين هذا تحدّياً على وجه الخصوص، فيما تحظى المطالب السياسية بالأسبقية. حاولت الدولة مرات عدّة إنعاش الاقتصاد المصري منذ انتهاج سياسة الانفتاح، أو "الباب المفتوح" التي بدأها الرئيس أنور السادات في منتصف سبعينيات القرن الماضي. وساهمت برامج الإصلاح المتعاقبة، على الرغم من فشلها، خلال السبعينيات في تفشّي الفقر الذي كان بمثابة المحرّك الأساسي للثورة المصرية في العام 2011. ويمكن لخبرات وتجارب الماضي أن تقدّم دروساً مفيدة لما يتعيّن تجنّبه في المستقبل، لكن تجربة الماضي غير قادرة على تبيان ماينبغي القيام به بالضبط.
يمكن تسهيل عملية انتقال ناجحة إلى الديمقراطية من خلال اقتصاد سليم يحقق رفاهاً اقتصادياً للمواطنين. والحقيقة أن الحكومة الانتقالية التي يقودها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يتولى إدارة البلاد إلى حين اجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، تواجه تحدّيات هائلة. ومع ذلك، سارعت وعلى نحو لايتّسم بالحكمة، إلى تلبية المطالب الشعبوية للثورة، من دون أن تأخذ التأثيرات طويلة الأمد لذلك بعين الاعتبار. وفي حين أنها قد تكون ملائمة سياسياً، فإن التدابير التي جاءت كرد فعل - مثل الزيادة الحكومية الأخيرة في الحدّ الأدنى للأجور في القطاع العام، وتمديد العقود الثابتة لـ450 ألفاً من الموظفين العموميين – تضع، ضغطاً إضافياً على الموازنة بما يؤدّي الى زيادة العجز الذي لايمكن أن يستمر. وستكون الآثار طويلة الأجل لاستمرار السياسات الاقتصادية القائمة على التوسع في الإنفاق العام سيئة.
لايزال الاقتصاد المصري في حالة تراجع منذ تنحّي حسني مبارك في شباط/فبراير 2011. ويعود ذلك جزئياً إلى حالة عدم الاستقرار المتأصّلة في الدول التي تمرّ في مرحلة انتقالية، وتفاقم الأمر في مصر بسبب تزامن مرحلة التحول مع الانكماش في الاقتصاد العالمي. والآثار المترتّبة على التباطؤ الحالي تبدو أكثر وضوحاً في مجالات الاستهلاك المحلي، والاستثمار الخاص المباشر، والسياحة. ولعكس هذه الاتجاهات الأخيرة والمضي قدماً في الاقتصاد ككل، يتعيّن على الحكومة الانتقالية أن تعطي الأولوية للأمور التالية في المدى القصير:
- استعادة الأمن.
- الاعتراف بتحفّظ وتردّد القطاع العام والردّ عليه - على المستويين المحلي والأجنبي - مع وجود خريطة طريق واضحة من شأنها ضمان الاستثمار خلال هذه الفترة من التقلبات.
- الكفّ عن شيطنة القطاع الخاص وإقامة شراكات جديدة مع أصحاب المشاريع المستقلين.
- اعتماد مقاربة أكثر تشاركيّة وشفافية في عملية صنع القرار.
- ضمان توافر الأموال اللازمة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة عن طريق تقديم ضمانات للبنوك التجارية لفترة محدودة من الزمن.
- توجيه المنح والقروض الأجنبية نحو مشاريع البنية الأساسية والإسكان للفقراء وللمرافق العامة الأخرى.
في المدى المتوسط بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية، الحكومة في حاجة إلى:
- تعزيز دور المؤسسات.
- معالجة المعدّلات المنخفضة للاستثمار ورصد الموارد المالية اللازمة ما أمكن.
- تصحيح الاختلالات بين المنتجين والمستهلكين.
- توسيع عملية التساقط المحدودة الآن الناجمة عن النمو(*)، والتي تؤدّي محدوديتها إلى توسيع الفجوة في الدخل بين الأغنياء والفقراء.
إن معالجة هذه المشاكل وتنفيذ التدابير قصيرة ومتوسطة الأجل المذكورة أعلاه سيساعدان على وضع الاقتصاد على المسار الصحيح، وتجنّب التوسّع في الإنفاق العام إلى مستويات لايمكن تحمّلها أكثر من ذلك. حتى الآن، فشلت الحكومة الانتقالية في اتخاذ خطوات جريئة في الاتجاه الصحيح، ولم تعط الاهتمام الكافي للجوانب الاقتصادية لعملية الانتقال. فقد كان أداء مصر ضعيفاً تاريخياً في مؤشرات الحوكمة، مثل سيادة القانون، ونوعية الأنظمة التجارية، والفساد المرتبط بالإنفاق الاجتماعي غير الفعال. ونتيجة لذلك هناك سوء في توزيع الموارد. وبالتالي، يمكن أن تواجه الحكومة أسوأ سيناريو من التدهور الاقتصادي المستمر والارتكاس إلى السلطوية.
عن المؤلف
باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط
إبراهيم سيف باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. وهو خبير اقتصادي متخصّص في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على الاقتصادات الانتقالية، والتجارة الدولية مع التركيز على الأردن والشرق الأوسط، والحوكمة المؤسسية، واقتصاد سوق العمل.
- القطاع الخاص في مصر بعد الثورةأوراق بحثية
- الأزمة القبرصية و«السطو» على ودائع المصارفمقالة
إبراهيم سيف
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال Carnegie Endowment for International Peace
- حين تتجاوز كرة القدم حدود الرياضةتعليق
تناولت نهائيات كأس الأمم الأفريقية، التي استضافها المغرب مؤخرًا، قضايا أوسع بكثير من المباريات.
عصام القيسي, ياسمين زغلول
- الدقم عند مفترق الطرق: الميناء الاستراتيجي لعُمان ودوره في رؤية 2040تعليق
في شرق أوسط متقلب، يقدم ميناء الدقم العماني الاستقرار والحياد والفرص. هل يمكن أن يصبح هذا الميناء الخفي الملاذ الآمن والأمثل للتجارة العالمية؟
جورجيو كافييرو, صموئيل راماني
- إعادة النظر في اتفاقات تقاسم السلطة في ليبيامقالة
ينبغي على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إعادة تقييم نهجها في البلاد، بحيث يصبح تحقيق توافق فعلي بين الأطراف المتناحرة الهدف النهائي للأزمة السياسية، بدلًا من الاكتفاء بعملية إجرائية شكلية تعرقل المسار التفاوضي عند كل منعطف.
ثريا راهم
- قراءة في قانون الفجوة المالية اللبنانيتعليق
يتناول إسحاق ديوان، في مقابلة معه، مزايا وعيوب المشروع التشريعي القاضي بتوزيع الخسائر الناجمة عن الانهيار المالي.
مايكل يونغ
- المملكة العربية السعودية في أفريقيا: استراتيجية اقتصادية وجيوسياسية سليمة، أم استغلالٌ للموارد؟مقالة
بعد التركيز لفترةٍ طويلة على النهج الاستخراجي، قبل تدشين رؤية السعودية 2030، يبدو أن الرياض ستتّجه نحو تبنّي استراتيجية أكثر تخطيطًا وإنصافًا في اتفاقاتها الاستثمارية والتنموية مع كلٍّ من السودان وإثيوبيا وإريتريا.
هشام الغنّام