• Research
  • Politika
  • About
Carnegie Russia Eurasia center logoCarnegie lettermark logo
  • تبرع
سورية: «لعبة انتظار» خطرة

المصدر: Getty

مقالة
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

سورية: «لعبة انتظار» خطرة

دخلت الأزمة السورية مرحلة جمود قد تمتدّ طيلة العام 2012 في ظلّ عجز كل من النظام والمعارضة عن الحسم ومع دخول الأزمة بُعدًا جيو-سياسيًا إقليميًا ودوليًا، فضلًا عن قدرة الاقتصاد السوري على الصمود في المدى المنظور. وقد يُفاقِم هذا الجمود من مخاطر اتّساع العنف الطائفي، غير أنه يقف عائقاً أمام نشوب حرب أهلية حقيقية.

Link Copied
يزيد صايغ
نشر في 12 يناير 2012

المصدر: الحياة

 لقد دخلت الأزمة السورية مرحلة «جمود مؤلم» قد تمتدّ طيلة العام 2012، بعد أن بلغت الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية أبعد ما ستذهب إليه في الأمد المنظور. من الواضح تماماً أن النظام عجز عن قمع الانتفاضة ولن ينجح بذلك خلال السنة المقبلة. لكن يبدو أيضاً أن المعارضة –بجناحها في الخارج وفي الداخل حيث ثقلها– غير قادرة هي الأخرى، على توسيع نطاق نشاطاتها وفعاليتها أو ابتكار سبل جديدة لممارسة الضغط، بغية زيادة ومضاعفة نقاط الاحتكاك والمواجهة، وصولاً إلى استنزاف النظام وأجهزته الأمنية-العسكرية وإرهاقهما.

من المحتّم، عاجلاًَ أم آجلاً، أن تفشل بعثة المراقبين التي أرسلتها جامعة الدول العربية إلى سورية في أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي. صحيح أن احتضارها يمرّ عبر لحظات شدّ وجذب، فيما توجّه اللجنة الوزارية للجامعة المزيد من التحذيرات إلى الحكومة السورية، وفيما تماطل هذه الأخيرة لتتراجع في اللحظة الأخيرة، لكن من غير المرجح أن يتم الإعلان عن موت خطة العمل العربية رسمياً لبعض الوقت. ويعني ذلك، إذا صحّ التقدير، أن تهديدات جامعة الدول العربية بإعادة فرض المقاطعة الاقتصادية على النظام، كما أعلنت في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت، أو باللجوء إلى إجراءات أخرى مثل منع رحلات الطيران المدني العربي من وإلى سورية أو مطالبة مجلس الأمن الدولي بالتدخّل، سوف تستغرق أسابيع لإقرارها وأشهراً لتحويلها إلى حيّز التنفيذ الفعلي.

لا يزال النظام السوري يستفيد من هامش ملحوظ للمناورة. ويعود ذلك من ناحية، إلى أن مجلس التعاون الخليجي الذي تزعّم حتى الآن مبادرات جامعة الدول العربية تجاه سورية، لا يملك خطة واضحة تحدِّد له خياراته المقبلة، كما أن المجلس لم يحدّد «انتقال السلطة» كهدف رئيس في سورية، على عكس سياسته في اليمن، التي وضعت ذلك هدفاً منذ البداية. ولا يقلّ أهميةً عن كل ذلك تصلُّب موقف روسيا والصين مؤخراً في مواجهة السياسة الأميركية والغربية عموماً تجاه سورية، مما يعيق الأمم المتحدة عن الضلوع بدور فعّال، فيما يشير اتجاه التطورات السياسية الداخلية في العراق إلى أن الحكومة هناك ستلعب دور «الرئة» الإضافية لنظيرتها السورية.

يتمثّل العامل الحاسم في أنه لن يكون هناك ثمة تدخّل عسكري خارجي، من شأنه «فَرط المسبحة» الداخلية في سورية، بحيث يتهاوى مؤيّدو النظام من الطبقات الوسطى المدينية أو تنطلق سلسلة انهيارات داخل المؤسسات الحكومية أو الأجهزة الأمنية والعسكرية، وصولاً إلى انقلاب جذري للميزان الداخلي في البلاد، فلا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي مستعدّان لتكرار السيناريو الليبي لمجموعة أسباب عملياتية وجغرافية ومالية (فيما يتأرجح مصير اليورو على شفير الهاوية)، بينما تمتنع تركيا عن أي دور عسكري مباشر، على الرغم من استعدادها لتطبيق العقوبات الاقتصادية المكلِفة. فلن تنشأ مناطق الحظر الجوي (الكامل أو الجزئي)، أو مناطق حدودية محمية، أو «ممرّات إنسانية» لإيصال المؤن والأدوية إلى المدن والبلدات المحاصَرة داخل سورية.

وعلى عكس بعض التقديرات، لا يحتاج النظام السوري إلى «دفعة بسيطة» وحسب لينهار، إذ لا يزال يحتفظ بقبضة ثابتة على دمشق وحلب، حيث لا تظهر حتى الآن علامات مقنِعة على انتقال الطبقة الوسطى (من الموظفين وذوي المهن الحرّة ورجال الأعمال) إلى صف المعارضة، أو على حالات انشقاق جماعي. ولا بد أن الأجهزة الأمنية تتكبّد الخسائر والقلق حول المصير، لكنها لا تزال موالية ومتماسكة في الغالب، على الأقل ظاهرياً. وكذلك تتواصل حالات الفرار من الجيش، إلا أنها لم تتحوّل فيضاناً بعد. ثم إن «الجيش السوري الحرّ» غير قادر على أن يشكّل خطراً إستراتيجياً على النظام في غياب إمكانية إنشاء المناطق الآمنة بحماية عسكرية خارجية.

الواضح أن النظام قد اختار التخلّي عن سيطرته على بعض المناطق الريفية والبلدات الصغيرة لكي يُبقي على غالبية الجيش في ثكناته، فيما يوكِل إلى أقوى وحداته وأشدّها ولاءً مهمة ضبط المدن الرئيسية وضمان السيطرة على المناطق والمعابر الحدودية الأساسية، التي تشكّل الأولوية الأكثر حيوية بالنسبة إليه.

مفاد كل ذلك هو إطالة عمر النظام. صحيح أن الاقتصاد السوري قد انكمش انكماشاً شديداً خلال العام 2011، ربما بلغ 30 بالمئة من إجمال الناتج الوطني، غير أن اقتصادات عربية أخرى تراجعت بنسب مماثلة من دون أن ينهار النظام: العراق بعد غزو الكويت، والسلطة الفلسطينية بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، وليبيا في ظلّ العقوبات الدولية. ومن شأن سهولة التسرّب عبر الحدود السورية واتّساع الاقتصاد «الأسود» المستند إلى التهريب، وتنوّع الاقتصاد السوري وعدم اتّكاله المركزي على تصدير النفط، والتطوّر النسبي للقطاع الخاص وتمتّعه بشبكات تجارية ورأسمالية في الخارج، أن يؤدّي كل ذلك إلى حماية المجتمع السوري عامة، وليس النظام وحده، من آثار الحصار لفترة لا بأس بها. يُضاف إلى ذلك أن أياً من الدول العربية المجاوِرة، بما فيها تركيا، لم تُغلِق حدودها مع سورية، وليس مرجّحاً أن يتم ذلك مستقبلاً (ربما باستثناء تركيا. وهذا قد يكون مؤجَّلاً أو جزئياً).

وما يزيد من جمود الأزمة السورية هو تحوّلها الواضح إلى منافسة جيو-سياسية بين القوى الإقليمية والدولية الرئيسية. وقد يُفاقِم هذا الجمود من مخاطر اتّساع العنف الطائفي، غير أنه يقف عائقاً أمام نشوب حرب أهلية حقيقية. الأرجح حدوث أحد احتمالين: السيناريو الأول أن تتوصّل عناصر داخل الطائفة العلوية –ربما قيادتها «الملِّية» الدينية التقليدية أو بعض القادة العسكريين من خارج دائرة عائلة الرئيس بشار الأسد– إلى استنتاج مفاده أن مصيرها الهزيمة في حال نشوب نزاع عسكري واسع أو حرب أهلية، فتبادر إلى الضغط على الرئيس بهدف إقناعه بالتفاوض والاتفاق طالما يحتفظ بالقدرة على تأمين الشروط والضمانات الممكنة. أما السيناريو الثاني، في حال غياب مثل هذه المساعي أو فشلها، فهو أن يتآكل النظام من الداخل حتى يصل إلى لحظة الانهيار، فتفرُط المسبحة «وتكرّ» بوتيرة متسارعة عندما يرى السواد الأعظم من الجيش ومن المدن والبلدات أنه لم يَعُد في مقدور النظام الدفاع عن نفسه أو القيام بالهجوم المضاد.

لكن لن تأتي تلك اللحظة في العام 2012 طالما بقيت المعطيات الأساسية على ماهي عليه اليوم.

تمّ نشر هذا المقال في جريدة الحياة.

عن المؤلف

يزيد صايغ

زميل أول, مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

يزيد صايغ زميل أول في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تركّز أبحاثه على الأدوار السياسية والاقتصادية المقارَنة للقوات المسلحة العربية، والتداعيات التي تخلّفها الحرب على الدول والمجتمعات، والجوانب السياسية لعملية إعادة البناء وتحوّل قطاع الأمن وفي المراحل الانتقالية التي تشهدها الدول العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج الأنظمة السلطوية.

    الأعمال الحديثة

  • تعليق
    ما هي خطة إسرائيل في لبنان؟

      يزيد صايغ

  • تعليق
    كل شيء أو لا شيء في غزة

      يزيد صايغ

يزيد صايغ
زميل أول, مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
يزيد صايغ
المشرق العربيالإصلاح السياسيالأمن

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Carnegie Russia Eurasia Center

  • تعليق
    ديوان
    روسيا.. والحسابات الفيروسية

    أحدثت أزمة فيروس كورونا تأثيراً في السياسات الروسية في الشرق الأوسط، وساهمت أيضاً في توفير فرص.

      ديميتري ترينين

  • تعليق
    الآفاق الروسية حيال الإصلاحات العسكرية السورية

    تواجه روسيا جملةً من الفرص والتحديات في مساعيها الرامية إلى إصلاح وإعادة هيكلة القوات المسلحة السورية، وهو الأمر الذي تعتبره أساسياً من أجل إنهاء الحرب الأهلية ضمن شروط تكون في آن مؤاتية لنظام الأسد، وتؤدي إلى احتواء الانخراط الإيراني في البلاد، وتخفّف من الدور الروسي القتالي.

      يزيد صايغ

  • تعليق
    صدى
    أهداف الوساطة الروسية في ليبيا

    تسعى روسيا، في محاولة منها لتأمين مصالحها الاقتصادية في ليبيا، إلى منح حفتر تأثيراً أكبر على التسوية الدبلوماسية التي قد يجري التوصل إليها مستقبلاً بوساطة من الأمم المتحدة.

      سامويل راماني

  • تعليق
    ديوان
    الأمير المُحارب

    سيتجاوز محمد بن سلمان تداعيات مقتل خاشقجي، لأنه يُحكم قبضته على أجهزة الأمن السعودي.

      يزيد صايغ

  • تعليق
    صدى
    روسيا ودور الوساطة في جنوب اليمن

    تأمل روسيا، التي تسعى إلى توسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر، بأن يساهم التوسط في النزاعات الداخلية في اليمن، في جعل المنطقة أكثر أماناً.

      سامويل راماني

احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Russia Eurasia Center
Carnegie Russia Eurasia logo, white
  • Research
  • Politika
  • About
  • Experts
  • Events
  • Contact
  • Privacy
  • For Media
احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Russia Eurasia Center
© 2026 Carnegie Endowment for International Peace. All rights reserved.