• Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
Carnegie Global logoCarnegie lettermark logo
Democracy
  • تبرع
{
  "authors": [
    "سفيان الكمري"
  ],
  "type": "commentary",
  "blog": "صدى",
  "centerAffiliationAll": "",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace"
  ],
  "englishNewsletterAll": "",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "Carnegie Endowment for International Peace",
  "programAffiliation": "",
  "programs": [
    "Middle East"
  ],
  "regions": [
    "الشرق الأوسط",
    "المغرب",
    "جنوب الصحراء الأفريقية"
  ],
  "topics": [
    "الهجرة",
    "السياسة الداخلية"
  ]
}
Attribution logo

المصدر: FADEL SENNA/AFP via Getty Images

تعليق
صدى

مهاجرو إفريقيا جنوب الصحراء في المغرب: سؤال الأمان وامتحان الحقوق

هل تحمي سياسة الهجرة في المغرب مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، أم تُديرهم بمنطق أمني وسياسي؟ يناقش هذا المقال الثغرات القائمة ويستعرض إمكانيات إدماج أكثر عدلًا وإنصافًا.

Link Copied
بواسطة سفيان الكمري
منشئ 29 يناير 2026

المدونة

صدى

"صدى" نشرة إلكترونية تندرج في صلب برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تسعى إلى تحفيز وإغناء النقاش عن أبرز الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، وتقدّم فسحة للمفكرين والكتّاب، الجدد كما المعروفين في مجالاتهم، يتسنّى لهم من خلالها الإضاءة على هذه المواضيع من وجهة نظر تحليلية.

تعرف على المزيد
Program mobile hero image

البرنامج

Middle East

The Middle East Program in Washington combines in-depth regional knowledge with incisive comparative analysis to provide deeply informed recommendations. With expertise in the Gulf, North Africa, Iran, and Israel/Palestine, we examine crosscutting themes of political, economic, and social change in both English and Arabic.

تعرف على المزيد

مقدمة:

ترتبط قضية المهاجرين من أفارقة جنوب الصحراء في السياق المغربي بالسؤال الحقوقي الحاضر باستمرار في النقاش العمومي، وبتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تشمل المواطنين والمهاجرين على حد سواء، ثم كذلك بتطوير الشروط القانونية بما يتلاءم مع الإطار المعياري الدولي للهجرة، من هنا يمكن أن يشكل الإدماج "الآمن" للمهاجرين في الحياة العامة – عبر سياسات عمومية مراعية للبعد الهجروي – رهاناً مشتركاً وطموحاً مشروعاً لكل الفاعلين. 

شكَّلت بعض التحولات الأمنية، الدولية والوطنية، مثل السياق الإرهابي في الولايات المتحدة (11 سبتمبر 2001)، وبعده حدث التفجيرات الإرهابية بمدينة الدار البيضاء (16 مايو 2003) منعطفات حاسمة  في فهم تحولات الاهتمام المغربي الرسمي بقضايا الهجرة، حيث جرى –منذ ذلك الحين– التعاطي من طرف الدولة المغربية مع "المسألة الهجروية"  –مسنودة بدعم إقليمي ودولي– بمنطق أمني أكثر منه حقوقي، وذلك بذريعة مواجهة التهديدات الإرهابية، وهو ما يستبين من خلال القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب، والذي تعج أحكامه بضبط وتقييد شروط إقامة المهاجرين الأجانب بالمغرب.   

بعد سياق "الربيع العربي" (العام 2011 )، وما رافقه من تسامح رسمي مع قضايا حقوق الإنسان، واستجابة لضغط شعبي جارف، بدأ التفكير الرسمي في التطبيع مع مشكلة الهجرة من خلال الاعتراف بها في السياسات العمومية، واتخاذ بعض التدابير التنظيمية والإجراءات التشريعية، وهو ما اعتُبِر "نقلة نوعية" في مسار تدبير ملف الهجرة بالمغرب، غير أنه سرعان ما ستبرز العديد من مؤشرات القلق في ذلك التدبير، من النواحي الحقوقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن هنا يظهر السؤال الإشكالي التالي: "في ظل المجهودات الرسمية المبذولة لتلافي مشكلات المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء، هل يوجد هؤلاء في مأمن؟" 

المهاجرون من أفارقة جنوب الصحراء في أرقام:  

يمكن التأكيد على إشارة أساسية فيما يخص إشكالات التناول البحثي أو الميداني مع قضايا الهجرة، وهي ضعف المعطيات والإحصائيات الدقيقة حول الأوضاع الحقيقية للمهاجرين في المغرب (عددهم، جنسياتهم، توزيعهم الجغرافي، أوضاعهم الاقتصادية...)، ومن المرجح أن يكون ذلك راجعاً إلى عدة أسباب منها صعوبة الإحاطة ببعض أصناف الهجرة التي تتخذ طابعاً "سرياً"  أو تعمد المهاجرين إخفاء هوياتهم ووثائقهم الشخصية مخافة ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية، ثم لتناقض الوثائق الرسمية وتباينها (معطيات: وزارة الداخلية، وزارة التشغيل، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المندوبية السامية للتخطيط) بسبب غياب بنية مغربية رسمية واحدة متخصصة في رصد واقع الهجرة، وأخيراً يمكن كذلك استحضار الخلفية الأمنية التي تتحكم في مقاربة هكذا مواضيع، حيث يُوظَف الكشف الكمي حول الهجرة لأغراض أمنية وضبطية، لا كأداة محورية لتوجيه السياسات العمومية ومواكبة التحولات المجتمعية.   

لقد بادرت الدولة في العِقد الأخير إلى تنفيذ برنامج تسوية أوضاع المهاجرين على مرحلتين، شملت المرحلة الأولى 23066 مهاجر من أصل 27649 ينحدر أغلبهم من السنغال والكونغو وساحل العاج، أما المرحلة الثانية فتعلقت بتسوية 20000 طلب من أصل 28400، وقد ارتبط برنامج التسوية هذا بتمكين المهاجرين المعنيين من الخدمات الأساسية مثل تعليم أبناء المهاجرين والإستفادة من العلاج، وهو الأمر الذي جعل المنظمة العالمية للصحة والهجرة "تُثني" على جهود المغرب فيما يخص الإدماج التدريجي للمهاجرين في الحياة العامة.  

أما فيما يتعلق بالمعطيات الإحصائية حول الهجرة، فتقدم أحدث البيانات المنشورة من طرف "المندوبية السامية للتخطيط" أن عدد المهاجرين وصل اعتماداً على "الإحصاء العام للسكنى" للعام 2024 إلى 142.152 ألف فرد، أي 0.4 من إجمالي سكان البلاد، يتصدرهم على مستوى مجموع حاملي الجنسيات من أفارقة جنوب الصحراء السنغاليين، ثم الإيفواريين، وبعدهم الغينيين والماليين، وهم جميعاً يشكلون الفئة الأكبر والأكثر من الأجانب المقيمين بالمغرب، حيث يمثلون 59.9 في المائة من مجموع المهاجرين في العام 2024، ويتركز أغلبهم –حسب نفس البيانات– في الأقطاب الحضرية الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش ..إلخ، مما يعكس جنوح المهاجر الإفريقي –لأسباب اقتصادية– إلى الإستقرار في مناطق ذات مؤهلات اجتماعية واقتصادية وتعليمية تستجيب لحاجياته، كما يؤكد التقرير على بروز ظاهرة "تأنيث" الهجرة، حيث يرصد تنامياً ملحوظاً لظاهرة المهاجرات الإفريقيات، ولا سيما من ساحل العاج.   

وارتباطا بحجم الهجرة غير النظامية بالمغرب، يمكن إستحضار  ورقة بحثية حديثة نسبيًا ، رصدت تواجد ما يزيد عن 75000 ألف مهاجر غير نظامي عام 2023 منهم 10280 دخلوا البلاد بطريقة غير قانونية بين شهري يناير وديسمبر من نفس السنة، وذلك بحسب بيانات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وترجع أصول أغلبهم إلى دول غرب ووسط إفريقيا جنوب الصحراء، من مثل نيجيريا والكونغو، أما أسباب هجرتهم فترتبط غالباً إما بالتوترات الأمنية التي تشهدها تلك البلدان أو الرغبة في الهجرة إلى أوروبا عبر بوابة المغرب لمواجهة أشكال الفقر والبطالة، هذا دون تجاهل الأزمات البيئية والمناخية التي يمكن أن تكون عاملاً مفسراً لتنامي مستويات الهجرة غير النظامية إلى المغرب.  

بسبب هذا "الزخم الهجروي" الذي يشهده المغرب بحكم موقعه الإستراتيجي الذي يربطه بالقارة الأوربية، فهو يحتل مراتب متقدمة على مستوى احتضان المهاجرين، ولا سيما غير النظاميين منهم، ففي أحدث تقرير (2025) لأحد المراكز الإفريقية المتخصصة في قضايا الهجرة ، احتل المغرب الرتبة الثانية إفريقياً على مستوى استقبال المهاجرين غير النظاميين القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، هذا الوضع يجعل الدولة أمام تحديات كثيرة قد يكون أهمها مدى قدرتها على استيعاب أولئك المهاجرين سياسياً واقتصادياً وخدماتياً وإدارياً.  

التطبيع الرسمي مع المهاجرين في السياسات الحكومية.. القصة الكاملة:

لا يمكن فهم سياسات الهجرة في السياق المغربي إلا من خلال استحضار خلفياتها ودوافعها المعلنة والكامنة، وكذا مساراتها ومآلاتها السياسية والإجتماعية. 

وهكذا، فإن سياسات الهجرة المغربية الموجهة إلى أفارقة جنوب الصحراء لا يمكن مقاربتها إلا من خلال  مساءلة الرهانات الموجهة لها، من مثل الرغبة في تلميع صورة الدولة  في محيطها الإفريقي رغبةً في كسب مزيد من التأييد الدبلوماسي لقضية "الصحراء الغربية"، بالإضافة إلى رهان توجيه وتعزيز أوراق التفاوض مع الإتحاد الأوربي في ملفات اقتصادية كاتفاقيات التبادل الحر الفلاحية، أو تلك المتعلقة بولوج قوارب الصيد البحري للمياه المغربية، بيد إن هذه الرهانات تصطدم برهانات إقليمية أخرى تفرضها طبيعة التوازنات المشكلة لمحيط المغرب الأورومتوسطي، حيث تبرز رغبة الدول الأوربية في حماية أمنها القومي، ومن هنا يمكن تفسير "اتفاقيات التعاون" بين المغرب والإتحاد الأوربي في ميدان تدبير الهجرة غير النظامية منذ سنوات طويلة.  

في ظل هذه الظروف وُلدت في العام 2014 "سياسة مغربية" حول تدبير ملف الهجرة وبدعم مالي ولوجستي أوروبي وقد  أطلق عليها في التداول الرسمي "الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء"، حاولت الأخيرة تجاوز "عوار" المخططات التنموية السابقة التي لم تكن تستحضر بعد الهجرة بشكل كافٍ وشاملٍ، حيث انطلقت الإستراتيجية الحالية من مقاربات جديدة مثل المقاربة الإنسانية والحقوقية والمسؤولية المشتركة، وذلك بهدف ضمان إدماج أحسن للمهاجرين وتدبير أفضل لتدفقات الهجرة من خلال تسهيل اندماج المهاجرين و تأهيل الإطار القانوني و تدبير تدفق المهاجرين في إطار يحترم حقوق الإنسان ووضع إطار مؤسساتي ملائم.  

على الرغم من اعتماد عدد من البرامج والآليات الإجرائية لتفعيل الاستراتيجية المذكورة، وما حققته من انتقال نسبي من مرحلة “التنكر” لواقع المهاجرين إلى مستوى من “التطبيع الرسمي” مع قضية المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء، فإن تقييم نتائج تنفيذ هذه الاستراتيجية، بما في ذلك وفق شهادات مؤسسات رسمية، يكشف عن محدوديتها ووجود اختلالات بنيوية واضحة. من أبرز هذه الاختلالات تعثر عمل اللجان الرسمية المكلفة بتسوية الأوضاع الإدارية للمهاجرين وطالبي اللجوء، وغياب التنسيق القطاعي والرؤية الشمولية في تدبير سياسة الهجرة، إضافة إلى تهميش دور الفاعل الترابي1 المنتخب، ولا سيما الجماعات الترابية، في إدماج ملف الهجرة ضمن مخططاتها وبرامجها التنموية، فضلًا عن العودة إلى مقاربات بيروقراطية في التعامل مع هذا الملف خلال السنوات القليلة الماضية. 

كما أفرزت هذه الاختلالات تداعيات اجتماعية وحقوقية ملموسة، تمثلت في تنامي ظاهرة التشغيل غير النظامي للمهاجرين وما يرافقها من انتهاكات، وضعف تدخل الدولة من حيث تخصيص ميزانيات كافية لتقديم الخدمات الإنسانية للمهاجرين من أفارقة جنوب الصحراء. ويضاف إلى ذلك محدودية قدرة منظمات المجتمع المدني الشريكة للدولة على الاستجابة للطلب المتزايد على خدمات أساسية كالصحة والتعليم والسكن، نتيجة ضعف التمويل، إلى جانب بروز صعوبات مرتبطة بالاندماج الثقافي والديني للمهاجرين بسبب أعطاب في البنية السياسية والقانونية. وتستدعي هذه الإشكالات إعادة النظر في السياسة المغربية للهجرة، أو على الأقل تحسينها، بما ينسجم مع التحولات الراهنة ويبتكر خيارات أكثر قدرة على استيعاب المهاجرين، وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بعيدًا عن منطق الحسابات السياسية الضيقة.

الإطار القانوني للهجرة في المغرب: تعقيدات النص ومعضلات الواقع: 

يُظهر تحليل الإطار الاتفاقي للمغرب بخصوص الهجرة تنوعه وتعدده، فبالإضافة إلى الإتفاقيات الثنائية للدولة المغربية يعتبر المغرب ملتزماً من الناحية القانونية باتفاقيات أخرى مرجعية، مثل إتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951وبروتوكولها الإضافي،  والاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم لعام 1990، والإتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية للعام 2018، وكذا بعض الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمنظمة العمل الدولية. هذا مع استحضار الاتفاقيات الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان الأخرى مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات حقوق الطفل والمرأة... إلخ.  

يجب كذلك استحضار أن حتى بعض الاتفاقيات الدولية التي يلتزم بها المغرب لا تحمي فئة المهاجرين غير النظاميين (الإتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم) التي تعد الفئة الأكثر هشاشة وضعفاً. كل هذا دون نسيان أن المغرب أبرم اتفاقيات "إعادة الأشخاص على الحدود" مع بعض الدول الأوروبية التي تخالف حقوق الإنسان، حيث يتعهد بموجبها  كل طرف بقبول الأشخاص الذين غادروا ترابه بطريقة سرية أو يقيمون بطريقة غير شرعية فوق تراب دولة عضو في فضاء شنغن، ويتم إعادتهم لبلدهم الأصلي بعد إلقاء القبض عليهم.  

بيد أن التعدد في الإطار الاتفاقي الوطني لا يخلق ضمانات حماية كافية للمهاجر الإفريقي من جنوب الصحراء، خصوصاً إذا ما تم استحضار أن الدولة المغربية لم توقع وتصادق على العديد من الاتفاقيات المهمة من مثل الاتفاقية الدولية لسنة 1954 المتعلقة بعديمي الجنسيةواتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 المتعلقة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم للعام 1950 و اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 143 بشأن العمال المهاجرين للعام 1978.

في ظل محدودية التناول الدستوري لحقوق المهاجرين (ديباجة الدستور ، الفصل 30  الذي حصر  حق الأجانب في المشاركة السياسية على  الانتخابات المحلية فقط، استمرار إشكالية السمو بين القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية)، يمكن القول أن المنظومة القانونية للهجرة لا تزال تعرف العديد من جوانب القصور بالشكل الذي يكرس المقاربة الضبطية والأمنية  ويعيق استفادة المهاجرين من بعض الحقوق الإنسانية الأساسية و نذكر هنا استغراق القانون رقم 03.02 بشأن دخول وإقامة الأجانب – تحت مبررات حماية النظام العام والأمن العام – في تجريم الهجرة غير النظامية بما في ذلك طالبي اللجوء واللاجئين الذين لا يتمتعون بأي إطار قانوني وطني يحمي حقوقهم المشروعة، و تعقيد لائحة تشغيل المهاجرين الأجانب بالشكل الذي يمنح السلطة الحكومية المكلفة بالشغل سلطات تقديرية واسعة لمنح الرخص أو سحبها في أي وقت، و حرمان مدونة الشغل للأُجَراءِ المهاجرين من حقوقهم في التنظيم النقابي، و اشتراط القانون 00.04 المتعلق بإلزامية التعليم الأساسي شروط تمييزية مثل شرط الحصول على الجنسية المغربية من أجل تكفل الدولة بتعليم الأطفال.   

يؤدي الإفراط في المقاربة الأمنية، على حساب المقاربة الحقوقية، في تدبير المسألة الهجروية إلى إنتاج تعقيدات واضحة على مستوى الإطار القانوني المنظم للهجرة، وتُفضي هذه التعقيدات إلى إحداث فراغات قانونية واسعة تفتح المجال أمام ممارسات تضر بحقوق المهاجرين، ولا سيما المنحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وتنعكس هذه الاختلالات أساسًا في الصعوبات المرتبطة بتجديد بطاقات وتصاريح الإقامة وما يرافقها من حالة هشاشة قانونية دائمة، إضافة إلى التعقيد المفرط في الشروط القانونية اللازمة للولوج إلى الخدمات الأساسية. 

وتتجلى آثار هذا النهج كذلك في العراقيل التي تواجه المهاجرين عند تسجيل أبنائهم في سجلات الحالة المدنية وفي انتشار أنماط التشغيل غير النظامي خارج الضوابط القانونية، خاصة في قطاعات مثل البناء والأشغال العمومية، بما يحمله ذلك من استغلال وانتهاك للحقوق الاجتماعية والاقتصادية. كما تبرز إشكالية عدم اعتراف الدولة، في بعض السياقات، بصفة اللجوء التي تمنحها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وهو ما يفاقم من هشاشة الوضع القانوني والإنساني لفئات واسعة من المهاجرين ويقوض الضمانات الأساسية لحمايتهم. 

تُظهر جوانب القصور في التشريع المغربي المتعلق بالهجرة (وتطبيقاته) بسبب "الهاجس الأمني" المتحكم في الوعي الرسمي الحاجة الملحة إلى إجراء إصلاح قانوني شامل لملاءمة القوانين المغربية (من مثل قوانين الشغل والجمعيات والنقابات ...إلخ) مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، لا سيما في ظل تزايد توافد المهاجرين (النظاميين وغير النظاميين) على المغرب، بالنظر لتوتر الأوضاع الأمنية وتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في بلدانهم. 

حقوق المهاجرين من أفارقة جنوب الصحراء عند مفترق الطرق:

أسهمت ديناميات الهجرة بالمغرب خلال السنوات الأخيرة في لفت الانتباه للمسألة الحقوقية عبر الاستدعاء المكثف للنصوص القانونية غير المتلائمة مع مقاربة حقوق الإنسان أو عبر إثارة "التعاطي البوليسي" مع قضايا المهاجرين من أفارقة جنوب الصحراء من خلال الانتهاكات والتجاوزات التي ترتكب من طرف السلطات العمومية، وهو ما ينطبق على خطاب "المظلومية" الذي ترفعه منظمات المجتمع المدني وأصحاب المصالح المهتمين بقضايا الهجرة وفي هذا السياق، تُبين المعطيات المتوفرة أن تعنيف المهاجرين يُعد من أبرز الانتهاكات المسجلة، حيث ذكرت تقارير بعض المنظمات الدولية غير الحكومية أنه في العام 2022 قتلت قوات الأمن المغربية والإسبانية ما لا يقل عن 37 شخصًا، مع تسجيل اختفاء 77 واعتقال آخرين، وذلك أثناء محاولة مجموعة من المهاجرين الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء عبور الحدود من المغرب إلى جيب مليليه في إسبانيا. وقد شهدت السنة نفسها على خلفية الحدث ذاته محاكمة مجموعة من المهاجرين بأحكام وُصفت بالقاسية.

كما تشير المعطيات إلى تنامي خطابات التمييز والعنصرية، التي غالبًا ما تتخذ شكل نبذ الآخر بسبب لون بشرته أو اعتباره مصدر إزعاج اقتصادي أو اجتماعي، وتفيد بعض الدراسات بأن حدة هذه العنصرية تختلف باختلاف محددات معينة مثل الديانة، حيث يُعد المسلمون أقل تعرضًا للعنصرية مقارنة بالمسيحيين، أو الانتماء إلى دول تربطها علاقات صداقة بالمغرب كما هو الحال بالنسبة للسنغاليين والماليين، وفي السياق ذاته تتعرض النساء المهاجرات من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء لأشكال متعددة من العنف والاستغلال الجنسي نتيجة لوضعيتهن الهشة، حيث يحمل التعنيف والتمييز في هذه الحالة بُعدًا تقاطعيًا تتداخل فيه عوامل العرق والجنس والطبقة، بما يفرز أنماطًا من العنف أكثر تركيبًا وتعقيدًا. 

وتشمل الانتهاكات أيضًا المساس بحرية التنقل، من خلال ادعاءات تتعلق بالاعتقال التعسفي للمهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء واحتجازهم بشكل غير قانوني، قبل ترحيلهم قسرًا إما إلى بعض المدن في جنوب المغرب أو إلى بلدانهم الأصلية. كما يُسجل تقييد الحق في التنظيم، فرغم أن الدستور المغربي ينص على المساواة في الحقوق بين الجميع لا تزال مدونة الشغل، وتحديدًا الفصل 416 ، تحظر على الأجانب تولي المناصب النقابية باشتراط الجنسية المغربية، كما تمنعهم من الترشح لانتخابات مندوبي الأجراء وفق الفصل 439 من المدونة نفسها، ويُضاف إلى ذلك أن قانون الجمعيات يُعقّد لائحة تأسيس الجمعيات الأجنبية مقارنة بالجمعيات المغربية الوطنية، في تعارض مع المعايير الكونية للحق في تأسيس الجمعيات ومع الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، وانطلاقًا من تعقيدات تشغيل المهاجرين النظاميين وبروز إشكالية التشغيل العشوائي بالنسبة للمهاجرين غير النظاميين وما يترتب عنها من تبعات حقوقية، تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح جذري للمنظومة الشغلية، خاصة في ظل التزامات المغرب المرتبطة بتنظيم مونديال 2030، وما يفرضه ذلك من احترام لمعايير حقوق الإنسان، بما فيها حقوق العمال الأجانب.

رغم كل الجهود المبذولة من طرف الفعاليات المدنية والحقوقية (مثل الرابطة المغربية لحقوق الإنسان و المنظمة المغربية لحقوق الإنسان و المجموعة المناهضة للعنصرية لدعم والدفاع عن الأجانب والمهاجرين وجمعية بني زناسن للثقافة والتنمية والتضامن ABCDS  ومؤسسة الشرق والغرب ومنظمة كاريتاس وأطباء بلا حدود ومبادرة وسط أوروبا والكنيسة الإنجيلية)، إلا أن تحقيق هدف "تفعيل حقوق المهاجرين" يقتضي مراجعة المقاربة الأمنية التي تسلكها الدولة في التعامل مع منظمات المجتمع المدني المهتمة بقضايا الهجرة، مع إعمال مقاربة تشاركية حقيقية في التعامل مع تلك المنظمات – حتى المزعجة منها  – ودعم قدراتها وتعزيز إمكانياتها المالية ثم في مستوى ثانٍ ينبغي إشراك المهاجرين أنفسهم في مسلسل إعداد وبلورة سياسات الهجرة مادام أنهم هم الفئة المعنية بتلك السياسات، فحسب تقرير للمندوبية السامية للتخطيط صادر في العام 2021، فإن حوالي مهاجر من كل ستة (17٪) على علم بوجود الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء (SNIA)، وقد يكون ضعف البناء التشاركي لهذه الاستراتيجية سبباً مفسراً لمحدوديتها وضعف نتائجها.  

بين فرص وإكراهات إدماج المهاجرين: أي آفاق مستقبلية؟ 

يبقى حل إشكالية إدماج المهاجرين من أفارقة جنوب الصحراء في المغرب مستقبلًا رهينًا بمدى القدرة على تثمين الفرص المتاحة والممكنة، وفي الوقت ذاته تلافي مختلف الإكراهات والعقبات القائمة، وتتمثل أبرز الفرص الميسّرة لإمكانية الإدماج في التطبيع الرسمي الذي قامت به الدولة المغربية مع قضايا الهجرة، سواء على مستوى الخطاب أو السياسات العمومية أو الإطار القانوني، إضافة إلى ارتباط ملف الهجرة في الوعي الرسمي بقضية الصحراء الغربية، وهو ما يمنحه بعدًا استراتيجيًا خاصًا. كما تعزز هذه الفرص الضمانات الدستورية والقانونية المتعلقة بحماية المهاجرين، ووجود بنيات ومؤسسات رسمية مكلفة بتدبير قضايا الهجرة، فضلًا عن الانخراط المكثف لعدد من منظمات المجتمع المدني في الاشتغال على قضايا المهاجرين والدفاع عن حقوقهم. 

في المقابل، تواجه عملية إدماج المهاجرين في المشهد العمومي المغربي جملة من الإكراهات البنيوية من أبرزها فتور التعاطي السياسي الرسمي مع قضايا الهجرة خلال السنوات القليلة الماضية واستمرار أوجه القصور داخل المنظومة القانونية المؤطرة لوضعية المهاجرين. كما يفاقم من هذه الإكراهات الطابع البراغماتي المفرط الذي يطبع تعامل الشركاء الأوروبيين للمغرب مع مسألة المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء، إلى جانب ضعف الإمكانات المادية المخصصة لضمان حماية فعلية وشاملة للمهاجرين على أرض الواقع.  

خاتمة وآفاق مقترحة:

تُظهر الفرص والمخاطر سالفة الذكر أن المهاجر القادم من إفريقيا جنوب الصحراء الذي تطأ قدمه التراب المغربي لا يوجد دائمًا في وضع آمن، سواء من الناحية القانونية أو الحقوقية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ويُرجّح أن يعود ذلك بالأساس إلى هشاشة البيئة التشريعية الحاضنة لهذا الصنف من المهاجرين، فضلًا عن محدودية نجاعة السياسات العمومية الموجهة إليهم، ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة حقوقية شاملة في التعامل مع قضايا الهجرة، دون أن يعني ذلك إلغاء المقاربة الأمنية، شريطة حصرها في حدودها المشروعة وربطها بمنطق الضرورة القصوى. 

كما يستدعي الأمر اعتماد مقاربة تشاركية موسعة تقوم على إشراك مختلف الفاعلين المعنيين، بما في ذلك المهاجرون أنفسهم، ومنظمات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والفاعلون العموميون، إلى جانب استحضار الالتزامات التنموية الدولية عند إعداد وتنفيذ سياسات الهجرة، مثل الأجندة الإفريقية حول الهجرة وأهداف التنمية المستدامة لعام 2030، ويُعد تقوية المنظومة القانونية للهجرة بالمغرب خطوة أساسية من خلال إصدار مدونة شاملة للهجرة تغطي مختلف الجوانب المرتبطة بتشغيل المهاجرين وعلاجهم وتعليمهم، وملاءمتها مع المعايير الدولية، مع التخفيف من المقاربات الزجرية والقمعية. 

وفي السياق ذاته، يبرز ضرورة ربط الاتفاقيات والشراكات المستقبلية للمغرب مع الدول الأوروبية في مجال الهجرة بالمصالح المشروعة للدولة المغربية أولًا وبما يضمن صون كرامة المهاجرين وحماية حقوقهم. كما يتعين دعم وتعزيز أدوار منظمات المجتمع المدني باعتبارها فاعلًا محوريًا وشريكًا أساسيًا في معالجة إشكالات الهجرة، إلى جانب الانتقال من منطق “البرقرطة” إلى منطق “الدمقرطة” في التدبير الرسمي لهذا الملف والتخفيف من مركزية تدبير الهجرة عبر إشراك الهيئات الترابية المنتخبة، وأخيرًا تظل حوكمة الهجرة رهينة بتقوية آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وتعزيز الشفافية والنزاهة من خلال الإتاحة المنتظمة لمعطيات كمية ونوعية دقيقة حول أوضاع المهاجرين عمومًا، ومهاجري إفريقيا جنوب الصحراء على وجه الخصوص.

هوامش:

  1. يقصد بالفاعلين الترابيين في هذه الورقة المجالس الجماعية المنتخبة وفقا للأليات الديمقراطية وهي حسب الدستور والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية تبدأ من أكبر وحدة ترابية وهي المجالس الجهوية ثم المجالس الإقليمية لتصل إلى أصغر وحدة وهي المجالس الجماعية وتناط بهذه المجالس العديد من الصلاحيات الإدارية والتنموية والثقافية والاجتماعية.
سفيان الكمري

سفيان الكمري : هو كاتب وباحث أكاديمي من المغرب، حاصل على شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية من جامعة الحسن الأول بسطات/المغرب و له العديد من الأبحاث والدراسات المنشورة في مجلات علمية محكمة بالمغرب وخارجه و تركز أغلب إسهاماته البحثية على قضايا حقوق الإنسان والتطرف الديني.

الهجرةالسياسة الداخليةالشرق الأوسطالمغربجنوب الصحراء الأفريقية

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال صدى

  • تعليق
    صدى
    تآكل صورة العراق كدولة مؤثرة: هل أصبحت الدبلوماسية العراقية رهينة المزاج السياسي للأحزاب المتناحرة؟

    السياسة الخارجية للعراق تدفعها الصراعات الداخلية من نخب منقسمة، مليشيات متنافسة، ودولة عاجزة عن توحيد قرارها. تطرح المقالة أسئلة أساسية: كيف تؤثر هذه الانقسامات على قدرة العراق في موازنة النفوذ الأميركي–الإيراني؟ وهل يمكن لنهج "حُسن الجوار" أن يخفّف التوترات الإقليمية؟ وكيف يستطيع العراق تحويل الشراكات والاستثمارات الإقليمية إلى استقرار فعلي؟ وتقدّم المقالة مسارات للحل، أهمها تعزيز مؤسسات الدولة، الحد من نفوذ المليشيات الخارجة عن السيطرة، تحسين الحوكمة، والاستفادة من الشراكات الإقليمية لمعالجة .الأزمات الاقتصادية والأمنية لبناء سياسة خارجية موحدة وثابتة.

      مايك فلييت

  • تعليق
    صدى
    التجارة الالكترونية وتمكين المرأة السعودية: قراءة في الفرص والإمكانات التشريعية

    كيف يمكن للسعودية أن تحوّل قطاع التجارة الإلكترونية المزدهر إلى محرّك فعلي لتمكين النساء اقتصادياً رغم فجوات التمويل والتدريب الرقمي وممارسات العمل غير الشاملة؟ هذه المقالة تبحث الحلول السياسية، من دمج الشركات النسائية في بنية مراكز البيانات إلى الأطر التنظيمية الحساسة للنوع الاجتماعي التي قد تفتح الباب أمام مشاركة نسائية أوسع في الاقتصاد الرقمي للمملكة.

      حَنّان حسين

  • تعليق
    صدى
    خطاب الكراهية في السودان يغذي الحرب ويهدد وحدة البلاد

    يتناول المقال انتشار خطاب الكراهية في السودان ودوره في تفاقم الحرب بين الجيش السوداني  وقوات الدعم السريع. ويعرض تحليلات الخبراء والخلفية التاريخية ليوضح كيف أسهم هذا الخطاب في تأجيج العنف وتبرير الجرائم وإضعاف الوحدة الوطنية، كما يقترح سبل مواجهته من خلال العدالة والتعليم ونشر ثقافة السلام.

      سمر سليمان

  • تعليق
    صدى
    السلاح الفلسطيني في لبنان: تحويل الاختبار الأمني إلى سياسة سيادية قابلة للتعميم

    شكّل قرار الحكومة اللبنانية في آب/أغسطس 2025 بحصر السلاح بيد الدولة -ابتداءً من السلاح الفلسطيني في المخيمات- اختباراً جدياً لقدرة لبنان على تحويل الشعار التاريخي إلى سياسة عملية، لكن التجربة سرعان ما كشفت عن تردد سياسي وثغرات اجتماعية .وانقسامات فصائلية، ما يطرح السؤال حول إمكانية اعتمادها نموذجاً لمعالجة ملفات أكثر حساسية كسلاح حزب الله.

      صهيب جوهر

  • تعليق
    صدى
    البيروقراطية الكويتية على مفترق طرق لماذا يتعثر الابتكار الحكومي وكيف يمكن لتحليل البيانات إعادة إحياء الإصلاح؟

    أطلقت الكويت العديد من الإصلاحات الطموحة ضمن رؤية الكويت 2035، لكن البيروقراطية وضعف التنسيق وغياب آليات التقييم الفعّال ما زالت تعرقل التنفيذ، أما إذا اعتمدت الحكومة على التحليلات القائمة على البيانات، ستتمكن الحكومة الكويتية من تحويل الإصلاحات من شعارات متكررة إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس.

      دلال معرفي

احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
Carnegie global logo, stacked
1779 Massachusetts Avenue NWWashington, DC, 20036-2103الهاتف: 202 483 7600الفاكس: 202 483 1840
  • Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
  • Donate
  • Programs
  • Events
  • Blogs
  • Podcasts
  • Contact
  • Annual Reports
  • Careers
  • Privacy
  • For Media
  • Government Resources
احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
© 2026 Carnegie Endowment for International Peace. All rights reserved.