في الخامس من حزيران/يونيو الماضي، وافق البرلمان المصري على مشروع قانون "هيئة تنمية الصعيد"، ليعصف بآمال النوبيين. فهذا المجتمع الذي يمثل نحو 3 في المئة من تعداد سكان مصر، يكافح منذ عقود طويلة، للعودة إلى قراه الأصلية، منذ التهجير الجماعي الذي فُرِض عليه في العام 1964، من أجل بناء السد العالي. وقد تعهدت الحكومة بضمان حق النوبيين في العودة، وبقيت هذه العهود دون أن تتحقق، حتى صدر هذا القانون ليؤكد أنها لن تسمح أبداً للنوبيين بالعودة.

ويعود تاريخ طرد النوبيين إلى العام 1902، عندما بدأ المصريون العمل في سد أسوان المنخفض، لتنظيم الفيضانات السنوية لنهر النيل. غادر معظم النوبيين بين العامَين 1961 و1964، خلال بناء السد العالي، والذي تسبّب بفيضانات في عشرات القرى. وقد استولت الدولة، في مراحل متعددة خلال بناء السد، على مساحات إضافية من الأراضي على ضفاف نهر النيل، ما دفعها إلى إخراج 135 ألف نوبي يعيشون في 44 قرية موزعة على مساحة 350 كيلومتراً مربعاً (135 ميلاً مربعاً)، ونقلهم إلى أراضٍ قاحلة، تاركين حقولهم وممتلكاتهم، مع العلم بأن الدولة وعدت بمنحهم تعويضات وإعادتهم في المستقبل إما إلى قراهم الأصلية، وإما، في حال كانت الفيضانات قد اجتاحت تلك القرى، إلى أراضٍ زراعية جديدة عند ضفاف بحيرة ناصر على مقربة من منازل أجدادهم.

وعلى الرغم من تجاهل الحكومات المتعاقبة على مصر حق العودة، إلا أن دستور 2014 نص على أن الحكومة ملزمة بإعادة توطين النوبيين في مناطقهم الأصلية. فالمادة 236 تنص على أنه من واجب الدولة تنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلي مناطقهم الأصلية وتنمية تلك المناطق في غضون عشر سنوات. وفي 8 تشرين الأول/أكتوبر 2014، ووفقاً للدستور الجديد، شكل وزير العدالة الانتقالية وشؤون مجلس النواب آنذاك إبراهيم الهنيدي، لجنة تحت مسمى "تنمية النوبة وأسوان"، تختص بتنفيذ المادة 236 من الدستور. وعرّفت اللجنة أهالي النوبة بأنهم النازحون بسبب خزان أسوان في الأعوام 1902 و1912 و1933، وبناء السد العالي بين العامَين 1960 و1964، والمتحدّرون منهم. واجتمعت اللجنة مع المواطنين النوبيين وممثلي التجمعات النوبية بأسوان والقاهرة ومختلف المحافظات، فضلاً عن ممثلي النوبة خارج مصر، واستمعت إلى مطالبهم بشأن العودة إلى وطنهم ومقترحاتهم للتنمية المتكاملة على ضفاف بحيرة ناصر.

وبعد ذلك، قامت لجنة فرعية من 18 عضواً بإعداد مشروع قانون يحدد اختصاصات اللجنة ومسؤولياتها للإشراف على عودة النوبيين إلى قراهم، بما في ذلك كيفية استخدام الأرض. إشارة إلى أن تسعة من هؤلاء الأعضاء كانوا من أبناء النوبة، والتسعة الآخرين كانوا بمعظمهم ممثلين عن القوات المسلحة، ووزارتَي الري والكهرباء، فضلاً عن الهيئة العامة لتنمية بحيرة السد. وفي 11 تشرين الثاني/نوفمبر2014، أعلنت اللجنة عن جاهزية مشروع قانون إنشاء الهيئة العليا لتنمية وتعمير بلاد النوبة القديمة، لعرضه على البرلمان بغية إقراره.

إلا إنها لم ترسله إليه، على الرغم من عدم تقديم أي سبب رسمي، إنما ورد في تقرير نشره الموقع الإخباري المحلي "مدى مصر" أن ممثلي جهات سيادية نقلوا رفضها لمشروع القانون لدواعي الأمن القومي. وتأكيداً على ذلك، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، قراراً جمهورياً، رقم 444 للعام 2014، برسم حدود مصر، وبموجبه تم تخصيص منفذَي رأس حدربة وأرقين، والطريق الإسفلتي من منطقة حجر الشمس حتى منفذ قسطل بطول 35 كيلومتراً، حيث تقع 16 قرية نوبية سابقة، كمناطق عسكرية لا يجوز سكنها.

وقد تجاهلت حكومة السيسي الغضب النوبي من القرار الجمهوري ومضت قدماً في خطط لاستخدام مزيد من الأراضي المجاورة للاستثمار والتنمية. ففي 26 تشرين الأول/أكتوبر 2016، قامت الدولة بطرح 1.5 مليون فدان (6300 كلم مربع، أو 2400 ميل مربع) للبيع، من الأراضي في مناطق المغرة والفرافرة وغرب المنيا وتوشكى، وهي أراضٍ نوبية تقع في مناطق النوبة، وذلك أملاً في استقطاب استثمارات في القطاع العقاري. رداً على هذه الخطوة، خرجت مظاهرات غير مسبوقة، وقطع النوبيون الطريق السريع من أسوان إلى أبو سمبل السياحي في 19 تشرين الثاني/نوفمبر، واعتصموا داخل مشروع استصلاح أراضي توشكى.

فضلاً عن ذلك، ينص مشروع قانون هيئة تنمية الصعيد، الذي تم إقراره في حزيران/يونيو 2018، على إنشاء هيئة لوضع خطة للتنمية الاقتصادية الشاملة لمناطق إقليم جنوب الصعيد، بما في ذلك معظم أراضي النوبيين القديمة التي لم تغمرها الفيضانات أو لم يتم بيعها أو إعلانها منطقة عسكرية. يأتي هذا في إطار الخطة العامة للتنمية الاقتصادية الشاملة للدولة، مع تنفيذ مشروعات قومية تحقق عائداً تنموياً ونسبة مرتفعة من التشغيل – بما في ذلك بيع أراضٍ بغية استعمالها في الزراعة والإنتاج السمكي، وتنفيذ مشروعات خدماتية، وبناء شبكات الطرق - بهدف رفع مستوى معيشة المواطنين في تلك المحافظات. على الرغم من أنه من شأن هذه المشاريع الإنمائية أن تعود بالفائدة على جميع السكان في هذه المناطق، لا سيما عبر استحداث فرص عمل في الزراعة والإنشاءات، إلا أن عدداً كبيراً من النوبيين لم يعد يُقيم في هذه المناطق. علاوةً على ذلك، من شأن الهيئة الجديدة أن تبيع أملاك النوبيين السابقة إلى المستثمرين المصريين والأجانب بأسعار لا يستطيع المزارعون النوبيون تحمّلها. كذلك رفضت الحكومة إعطاء النوبيين حق تقديم العرض الأول لشراء هذه الأراضي، أو إشراكهم في إدارة المشاريع التنموية التي ستُقام على الأراضي التي كانت مملوكة منهم في السابق.

لقد انتقد النائب النوبي ياسين عبد الصبور القانون الجديد لخرقه الدستور، كما فعل مشرّعون آخرون من صعيد مصر، في حين أصرّ وزير الدولة لشؤون مجلس النواب، عمر مروان، على أن القانون يُعَد تنفيذاً للمادة 236 من الدستور، زاعماً أن "النوبة جزء أصيل من جنوب الصعيد، ولا شك في أن لها نصيباً من هذا القانون والهيئة، وستشملها التنمية ضمن مناطق جنوب الصعيد". لكن بما أنه لم يأتِ هو ولا مشروع القانون الجديد على ذكر الحق في العودة، فقد اعتبره النوبيون مجرد وعد حكومي آخر فارغ.

وفي الحقيقة، لقد تمت مناقشة هذا القانون في سرية تامة داخل الغرف المغلقة، ما يؤكد صحة الشكوك حول أن الحكومة والبرلمان، وغالبيتهما جزء من ائتلاف "تحيا مصر" المؤيد بشدة لسياسات السيسي، لا ينويان الوفاء بهذا الالتزام. فمنذ أرسل مجلس الوزراء مشروع القانون إلى البرلمان في 19 شباط/فبراير الماضي، وحتى 14 أيار/مايو، عندما أعلن البرلمان موافقته عليه من حيث المبدأ، أعدت لجنة الإدارة المحلية تقريرا حول القانون وناقشت مواده في صمت بالغ وسرية تامة، من دون أن تبادر حتى إلى دعوة النواب العشرة الممثلين لمحافظة أسوان إلى أي من اجتماعاتها، ما دفع النائب ياسين عبد الصبور إلى الانسحاب من الجلسة، احتجاجاً على ذلك، كما انسحب النائب مصطفى بكري تضامناً معه.

وبإقرار قانون هيئة تنمية الصعيد، الذي لم يذكر قضيتهم ولو لمرة واحدة، أصبح النوبيون في حالة إحباط من الدولة، بخاصة أنهم يتوقعون مساندة محدودة للغاية من المجتمع المصري، نظراً لتهميشهم وتجاهل وسائل الإعلام، التي ينتمي معظمها للدولة، لقضيتهم إلى حد كبير. وفي محاولة أخيرة، التقى ناشطون نوبيون بالمحامي الدنماركي كريستيان هارلينج المعروف بدفاعه عن حقوق الإنسان، للتباحث معه حول رفع دعوى دولية للمطالبة بحقوق النوبة، في المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وهكذا، في غياب القدرة على اللجوء إلى المسار التشريعي، يواجه النوبيون الخيار بين التزام الصمت أو تدويل قضيتهم أملاً بلفت الأنظار إلى معاناتهم.

خالد محمود صحافي مصري متخصص في الشؤون السياسية وحقوق الإنسان.