Carnegie Endowment for International PeaceCarnegie Endowment for International Peace
  • تبرع
{
  "authors": [
    "عبد الإله فرح"
  ],
  "type": "commentary",
  "blog": "صدى",
  "centerAffiliationAll": "dc",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace"
  ],
  "englishNewsletterAll": "menaTransitions",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "programAffiliation": "MEP",
  "programs": [
    "Middle East"
  ],
  "regions": [
    "الشرق الأوسط",
    "المغرب"
  ],
  "topics": [
    "السياسة الداخلية",
    "المجتمع المدني",
    "دعم الديمقراطية"
  ]
}
Attribution logo

المصدر: ISSAM ZERROK/Hans Lucas/AFP via Getty Images

تعليق
صدى

الاحتجاج الرقمي في المغرب: قراءة سوسيولوجية في حراك جيل زيد

من أبطال الأنمي إلى مجتمعات الألعاب الإلكترونية، يبني جيل زيد في المغرب ثقافة احتجاج جديدة، فماذا تكشف هذه المخيلة الرقمية عن السياسة لدى الشباب؟ وكيف ينبغي للمؤسسات أن تتعامل معها؟

Link Copied
بواسطة عبد الإله فرح
منشئ 26 مارس 2026

المدونة

صدى

"صدى" نشرة إلكترونية تندرج في صلب برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تسعى إلى تحفيز وإغناء النقاش عن أبرز الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، وتقدّم فسحة للمفكرين والكتّاب، الجدد كما المعروفين في مجالاتهم، يتسنّى لهم من خلالها الإضاءة على هذه المواضيع من وجهة نظر تحليلية.

تعرف على المزيد
Program mobile hero image

البرنامج

Middle East

The Middle East Program in Washington combines in-depth regional knowledge with incisive comparative analysis to provide deeply informed recommendations. With expertise in the Gulf, North Africa, Iran, and Israel/Palestine, we examine crosscutting themes of political, economic, and social change in both English and Arabic.

تعرف على المزيد

مقدمة:

شهد المغرب في السنوات الأخيرة تنامياً واضحاً في حركات الاحتجاج الاجتماعي، ولا سيما مع تردي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وتفشي البطالة في صفوف الشباب التي بلغت نسبتها نحو 35.8% في الربع الثاني من سنة ٢٠٢٥، وفقاً لتقرير المندوبية السامية للتخطيط (HCP, 2025)، وقد غدت الشوارع مرآة لهشاشة السياسات العامة وقصورها عن سد حاجات الناس الأساسية في التعليم والصحة، و ليست الاحتجاجات بالأمر الجديد في التاريخ السياسي المغربي، غير أن ما ميز عام ٢٠٢٥ هو بروز فاعلين جدد ينتمون إلى فئة الشباب من "الجيل زيد" (Gen Z) الذي أبصر النور مع بزوغ شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تشكل وعيه في حضن ثقافة رقمية عالمية إذ أفصح أولئك الشباب عن سخطهم بأساليب شتى، فلم يرفعوا الشعارات المعهودة فحسب، لكنهم استلهموا رموزاً مستقاة من عوالم الأنمي والألعاب الإلكترونية والموسيقى، وهو ما يومئ إلى انقلاب جوهري في أنماط الفعل الاجتماعي والسياسي،1 وبالتالي ما هي المرجعية الثقافية الرقمية التي ميزت أو شكلت الحركة الاحتجاجية لجيل زيد بالمغرب؟

 تعبر هذه الاحتجاجات عن تحول في أنماط الفعل الجمعي فلقد تحول الشباب، ولا سيما جيل زيد، عن التنظيمات الحزبية والنقابية التقليدية إلى الفعل الشبكي الذي لا قيادة له2 والذي يتشكل في الفضاء الرقمي، وما هم ببعيدين عن شباب جيل إكس أو جيل الألفية الذين خاضوا موجات الاحتجاج في مختلف البلدان العربية، فقبل ثورات الربيع العربي في ٢٠١١ لم يكن لجيل إكس أو الألفية الفرصة للمطالبة بحقوقهم ودائما ما كانوا معرضين للقمع السياسي والعنف التعسفي من قبل الدولة، إلا أن منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك أتاحت لهم الفرصة في الاحتجاج والأمل في تغيير واقع بلدانهم من خلال المطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، وكما يقول مانويل كاستلز "أغلبية سكان هذه البلدان كانت تتألف من أشخاص تقل سنهم عن الثلاثين، فيما  كان كثير منهم متعلم نسبياً، ومعظمهم من العاطلين عن العمل كلياً أو جزئياً، وهم على دراية باستخدام شبكات الاتصالات الرقمية",3 واليوم غدت منصات مثل ديسكورد وفيسبوك ميادين افتراضية للحشد والتعبئة والإفصاح عن الرأي من طرف جيل زيد، وقد لوحظ في بداية الاحتجاج، أن مطالب هذه الحركة الشبابية لم تكن سياسية بقدر ما أنها كانت تركز على القطاعات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية قبل أن تتحول إلى المطالبة بإسقاط الحكومة حيث كانت نابعة من حادثة إنسانية موجعة ارتبطت بوفاة عدد من النساء الحوامل في المستشفى العمومي بأكادير، الشيء الذي كان سبباً في إشعال شرارة لوعي جمعي رقمي يأنف من بنية التهميش ويعتنق خطاباً ثقافياً رقمياً يمزج بين الرمزي والمرئي، ويعيد صياغة معنى الاحتجاج ليجعله فعلاً ينشد من خلاله الحرية والكرامة والعدل الاجتماعي، بمنأى عن وصاية المؤسسات الحزبية والنقابية، ، فالسعي لتوفير الكرامة وسط المعاناة من الإذلال، هو موضوع متكرر في معظم الحركات.4

فمن زاوية سوسيولوجية، فإن احتجاجات جيل زيد المغربي الرقمية، هو فعل ثقافي، يربو على كونه سياسياً، فهو يروم إعادة تعريف قيم الكرامة والمواطنة والعدل برموز مرئية مستقاة من صميم الثقافة المعولمة. فاللافتات التي تمزج بين الفن الموسيقي وصور الأنمي وشعارات العدالة تمثل لغة مستحدثة تعيد بها صياغة الخطاب السياسي بروح تمتزج فيها السخرية والبعد الجمالي، وبذلك يضحى الاحتجاج ممارسة رمزية لإعادة تشكيل المعنى والهوية، وقد جعلت العولمة الثقافية هذا الجيل عالمي الإدراك ومحلي المعاناة، حيث يستعير رموزاً من ثقافات بعيدة ليؤول بها واقعه، ومن هنا يصبح الحراك إفصاحاً عن وعي جمعي يسائل الواقع عبر الوسائط الثقافية والرقمية.  

جيل زيد: التكوين الرقمي والتحول في الهوية الاجتماعية: 

لا يمكن فهم أشكال الاحتجاج الجديدة في المغرب من دون الوقوف عند التحول الذي أحدثه التكوين الرقمي في بنية الهوية الاجتماعية لدى جيل زيد، فهذا الجيل الذي ولد بين عامي 1997 و2012 لم يتشكل وعيه في فضاء اجتماعي تقليدي فحسب، بل في بيئة رقمية كثيفة أصبحت جزءاً من عملية التنشئة الاجتماعية نفسها، وبذلك لم تعد الهوية الاجتماعية نتاج المؤسسات الكلاسيكية وحدها مثل الأسرة والمدرسة، بل صارت تُبنى أيضاً عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل، حيث تتقاطع الخبرات المحلية مع ثقافات عالمية متعددة.  

يشير فيفيك بانديت5 إلى أن جيل زيد هو الجيل الذي لا يفصل بين العالم الواقعي والعالم الرقمي، إذ يغدو الفضاء الرقمي امتداداً للحياة الاجتماعية وليس مجرد وسيلة للتواصل، غير أن أهمية هذا المعطى لا يكمن في وصف علاقة الجيل بالتكنولوجيا بقدر ما يكمن في أثره في إعادة تشكيل أنماط الانتماء الاجتماعي، فالشباب لم يعودوا يحددون هوياتهم داخل حدود الجماعات المحلية أو المؤسسات الوطنية فقط، بل ضمن شبكات عابرة للحدود تقوم على الاهتمامات المشتركة والثقافة الرقمية العالمية.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم استعارة مفهوم "اللاأمكنة"6 عند مارك أوجيه بوصفها إطاراً تفسيرياً لتحولات الهوية لدى هذا الجيل، فالفضاء الرقمي يشبه اللاأمكنة من حيث كونه فضاءً عابراً لا يرتبط بموقع جغرافي محدد، لكنه في الوقت ذاته ينتج أنماطاً جديدة من التفاعل الاجتماعي، غير أن العلاقة مع هذه الفضاءات ليست محايدة؛ إذ تقوم على نوع من "التعاقد الرقمي" الذي يتجسد في إنشاء الحسابات الشخصية والامتثال لقواعد المنصات، وبهذا المعنى تتشكل هوية جيل زيد ضمن بنية اجتماعية رقمية تجمع بين الفردانية والاندماج في شبكات واسعة من المستخدمين.

هذا التحول يفسر أيضاً ضعف ارتباط هذا الجيل بالمؤسسات السياسية التقليدية، فالتنشئة الرقمية التي يتلقاها الشباب تمنحهم إمكان الوصول المباشر إلى المعلومات والآراء المتنوعة، وهو ما يحد من احتكار المؤسسات التقليدية لإنتاج المعرفة والشرعية الرمزية، ونتيجة لذلك يصبح الشباب أقل ميلاً للانخراط في الأطر الحزبية والنقابية الكلاسيكية، وأكثر استعداداً للبحث عن أشكال بديلة للتعبير والمشاركة، وتؤكد الدراسات الحديثة حول الثقة السياسية لدى الشباب في المغرب هذا الاتجاه، حيث تظهر مستويات متدنية من الثقة في الحكومة والأحزاب السياسية، وهو ما يعزز الميل إلى الفعل الاحتجاجي خارج القنوات المؤسسية.  

ومن زاوية سوسيولوجية، يمكن النظر إلى هذا التحول بوصفه انتقالاً من هوية اجتماعية مستقرة إلى هوية مائعة ومتغيرة، تتشكل باستمرار داخل التفاعلات الرقمية، فكما يبين بهاتيا وباثاك-شيلات،7 فإن الهوية لدى الجيل الرقمي ليست جوهراً ثابتاً، بل تموضعاً ثقافياً يتغير تبعاً للسياقات والخبرات، وهذا ما يفسر قدرة الشباب على تبني رموز ثقافية متعددة واستعارة شخصيات وصور من ثقافات مختلفة، وهو ما يظهر بوضوح في الاحتجاجات التي توظف رموز الأنمي والألعاب الإلكترونية والموسيقى المعاصرة.

كما أن هيمنة الثقافة البصرية في الفضاء الرقمي تلعب دوراً مهماً في إعادة تشكيل أنماط الوعي السياسي، فجيل زيد يتلقى معظم معلوماته عبر مقاطع الفيديو والصور والرموز البصرية، الأمر الذي يجعل التعبير السياسي نفسه يأخذ طابعاً بصرياً ورمزياً أكثر منه خطابياً، ولذلك تبدو لافتات الاحتجاج لدى هذا الجيل غنية بالصور والرموز الثقافية، وهو ما يعكس تحوّل السياسة إلى مجال للتعبير الثقافي والجمالي بقدر ما هو مجال للصراع الاجتماعي.  

في ضوء ذلك، يمكن القول إن الهوية الاجتماعية لجيل زيد المغربي تتشكل عند تقاطع مستويين متناقضين: وعي عالمي متصل بالشبكات الرقمية، وواقع اجتماعي محلي يتسم بالهشاشة الاقتصادية وضيق فرص الاندماج الاجتماعي، وهذه المفارقة هي التي تمنح احتجاجاتهم معناها العميق، فهي ليست مجرد رد فعل على مطالب اجتماعية آنية، بل تعبير عن توتر بين أفق عالمي للحرية والعدالة يتشكل في الفضاء الرقمي، وواقع محلي يحد من تحقيق هذه التطلعات.  

وبالنسبة لجيل زيد، فإن العالم الرقمي ليس فضاءً من أجل التسلية أو الترفيه، فإنما هو فضاءً لممارسة الحرية، من خلالها يعززون ثقتهم بذواتهم وهوياتهم الجديدة بعيدا عن سيطرة المؤسسات الحكومية والرقابية، ومن ثم فإنهم لا يثقون بالمؤسسات الرسمية والحكومية، فبحسب نتائج إحدى الدراسات التي تهدف إلى قياس مستويات الثقة السياسية لدى الشباب من سن (18–24 سنة)، لا يثق سوى 16% من الشباب بالحكومة، مقابل 80% يصرّحون بعدم الثقة إطلاقا. أما البرلمان فحاز 21% فقط من الثقة، والأحزاب السياسية لم تتجاوز 15%.8

ومن ثم فإن الاحتجاج لدى جيل زيد لا يمكن تفسيره فقط بوصفه فعلاً سياسياً تقليدياً، بل باعتباره أيضاً محاولة لإعادة تعريف الذات الجماعية لهذا الجيل داخل المجتمع. إنه احتجاج يسعى من خلاله الشباب إلى الاعتراف بوجودهم كفاعل اجتماعي جديد يمتلك لغته الثقافية وأدواته الرقمية الخاصة، ويطالب في الوقت ذاته بإعادة توزيع الفرص والحقوق داخل المجتمع المغربي.  

أدوات تشكيل الوعي الاحتجاجي عند جيل زيد:

تعتبر الرقمنة بأنها الدعامة التي لا غنى عنها لفهم جيل زيد، وما هي بأداة للتعبير وحسب، إنها فضاء اجتماعي تتكون فيه العلائق والهويات، فهذا الجيل يجد في الفضاء الرقمي موطنا وجوديا لا مجرد وسيلة للتواصل، وفضلا عن ذلك فإن "حياته اليومية تتأثر باتساع رقعة الوسائط الرقمية، وأيضا مساهمته في تسريع تدفق المعلومات والأفكار والسلع والممارسات التي تعبر الحدود والسياقات المحلية، ولا سيما في مدن الجنوب العالمي،9 وبالتالي كان من الطبيعي أن تكون الرقمنة باعثة على الاحتجاج في المغرب، فهي تمكن الشباب من الإفلات من الرقابة وإبداء الرأي بحرية وبناء شبكات للتضامن والدعم فيما بينهم، لذلك في المقابل، شكلت هذه الرقمنة، معضلة للدولة التي وجدت نفسها إزاء جيل يتكلم لساناً جديداً يعسر ضبطه، وفهمه أيضا، ومرد ذلك، أن المؤسسات والباحثين المغاربة لم يمنحوا موضوع الأنمي والألعاب الإلكترونية ما يستحقه من درس وبحث بهدف فهم تأثيرها على الشباب، فهذه الأشكال الثقافية، هي أكثر ارتباطاً بجيل زيد، لأنها شكل من أشكال التنشئة الرقمية التي يكتسب عبرها الأطفال والشباب، مجموعة من المعتقدات والقيم والمعارف والمهارات والممارسات التي تسهم بدورها في صوغ هوياتهم الفردية والجماعية، حتى أنها تؤثر في طريقة تفكيرهم وتفاعلهم مع العالمين الواقعي والافتراضي.

للأنمي شأن رمزي كبير في تشكيل الخيال الاحتجاجي؛ فالأنمي الياباني بما يحمل من قصص عن العدل والتمرد والبطولة، صار ينبوع إلهام سياسي وثقافي لجيل زيد المغربي، فشخصيات مثل إرين (Eren) في هجوم العمالقة (Attack on Titan)، تعزز من قيم الحرية والتشبث بها عبر النضال والقتال لأن الحرية في هذا الأنمي هو فعل تمرد مستمر ضد القدر والخوف والسلطة، وثورة ضد كل أشكال الهيمنة التي تروم إلى حرمانهم من الحرية،10 وبالمثل فإن شخصية لوفي (Luffy) في ون بيس (One Piece) تمثل مقاومة الأنظمة الجائرة والسعي صوب الحرية المطلقة، وهي قيم توافق ما يكابده الشباب المغربي في مواجهة الإحباط السياسي والاجتماعي إذ يوضح أكوس كوپر أن قصة ون بيس "تتصل بسياق تفاعلي تتجذر فيه رمزية القراصنة بوصفهم تحديا للنظام القائم ولسيادة السلطة. بعض القراصنة مجرد عصابات عادية، وبعضهم وكلاء متعاونون مع الحكومة العالمية، لكن هناك آخرين مثل لوفي يقاتلون من أجل مبادئ أسمى لا من أجل الثروة أو الغنيمة"،11 وبهذا التصور يضحى لوفي رمزا ثقافياً للتمرد الأخلاقي والبحث عن العدالة، ويغدو الأنمي فضاء يعاد فيه تشكيل وعي الشباب العربي والمغربي بقدرتهم على مقاومة الواقع عبر الخيال، ذلك أن جل ما يشاهده الشباب من أعمال الأنمي على المنصات الرقمية تناقش الطبيعة الفاسدة والمتلاعبة للأشخاص الموجودين في السلطة، فيحمل الشباب من جراء ذلك تصوراً ناقداً لواقع السلطة في بلدانهم، إذ يرونها بنية فاسدة لا تختلف كثيرا عن تلك النماذج الكرتونية التي تسعى إلى الهيمنة على العالم أو التحكم في مصائر الأفراد.

   وأما الألعاب الرقمية أو الإلكترونية فهي منصات انتماء مهمة لجيل زيد، لأنها تعزز من الانتماء الجماعي داخل الفضاء الرقمي، وهو ما يشير إلى انقلاب في أنماط المشاركة الاجتماعية والسياسية في العالم الواقعي، ففي منصة ديسكورد هناك آلاف اللاعبين من مختلف دول العالم الذين يجتمعون على الألعاب الإلكترونية من أجل الترفيه والتفاعل والتواصل وحتى في إبداء المواقف الاجتماعية والسياسية إذ يمكن للألعاب أن تمكن اللاعبين من اتخاذ إجراءات مدنية من خلال الاحتجاج بطريقة مرحة وتعبيرية، والمشاركة في مقاومة مرحة ضد الحكم السلطوي ومنطق الرأسمالية في الألعاب،12 علاوة على أن هذه الألعاب يمكن أن تؤدي إلى التطرف والتعبئة ضد الدولة في حالة استغلالها من طرف الجماعات المتطرفة.

وكذلك  أضحت ألعاب الفيديو أو الإلكترونية ترسخ في الشباب أفكار المقاومة وتمنح شباب جيل زيد خيالاً يقوم على تصور تكتيكي لمجابهة الأنظمة، فالألعاب التي يشترك فيها لاعبون كثر مثل فورتنايت (Fortnite)، وجي تي أي (Grand Theft Auto V – GTA V)، وباب جي (PUBG: Battlegrounds) تنشئهم على التعاون والتخطيط والتحرك في أنظمة معقدة، ومما يميز هذه الألعاب أنها "تحمل شحنة عاطفية قوية وأثراً نفسياً بالغاً، فضلاً عن سعة انتشارها بفضل الإنترنت13 إذ من خلالها يتعلم المرء أن يفكر في العالم بوصفه ساحة مفتوحة للإبداع والابتكار وخوض المعارك، ومن هنا جاءت الدعوة إلى الاحتجاجات المغربية بطريقة مرنة لا قائد لها أو غير مركزية، تحاكي في ذلك مناورات اللاعبين في ساحة اللعب، وهذا يشير إلى أن تجربة ألعاب الفيديو أسهمت في تكوين أنماط سلوكية وتفاعلية رقمية لدى شباب جيل زيد، كما أن "الانخراط في ألعاب الفيديو، خصوصاً في السياقات التنافسية، يعني «الدخول في اللعبة»، وتفعيل خطة استراتيجية تُمكّن اللاعب ضمن الإطار الذي تحدده القواعد من تحقيق أهداف محددة، والذين يدخلون هذا العالم يجدون أنفسهم يستكشفون سياقات محددة بشكل افتراضي، ويجربون أدواراً مختلفة، ويتقمصون هويات جديدة، ويتفاعلون مع الآخرين14 من أجل تحقيق الأهداف.

ولا ننسى أن الموسيقى والراب منها خاصة هي جزء من لسان هذا الجيل الشبابي الذي يمتلك غيرة على وطنه خصوصاً وأن مجموعة من فناني الراب يستخدمون الموسيقى للتأكيد على الهوية المغربية والانتماء الوطني15 كما أن أغانٍ لفنانين مغاربة مثل الغناوي (Gnawi) وبوز فلو (PAUSE) وغيرهم تحمل نقداً لاذعاً وصريحاً للتهميش، وتستعمل لغة دارجة قريبة من الشباب حيث تمنحهم الموسيقى شعوراً بالانتماء الجمعي، وتخلق تماهياً وجدانياً بين الوعي الفني والوعي السياسي، ففي ظل مناخ سياسي واجتماعي يضيق الخناق على الرأي المخالف والتعبير عن الذات ويحول بينهم وبين أبسط مقومات العيش، مثل الشغل والمشاركة المدنية الحقيقية، فإن هؤلاء الشباب يجدون في الفنون الجديدة، مثل الموسيقى الراب والتواصل عبر الشبكة، موارد مبتكرة يشيدون بها فضاءات وممارسات بديلة، تسعى إلى تقويض النظم السائدة أو زعزعتها على الأقل في أكثر من مستوى.16

لقد أفضى تفاعل هذه العوامل، إلى نشوء شكل جديد من الوعي الاحتجاجي في المغرب. فجيل زيد، يتوسل بالرموز الثقافية في احتجاجه لا بالشعارات المذهبية، وهو يجتنب المواجهة الصريحة للسلطة ويتخذ من الأشكال الثقافية سلاحاً له.  

إنه جيل يقرن بين الرقمية والخيال والموسيقى ليصنع جماليات المقاومة أو ما نسميه بالتمرد الثقافي عبر الوسائط.

الخاتمة:

تكشف احتجاجات جيل زيد في المغرب عن نشوء مرجعية ثقافية جديدة للفعل الاحتجاجي تختلف عن المرجعيات السياسية أو الإيديولوجية التي طبعت الحركات الاجتماعية في العقود السابقة، فمصادر الإلهام الرمزي لهذا الحراك لا تنبع أساساً من الخطابات الحزبية أو النقابية، بل من الثقافة الرقمية المعولمة التي تشكلت داخل فضاءات الإنترنت، وبذلك يمكن القول إن المرجعية الثقافية الرقمية التي تغذي هذا الحراك تقوم على ثلاث ركائز رئيسية: الخيال السردي الذي توفره ثقافة الأنمي وقصص البطولة والتمرد، والخيال التفاعلي الذي تنتجه الألعاب الإلكترونية القائمة على التعاون والتخطيط الجماعي، وأخيراً التعبير الفني الاحتجاجي الذي تمنحه موسيقى الراب ولغتها القريبة من التجربة اليومية للشباب. هذه العناصر مجتمعة تشكل إطاراً رمزياً جديداً يعيد من خلاله الشباب تفسير واقعهم الاجتماعي والتعبير عن رفضهم لأشكال التهميش والإقصاء. 

إن دلالة هذه المرجعية لا تكمن في مضمونها الثقافي فقط، بل في الطريقة التي تعيد بها تعريف العلاقة بين الشباب والسياسة، فالفعل الاحتجاجي لدى جيل زيد لم يعد يعتمد على التنظيمات الهرمية أو القيادة المركزية، بل يتشكل في فضاء شبكي مرن يقوم على المبادرة الفردية والتنسيق الأفقي، وهذا التحول يعكس انتقال السياسة من المجال المؤسساتي المغلق إلى المجال الثقافي الرقمي المفتوح، حيث تصبح الرموز والصور والمنتجات الثقافية أدوات للتعبير السياسي بقدر ما هي وسائل للترفيه أو التسلية.  

غير أن هذا التحول يطرح تحدياً مزدوجاً أمام المؤسسات السياسية في المغرب، فمن جهة يكشف عن فجوة متزايدة بين الأطر التقليدية للمشاركة السياسية وبين أنماط التعبير الجديدة لدى الشباب، ومن جهة أخرى يبرز الحاجة إلى تطوير مقاربات جديدة لفهم الثقافة الرقمية بوصفها فضاءً لإنتاج الوعي الاجتماعي وليس مجرد وسيلة تواصل، لذلك فإن الاستجابة الفعالة لهذه التحولات تقتضي الاعتراف أولاً بشرعية الفضاء الرقمي كحيز للتعبير والمشاركة، وثانياً العمل على إدماج الشباب في عمليات صنع القرار عبر آليات تشاركية أكثر انفتاحاً ومرونة.  

وفي هذا السياق، يمكن اقتراح ثلاث توجهات أساسية للتعامل مع هذه التحولات. يتمثل التوجه الأول في الاستثمار في الاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية والإبداعية، بما يتيح تحويل الطاقة الثقافية والرمزية لدى الشباب إلى مورد اقتصادي واجتماعي. أما التوجه الثاني فيتعلق بإدماج الثقافة الرقمية في السياسات التعليمية والثقافية بهدف فهم أفضل لطرق تشكل وعي الأجيال الجديدة. في حين يتمثل التوجه الثالث في تطوير أشكال جديدة من المشاركة السياسية الرقمية تسمح للشباب بالتعبير عن مطالبهم والمساهمة في صياغة السياسات العمومية.  

وبذلك فإن الاحتجاجات التي يقودها جيل زيد في المغرب لا تعكس مجرد أزمة اجتماعية ظرفية، بل تشير إلى تحول أعمق في بنية الفعل السياسي نفسه في عصر الرقمنة، فالسياسة لم تعد تُمارس فقط داخل المؤسسات الرسمية، بل أصبحت تتشكل أيضاً في فضاءات الثقافة الرقمية حيث يعيد الشباب ابتكار لغتهم الاحتجاجية وأشكال مشاركتهم في الشأن العام.

عن المؤلف

عبد الإله فرح

عبد الإله فرح: باحث في علم الاجتماع من المغرب, عضو المكتب الوطني للجمعية المغربية لعلم الاجتماع بالرباط, عضو مكلف بمهمة البحث بالمركز الوطني للتنمية الاجتماعية بالرباط.

الملاحظات

  • 1
    هناك عدة دراسات دولية تناقش جيل زيد من الجوانب الثقافية والرقمية والتي تؤكد على أنهم فاعلين ومنتجين للثقافة وليسوا فقط مستهلكين مثل: Palfrey, J., & Gasser, U. (2008). Born digital : Understanding the first generation of digital natives
  • 2
    يقصد هنا بالفعل الشبكي الذي لا قيادة له، تلك الحركات الشبكية المستقلة التي سبق أن تحدث عنها مانويل كاستلز بأنها "حركات احتجاجية تتجاهل الأحزاب السياسية، ولا تثق في وسائل الإعلام، ولا تعترف بأي قيادة، وترفض كل تنظيم رسمي، حيث تعتمد على الإنترنت والتجمعات المحلية للنقاش الجماعي وصنع القرار". كاستلز، مانويل (2017) شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت (هـ. عبد اللطيف، مترجم) المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص 27
  • 3
    كاستلز، مانويل (2017) المرجع نفسه، ص 113
  • 4
    كاستلز، مانويل (2017) المرجع سابق، ص 26
  • 5
    Pandit, V (2015) We Are Generation Z: How Identity, Attitudes, and Perspectives Are Shaping Our Future, Dallas, TX: Brown Books Publishing Group, p.3
  • 6
    أوجيه، مارك (2018)  اللاأمكنة: مدخل إلى أنثروبولوجيا الحداثة المفرطة، ترجمة ميساء السيوفي، ط 1، هيئة البحرين للثقافة والآثار
  • 7
    Bhatia, K. V., & Pathak-Shelat, M. (2023). Gen Z, digital media, and transcultural lives: At home in the world. Lexington Books, p.34.
  • 8
    Palfrey, J., & Gasser, U (2008) Born digital: Understanding the first generation of digital natives (p. 263) Basic Books, p.23
  • 9
    Bhatia & Pathak-Shelat, 2023, p.14
  • 10
    Zuraikat et al., 2024, p.1433
  • 11
    Kopper, 2020, p.7
  • 12
    Soto de la Cruz, J., Cortés Gómez, S., & Lacasa, P., 2025, p.3
  • 13
    Soto de la Cruz, J., Cortés Gómez, S., & Lacasa, P., 2025, p.12
  • 14
    Battista, 2024, p. 8
  • 15
    Moreno Almeida, C., 2017
  • 16
    Ben Moussa, 2019, p.1061
عبد الإله فرح

عبد الإله فرح: باحث في علم الاجتماع من المغرب, عضو المكتب الوطني للجمعية المغربية لعلم الاجتماع بالرباط, عضو مكلف بمهمة البحث بالمركز الوطني للتنمية الاجتماعية بالرباط.

السياسة الداخليةالمجتمع المدنيدعم الديمقراطيةالشرق الأوسطالمغرب

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال صدى

  • تعليق
    صدى
    الدقم عند مفترق الطرق: الميناء الاستراتيجي لعُمان ودوره في رؤية 2040

    في شرق أوسط متقلب، يقدم ميناء الدقم العماني الاستقرار والحياد والفرص. هل يمكن أن يصبح هذا الميناء الخفي الملاذ الآمن والأمثل للتجارة العالمية؟

      جورجيو كافييرو, صموئيل راماني

  • تعليق
    صدى
    مهاجرو إفريقيا جنوب الصحراء في المغرب: سؤال الأمان وامتحان الحقوق

    هل تحمي سياسة الهجرة في المغرب مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، أم تُديرهم بمنطق أمني وسياسي؟ يناقش هذا المقال الثغرات القائمة ويستعرض إمكانيات إدماج أكثر عدلًا وإنصافًا.

      سفيان الكمري

  • تعليق
    صدى
    تآكل صورة العراق كدولة مؤثرة: هل أصبحت الدبلوماسية العراقية رهينة المزاج السياسي للأحزاب المتناحرة؟

    السياسة الخارجية للعراق تدفعها الصراعات الداخلية من نخب منقسمة، مليشيات متنافسة، ودولة عاجزة عن توحيد قرارها. تطرح المقالة أسئلة أساسية: كيف تؤثر هذه الانقسامات على قدرة العراق في موازنة النفوذ الأميركي–الإيراني؟ وهل يمكن لنهج "حُسن الجوار" أن يخفّف التوترات الإقليمية؟ وكيف يستطيع العراق تحويل الشراكات والاستثمارات الإقليمية إلى استقرار فعلي؟ وتقدّم المقالة مسارات للحل، أهمها تعزيز مؤسسات الدولة، الحد من نفوذ المليشيات الخارجة عن السيطرة، تحسين الحوكمة، والاستفادة من الشراكات الإقليمية لمعالجة .الأزمات الاقتصادية والأمنية لبناء سياسة خارجية موحدة وثابتة.

      مايك فلييت

  • تعليق
    صدى
    التجارة الالكترونية وتمكين المرأة السعودية: قراءة في الفرص والإمكانات التشريعية

    كيف يمكن للسعودية أن تحوّل قطاع التجارة الإلكترونية المزدهر إلى محرّك فعلي لتمكين النساء اقتصادياً رغم فجوات التمويل والتدريب الرقمي وممارسات العمل غير الشاملة؟ هذه المقالة تبحث الحلول السياسية، من دمج الشركات النسائية في بنية مراكز البيانات إلى الأطر التنظيمية الحساسة للنوع الاجتماعي التي قد تفتح الباب أمام مشاركة نسائية أوسع في الاقتصاد الرقمي للمملكة.

      حَنّان حسين

  • تعليق
    صدى
    خطاب الكراهية في السودان يغذي الحرب ويهدد وحدة البلاد

    يتناول المقال انتشار خطاب الكراهية في السودان ودوره في تفاقم الحرب بين الجيش السوداني  وقوات الدعم السريع. ويعرض تحليلات الخبراء والخلفية التاريخية ليوضح كيف أسهم هذا الخطاب في تأجيج العنف وتبرير الجرائم وإضعاف الوحدة الوطنية، كما يقترح سبل مواجهته من خلال العدالة والتعليم ونشر ثقافة السلام.

      سمر سليمان

ar footer logo
0