• الأبحاث
  • ديوان
  • عن المركز
  • الخبراء
ar nav logo
لبنانإيران
{
  "authors": [
    "مايكل يونغ"
  ],
  "type": "commentary",
  "blog": "ديوان",
  "centerAffiliationAll": "",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace",
    "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
  ],
  "englishNewsletterAll": "",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
  "programAffiliation": "",
  "regions": [
    "إيران",
    "الولايات المتحدة",
    "إسرائيل",
    "الخليج"
  ],
  "topics": [
    "السياسة النووية"
  ]
}
Diwan Arabic logo against white

المصدر: Getty

تعليق
ديوان

السلطة المطلقة تُفسد أصحابها

يناقش مارك لينش، في مقابلة معه، كتابه الذي ينتقد منظومة الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط منذ ما بعد العام 1990.

Link Copied
مايكل يونغ
نشر في 5 يونيو 2026

المدونة

ديوان

تقدّم مدوّنة "ديوان" الصادرة عن مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط وبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي تحليلات معمّقة حول منطقة الشرق الأوسط، تسندها إلى تجارب كوكبةٍ من خبراء كارنيغي في بيروت وواشنطن. وسوف تنقل المدوّنة أيضاً ردود فعل الخبراء تجاه الأخبار العاجلة والأحداث الآنيّة، وتشكّل منبراً لبثّ مقابلات تُجرى مع شخصيّات عامّة وسياسية، كما ستسمح بمواكبة الأبحاث الصادرة عن كارنيغي.

تعرف على المزيد

مارك لينش أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن في واشنطن العاصمة، والمدير المؤسِّس لمشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط. كان سابقًا زميلًا أول غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. له كتبٌ عدّة، من بينها كتابٌ بعنوان The New Arab Wars: Uprisings and Anarchy in the Middle East (الحروب العربية الجديدة: الانتفاضات والفوضى في الشرق الأوسط)، وآخر بعنوان The Arab Uprising: The Unfinished Revolutions of the New Middle East (الانتفاضات العربية: الثورات غير المنتهية في الشرق الأوسط الجديد)، صادران عن منشورات بابليك أفيرز في العامَين 2016 و2012 على التوالي. يدير لينش أيضًا مدوّنة The Ghost of Abu Aardvark، ويستضيف بودكاست العلوم السياسية في الشرق الأوسط. يحمل كتابه الأحدث عنوان America’s Middle East: The Ruination of a Region (الشرق الأوسط الأميركي: خراب منطقة)، وقد صدَر عن منشورات جامعة أكسفورد في العام 2025. يوجّه هذا الكتاب إدانة قوية لمنظومة الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة، ويشكّل محور المقابلة التي أجرتها "ديوان" مع لينش في شهر أيار/مايو الفائت.

  

مايكل يونغ: في معرض التواصل الذي جرى بيننا قبل هذه المقابلة، وصفتَ تجربتك في تأليف هذا الكتاب بأنها كانت وسيلة "للتنفيس عن المشاعر". هلّا شرحت سبب ذلك؟

مارك لينش: كما هو حال معظم الناس، تابعتُ الدمار الذي ألحقته إسرائيل بغزة بمشاعر متزايدة من الارتياع والاستنكار. وكان واضحًا، منذ مرحلة مبكرة نسبيًا، ما ستؤول إليه الأمور. وقد حذّرتُ في مقالٍ نُشر في مجلّة فورين أفيرز قبل الغزو البرّي الإسرائيلي من أن الوضع سيتحوّل إلى كارثة، وهذا ما حدث بالفعل. وفي ظلّ تزايد الأدلة على حجم الخسائر التي خلّفتها إسرائيل في أوساط المدنيين في غزة، وعلى الدمار الذي أصاب البنية التحتية، بالتوازي مع غياب أي تصوّرٍ واقعي لإنهاء الصراع باستثناء تدمير القطاع بالكامل، شعرتُ باستهجانٍ عميق إزاء رفض إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن استخدام نفوذها من أجل الضغط على إسرائيل للالتزام بأبسط قواعد الحرب ومعايير حقوق الإنسان. 

والأمر الصادم أكثر أنّ لا أحد تقريبًا قدّم استقالته احتجاجًا على هذا الوضع. ولا يهمّني كثيرًا ما إذا كنّا سنصف ما جرى بالإبادة الجماعية أم لا، فهذا الجدل يمكن أن يحسمه الخبراء القانونيون. لقد بدا جليًّا أن إسرائيل ارتكبت في غزة جرائم حرب جسيمة، وأدّت إلى قتل أعداد هائلة من المدنيين، ومعاناة واسعة النطاق، وتدميرٍ شبه كامل لغزة وتحويلها إلى منطقة غير صالحة للعيش. وكانت الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على وقف ذلك، لكن بايدن اختار ألّا يفعل ذلك.

لكن عندما أردتُ البدء بتأليف كتاب عن غزة، اقترح عليّ محرّري الممتاز أن أفكّر على نطاق أوسع. وكان محقًا في ذلك. فمن ناحية، كان من الأسهل لو أن غزة كانت حالة استثنائية، بمعنى أن ما مرّت به كان فظيعًا إنما مُختلفٌ في النهاية عن أي قضية أخرى. لكن الأمر ليس كذلك. بدأتُ مسيرتي المهنية بالعمل ليس على الشؤون الإسرائيلية الفلسطينية، بل على الشؤون العراقية، وتحديدًا على العقوبات. وأذكر أنني شعرتُ بالقدر نفسه من الاستنكار إزاء السهولة التي تغاضى بها المسؤولون وخبراء مراكز الأبحاث الأميركيون عن واقع أو أهمية المعاناة التي كانوا يفرضونها على الشعب العراقي، بينما كانوا يزعمون الدفاع عنه. وبدأتُ أرى خطًا مستقيمًا يصل بين عدم الاكتراث بإنسانية العراقيين في تسعينيات القرن الماضي، وبين الدعم المروّع تمامًا الذي تحظى به إسرائيل في غزة. لذلك، جلستُ لكتابة كتاب يقيّم كامل مرحلة التفوّق الأميركي في الشرق الأوسط، أي فترة ما بعد العام 1990، حين تمتّعت الولايات المتحدة بهيمنة مطلقة بلا منازِع في ظلّ غياب أيّ منافسين حقيقيين يضاهونها فعليًا. وماذا فعلنا بهذه القوة؟ الواقع أن السياسة الأميركية نجحت إلى حدٍّ كبير خلال تلك الفترة في تحقيق الأهداف الأساسية التي حدّدتها الولايات المتحدة لنفسها، أي: الحفاظ على أمن إسرائيل، وضمان تدفّق النفط، ومنع أي خصم داخلي أو خارجي من تقويض النظام الذي كانت تستفيد منه. لكن ذلك تحقّق على حساب جميع من عاش في المنطقة تقريبًا، إذ أصبحت حياتهم في الغالب أسوأ بكثير في ظلّ هذه المنظومة الأميركية.

في واشنطن، نحب أن نفكر بأننا العائق الوحيد الذي يقف بين الوضع الحالي للمنطقة ومصير أسوأ منه. كنت أكتب تقارير عن السياسة العامة ومقالات رأي في محاولة لتحسين الأوضاع قليلًا. لكن برأيي، بعد مرور 35 عامًا، آن أوان الاعتراف بأننا نتحمّل مسؤولية هائلة عن الحالة المزرية التي تعاني منها المنطقة. لذا، أعتقد أن عملية التنفيس عن المشاعر هذه جاءت من التراجع خطوةً إلى الوراء وإلقاء نظرة صادقة ليس فقط على سياسة واحدة فاشلة، بل على هيكل كامل بُني للحفاظ على الهيمنة وإفقار المنطقة. وهذا أمرٌ مُلفِتٌ حقًّا لأن الجميع يعرف ذلك تقريبًا. لكنهم يختارون ببساطة عدم اتخاذ الإجراءات التي قد تغيّر الوضع.

يونغ: من بين حججك الرئيسة أن النظام الأميركي في الشرق الأوسط يؤدّي بشكل طبيعي تقريبًا إلى خراب المنطقة. هلّا شرحت منطقك؟

لينش: يُعزى جزءٌ من ذلك ببساطة إلى أن الهيمنة أمرٌ سيّئ بشكل عام. هل تذكر مقولة اللورد أكتون، ومفادها أن السلطة تفسد، والسلطة المطلقة تفسد بشكلٍ مطلق؟ أعتقد أن هذا ينطبق على الولايات المتحدة وإسرائيل على السواء في الشرق الأوسط. فهما معتادتان على التصرّف من دون تحمّل أي عواقب، والبقاء خارج نطاق القواعد الدولية، والمطالبة بأن تحظى مصالحهما الخاصة بالأولوية على أي شيء آخر. وما يعنيه ذلك هو أن معاناة الفلسطينيين، أو السوريين، أو العراقيين، أو اللبنانيين، مهما كانت مريرة، ليست مهمة بما يكفي للولايات المتحدة وإسرائيل لدفعهما إلى تغيير سياساتهما. ولا تكتسب هذه المعاناة أهمية فعلية إلّا إذا أمكن تسخيرها لتبرير اتّخاذ إجراءات ضدّ أحد الأعداء؛ أمّا إذا كان حلفاؤنا هم من يتسبّبون بها، فإننا نغضّ الطرف عن ذلك. وفي ظلّ غياب كلفة خارجية حقيقية يتمّ تكبّدها أو ضغوطٍ من قوى منافِسة ترغمنا على تغيير سياستنا، تصبح هذه السياسة متصلّبة وراسخة بحيث تفقد القدرة على الاستجابة إلى ما يجري على الأرض.

يتناول كتابي إلى حدٍّ كبير ما يُعرَف في علم السياسة بغلبة البنى المؤسسية على القرارات الفردية. فكل رئيس أميركي منذ بيل كلينتون دخل إلى البيت الأبيض واعدًا بتغيير السياسة الأميركية وتقليص الانخراط الأميركي في المنطقة، لكنه عاود تبنّي المجموعة نفسها من السياسات البغيضة. ومهما تكن بدايات الرؤساء، ينتهي بهم المطاف جميعًا إلى تجاهل الديمقراطية وحقوق الإنسان، والترويج لتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل في ظلّ التغاضي عن الحقوق الفلسطينية، وممارسة الضغوط على إيران، وشنّ الحروب تحت راية مكافحة الإرهاب. ويعود ذلك جزئيًا إلى أنهم يتصرّفون انطلاقًا من حماية مصالح يحدّدونها وفق رؤيتهم الخاصة. لنأخذ على سبيل المثال كيف جادل مسؤولون في إدارة بايدن بأن سياستهم في غزة حقّقت نجاحًا لأنهم دعموا حليفًا لهم، ولم يخسروا أيًّا من حلفائهم العرب، ولم يسمحوا للصين بتحقيق تقدّمٍ استراتيجي في المنطقة. وهذا كلّه صحيحٌ وفقًا لمعاييرهم الخاصة، لكنه يتجاهل تمامًا الأثمان الإنسانية التي تكاد تفوق التصوّر، فضلًا عن تداعي النظام الدولي.

البنى المؤسسية هنا ليست مفهومًا نظريًا مجرّدًا. فسياستنا العامة ترسّخت على المستوى المحلّي بفعل شبكة واسعة من مجموعات الضغط والمصالح التي تعمل على ضمان بقائها على هذا النحو، ولا أعني بذلك لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) فحسب، بل أيضًا دول الخليج الثرية، وقطاعَي النفط والسلاح، وشبكات النخب التي تجني أرباحًا طائلة من استمرار الوضع القائم. وتتعزّز هذه السياسة من خلال الرؤية المهيمنة داخل مراكز الأبحاث (التي يعتمد الكثير منها على التمويل الخليجي) ووسائل الإعلام الرئيسة، ما يشكّل خطابًا عامًّا يسعى على نحوٍ حثيث إلى إسكات الأفكار التي تتحدّى سياساتنا، كما رأينا في الحملة القمعية على الاحتجاجات الجامعية المناهضة للحرب على غزة. وثمة جانب من هذه البنى لا يحظى بالقدر الكافي من الانتباه، ويتمثّل في واقع أن قادة دولٍ كثيرة في المنطقة يعتبرون منذ فترة طويلة أنّ بقاءهم في الحكم مرهون باستمرار المنظومة التي ترعاها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقد أعطوا الأولوية لبقائهم في السلطة بأي ثمن، ونفّذوا ما تريده واشنطن في المقابل، لكنهم شعروا بقلق بالغ عندما لم تفِ واشنطن بالتزاماتها ضمن هذا التفاهم، سواء حين قبِل باراك أوباما بالإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك في العام 2011، أو حين شنّ دونالد ترامب هذه الحرب الكارثية على إيران، ما عرّضهم لتهديدٍ وجودي. 

لا يحتاج القادة العرب إلى من يملي عليهم كبح العملية الديمقراطية أو احتواء إيران، فهم يفعلون ذلك لأسبابهم الخاصة. ففي ظلّ تطوّر علاقتهم مع المنظومة الأميركية في المنطقة وتكيّفهم التدريجي معها، أصبحوا هم العقبة الرئيسة في وجه أيّ تغيير. يكفي أن نتذكّر كيف عمل كل حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط على إفشال الأولويات التي حدّدها أوباما، بدءًا من خطة العمل المشتركة الشاملة، أي الاتفاق النووي مع إيران، ووصولًا إلى مسار إرساء الديمقراطية عَقب الثورات العربية. وتتعاون الولايات المتحدة بشكلٍ وثيق مع إسرائيل وتدعمها إلى أقصى حدّ، حتى عندما تؤثّر السياسات الإسرائيلية سلبًا وبصورة مباشرة على المصالح الأميركية، كما حدث إبّان التدخّل الإسرائيلي في سورية مؤخّرًا، الأمر الذي قوّض الجهود الأميركية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في البلاد في ظلّ قيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع؛ أو خلال حملات القصف الإسرائيلي على لبنان بالرغم من المساعي الأميركية الهادفة إلى وقف إطلاق النار في المنطقة. ولا بدّ من الإشارة أيضًا إلى استمرار إسرائيل في تحدّي الدعم الأميركي المُعلَن لحلّ الدولتَين، من خلال التوسّع المتواصل في بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وغير ذلك من الخطوات، من دون أن تواجه عواقب تُذكر. إذًا، كثيرًا ما تكون القوى الإقليمية أشدّ تمسّكًا بحماية المنظومة الأميركية في الشرق الأوسط من أيّ رئيس أميركي يشغل البيت الأبيض. فهم يستفيدون من النظام القائم كما هو، ويعملون على إبقائه على حاله. 

تنسجم خلاصة كتابي مع ملاحظةٍ أبداها إدوارد سعيد قبل زمنٍ طويل، ومفادها أن كل إمبراطورية تعتقد أنها ليست كالإمبراطوريات الأخرى. ففي واشنطن، لا نستطيع تخيّل شرقٍ أوسط لا تهيمن عليه الولايات المتحدة، تمامًا كما لم يستطع البريطانيون أو الفرنسيون تصوّر نهاية دوائر نفوذهم. مع ذلك، انتهت هاتان الإمبراطوريّتان، وستنتهي كذلك الإمبراطورية الأميركية. وحين يطوي التاريخ صفحتها، سوف ترحل وحيدةً، غير مأسوفٍ عليها وغير محبوبة. خلتُ أن غزة ستكون بمثابة أزمة السويس للولايات المتحدة، لكن يبدو الآن أن إيران وإغلاق مضيق هرمز هما ما سيذكرهما التاريخ على الأرجح. فنحن نشهد الآن بداية أفول النفوذ الأميركي، بعدما نجحت إيران بصورة منهجية في إلحاق أضرار جسيمة بمعظم قواعد الولايات المتحدة في الخليج، وكشفت حدود القوة الأميركية بطرقٍ تُنذر بحدوث تحوّلاتٍ جذرية حقيقية. إن الانتقال إلى مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط سيكون محفوفًا بالاضطرابات والعنف، كما نرى بأعيننا اليوم، لكنه آتٍ لا محالة.

يونغ: أعتقد أن من المنصف وصفك بالواقعي في مقاربتك للسياسة الخارجية. فيما يهتمّ الواقعيون بقضايا مثل القمع وغياب الديمقراطية من منطلق تأثيرها المُحتمل على سلوك الدول، فإنها لا تُعدّ عمومًا محورًا رئيسًا في التفكير الواقعي. لكنني لاحظتُ أنك جعلت هذه المسائل ركيزةً أساسيةً في طرحك المرتبط بالنظام الأميركي في الشرق الأوسط، لدرجة أنك بدَوت في بعض النواحي وكأنك تتّبع المقاربة الويلسونية. ما سبب ذلك؟

لينش: لم أكن واقعيًا في نظرتي للسياسة الخارجية في السابق. لقد استندت في الجزء الأكبر من مسيرتي الأكاديمية على النظرية البنائية، أي التناول الجدّي لدور الأفكار، والمعايير، والقيم، والخطاب العام. لطالما أعطيت الأولوية لدراسة الرأي العام العربي والمجال العام الأوسع عن كثب، وحاولت دفع واشنطن إلى أخذ ذلك على محمل الجدّ. وحتى إن لم يأخذ القادة العرب خطاباتهم السياسية بجدّية، ولم تكن لديهم النية للتضحية بمصالحهم الخاصة من أجل فلسطين، كان علينا أن نفهم القواعد التي يديرون على أساسها مقارباتهم السياسية، سواء على مستوى السياسات الداخلية أو الإقليمية. خيرُ مثالٍ على ذلك الحديث عن آفاق انضمام المملكة العربية السعودية إلى الاتفاقات الإبراهيمية. ربما كان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يرغب فعلًا في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لو أنه حصل على الصفقة المناسبة من بايدن أو ترامب، لكن كان عليه مراقبة الوضع داخل بلاده والمشهد الإقليمي بدقّة وحذر. أعتقد أن بايدن وترامب ركّزا بشكلٍ كبير على علاقاتهما بالقادة السلطويين، وشكّكا للغاية في ما يُعرَف بـ"الشارع العربي"، لدرجة أنهما أساءا فهم ما كان يجري بالفعل.

لذا، ما زلتُ أرى أن للأفكار والهويات والمعايير أهميتها. وأعتقد أن غزة أهم بكثير ممّا يفترضه معظم "الواقعيين"، لأن القوة تحتاج إلى قدرٍ من الشرعية المعيارية كي تحظى بالقبول. نحن لم ننجح قطّ في تحويل تفوّقنا إلى زعامة فعلية، لأننا رفضنا طرح شكلٍ من الهدف المشترك الذي يمكن لشعوب المنطقة أن تقتنع به، حتى لو أمكن ضمّ قادةٍ ذوي مصالح خاصة إلى هذا المسار. 

من منظور أوسع، من الأهمية بمكان إدراك أن الشرق الأوسط لطالما ظلّ خارج الإطار الليبرالي الدولي، أو حتى ما سمّاه بايدن النظام الدولي القائم على القواعد. فيُفترض أن النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة كان، نظريًا على الأقل، قائمًا على نشر الديمقراطية، وإعلاء المؤسسات الدولية والقيم الليبرالية، وتعزيز الاعتماد الاقتصادي المتبادل، أي المبادئ الثلاثة التي دعا إليها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، والتي يعتمد عليها أنصار نظرية السلام الديمقراطي. لكن الشرق الأوسط بقي دائمًا خارج هذا الإطار، ليس بصورة عابرة بل بشكلٍ دائم وبنيوي. ولم يأخذ أحدٌ في العالم العربي على محمل الجدّ الحجج الأميركية بشأن عدم جواز إقدام روسيا على احتلال أوكرانيا، وسط قبول الولايات المتحدة التام بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. ولم يعتقد أحدٌ أنها كانت جادّة في دعم ديمقراطية حقيقية في العالم العربي، أو حتى السماح بقيامها.

وهم محقّون في ذلك بالطبع. فالولايات المتحدة لم ترغب يومًا في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، على الرغم من إطلاقها كلّ هذه البرامج المرتبطة بالديمقراطية والحوكمة. فالمسؤولون الأميركيون، مهما كان حجم انخراطهم أو حتى تعاطفهم ربما مع المجتمع المدني أو المواطنين في العالم العربي، كانوا يدركون أن الحكومات الديمقراطية بحقّ ستكون مضطرةً إلى تمثيل مواقف شعوبها، وهذه الشعوب تعارض بمعظمها السياسات الأميركية حيال إسرائيل والمنطقة الأوسع. لذلك، اقتصر تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط على دفع حلفائنا إلى التخفيف من شدّة قمعهم بعض الشيء، وإتاحة هامش حرية أوسع بقليل للصحافة والمجتمع المدني، لكن ليس بهدف إحراز تقدّم على مسار إرساء الديمقراطية، بل ليكونوا حلفاء سلطويين أكثر ثباتًا وموثوقية. لم نكن نريد لمبارك أن يتنحّى عن منصبه، بل أن يترأس نظامًا يمكن ضمنه توجيه المعارضة السياسية نحو مسارات لا تهدّد الوضع القائم. لذا، أُصيب المسؤولون الأميركيون بالمفاجأة والارتباك حين أطاحت انتفاضات العام 2011 ببعض الأنظمة الحليفة لنا، ثم شعروا بارتياحٍ لم يستطيعوا إخفاءه حين أعادت الانقلابات العسكرية الأمور إلى نصابها.

يونغ: نُشر كتابك في العام 2025، لكن الكثير من الأمور التي حذّرتَ منها سابقًا عاودت الظهور مجدّدًا اليوم، إذ تجد الولايات المتحدة نفسها عالقةً في صراعٍ جديد في الشرق الأوسط يبدو أنها تخسره. كيف عاد الأميركيون من جديد إلى هذا الوضع، ولماذا يستسهلون اللجوء إلى الحرب في المنطقة؟

لينش: تُعتبر هذه الحرب من جوانب كثيرة أبرز تجلّيات الشرق الأوسط الأميركي كما حدّدته في الكتاب، أي تحالف عسكري مفتوح بين دول الخليج وإسرائيل بقيادة الولايات المتحدة ضدّ إيران؛ ولجوء متهوّر إلى العنف المفرط في ظلّ تجاهل المعاناة التي يتكبّدها أولئك الذين يُفترض أن مثل هذه العملية تهدف إلى إنقاذهم؛ وتفضيل شنّ غارات جوية على نشر قوات برية؛ وعجز عن توقّع أشكال الردود والضربات الإيرانية. شكّل هذا الأمر كارثةً حقيقية. واللافت نوعًا ما أن الصقور أصحاب المواقف المتشدّدة حيال طهران كرّروا على مدى عقود الحجج نفسها لتبرير شنّ حرب على إيران، قائلين إن النظام سينهار وإن طهران لن تكون قادرةً على الردّ، وإن الحرب ستنتهي بسرعة وتُفضي إلى تحوّل جذري في الشرق الأوسط. وتبيّن أن كلّ هذه الحجج باطلة، لكننا لم نشهد مراجعةً للمواقف أو إعادة نظرٍ فيها، بل مجرّد دعواتٍ إلى التصعيد ومواصلة النهج نفسه.

مع ذلك، أعتقد أننا نشهد تفكُّكًا حقيقيًا للمنطق الأساسي الذي تقوم عليه المنظومة الأميركية في الشرق الأوسط، سواء على مستوى التوافق المحلي أو النظام الإقليمي. فقد أصبحت دول الخليج تحديدًا أهدافًا بسبب حربٍ لم يكن لها رأي فيها. فبدل أن توفّر لها القواعد الأميركية الحماية، جعلتها عرضةً للهجمات. في الوقت الراهن، تلتّف هذه الدول في الغالب وبشكلٍ أكبر حتى تحت المظلة الأمنية الأميركية، لكن أُرجّح أن نشهد لاحقًا عملية إعادة تقييم جذرية لهذا النهج بمجرّد أن تهدأ الأوضاع. وما يدور من نقاشات في الإعلام العربي وعلى المنصّات الإلكترونية بهذا الشأن مثيرٌ للاهتمام فعلًا، على الرغم من أن واشنطن كثيرًا ما تتجاهله، وفق طريقتها المعهودة.

ولا يقتصر الأمر على دول الخليج. فنحن قلّما نعير اهتمامًا كبيرًا للتأثيرات المتلاحقة وغير المباشرة للحرب، أي كيف تتسبّب تداعياتها الاقتصادية في زعزعة استقرار دول تعاني أصلًا من أوضاعٍ صعبة في المنطقة، مثل مصر والأردن، وكيف أن قطع تمويل برامج المساعدات الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية ألغى نظام دعمٍ أساسي. يُضاف إلى ذلك أن عوامل مثل الضغط الذي يمارسه ترامب على لبنان لنزع سلاح حزب الله، والقصف الإسرائيلي المتواصل وتهجير اللبنانيين من الجنوب، قد تكون أكثر من قدرة لبنان على التحمّل. وترامب يفعل الشيء نفسه في العراق عبر تعليق عائدات النفط العراقية للضغط على بغداد من أجل تقييد نفوذ قوات الحشد الشعبي وإبعادها عن مؤسسات الدولة، وكأنّ في وسع أي طرفٍ في العراق تنفيذ ذلك.  

يونغ: استوقفتني إشارتك المتكرّرة إلى اللامبالاة السائدة في الولايات المتحدة إزاء حياة الإنسان في الشرق الأوسط، وأفترض أنك قصدت تحديدًا النخب الأمنية ونخب السياسة الخارجية الأميركية. يبدو لي هذا البُعد من المسألة - أي واقع أن سكان المنطقة لا يحظون بحقوق الإنسان ذاتها التي يتمتّع بها سواهم - مهمًّا، وإن كان يجري التقليل من شأنه، في طريقة تفاعل الولايات المتحدة مع العالم العربي والإسلامي. هلّا أوضحت لنا ذلك؟

لينش: هذا من بين الأجزاء الأصعب في الكتاب. ففي النهاية، لا يمكن إلا الإقرار بأن ويليام إدوارد بورغاردت دوبوا كان محقًا عندما رأى أن "خط اللون" يشكّل البنية الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية. فلا أحد تقريبًا ممّن أعرفهم في دوائر السياسة الأميركية يُعدّ نفسه عنصريًا، على الأقل قبل إدارة ترامب. لكنهم في الممارسة العملية، لا يولون حياة العرب أو المسلمين أو الفلسطينيين أو العراقيين أو الإيرانيين القدر نفسه من الأهمية الذي يخصّون به حياة الأميركيين أو الإسرائيليين. وهذا هو الخط الذي يربط بين العقوبات على العراق وما يحصل في غزة – ولا أعني فقط الحرب الأخيرة على القطاع، بل أيضًا السنوات الطويلة من الحصار وحملات القصف المتقطّعة. وحتى عندما يعير الأميركيون الأفكار أو المواقف العربية اهتمامًا، يتعاملون معها كأدواتٍ يمكن توظيفها لتحقيق أهداف استراتيجية، لا باعتبارها رؤًى تستحق أن تؤخذ على محمل الجدّ في ذاتها. أعتقد أنه أمرٌ مؤسف لكنه يمثّل نمطًا مألوفًا في الإمبراطوريات، حتى إن كان الأميركيون يحبّون الاعتقاد بأنهم يختلفون عن الإمبراطوريات القديمة. بالطبع، لست أول من يقول ذلك. فقد كان إدوارد سعيد أكثر بلاغةً مني بكثير حين عبّر عن ذلك، وكذلك أجيال من المفكرين والناشطين الفلسطينيين والعرب. أردتُ أن أعبّر عن ذلك بوضوح وصراحة، بدلًا من المراوغة والتهرّب من الموضوع.

يونغ: هل الشرق الأوسط برأيك نموذجٌ لما تدعوه إساءة توظيف التفوّق، وتحديدًا التفوّق الأميركي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الشروط الضرورية برأيك لتحقيق مزيدٍ من الاستقرار الإقليمي؟ أودّ الإشارة هنا إلى ما كتبتَه مؤخرًا، وهو أنّ دولًا رئيسة في المنطقة تتوجّس من بروز إسرائيل كقوةٍ إقليميةٍ مُهيمنة بدعم من الولايات المتحدة. كيف يمكن أن تؤثّر هذه الديناميّات على خلاصاتك؟ 

لينش: لقد أفرطت إسرائيل في استغلال أوراق قوتها بشكلٍ فادح، وللمرة الأولى بدأت في دفع الثمن. لا يقتصر الأمر على وابل الصواريخ الإيرانية التي طالتها خلال الحرب، ولا حتى على ردّ حزب الله الذي فاجأ إسرائيل بقوته على غزوها الأخير للبنان. فقد راودت إسرائيل، ولا سيما بعد الضربات المفاجئة التي استهدفت قيادات الحزب، تصوّراتٍ بأنها قادرةٌ على إعادة تشكيل المنطقة بالاعتماد على التفوّق الجوي، والاختراق الاستخباراتي لأعدائها، وتعزيز التعاون مع أنظمة عربية رئيسة، من دون التظاهر حتى بالسعي إلى نيل الشرعية. فقصفت أهدافها كما شاءت، في لبنان وسورية وإيران وحتى قطر. من منظور معظم الأنظمة العربية، بدأ ذلك بتغيير المعادلة بشكل جذري. في السابق، كانت إسرائيل حليفًا غير مريح لكن فعّال في مواجهة إيران، إلّا أن الوضع تبدّل حين بدأت إسرائيل، المتنامية النفوذ وغير الخاضعة لأي قيودٍ، تبدو كتهديدٍ لهذه الأنظمة، وهو ما لم تكن عليه في الواقع لمعظم الأنظمة العربية على مدى عقود.

كان التحوّل السعودي ضدّ الإمارات العربية المتحدة في أواخر العام الماضي مدفوعًا إلى حدٍّ كبير بشعور الرياض بأن أبو ظبي والتحالف الأوسع المرتبط بالاتفاقات الإبراهيمية مع إسرائيل باتا يشكّلان تهديدًا لرؤية المملكة حيال النظام الإقليمي. لقد أشارت الرياض إلى دعم أبو ظبي للنزعة الانفصالية في اليمن، وتدخّلها في السودان وسورية، إضافةً إلى احتمال أن تحذو الإمارات حذو إسرائيل في الاعتراف بسيادة أرض الصومال. لكن خلف تلك المظالم المحدّدة يكمن تنامي نفوذ إسرائيل وتجاهلها الخطوط الحمر التقليدية. وحتى إذا لم يهتمّ القادة العرب كثيرًا بغزة، فإن شعوبهم تتمسّك قطعًا بهذه القضية، ما ساهم في رسم حدود الخيارات السياسية الممكنة.

كان المسعى السعودي الجديد لتشكيل تحالفٍ إقليمي يضمّ تركيا وباكستان ومصر وقطر بمثابة مخطّط أولّي لإرساء توازن استراتيجي في وجه إسرائيل والإمارات، ما يُعدّ تطوّرًا لافتًا بالفعل في بنية النظام الإقليمي. لقد عطّلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ذلك لبعض الوقت، ولا سيما أن إيران استهدفت دول الخليج في حربٍ لم تكن قد انخرطت فيها بعد، إلّا أن القضايا الجوهرية لم تختفِ فعليًا. نحن نتّجه، كما ذكرتُ سابقًا، نحو مرحلةٍ تُعيد فيها النخب الخليجية النظر بشكل جذري في قيمة تحالفها مع الولايات المتحدة، على الرغم من أن هذه النخب لا ترى بدائل أخرى يُعتدّ بها، وهي بدأت تتصالح في الوقت نفسه مع حقيقة أن إيران خرجت منتصرةً من الحرب الراهنة، وفرضت سيطرةً لم تكن في الحسبان على مضيق هرمز. 

لا أعتقد أنّ أحدًا يعرف حقًّا أي مسارٍ ستسلكه دول الخليج بعد هذه التطوّرات، حتى إن كان ردّ فعلها على المدى القصير هو البقاء تحت المظلّة الأميركية. نحن نشهد أفول الهيمنة الأميركية في المنطقة، في ظلّ انعدام الثقة بوعود دونالد ترامب، لندخل مرحلةً مجهولة المعالم منذ الإطار الإقليمي الذي تشكّل بعد العام 1991.

عن المؤلف

مايكل يونغ

محرّر مدوّنة 'ديوان', مدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

مايكل يونغ محرّر مدوّنة "ديوان" ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.

    الأعمال الحديثة

  • تعليق
    جرّ لبنان إلى مواجهة مسلّحة مع حزب الله هو ضربٌ من الجنون

      مايكل يونغ

  • تعليق
    أين هي الأُسس اللازمة لمفاوضات لبنان مع إسرائيل؟

      مايكل يونغ

مايكل يونغ
محرّر مدوّنة 'ديوان', مدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
مايكل يونغ
السياسة النوويةإيرانالولايات المتحدةإسرائيلالخليج

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال ديوان

  • تعليق
    ديوان
    هل يتّجه المشروع الصهيوني نحو الانحسار؟

    بالرغم من تفوّق إسرائيل العسكري، تبدو اليوم بعيدةً عن هدف إقامة دولة يهودية، علمانية، ديمقراطية، وآمنة.

      مروان المعشّر

  • تعليق
    ديوان
    عقيدة الركام الإسرائيلية

    الهدف هو إلحاق ضررٍ بالغ بالأعداء كي تصبح استعادة قدراتهم أمرًا عسيرًا أو مستحيلًا.

      ناثان ج. براون

  • تعليق
    ديوان
    إعادة رسم خريطة لبنان الجغرافية والاجتماعية

    فيما تواصل إسرائيل التمدّد في أراضي البلاد، ينظر اللبنانيون بعضهم إلى بعض بعين الريبة.

      عصام القيسي

  • تعليق
    ديوان
    جرّ لبنان إلى مواجهة مسلّحة مع حزب الله هو ضربٌ من الجنون

    لقد تغيّر دور هذا الطرف داخليًا وإقليميًا، لذا على البلاد وضع استراتيجية نزع سلاح تأخذ ذلك في الحسبان.

      مايكل يونغ

  • تعليق
    ديوان
    تغيّر المناخ يفاقم معاناة المهمّشين في اليمن

    تتعرّض هذه الفئة أساسًا للتمييز الاجتماعي، لذا يجب إطلاق مبادراتٍ مستدامة لمعالجة أوجه التفاوت المختلفة.

      مساعد عقلان, محمد السعيدي

ar footer logo
شارع الأمير بشير، برج العازاريةبناية 2026 1210، ط5وسط بيروت ص.ب 1061 -11رياض الصلحلبنانالهاتف: +961 199 1491
  • بحث
  • ديوان
  • عن المركز
  • الخبراء
  • المشاريع
  • الأنشطة
  • اتصال
  • وظائف
  • خصوصية
  • للإعلام
© 2026 جميع الحقوق محفوظة