ناثان ج. براون
{
"authors": [
"ناثان ج. براون"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"الولايات المتحدة",
"فلسطين",
"إسرائيل"
],
"topics": [
"السياسة الخارجية للولايات المتحدة"
]
}المصدر: Getty
في خطة ترامب بشأن غزة، الفشل الدبلوماسي يُعَدّ نجاحًا
إن إخفاق المسار الحالي في معالجة مسألة التمثيل الفلسطيني سيجعله حتمًا يفضي إلى مجرّد ترتيبٍ مؤقّتٍ آخر.
يشهد النشاط الدبلوماسي بشأن غزة حراكًا متجدّدًا على نحو مفاجئ. فتوني بلير، المبعوث الخاص السابق للجنة الرباعية المعنيّة بالشرق الأوسط، عاد إلى الواجهة، وحتى هيلاري كلينتون نفسها باتت تشير علنًا إلى أن خطة ترامب هي الخيار الوحيد المتاح. وتُنبئ هذه الجهود الدولية المتجدّدة بأمرٍ أكثر أهمية، وأكثر جذريةً بكثير، ممّا توحي به العبارات الدبلوماسية المبتذلة حول إعادة إعمار غزة. فالجهات التي تسعى اليوم إلى إحياء خطة ترامب لا تبذل أيّ جهد للإجابة على السؤال المتعلّق بمَن يمثّل فلسطين، بل تسعى جاهدةً بدلًا من ذلك إلى جعل هذا السؤال يختفي. وما يُسوَّق تحت مُسمّى الإدارة وإعادة الإعمار ليس في الحقيقة سوى هندسة دستورية.
لا تتعلّق المسألة المطروحة للنقاش اليوم ببساطة بمَن سيقدّم الخدمات أو يموّل المشاريع، بل بمَن سيمارس السلطة. أما الإجابة، فصادمة: لن ينشأ كيان فلسطيني وطني. فلن تُحكَم فلسطين بوصفها مجتمعًا سياسيًا، بل إنّ فلسطينيي غزة هم سكانٌ بلا صوت، ستدير شؤونهم كشعبٍ جهاتٌ دولية خاصة وأخرى عامة غامضة، تحت إشراف مجموعة صغيرة مقرّبة من الرئيس دونالد ترامب، وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
لقد ظلّت النقاشات الدولية على مدى سنوات تردّد الوعد القائل إن السلطة الفلسطينية ستتولّى في نهاية المطاف حكم غزة. وكان الزعم، المقرون بدعواتٍ طقسيةٍ إلى "الإصلاح" أو "إعادة التنشيط"، أن المؤسسات الوطنية الفلسطينية ستُعزَّز حتى تصبح قادرةً على إدارة القطاع.
لكن هذه الفكرة لطالما كانت موضع شكّ. أولًا، رفضت القيادة الإسرائيلية الحالية مرارًا وعلى نحوٍ صريح، أيّ دورٍ مهم للسلطة الفلسطينية في حكم غزة. وقد تحوّل هذا الموقف إلى مبدأ راسخ، إذ باتت إسرائيل تصوّر السلطة الفلسطينية على أنها تمثّل مشكلةً لا تقلّ عن مشكلة حماس. وهذا الرفض يمتدّ ليشمل أيّ مؤسسة وطنية فلسطينية. كذلك تصرّفت إدارة ترامب باتساقٍ لافتٍ انطلاقًا من النزعة نفسها، وإن كانت لم تعلن عن موقفها صراحة.
ثانيًا، فقدت السلطة الفلسطينية في كلٍّ من الضفة الغربية وغزة قبل عقود أيّ مصداقية لها بوصفها قيادةً وطنية. وعندما تحدّثت الأطراف الخارجية عن إصلاحها، ركّزت في الغالب على جعلها مستساغةً لدى القادة الإسرائيليين، وهو مسعى عقيمٌ بطبيعته، ولم تسهم سوى في تعميق القطيعة بين القادة الفلسطينيين وشعبهم. وتمثّل نجاح هذه الجهات الوحيد في تحويل مصطلح "السلطة الفلسطينية" إلى مفارقة لفظية.
وتكشف ردود فعل الأطراف التي كان يُتوقَّع أن تقاوم هذا المنحى عن دلالات لافتة. فالسلطة الفلسطينية تهرع إلى إجراء انتخاباتٍ وإثبات أنها لا تزال تضطلع بدور. لقد أعلن الرئيس محمود عباس إجراء انتخابات تشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، هي الأولى منذ عقدَين. لكن من غير الواضح على الإطلاق كيف يمكن إجراء انتخابات وطنية ذات مصداقية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية في ظلّ الظروف الراهنة. والأقلّ وضوحًا من ذلك هو كيف يمكن لمرسومٍ انتخابي أن يعكس مسار عقودٍ من التدهور المؤسّسي، والتشرذم السياسي، والاستياء العام.
أما حركة حماس، فقد سلكت المسار المعاكس، وأعلنت حلَّ حكومة الأمر الواقع في غزة، واستعدادَها لتسليم المسؤولية الإدارية إلى لجنة تكنوقراطية. ولا تبدو هذه البادرة بديلًا حقيقيًا بقدر ما هي محاولة لتجنّب تحميلها مسؤولية التعطّل المتوقّع لخطة ترامب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور الحركة من دون ربط ذلك بأيّ استراتيجية بديلة قابلة للتطبيق.
هذا وقد انهارت المعارضة الدبلوماسية السابقة. فالمبادرة السعودية الفرنسية وإعلان نيويورك، اللذان قُدّما يومًا على أنهما مجهود دولي كبير لإحياء الدولة الفلسطينية وحلّ الدولتَين، أصبحا الآن مجرّد ذكرى بعيدة، لم يبقَ لها من أثر سوى إشارة عابرة في قرار مجلس الأمن الدولي الذي منح عمليًا شيكًّا على بياض للجهود الأميركية. أما السلطة الفلسطينية، فتلجأ إلى إجراءاتٍ لا تستطيع إضفاء أيّ معنى حقيقي عليها؛ وحماس تتخلّى عن مسؤوليتها الإدارية من دون أن تطرح خطةً سياسية، فيما القوى الخارجية تترك وراءها بهدوء البنية الدبلوماسية التي كانت أقامتها بنفسها.
لم يتمثّل ردّ فعل الكثير من الأطراف الخارجية في التصدّي لهذه الحقائق أو الالتفاف حولها، بل في تجاهلها ببساطة. وأدّى ذلك إلى حجب تحوّل لافت في طريقة تصوّر الحوكمة بحدّ ذاتها. وفي الوقت الراهن، لا يسعى مجلس السلام إلى تجاوز تلك الحقائق؛ وإنما إلى مأسستها. فبدلًا من البحث في كيفية إعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية، تركّز مناقشاته على الوظائف الإدارية. من يوزّع المساعدات؟ ومن يقدّم الرعاية الصحية؟ ومن يتولّى إدارة السجلات المدنية؟ ومن يشرف على عملية إعادة الإعمار؟ ومن ينسّق الشؤون الأمنية؟ ويجري تناول كل مسألة من هذه المسائل من منظور تقني، فيما يظلّ الثابت الوحيد هو إقصاء أي قيادة وطنية فلسطينية. وهذا ما يُقدَّم راهنًا على أنه المسار الوحيد المتاح.
تؤدّي المؤسسات الوطنية وظيفة دمج المسؤوليات الإدارية ضمن سلطة سياسية تدّعي تمثيل الشعب. فهي ترسي مسارات المساءلة، وتحدّد مَن يمارس السلطة وباسم مَن، وتربط العمل الروتيني للحكم بمجتمعٍ سياسي أوسع. لم تُحسِن منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية أداء هذه المهام قطّ، لكنهما مع ذلك ظلّتا تسعيان إلى القيام بها. أما الآن، ومع فصل كل وظيفة وإسنادها إلى آلية مختلفة، فإن مسألة التمثيل السياسي تتلاشى بهدوء.
يُركّز الهيكل الناشئ سلطة استثنائية في مجلس السلام الذي يرأسه ترامب. فميثاقه ينصّ على أن يتولّى الرئيس رئاسة المجلس إلى أجل غير مسمّى، ويمنحه صلاحية اختيار خلفه. كذلك يتمتّع هو ومعاونوه المقرّبون بسيطرة كاملة وشخصية على هيكل المجلس. إذًا، تستبدل هذه الخطة ببساطة التمثيل الفلسطيني بحكمٍ شخصي تحت غطاء دولي، بالتنسيق مع إسرائيل. وهي لا تقدّم سوى وعودٍ فضفاضة للغاية بشأن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم في نهاية المطاف، وتكتفي في أحسن الأحوال بورقة تين فلسطينية رمزية على شكل لجنة بلا أنياب، تضمّ شخصيات غير معروفة ومحرومة من التمويل والسلطة، ومجبرة على الانتظار في فندقٍ في القاهرة شهرًا بعد شهر.
كذلك، تُعيد الخطة تأطير النزاع. فهو لم يعد صراعًا على التمثيل والسيادة والمؤسسات الوطنية، بل أصبح مشكلة تتعلّق بإدارة سكان (بات معظمهم الآن مشرّدين وبلا مأوى). قد تُفضي المساعي الدبلوماسية الحالية إلى اتفاقات بشأن دخول المساعدات الإنسانية، أو مشاريع إعادة الإعمار، أو ترتيبات إدارية جديدة. وقد تُسهم في تحسين ظروف الحياة اليومية من نواحٍ مهمة. لكن يبرز واقعٌ أكثر قتامة خلف هذا المشهد، وهو أن الترتيبات التي تتبلور راهنًا سترسّخ وقائع مختلفة في أنحاء مختلفة من غزة: فستُستهلّ إعادة الإعمار والترتيبات الإدارية في المناطق التي يتم فيها توطيد السيطرة الأمنية الإسرائيلية، بينما ستشهد سائر المناطق جهود إغاثة مُرتجلة، وانهيارًا مؤسّسيًا، وحرمانًا مستمرًّا. وهذا يعني للكثير من سكان غزة أن الحرب اللامتناهية في طور التحوّل إلى حالةٍ من البؤس اللامتناهي، لا لأن الدبلوماسية فشلت، بل لأن الدبلوماسية هي التي تنتج هذا الواقع.
يمكن للترتيبات الإدارية أن تؤدّي إلى توزيع المواد الغذائية، أو إعادة بناء المستشفيات، أو تسجيل الولادات، أو تنظيم عملية إعادة الإعمار، على الرغم من أنها لم تحقّق الكثير من ذلك حتى الآن. لكن حتى لو تم توسيع نطاقها، فهي لا تستطيع الإجابة عن سؤال مَن يملك الشرعية للتحدّث باسم الفلسطينيين، أو كيف سيُعاد تشكيل المشهد السياسي الوطني الفلسطيني بعد سنوات من التفكُّك والحرب والتدهور المؤسّسي. فهذه الترتيبات ليست مُصمَّمة أصلًا لهذا الغرض.
إن الخطر لا يكمن إذًا في فشل المساعي الدبلوماسية، بل في نجاحها. فنجاحها قد يُفضي إلى إرساء أنظمة أكثر تعقيدًا لإدارة شؤون الفلسطينيين، مع إبقاء السؤال السياسي الذي جعل جميع الترتيبات السابقة مؤقتة مفتوحًا بلا إجابة.
عن المؤلف
باحث أول غير مقيم, برنامج الشرق الأوسط
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.
- النظر إلى ما وراء الجدار: قراءة في فلسطين وإسرائيلتعليق
- عقيدة الركام الإسرائيليةتعليق
ناثان ج. براون
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- سورية الجديدة ولبنان القديم: أزمة غياب الدولةتعليق
من شأن أي تحرّك أميركي لتنفيذ اقتراح ترامب، القاضي بأن تقنع واشنطن دمشق بخوض مواجهة عسكرية مع حزب الله، أن يؤدّي إلى عواقب كارثية.
خضر خضّور
- يجب حلّ مجلس السلام الفاشل الذي أنشأه دونالد ترامبتعليق
ماذا يكمن خلف إعلان ماركو روبيو أن هذه الهيئة أصبحت الآن منظمة دولية غير حكومية؟
زها حسن
- على لبنان محاولة وضع حزب الله على طاولة الولايات المتحدة وإيرانتعليق
مع انطلاق المحادثات بين واشنطن وطهران، أمام بيروت فرصةٌ لطرح خطةٍ إقليميةٍ بشأن نزع السلاح.
مايكل يونغ
- مذكّرة التفاهم لإنهاء الحربتعليق
على الرغم من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ثمّة عقبات حقيقية تعترض التوصّل إلى اتفاق دائم.
مروان المعشّر
- النظر إلى ما وراء الجدار: قراءة في فلسطين وإسرائيلتعليق
يغفل نقاش السياسات أن المشروع الوطني الفلسطيني قد أُفرِغ من مضمونه، وأن الأبرتهايد يشكّل خطرًا ماثلًا.
ناثان ج. براون