ناثان ج. براون
{
"authors": [
"ناثان ج. براون"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"لبنان",
"إسرائيل"
]
}المصدر: Getty
عقيدة الركام الإسرائيلية
الهدف هو إلحاق ضررٍ بالغ بالأعداء كي تصبح استعادة قدراتهم أمرًا عسيرًا أو مستحيلًا.
منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نفّذت إسرائيل عمليات عسكرية في غزة، ولبنان، والضفة الغربية، وسورية، وإيران، أسفرت عن تهجير السكان، وتدمير عددٍ هائلٍ من المساكن والمدارس والبنى التحتية، في ظلّ اقتراب حصيلة القتلى من عتبة المئة ألف. وتشكّل هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وما خلّفته من خسائر فادحة في الأرواح، إلى جانب عقودٍ سابق شهدت دوراتٍ من العنف على جبهتَي لبنان وغزة، الخلفية التي أفضت إلى هذا التحوّل الكمّي والنوعي. لكن سياسة إسرائيل لا يمكن اختزالها في التخبّط، أو الغضب، أو الارتجال، أو في انتهازية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. كلّ هذه العوامل حاضرة بالفعل، لكن ثمة منطق أعمق يوجّه الأحداث.
يتمثّل ذلك في ظهور نهجٍ جديد للأمن الإسرائيلي يقوم على فرض الهيمنة من دون استيطان مباشر، وإنهاك القدرات من دون السماح بإعادة إعمار، وحرمان السكان من حقوقهم في الأراضي من دون توفير أي أفق سياسي، واللجوء إلى الحرب لا كوسيلةٍ للتوصّل إلى تسوية بل باعتبارها ترتيبًا في حدّ ذاته. ولا يكمن الخطر في أنّ القادة الإسرائيليين تصّرفوا من دون أي اعتبارٍ لتبعات ذلك، بل في أنهم يقبلون هذه التبعات. وهذا ما تحدّثتُ عنه بُعَيد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر. لكن ما كان يظهر بصورةٍ تدريجيةٍ، ويُعامَل وكأنه فعلٌ ظرفي أو غير مقصود، بات الآن واضحًا ومُعترفًا به على نطاق أوسع كاستراتيجية راسخة.
ويتطلّب توصيف هذه الاستراتيجية استعراض سلسلةٍ من الملاحظات الواضحة.
أولًا، هذه الأفعال مُتعمّدة ومُعلنة صراحةً. فقد بدت أُسس هذا النهج جليّةً منذ البداية تقريبًا، وازدادت وضوحًا مع الوقت، وتمثّلت في التدمير، وإقامة المناطق العازلة، ومنع العودة وإعادة الإعمار، واستمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وإضعاف ركائز الحوكمة، والحيلولة دون إعادة بناء قدرات الخصوم. الأمر الوحيد الجديد هو اتّساع نطاق هذه الإجراءات. وقد تبلور هذا المنطق بدايةً في غزة، قبل أن يمتدّ إلى مناطق في الضفة الغربية، ويشمل لاحقًا أجزاء كبيرة من لبنان وأقسام أصغر من سورية، ويطال إيران إيران حتى بطرق مختلفة. لم يعد الهدف يقتصر ببساطة على ردع الخصوم، أو إلحاق الهزيمة بهم، أو المساومة معهم، بل يمتدّ إلى إنهاكهم بشكل كبير، وإعادة تشكيل بيئاتهم بصورة جذرية، بحيث تصبح عملية تعافيهم وإعادة بناء قدراتهم صعبةً أو مستحيلة.
ولا تستند هذه الخلاصات على محاولة افتراض النوايا الإسرائيلية، بل تعكس الخطاب الذي يجري التعبير عنه علنًا في إسرائيل. يمكن ملاحظة ذلك من خلال الاطّلاع على أحد المقالات الحديثة - وغير الاستثنائية – الصادرة باللغة الإنكليزية عن صحافي في صحيفة جيروزاليم بوست بعنوان "عقيدة الركام". بحسب هذا المنظور، لم يَعد التدمير المُمنهج لبلدةٍ لبنانية يُقدَّم على أنه نتيجة جانبية مؤسفة للحرب، بل بات الدمار في حدّ ذاته جزءًا من مفهوم الأمن الإسرائيلي. لهذا السبب، فإن الانتقاد القديم القائل إن إسرائيل "لا تملك خطةً لليوم التالي" لطالما أخطأ جوهر المسألة. فالركام في حدّ ذاته بات العقيدة، وهو ليس مجرّد نتيجة جانبية للحرب.
قال بعض المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن بعد الأحداث إنهم كانوا قد توقّعوا هذه النتائج وحذّروا من أن إسرائيل تسير نحو الكارثة. وعلى حدّ تعبير أحدهم، إن الأثر الأكثر ترجيحًا كان سيناريو "جنين على نطاقٍ أشدّ تدميرًا"، أي "وقف إطلاق النار، وعودة الأسرى إلى ديارهم، وتدفّق بطيء للمساعدات الإنسانية، لكن من دون التوصّل إلى أي تسوية أو تصوّر فعلي للمرحلة المقبلة". لكن، إذا رأوا هذه النتيجة بوضوح، فإنهم أخطأوا تمامًا في الاعتقاد بجدوى التحذير من هذه النتيجة. فالواقع أنّ القادة الإسرائيليين تعاملوا معها – علنًا وصراحةً ومرارًا – باعتبارها فرصةً استراتيجية (لكن لا تشمل وقف إطلاق النار بالكامل).
ثانيًا، تتحمّل حماس مسؤولية هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، لكن ذلك لا يبرّر تجاهل قوانين الحرب. لقد ساهمت حماس حتمًا في حدوث هذه الكارثة، وكشفت هذه الأفعال الدامية بحقّ عددٍ هائل من الضحايا عن استهتارٍ سياسي كارثي بمصير الفلسطينيين أنفسهم. وقد عرضتُ هذه الفكرة سابقًا بعبارات قصدتُ أن تكون قاسية، حين قلت إن مَن يعبث بعشّ الدبابير لا يمكنه الإفلات من عواقب فعلته. فحتى لو تبنّى قادة حماس تصوّرات تنزع عن أعدائهم صفة الإنسانية، كان ينبغي عليهم أن يفكّروا بجدّية أكبر في عواقب ما أطلقوه من أحداث. كشفت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر مكامن الضعف الإسرائيلية، إلا أنها أشعلت في الوقت نفسه سلسلةً من الأحداث عجزت حماس عن التحكّم بمسارها، ودفع الفلسطينيون ثمنها الأكبر.
لكن هذه المسؤولية لا تشكّل ذريعةً أخلاقيةً تُبرّر كل ما ارتكبته إسرائيل. فهي لا تحوّل التدمير المتعمّد الواسع النطاق – وما خلّفه من خسائر بشرية مهولة – إلى أضرار جانبية مؤسفة إنما غير مقصودة. ولا تحوّل التهجير القسري للسكان إلى إجراءٍ أمني مشروع، ولا تجعل الاحتلال والهيمنة دفاعًا عن النفس. ولا تحمّل المدنيين في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، بصورة فردية أو جماعية، مسؤولية القرارات السياسية والعسكرية التي يتّخذها أولئك الذين يدّعون العمل باسمهم.
ثالثًا، لا يتعلّق الأمر ببنيامين نتنياهو وحده. هو يؤدّي دورًا محوريًا، وكذلك ائتلافه الحاكم وبقاؤه السياسي واستعداده لاحتضان القوى الأكثر تطرّفًا في المشهد السياسي الإسرائيلي وتعزيز نفوذها والاعتماد عليها. لكن حصر هذا التحوّل بشخص نتنياهو وحده يُعدّ أمرًا مُضللًا. فالمسألة أوسع من ذلك وتشمل العقيدة العسكرية، والرأي العام، والتفكير الأمني حتى داخل التيار الوسطي، وصمت المعارضة، وفقدان الثقة بقدرة الردع التقليدي، إلى جانب إجماعٍ تَرسّخ في إسرائيل بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر بأن المطلوب لم يعد مجرّد ردع الخصوم، بل منعهم أيضًا من إعادة تنظيم صفوفهم. قد تتمكّن إسرائيل في مرحلة ما بعد نتنياهو من إدارة علاقتها مع واشنطن بصورة أفضل، لكن العودة إلى النهج القديم تبدو مستبعدة. فالمشكلة لا تكمن في تشدّد نتنياهو فحسب، بل أيضًا في ترسيخ منطق أمني كامل وتحوّله إلى حالة طبيعية تتجاوز شخص نتنياهو.
رابعًا، الأمور مختلفة هذه المرة. يرى البعض أن إسرائيل، أو حتى الصهيونية نفسها، تستند أساسًا على التوسّع القائم على العنف وفرض الهيمنة، من دون إفساح المجال أمام الدبلوماسية أو التفاوض. لكنني لا أرى الأمر كذلك. صحيحٌ أن استراتيجية إسرائيل لم تكن يومًا متحفّظة في استخدام القوة المفرطة. فتأسيسها ترافق مع عمليات تهجير جماعي، وتلت ذلك عقودٌ من الاحتلال، والاستيطان، والغارات العقابية، وفرض الحصار، والاغتيالات، والتفوّق الاستخباراتي، فضلًا عن الاستعداد الدائم لاستخدام القوة المطلقة.
مع ذلك، تضمّنت الاستراتيجية الإسرائيلية السابقة أيضًا فكرة أن القوة قد تمنع اندلاع الحرب على المدى القريب، تمهيدًا للتوصّل لاحقًا إلى تسوية سياسية. وكثيرًا ما جرى تقديم الحروب باعتبارها وسيلةً لتحقيق أهداف أخرى: سواء الردع، أو الدبلوماسية، أو التنازل عن أراضٍ، أو التطبيع من خلال إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، أو على الأقل عبر إرساء وضعٍ أكثر استقرارًا. وقد اشتكى القادة الإسرائيليون على مدى سنواتٍ من أنّ نظراءهم العرب يرفضون التعامل معهم. لكن بعد مفاوضات عسيرة، وقّعت كلٌّ من مصر والأردن اتفاقيتَي سلام مع إسرائيل. وظهر في تسعينيات القرن المنصرم استعدادٌ إسرائيلي للتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم شعبًا له حقوق سياسية. وفي التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة، انخرط قائدان إسرائيليان (الأول يساري والثاني يميني) في محاولات جدّية للتوصّل إلى اتفاق سلام مع سورية.
ذلك أصبح من الماضي. اليوم، بات الرئيس السوري هو من يطلق علنًا مبادراتٍ تجاه إسرائيل، قائلًا إنها لم تلقَ أيّ استجابة. في المقابل، أقدمت إسرائيل من جانب واحد على إنهاء العمل باتفاق فضّ الاشتباك مع سورية، والذي استمرّ نحو نصف قرن. كذلك، لم يعد القادة في الأردن ومصر يشعرون بأن علاقاتهم السلمية مع إسرائيل تحظى بمكانةٍ مَصونة لدى القيادة الإسرائيلية. فلم تعُد معاهدات السلام والمساعي الدبلوماسية مع الخصوم السابقين تشكّل الهدفَ المركزي لإسرائيل. ما زال للدبلوماسية دورٌ، لكنها تُستخدَم بصورة متزايدة كأداةٍ لإدارة الوقائع القسرية التي تفرضها الدولة، أو إضفاء الشرعية عليها، أو تكريسها، لا للتوصّل إلى اعترافٍ متبادل أو تسوية سياسية. وحتى إذا طُرح مفهوم السلام، فهو يأتي كنتيجةٍ ثانوية لمنطق الهيمنة والإنكار. إذًا، لم تختفِ الدبلوماسية، لكنها تحوّلت أكثر فأكثر إلى وسيلةٍ لإدارة ساحة المعركة، لا لتقديم مسارٍ بديلٍ عن الحرب.
خامسًا، خاض المشهد السياسي الإسرائيلي تحوّلًا واضحًا. فمن يريد معرفة ما يقوله اليسار الراديكالي، يمكنه الاطّلاع على المبادرة السياسية "بلاد للجميع"، التي تدعو إلى "نموذج كونفدرالي يستند إلى القانون الدولي والحاجات المحلية والدروس المُستخلصة بشقّ الأنفس بعد عقودٍ من فشل المفاوضات". ومن يريد معرفة ما يقوله اليسار الصهيوني المعتدل، سيقابَل غالبًا بالصمت. فهذا التيار يعيش حالةً من القلق الأخلاقي والتيه السياسي، ويفتقر إلى خطاب استراتيجي منذ انهيار مسار أوسلو.
كذلك، لا يمثّل الوسط الإسرائيلي تيّارًا يسعى إلى السلام. فالنقاشات ذات الطابع الأمني تركّز اليوم على دور إسرائيل الإقليمي، والمناطق العازلة، وعمليات نقل السكان الفلسطينيين، وكيانات حكم ذاتي فلسطينية معزولة وخاضعة لإشراف إسرائيلي، وأحيانًا عربي، وعلى ترتيبات سياسية رسمية لا تُعقَد إلّا مع من يوافق على هذه الأهداف ويصادق عليها. ويدور الحديث أحيانًا حول "استعادة الردع"، لكن ليس واضحًا ما المقصود بذلك عمليًا، سوى القبول بالدور الإقليمي المهيمن لإسرائيل.
أمّا اليمين الإسرائيلي، فيعبَّر عنه مشروع بتسلئيل سموتريتش المعروف بـ"خطة الحسم"، التي تدعو إلى "الضمّ، وتحييد دور الفلسطينيين باعتبارهم عقبةً قومية-سياسية لهذا المسار، ومنحهم إقامة دائمة في أفضل الأحوال، ودفع من يرفض هذا الترتيب إلى الرحيل". ولهذا السبب يغفل الكثير من التحليلات الخارجية جوهر ما يجري. فما زال بعض المحلّلين في الخارج يتساءلون متى ستعود إسرائيل إلى حلّ الدولتَين، أو ما إذا ستُعيد حكومةٌ إسرائيلية أكثر اعتدالًا إحياء المسار الدبلوماسي، أو ما إذا ستحمل ترتيبات اليوم التالي صيغةً تكنوقراطية لإعادة الإعمار. لكن السؤال الأكثر تداولًا في الداخل الإسرائيلي لا يدور حول كيفية إنهاء الهيمنة، بل حول الطريقة الأنسب لفرضها.
سادسًا، لم يعد يُنظَر إلى الفلسطينيين في أوساط معظم الإسرائيليين كشعبٍ ذي حقوق، بل بات يُنظر إليهم باعتبارهم مشكلة لا بدّ من إدارتها. فالتعامل مع الفلسطينيين كشعبٍ، وهو التحوّل الحقيقي الذي أتت به اتفاقيات أوسلو، أصبح مسألةً هامشية لليسار؛ فيما يمثّل الفصل العنصري موقف الوسط؛ ويتبنّى اليمين خطاب التهجير. ولستُ أُبالغ في هذا التوصيف.
فالمنطق الغالب داخل المشهد السياسي الإسرائيلي اليهودي لا يركّز على المساواة أو السيادة أو حق تقرير المصير عبر التفاوض، بل على كيفية إدارة السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بطريقةٍ تضمن الهدوء الأمني من دون منحهم سيادة أو حقوق مواطنة. وينطوي هذا النهج على إعادة إحياء عناصر من مرحلة أوسلو شملت قدرًا من الحكم الذاتي وتعاونًا مع بعض القيادات الفلسطينية، ولكن باعتبار هذه العناصر محطة نهائية لا تقود إلى اتفاقٍ دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
على اليمين الإسرائيلي، يدور نقاشٌ متزايد حول التهجير، وإفراغ الأراضي من السكان، والتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم عقبة سياسية وديموغرافية لا بدّ من إزاحتها. أصبح هذا الموقف اليوم جزءًا من الخطاب السياسي الإسرائيلي العلني، في ظلّ اعتراض قوى الوسط عليه لأن مثل هذه السياسة ستُثير استهجانًا دوليًا من دون أن تحقّق الاستقرار. لكن حتى من يعارضون هذا التوجّه لا يفكّرون من منطلق الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، بل من منطلق البحث عن الصيغة الأنسب ليتولّى الفلسطينيون إدارة شؤونهم داخل مناطق منفصلة ومنعزلة عن بعضها البعض. لقد بلغ تدهور المؤسسات الوطنية الفلسطينية مستوى عميقًا سيكون من العسير إصلاحه.
سابعًا، يرى بعض المراقبين بوضوح التحوّل الذي طرأ على المقاربة الإسرائيلية. لكن لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت كي يلاحظه كثيرون؟ في الواقع، قلّل كثرٌ من شأن التصريحات الإسرائيلية باعتبارها مجرّد ردود فعل على الصدمة. وبعض تلك التصريحات صيغت ضمن قوائم تفصيلية كانت دلالاتها الإنسانية واضحة، لكن لم يُعبَّر عنها بصيغٍ فجّة أو مباشرة. أمّا في العالم العربي، باستثناء دولة الإمارات العربية المتحدة، فيبرز قلقٌ واضح من هذا التحوّل الإسرائيلي، لكنه غالبًا ما يُلطِّف باستخدام لغةٍ دبلوماسية حذرة، حرصًا على عدم تنفير واشنطن - ولا سيما عبر مجاملة الرئيس دونالد ترامب وتجنّب الصدام المباشر مع نهجٍ إسرائيلي تبنّته إدارته إلى حدٍّ بعيد.
لكن خارج الدوائر الرسمية، بدأ أخيرًا يُسمَع حديثٌ أكثر صدقًا. فداخل إسرائيل، في أوساط من يراقب عن كثب الشأن السياسي، وجّه محلّلون مثل داليا شيندلين وميراف زونسزين، إضافةً إلى صحافيين في مجلة 972+ الإلكترونية، تحذيرات مبكرة وواضحة. كذلك أدرك بعض المحلّلين الدوليين، مثل معين رباني، ووليد حزبون، ومارك لينش، ويزيد صايغ، باختلاف مواقعهم ومجالات تركيزهم، أنّ ما يجري لا يقتصر ببساطة على عجز الحكومة الإسرائيلية عن التفكير في تبعات أفعالها. ومع أنّني لا أتبنّى جميع خلاصاتهم، يبدو أنّ قاسمًا مشتركًا يجمعنا، ويتمثّل في قلقنا العميق من التموضع الاستراتيجي الإسرائيلي القائم على الحروب المتكرّرة، والهيمنة الدائمة، وحرمان الفلسطينيين من السيادة على أراضيهم، والإبقاء على أنماط حكمٍ متداعية ومُفكّكة، باعتبار ذلك وسيلةً لتحقيق الأمن القومي.
حاولتُ توصيف هذا التحوّل منذ الأسابيع الأولى التي أعقبت أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، متتبّعًا ملامح نقاشٍ يتّخذ شكلًا مختلفًا تمامًا عن النقاشات السابقة. وما يلفت الانتباه ليس أن هذا الأمر أصبح واضحًا فجأة، بل إن الاستمرار في وصفه على أنه حادِث عرضي أو ظرفي، أو انحراف عن مسار، أو نتيجة غير مقصودة، بات أكثر صعوبة.
ثامنًا وأخيرًا، من المرجّح أن يقود هذا النهج إلى نهاية سيّئة، حتى لو أن العقيدة القائمة على الهيمنة والإضعاف ومنع إعادة الإعمار قد حقّقت بالفعل نجاحات تكتيكية، من خلال تدمير البنية التحتية، وقتل قادة ومقاتلين، وإفراغ مناطق كاملة من سكانها، وتأخير هجمات مُحتملة، وفرض أثمانٍ باهظة على الأعداء، ومنح رأيٍ عام خائف شعورًا بأن الدولة تتّخذ تدابير حازمة.
لكن تحويل الحرب الدائمة إلى أسلوب حكم ليس مُضرًّا بالمنطقة فحسب، بل حتى وفق المنطق الخاص لهذا النهج، فإنه لا يمنح إسرائيل مكاسب مهمة على المدى البعيد. واقع الحال أن الاستقرار الذي يُبنى فوق الركام والأنقاض ليس سلامًا حقيقيًا، بل مجرّد هدنة مؤقتة تسبق جولةً جديدةً من الحرب والدمار. وهنا يكمن الخلل الجوهري في هذه العقيدة، إذ إنها تخلط بين شلّ الخصم وبين حلّ الصراع. وهي تفترض أن بالإمكان إدارة النزاع إلى ما لا نهاية إذا جرى إضعاف الأعداء بما يكفي، وتفكيك المجتمعات بما يكفي، ومنع تشكيل كيانات سياسية مؤسسية فاعلة.
لكنّ نظامًا إقليميًا قائمًا على الحرمان من الأراضي، وانعدام الأمن الدائم، والتدمير المتكرّر لن يصبح مستقرًا لمجرّد وصفه بأنّه سياسة أمنية. بل سيولّد مزيدًا من المقاومة، والتطرّف، وسيتعرّض إلى المساءلة بموجب القانون الدولي، وسيسهم في مفاقمة التفكّك الداخلي، وفي إشعال حروبٍ إضافية.
عن المؤلف
باحث أول غير مقيم, برنامج الشرق الأوسط
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.
- خطة ترامب لغزة ليست بلا جدوى، بل أسوأ من ذلكتعليق
- حروب إسرائيل الأبديةتعليق
ناثان ج. براون
الأعمال الحديثة
المزيد من أعمال ديوان
- إعادة رسم خريطة لبنان الجغرافية والاجتماعيةتعليق
فيما تواصل إسرائيل التمدّد في أراضي البلاد، ينظر اللبنانيون بعضهم إلى بعض بعين الريبة.
عصام القيسي
- جرّ لبنان إلى مواجهة مسلّحة مع حزب الله هو ضربٌ من الجنونتعليق
لقد تغيّر دور هذا الطرف داخليًا وإقليميًا، لذا على البلاد وضع استراتيجية نزع سلاح تأخذ ذلك في الحسبان.
مايكل يونغ
- لماذا يدور الشرق الأوسط في حلقةٍ مستمرّة من "الحروب الأبدية"؟تعليق
لأن الصراعات الدائمة تُعزّز السيطرة، وتُوفّر مكاسب اقتصادية، وتسمح للقادة بتجاهل خيارات الشعوب.
انجي عمر
- أين هي الأُسس اللازمة لمفاوضات لبنان مع إسرائيل؟تعليق
من الشروط المُسبقة لأيّ محادثات جديّة أن تسعى قيادة البلاد إلى حشد دعم وطني واسع لمثل هذا المسار.
مايكل يونغ
- جردة حساب عسكرية لحرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيرانتعليق
يناقش جيم لامسون، في مقابلة معه، الصراع الإقليمي المتواصل، ويرى صورة غير واضحة عن الفائزين والخاسرين فيه.
مايكل يونغ