أرميناك توكماجيان
{
"authors": [
"أرميناك توكماجيان"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"collections": [
"الشبكات غير المشروعة في منطقة المشرق: الجريمة والنزاع والانهيار الاقتصادي"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"projects": [],
"regions": [
"سورية",
"الأردن",
"المشرق العربي"
]
}المصدر: Getty
سورية والأردن بالأرقام
تُظهر البيانات أنّ لدى عمّان أسبابًا أكثر من دمشق للترحيب بتحسّن آفاق التبادل التجاري بين البلدَين.
لطالما عبّرت الحدود السورية الأردنية عن حال العلاقات بين الدولتَين الجارتَين. في الواقع، لم يتم فرض رقابة أمنية صارمة على هذه الحدود، التي جرى ترسيمها بموجب اتفاقيات بين فرنسا وبريطانيا في تشرين الأول/أكتوبر 1931، إلّا اعتبارًا من العام 1970، بعد أحداث أيلول الأسود، حين دخلت قوات مدرّعة سورية إلى الأردن دعمًا للفصائل الفلسطينية المسلّحة.
منذ ذلك الحين، عمَدت دمشق مرارًا، تبعًا للعلاقات السياسية مع عمّان، إلى إغلاق وإعادة فتح معبر نصيب-جابر الحدودي، الذي يُعدّ الشريان البرّي الأهم بين البلدَين. وكان العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بمثابة العصر الذهبي للعلاقات الثنائية. فقد تعاون البلَدان في مجالات كثيرة، ولا سيما على مستوى التجارة، إذ سجّل التبادل التجاري بينهما نموًّا ملحوظًا خلال العام 2007، ليصل إلى 674 مليون دولار، محقّقًا زيادة قدرها 166 في المئة مقارنةً مع العام 2003. ويمكن ملاحظة ذلك في البيانات التي نشرتها دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، وهي الجهة المخوّلة بإصدار أحدث البيانات وأكثرها تفصيلًا عن الاقتصاد الأردني، وجرى تحويل هذه الأرقام من الدينار الأردني إلى الدولار الأميركي على أساس سعر صرف قدره 1.41 دولار للدينار الواحد. وقد بلغت العلاقات بين البلدَين آنذاك مستوى من التقارب دفع سورية حتى إلى السعي لإقامة منفذ برّي جديد عبر محافظة السويداء، يُضاف إلى منفذ نصيب-جابر والمعبر الرابط بين درعا والرمثا.
واليوم، في مرحلة ما بعد الأسد، لا يزال وضع هذه الحدود يكشف الكثير عن طبيعة العلاقات الثنائية ومؤشّرات التعافي الاقتصادي في البلدَين. فبعد عقدٍ من الإغلاق الكامل أو شبه الكامل منذ العام 2015، أُعيد فتح الحدود، بالتوازي مع توالي الاجتماعات رفيعة المستوى بين الجانبَين، والتي استضافت عمّان آخرها في نيسان/أبريل الفائت، حيث وقّع الطرفان عددًا من الاتفاقيات الثنائية ومذكّرات التعاون. وقد اتّخذ الأردن أيضًا موقفًا حازمًا في مساندة سلطات دمشق إزاء قضايا محورية مرتبطة بالأزمة بين الحكومة السورية والأقلية الدرزية في السويداء، الواقعة على مقربة من الحدود الأردنية. وتعكس المعطيات الاقتصادية هذا التحسّن بصورة واضحة. فوفقًا لبيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية (انظر الرسم البياني 1)، اقترب حجم التبادل التجاري بين البلدَين من مستوى قياسي بلغ نحو مليار دولار في العام 2025. ويشمل هذا الرقم الواردات والصادرات وعمليات إعادة التصدير الأردنية. ويُعدّ هذا النمو مؤشّرًا على تحسّن العلاقات نسبيًا، وعلى توافر الإرادة السياسية لدى الطرفَين لتعزيزها بشكلٍ أكبر.
لكنّ قراءةً متأنّية لهذه البيانات توحي بأنّ لدى عمّان أسبابًا أقوى من دمشق للترحيب بهذا النمو المتسارع في حجم التبادل التجاري. وتُظهر الأرقام مؤشّراتٍ تعكس قتامة الوضع الاقتصادي في سورية. يتمثّل المؤشّر اللافت الأول في تحوّل الميزان التجاري من تسجيل فائضٍ لصالح دمشق في الماضي، إلى ترجيح كفّة الأردن راهنًا. فحتى العام 2013، كانت الصادرات السورية إلى الأردن تتجاوز الواردات الآتية منه. آنذاك، كان الاقتصاد السوري أكبر حجمًا وأكثر إنتاجيةً، ولا سيما في القطاعَين الصناعي والزراعي، نظرًا إلى تمتّعه بميزة تنافسية مهمّة مقارنةً مع الأردن، تتمثّل في الطاقة المدعومة، واليد العاملة الماهرة ومنخفضة الكلفة، فضلًا عن قاعدة تصديرية متنوّعة. لكن كفّة الميزان التجاري بدأت تميل لصالح الأردن للمرة الأولى في العام 2014، أي قبل عامٍ واحد من توقّف حركة التبادل التجاري بين البلدَين عقب إغلاق معبر نصيب–جابر.
يُشار أيضًا إلى أن الأرقام الرسمية لا تأخذ في الاعتبار حجم التجارة غير الرسمية التي كان يزاولها سائقون أردنيون، معروفون بـ"البحّارة" وحائزون على تراخيص لدخول سورية. فهؤلاء كانوا يعملون كتجّارٍ صغار من خلال إدخال المنتجات السورية إلى الأردن ليعيدوا بيعها هناك بهوامش ربح منخفضة. ومع أن هذا النمط التجاري القديم بدأ يتبدّل منذ العام 2020، فإن التحوّل الجذري الحقيقي في الميزان التجاري وقع في العام 2025، بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد. فمن أصل ما يقارب مليار دولار من إجمالي التبادلات التجارية بين البلدَين في العام 2025، لم تمثّل الصادرات السورية سوى 12 في المئة فقط، ما شكّل تباينًا صارخًا عن الأنماط السابقة.
إن المؤشّر الأكثر دلالةً على هذا التحوّل هو الارتفاع الكبير في عمليات إعادة التصدير من الأردن إلى سورية، والتي شهدت اتّجاهًا تصاعديًا من 151 مليون دولار في العام 2023 إلى 518 مليون دولار في العام 2025، محقّقةً زيادةً بنسبة تقارب 250 في المئة خلال عامَين فقط. كذلك، طرأ تغييرٌ على بنية السلع المُعاد تصديرها، إذ مثّلت قيمة استيراد سورية للمركبات من الأردن قفزة لافتة في حجم التبادل التجاري، لتبلغ نحو 113 مليون دولار في العام 2025. وتشير هذه الأرقام إلى الطلب المتراكم والضخم في السوق السورية على السلع المستوردة، مدفوعًا بسنوات طويلة من القيود المشدّدة. بعبارة أخرى، تعكس طفرة إعادة التصدير من الأردن إزالة بعض القيود الحمائية على الواردات في سورية، وإعادة فتح أسواقها، وتزايد إقبال السوريين على السلع المستوردة.
واتّبع تصدير الأردن لمنتجاته الخاصة نمطًا مشابهًا، إذ ارتفعت الصادرات الأردنية من 87 مليون دولار في العام 2023 إلى مستوى قياسي بلغ 360 مليون دولار في العام 2025. وكانت بعض هذه الصادرات مألوفة منذ المرحلة السابقة، إذ لطالما صدّر الأردن إلى سورية الخضروات والمحاصيل الجذرية. ففي العام 2010 مثلًا، تصدّرت هذه السلع صادرات الأردن إلى سورية، وبلغت قيمتها 44 مليون دولار.
لكن اللافت في بيانات العام 2025 هو تصدّر الإسمنت، على نحو غير مألوف، قائمة الصادرات الأردنية إلى سورية، مُستحوذًا على حوالى نصف هذا الإجمالي. ولا يعكس هذا التطوّر فقط حجم الدمار الذي لحق بسورية، بل قد يشير أيضًا إلى نقص البدائل السورية المحلية المُتاحة وإلى الصعوبات التي يواجهها القطاع الصناعي السوري في تلبية الطلب المحلي. فكانت النتيجة اعتمادًا كبيرًا على الواردات أدّى إلى استنزافٍ إضافي في احتياطيات العملات الصعبة المحدودة أساسًا. وفي الوقت نفسه، قد تكون هذه الواردات مؤشّرًا على أنّ السوريين شرعوا في جهودٍ ذاتية متواضعة لإعادة الإعمار، فيما لا يزال المجتمع الدولي يخوض نقاشًا حول احتمال تقديم الدعم إلى سورية وشروطه بعد نحو ثمانية عشر شهرًا على سقوط نظام الأسد.
تؤكّد صادرات سورية المتواضعة الصورة العامة لتراجع قدرتها الإنتاجية. يُشار إلى أن صادرات دمشق إلى الأردن ارتفعت بنسبة 77 في المئة بين العام 2023 (آخر سنة كاملة من حكم الأسد) والعام 2025، لتزداد قيمتها من 66 مليون دولار إلى 117 مليونًا. لكن السبب الوحيد لهذا التحسّن هو قرار السلطات السماح مجدّدًا بتصدير الأغنام والماعز، بعد منعها هذه الشحنات في السابق. ولا تكشف البيانات عن تراجع القيمة الإجمالية للصادرات السورية فحسب، بل تظهر أيضًا تغيُّر بنيتها. فالسلّة التصديرية كانت متنوّعة نسبيًا قبل الحرب، إذ شملت منتجات زراعية، وصناعات غذائية، ومنسوجات، ومعادن، وموادّ بلاستيكية، إضافةً إلى منتجات معدنية وموادّ بيتومينية (إسفلتية)، وآلات ومعدّات. لكن السلّة التجارية السورية تغيّرت بشكل جذري خلال سنوات الحرب مقارنةً مع العام 2010، إذ انكمشت حصة السلع الصناعية وشبه الصناعية بحلول العام 2023، وباتت قائمة أبرز الصادرات السورية تقتصر في الغالب على المنتجات الزراعية والغذائية والحيوانات الحية.
كذلك، انحسرت حركة التجارة غير الرسمية في السلع المشروعة، التي كانت تتدفّق سابقًا إلى المدن الحدودية الأردنية، ولا سيما الرمثا. فبعد أن كان الاقتصاد غير الرسمي مزدهرًا قبل الحرب، حلّت محلّه تجارة يُرجَّح أنها لا تزال أكثر الصادرات السورية ربحيةً، وتتمثّل في تهريب المخدّرات غير المشروعة. ففي أيار/مايو 2026، ضبطت السلطات السورية شحنة كبيرة من المخدرّات، شملت 25 مليون حبّة كبتاغون، وكانت لتدرّ عائدات بقيمة تقارب 40 مليون دولار في السوق الأردنية، حيث يُقدّر سعر بيع الحبّة الواحدة بـ1.66 دولار، علمًا أن قيمتها كانت لتكون أكبر بكثير لو وصلت إلى الأسواق الخليجية. وتشير تقارير حاليًا إلى أن السويداء باتت تشكّل مركزًا جديدًا لإنتاج الكبتاغون وتهريبه، مع أن اقتصاد المخدّرات السوري يتجاوز بالتأكيد حدود محافظة واحدة ويمتدّ إلى مناطق أوسع. فالمجرمون والسلطات السورية الجديدة يتكيّفون مع الحالة الراهنة من اقتصاد الندرة، حيث تدرّ المخدرّات مبالغ مالية طائلة.
يبدو الأردن راهنًا في وضعٍ يسمح له بالاستفادة من التحوّلات في سورية. وتشير بيانات الصادرات وعمليات إعادة التصدير المتوافرة عن كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2026 إلى أن هذا التوجّه لا يزال مستمرًا. ولن تكون هذه المرّة الأولى التي ينجح فيها الأردن، على الرغم من محدودية موارده، في اقتناص مثل هذه الفرصة بفضل براعته في توظيف إمكانياته. فبعد سقوط نظام صدّام حسين في العام 2003، وخروج العراق من سنوات العقوبات، سارعت عمّان إلى زيادة حجم الصادرات والسلع المُعاد تصديرها إلى الأسواق العراقية، من حوالى نصف مليار دولار في العام 2003، أي عام الغزو الأميركي، إلى نحو ثلاثة أضعاف هذا الرقم بعد عقدٍ واحد. وتُظهر مؤشرات العام 2025 أن الأردن في موقعٍ يخوّله الاستفادة في الحالتَين، أي من سيناريو تعافي سورية، أو حتى من سيناريو بقائها ضعيفة.
في المقابل، تكشف هذه البيانات عن تحدٍّ مركّب يواجه سورية، لا يتمثّل فحسب في الضرر الذي لحق باقتصادها الإنتاجي بعد سنوات الصراع، بل أيضًا في صعوبة إعادة بنائه. ومن المرجّح أن يبقى هذا التحدّي ماثلًا، ولا سيما إذا استمرّت السلطات الجديدة في إعطاء الأولوية للتجارة على حساب الصناعات الإنتاجية. صحيحٌ أن إعادة فتح الأسواق قد تُعيد تدفّق السلع إلى سورية، لكنها لن تكفي وحدها لإعادة تشغيل المصانع والمزارع، وإعادة بناء سلاسل التوريد التي مكّنت سورية في السابق من تصدير منتجاتها إلى الأردن.
عن المؤلف
باحث غير مقيم، مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
أرميناك توكماجيان باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركّز أبحاثه على قضايا الحدود والصراع، واللاجئين السوريين، والوسطاء المحليين في سورية.
- جنوب القوقاز والصراع الدائر في الخليجتعليق
- حين تُمطر السماء حجارةً: بدو دير الكهف وتداعيات تغيّر المناخمقالة
أرميناك توكماجيان, ليث قرباع
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- إعادة رسم خريطة لبنان الجغرافية والاجتماعيةتعليق
فيما تواصل إسرائيل التمدّد في أراضي البلاد، ينظر اللبنانيون بعضهم إلى بعض بعين الريبة.
عصام القيسي
- جرّ لبنان إلى مواجهة مسلّحة مع حزب الله هو ضربٌ من الجنونتعليق
لقد تغيّر دور هذا الطرف داخليًا وإقليميًا، لذا على البلاد وضع استراتيجية نزع سلاح تأخذ ذلك في الحسبان.
مايكل يونغ
- لماذا يدور الشرق الأوسط في حلقةٍ مستمرّة من "الحروب الأبدية"؟تعليق
لأن الصراعات الدائمة تُعزّز السيطرة، وتُوفّر مكاسب اقتصادية، وتسمح للقادة بتجاهل خيارات الشعوب.
انجي عمر
- كيف ينظر سنّة لبنان إلى مسألة السلام مع إسرائيلتعليق
تسعى الطائفة إلى ترك مسافة بينها وبين حزب الله، ومسافة أكبر بينها وبين فكرة التطبيع مع الجار الجنوبي.
محمد فواز
- لبنان بحاجة إلى استراتيجية تفاوضية جديدة مع إسرائيلتعليق
ما لم تخفّض بيروت سقف التوقّعات، فأيّ انتكاساتٍ ستؤول في نهاية المطاف إلى تعزيز سردية حزب الله.
مهنّد الحاج علي