مروان المعشّر
{
"authors": [
"مروان المعشّر"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"إسرائيل"
]
}المصدر: Getty
هل يتّجه المشروع الصهيوني نحو الانحسار؟
بالرغم من تفوّق إسرائيل العسكري، تبدو اليوم بعيدةً عن هدف إقامة دولة يهودية، علمانية، ديمقراطية، وآمنة.
قد يبدو هذا العنوان حالمًا ومغايرًا للواقع، خاصةً أننا نشهد هيمنة إسرائيلية عسكرية غير مسبوقة، وغطرسة توسّعية أصبحت إسرائيل تجاهر بها، في ظلّ ضعف عربي وغياب أيّ رادع دولي. فكيف يمكن الحديث عن انحسار المشروع الصهيوني ضمن هذه المعطيات؟
إنّ نظرة متأنية إلى الأمور قد تقودنا إلى استنتاجات مختلفة. فواقع الحال أن إسرائيل لم تنجح حتى الآن في تحويل هيمنتها العسكرية إلى مشروعٍ سياسي قابل للاستدامة. فمشروعها العسكري الاستيطاني لا يزال يواجه رفضًا شعبيًا عربيًا عارمًا، بالرغم من مضي ما يقارب ثمانين عامًا على إقامة الدولة الإسرائيلية، وبالرغم من كل الاتفاقيات العربية التي وُقعت معها. بالإضافة إلى ذلك، تشهد عزلتها الدولية تعاظمًا مستمرًا، مع بروز جيلٍ عالمي جديد لم يعد يقبل بالاحتلال أو بنظامٍ عنصري ينكر على الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، ويعمل على قتلهم وتهجيرهم من دون وازع.
لنلقِ نظرةً أكثر تفصيلًا على المشروع السياسي الصهيوني الذي نادى به ثيودور هرتزل، مؤسِّس الحركة الصهيونية، قبل ما يزيد عن مئة وثلاثين عامًا. فقد وعد هذا المشروع يهود العالم بإقامة دولةٍ يهوديةٍ علمانيةٍ ديمقراطيةٍ (بالنسبة إلى اليهود) في فلسطين، يعيش فيها يهود الشتات الآتون من مختلف أنحاء العالم، بسلامٍ دائم. كذلك، سعى هرتزل إلى التأكيد على أن الصهيونية لا تهدف إلى الإضرار بـ"الجاليات غير اليهودية" في فلسطين. لننظر إلى أبرز معالم المشروع الصهيوني لنقيّم ما إذا كان يسير نحو التحقُّق أم نحو الانحسار.
أولًا، يهودية الدولة. لا تستطيع إسرائيل اليوم الادّعاء بأنها دولة يهودية بالمعنى الذي بشّر به المشروع الصهيوني. فإذا أخذنا بالرفض الإسرائيلي الرسمي والشعبي الواسع لحلّ الدولتَين، تواجه إسرائيل اليوم واقعًا ديموغرافيًا يشكّل فيه فلسطينيو الداخل والفلسطينيون تحت الاحتلال أغلبية مقارنةً بالإسرائيليين اليهود (7.5 ملايين فلسطيني مقابل 7.2 ملايين إسرائيلي يهودي). وبهذا المعنى، فإن إسرائيل لم تعد دولة يهودية خالصة، وتواجه عالمًا لن يقبل إلى الأبد بنظامٍ تحكم فيه أقلية يهودية أغلبية فلسطينية ضمن إطارٍ عنصري دائم.
ثانيًا، علمانية الدولة. آمن الصهاينة المؤسِّسون بعلمانية الدولة، وميّزوا بين نظامٍ سياسي يعتمد القوانين الوضعية وبين يهودية الدولة باعتبار اليهودية، في نظرهم، قومية وليست مجرّد دين. وقد حكمت إسرائيل منذ قيامها أحزابًا كان معظمها علمانيًا، فيما اقتصرت أدوار الأحزاب الدينية اليهودية في بدايات الدولة على مواقع ثانوية. وبشكل عام، لم تكن الأحزاب القومية والدينية في حالة انسجامٍ أو تصالحٍ كامل.
لكن هذا الواقع أخذ يتغيّر تدريجيًا على مدى العقود الماضية، حتى وصلنا إلى مرحلةٍ أصبح فيها للأحزاب الدينية نفوذٌ متزايدٌ بلغ حدّ التأثير الأبرز في عملية صنع القرار، كما هو الحال في الحكومة الحالية. بل إن الانسجام بين الأحزاب القومية والدينية الإسرائيلية المتطرّفة بلغ اليوم ذروته، بعدما أصبحت أهداف الطرفَين متطابقة إلى حدّ كبير. وهكذا، تنحسر علمانية إسرائيل السياسية لصالح تديّن سياسي متزايد التأثير والحضور.
ثالثًا، ديمقراطية الدولة. لم تكن إسرائيل يومًا ديمقراطية لجميع سكانها. وبغض النظر عما بشّرت به من أنها لن تمسّ مصالح "الجاليات غير اليهودية"، وبالرغم من محاولتها تطوير نموذج ديمقراطي انتقائي لليهود من دون العرب، لم تعد قادرةً اليوم حتى على الدفاع عن هذا النموذج المحدود. وقد شهدت السنوات الأخيرة مظاهرات أسبوعية واسعة ضدّ محاولات الائتلاف الحاكم التلاعب بالنظام الديمقراطي القائم، وإضعاف منظومة الفصل بين السلطات والتوازنات المؤسسية داخل الدولة. إن ديمقراطية إسرائيل لليهود أنفسهم تشهد اليوم انحسارًا متزايدًا، لصالح نظامٍ يتّجه نحو مزيد من السلطوية داخليًا والعنصرية تجاه العرب.
رابعًا، السلام والأمن لليهود داخل إسرائيل. لقد مضى ما يقرب من ثمانين عامًا على قيام دولة إسرائيل، ولم ينعم اليهود فيها يومًا بسلام مستدام، بالرغم من تفوّقهم العسكري الكاسح، واتفاقيتَي السلام مع مصر والأردن، إضافةً إلى الاتفاقات الإبراهيمية. وقد أصبح واضحًا أنّ الإسرائيليين لن ينعموا أبدًا بالسلام من دون التوصّل إلى حلٍّ عادلٍ للفلسطينيين. بعد هذه النظرة التفصيلية، يصبح التساؤل عن مصير الحلم الصهيوني مشروعًا. فبالرغم من استمرار المشروع الاستيطاني التوسّعي، هل ما زال للصهيونية التي نادى بها هرتزل مستقبل؟
أزعم أن الجواب، في ضوء المعطيات السابقة، هو لا. فقد بدأت الصهيونية التي طرحها هرتزل كحركة صغيرة، ثمّ نمت واتّسعت مع الزمن حتى بلغت ذروتها. لكن المشروع الذي وعد بدولة يهودية، علمانية، ديمقراطية، وآمنة لمواطنيها، يبدو اليوم أبعد ما يكون عن تحقيق هذه الأهداف. فإسرائيل تتجه لأن تكون أقلّ يهوديةً من الناحية الديموغرافية، وأقلّ علمانيةً في نظامها السياسي، وأقلّ ديمقراطيةً في بنيتها الداخلية، فيما يبقى السلام الذي وُعد به اليهود بعيد المنال. وإذا كانت المشاريع السياسية تُقاس بقدرتها على تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان المشروع الصهيوني قد نجح، بل ما إذا قد دخل بالفعل مرحلة الانحسار.
عن المؤلف
نائب الرئيس للدراسات
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
- إسرائيل أمام بداية عزلة حقيقيةتعليق
- الحرب والحاجة إلى مشروع نهضوي عربيتعليق
مروان المعشّر
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- عقيدة الركام الإسرائيليةتعليق
الهدف هو إلحاق ضررٍ بالغ بالأعداء كي تصبح استعادة قدراتهم أمرًا عسيرًا أو مستحيلًا.
ناثان ج. براون
- إعادة رسم خريطة لبنان الجغرافية والاجتماعيةتعليق
فيما تواصل إسرائيل التمدّد في أراضي البلاد، ينظر اللبنانيون بعضهم إلى بعض بعين الريبة.
عصام القيسي
- جرّ لبنان إلى مواجهة مسلّحة مع حزب الله هو ضربٌ من الجنونتعليق
لقد تغيّر دور هذا الطرف داخليًا وإقليميًا، لذا على البلاد وضع استراتيجية نزع سلاح تأخذ ذلك في الحسبان.
مايكل يونغ
- لماذا يدور الشرق الأوسط في حلقةٍ مستمرّة من "الحروب الأبدية"؟تعليق
لأن الصراعات الدائمة تُعزّز السيطرة، وتُوفّر مكاسب اقتصادية، وتسمح للقادة بتجاهل خيارات الشعوب.
انجي عمر
- أين هي الأُسس اللازمة لمفاوضات لبنان مع إسرائيل؟تعليق
من الشروط المُسبقة لأيّ محادثات جديّة أن تسعى قيادة البلاد إلى حشد دعم وطني واسع لمثل هذا المسار.
مايكل يونغ