كميّ عمّون
{
"authors": [
"كميّ عمّون"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"collections": [],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"projects": [
"أزمة المناخ، والقدرة على الصمود، وحركة النزوح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"
],
"regions": [
"لبنان"
],
"topics": [
"الطاقة والمناخ"
]
}Source: Amal Charif (Creative Commons CC-BY-SA-3.0)
بحيرة القرعون وضغوط الهجرة
يمثّل أكبر خزّان مائي في لبنان حالةً تتقاطع فيها الإخفاقات.
نادرًا ما يكون تغيّر المناخ العامل الوحيد خلف الضغوط المُحفّزة على الهجرة في أوساط المجتمعات المحلية التي تواجه تحدّيات. فغالبًا ما تتفاعل إخفاقات الحوكمة، والتلوّث، والأزمات الاقتصادية، والصراعات، مع تبعات تغيّر المناخ بطرقٍ تجعل الفصل بين هذه العوامل صعبًا للغاية. وحوض الليطاني في لبنان يشكّل مثالًا صارخًا على كيفية تضافر هذه العوامل لتشكيل أنماط تنقّل السكان.
ينبع نهر الليطاني بالقرب من بعلبك ويجري عبر سهل البقاع، قبل أن ينحني غربًا في اتجاه البحر المتوسط حيث يصبّ فيه شمال مدينة صور. ويمرّ النهر عبر واحدة من أخصب مناطق المشرق، مُشكّلًا حوضًا على شكل حرف "ل" يُعَدّ حيويًا للأنظمة الزراعية والمائية في لبنان. وفي وسط هذا الحوض يقع سدّ ألبير نقّاش، الذي يشكّل بحيرة القرعون، أكبر خزّان مائي في البلاد، وقد شُيّد السدّ في العام 1959 بهدف دعم الريّ، وتوليد الطاقة الكهرومائية، وتوفير مياه الشرب.
تتقاطع اليوم في هذه المنطقة الريفية من البقاع أزماتٌ متعدّدة، تشمل موجات الجفاف المتكرّرة، وتلوّث المياه، والتداعيات البيئية الناجمة عن الفساد المستشري، ناهيك عن الانهيار الاقتصادي على المستوى الوطني في لبنان. وقد عانت المنطقة أيضًا بشدّة جرّاء القصف خلال الصراع بين إسرائيل وحزب الله في العام 2024، ثم خلال الحرب الأخيرة في العام 2026. فما كان إلا أن أدّت هذه الضغوط المتراكمة إلى إعادة تشكيل سُبل العيش، وتقليص نطاق تدابير التكيّف المتاحة أمام المجتمعات المحلية المحيطة بالبحيرة، بما في ذلك قدرتها على التنقّل.
مع ذلك، يصعب قياس ضغوط الهجرة كمّيًّا، نظرًا إلى أن البيانات المتعلّقة بالبقاع الغربي محدودة، وتحرّكات السكان تدريجية ومتداخلة. والواقع أن المنطقة تتّسم بأنماط تنقّلٍ متعدّدة المستويات، تشمل الهجرة البطيئة للسكان المحليين إلى خارج المنطقة، وتنقّلات اللاجئين السوريين المتغيّرة، والنزوح الجماعي اليوم نتيجة الصراع الدائر في لبنان.
في صيف العام 2025، سجّل لبنان أشدّ موجة جفاف في تاريخه، عقب واحدٍ من أكثر فصول الشتاء جفافًا في البلاد منذ أربعين عامًا. فقد انخفضت كمية الأمطار بأكثر من النصف، فيما زاد تقلُّص الغطاء الثلجي وذوبان الثلوج المبكر من شحّ المياه. وكان البقاع من بين المناطق الأكثر تضرّرًا، حيث جفّ نحو ربع الآبار ونضبت الينابيع. وسجّلت بحيرة القرعون أدنى مستوى لتدفّق المياه منذ بناء السدّ، إذ انخفض إلى 45 مليون متر مكعّب، وهو مستوى أقلّ بكثير من المتوسط السنوي البالغ 350 مليون متر مكعّب. نتيجةً لذلك، ظهر مجدّدًا جسر صغبين الغارق، المشيّد في القرن الثامن عشر، كعلامةٍ واضحة على الإجهاد المائي، بعد أن كان ظهر أيضًا خلال موجة جفاف العام 2014.
من المسلّم به على نطاق واسع أن موجات الجفاف والتصحّر من العوامل القوية التي تدفع إلى الهجرة. ففي أعقاب موجة الجفاف التي شهدها البقاع في العام 2025، اضطّر 15 في المئة من المزارعين إلى التخلّي عن محاصيلهم. وقال أحد مزارعي البطاطا في المنطقة: "لا نزال متشبّثين بالبقاء لأن الأرض أرضنا، ولا نريد مغادرتها، ولكن إلى متى؟".
والواقع أن جفاف العام 2025 فاقَم مكامن الضعف في مختلف القطاعات، مُخلّفًا سلسلةً من التداعيات على المجتمعات المحلية. فقد أدّى انخفاض الإنتاج الزراعي إلى تقويض الأمن الغذائي الذي كان يعاني أساسًا من إجهادٍ مزمن، فيما تسبّبت خسائر الثروة الحيوانية وانخفاض غلّات المحاصيل بارتفاع أسعار المواد الغذائية وتفاقُم الفقر في المناطق الريفية. كذلك أدّى الارتفاع الحادّ في أسعار التبن وأعلاف الحيوانات إلى زيادة أسعار اللحوم ومشتقّات الحليب، ما فاقَم الأعباء التي تُثقِل ميزانيات الأُسَر. وبينما قلّص انخفاض توافر الطاقة الكهرومائية إمدادات الكهرباء، أجّج شحّ المياه المتزايد التوتّرات الاجتماعية، إذ عكست الاحتجاجات، والخلافات، وأعمال العنف المتفرّقة، احتدامَ التنافس بسبب الحصول غير المتكافئ على المياه.
في الوقت نفسه، واجهت بحيرة القرعون تدهورًا بيئيًا حادًّا، حيث جعلت مياه الصرف الصحي البلدية والصناعية غير المُعالَجة، والجريان السطحي الزراعي، والنفايات الصلبة، أجزاء كبيرة من البحيرة غير آمنة للاستخدام. فالتركيزات العالية من البكتيريا، والملوّثات العضوية، والمعادن السامّة، قيّدت استخدام مياه البحيرة حتى لأغراض الريّ. وفي العام 2021، نفق أكثر من 100 طنّ من الأسماك في البحيرة، ما دلّ على حجم الانهيار الذي أصاب النظام البيئي في الحوض. وقد زاد التلوّث من حدّة تأثيرات الجفاف، ما تسبّب بتقلّص المداخيل وتدهور الظروف المعيشية، وفاقم المشاكل الصحية العامة، وشكّل عاملًا مُضاعِفًا للضغوط المُحفّزة على الهجرة لدى المجتمعات المحلية المتضرّرة.
يُعزى التلوّث في حوض نهر الليطاني إلى إخفاقاتٍ بنيوية في الحوكمة سمحت باستمرار التلوّث على الرغم من الجهود المتكرّرة للحدّ منه. فضلًا عن ذلك، أدّى تشتّت المسؤوليات، وقصور آليات الإنفاذ، والنقص المزمن في الاستثمارات، والفساد المستشري، إلى ضعف القدرة على المساءلة والمحاسبة، ما تسبّب بتأخير المشاريع وسوء تخصيص الأموال، وضمَنَ استئثار أصحاب المصالح الخاصة بالمشاريع. فكما أشار مدير عام المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، سامي علوية، "تكمن المشكلة الأساسية في تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة". وهكذا، تُسهِم إخفاقات الحوكمة، من خلال مفاقمتها الضغوط البيئية في مجتمعات محلية تواجه أصلًا تحدّيات، في تشكيل ضغوط الهجرة بصورة مباشرة لدى المجتمعات المحلية التي تعيش على ضفاف النهر.
وقد فاقم الانهيار الاقتصادي في لبنان مكامن الضعف المؤسسية هذه. فمنذ العام 2019، تسبّب التراجع الحادّ في قيمة الليرة اللبنانية بارتفاع كلفة مستلزمات الإنتاج الزراعي، مثل الوقود والأسمدة والبذور والمبيدات، ما دفع الكثير من المزارعين للعودة إلى زراعة الكفاف، وزاد بالتالي من حدّة الفقر. علاوةً على ذلك، بات الحصول على القروض مستحيلًا بسبب انهيار القطاع المصرفي. واستجابةً لهذه الظروف، شهدت أنماط الهجرة تحوّلًا، مع توجّه الفئة الشبابية نحو العمل في الخارج أو الانتقال إلى المدن، الأمر الذي أضعف بشكلٍ إضافي القدرات الإنتاجية في البقاع.
كذلك، ساهمت الصراعات مرارًا في مفاقمة هذه الضغوط البنيوية. فخلال حرب العام 2024 بين حزب الله وإسرائيل، أرغمت الغارات الجوية وإنذارات الإخلاء حوالى 1.2 مليون شخص في مناطق البقاع، وجنوب لبنان، وضاحية بيروت الجنوبية على ترك بيوتهم. وشهد العام 2026 تكرارًا لنمطٍ مشابه. ففي 4 نيسان/أبريل، تعرّض محيط بحيرة القرعون للاستهداف مرّاتٍ عدّة، إذ قصف الطيران الحربي الإسرائيلي بلداتٍ مثل سُحمر ويُحمر ومشغرة، واستهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية سيارةً على بُعد 400 متر عن سدّ ألبير نقّاش. وإن كانت حرب العام 2024 قد عطّلت القطاع الزراعي من خلال تقييد قدرة الناس على الوصول إلى أراضيهم، وإلحاق الضرر بالمحاصيل والممتلكات، وتهجير المزارعين، وقطع سلاسل توريد مستلزمات الإنتاج الزراعي، وأسفرت عن نقصٍ حادّ في اليد العاملة، غالب الظن أن تُخلّف حرب العام 2026 تداعياتٍ مماثلة، إن لم تكن أشدّ وطأةً.
مع أن تغيّر المناخ، والإخفاقات في الحوكمة، والتلوّث، والانهيار الاقتصادي، والحرب كلّها عوامل تسهم في تصاعد الضغوط المُحفّزة على الهجرة، فإن تبعاتها تتداخل على نحوٍ وثيق لدرجة أن فصل أي عاملٍ عن الآخر قد يؤدّي إلى سوء فهمٍ للديناميّات القائمة. في الواقع، يُنظر إلى ضغوط الهجرة بشكلٍ متزايد على أنها نتاج تفاعلاتٍ معقدّة بين عوامل مترابطة يؤثّر بعضها على بعض، ولا تُعزى إلى سببٍ واحدٍ فقط.
ما من حلولٍ واضحة ومباشرة لهذا النوع من التحديات المتشابكة التي تعكس أزمةً عالميةً أوسع متعدّدة الأوجه، ولا سيما حين يُضاف الصراع المسلّح إلى المعادلة. مع ذلك، تُظهر حالة بحيرة القرعون، حيث تتقاطع هذه الأزمات كلّها، أن الهدف لا يكمن في فصل هذه الضغوط بعضها عن بعض، بل في فهم كيف يعزّز كلٌّ منها الآخرَ، وفي بلورة سياساتٍ قادرةٍ على إدارة هذا المزيج المتداخل من الأزمات. وهذا يقتضي تجاوز نهج الاستجابات المجزّأة التي تتعامل مع كل قطاعٍ على حدة، لصالح اعتماد مقاربات متكاملة تربط بين قضايا المناخ والمياه والزراعة والاقتصاد والفساد، إلى جانب التحوّل من منطق ردّ الفعل في إدارة الأزمات إلى منطق الحوكمة الاستباقية التي تُدرج أنماط تنقّل السكان ضمن استراتيجيات التكيّف الأوسع.
عن المؤلف
باحث غير مقيم، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط
كميّ عمّون باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، تتمحور اهتماماته البحثية حول قضايا تغيّر المناخ والاقتصاد السياسي والتنمية الحضرية.
- تصدير الوقود الأحفوري عن طريق الحوسبة السحابيةتعليق
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- قراءة واقعية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيلتعليق
الرغبة في التحرُّر من الهيمنة الإيرانية قد تؤدّي إلى وضعٍ تُضطرّ فيه بيروت إلى القبول بالهيمنة الإسرائيلية.
مايكل يونغ
- استراتيجية حزب الله في زمن الحربتعليق
تنطوي أهدافه على ربط الجبهتَين اللبنانية والإيرانية معًا، والدفاع عن بقائه في الداخل على المستويَين العسكري والسياسي.
محمد فواز
- مهمّةٌ للجيش اللبنانيتعليق
إنّ حَذَر قائد المؤسسة العسكرية رودولف هيكل مفهوم، لكنه قادرٌ على التحرّك، ويجب أن يتحرّك.
مايكل يونغ
- إسرائيل تستهدف حلفاء حزب الله المرتبطين بالإخوان المسلمينتعليق
تُمثّل الجماعة الإسلامية في لبنان بُعدًا محليًا لصراعٍ أوسع تنخرط فيه قوى إقليمية متناحرة.
عصام القيسي
- سورية تنأى بنفسها عن الحرب الإيرانيةتعليق
يشرح خضر خضّور، في مقابلةٍ معه، أن دمشق تحاول تعزيز حماية حدودها، لكن نجاحها في تجنّب الصراع ليس مضمونًا.
مايكل يونغ