لأن الصراعات الدائمة تُعزّز السيطرة، وتُوفّر مكاسب اقتصادية، وتسمح للقادة بتجاهل خيارات الشعوب.
انجي عمر
{
"authors": [
"مساعد عقلان",
"محمد السعيدي"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"projects": [
"أزمة المناخ، والقدرة على الصمود، وحركة النزوح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"
],
"regions": [
"اليمن",
"الخليج"
],
"topics": [
"الطاقة والمناخ"
]
}Mathieu Génon from Paris / justdia.org, CC BY-SA 2.0, via Wikimedia Commons
تتعرّض هذه الفئة أساسًا للتمييز الاجتماعي، لذا يجب إطلاق مبادراتٍ مستدامة لمعالجة أوجه التفاوت المختلفة.
تتفاقم الأزمة المناخية في اليمن على وقع تدهورٍ أوسع نطاقًا تشهده البلاد بعد سنواتٍ من الحرب والانهيار الاقتصادي وتضرّر البنية التحتية وإخفاقات السياسة العامة، ما جعل اليمن شديد التأثّر بارتفاع درجات الحرارة، وتقلّب أنماط هطول الأمطار، والسيول المفاجئة، وفترات الجفاف، وتزايد ندرة المياه.
كذلك، شهدت موجات الحرّ والجفاف تصاعدًا ملحوظًا في وتيرتها وحدّتها، فيما أصبحت الأمطار الغزيرة والسريعة والأعاصير المدارية ظاهرة متكرّرة، متسببةً بسيولٍ مفاجئة ألحقت أضرارًا جسيمة بالممتلكات والبنية التحتية، وجرفت أيضًا مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الزراعية. وأدّى هطول أمطارٍ غزيرة في منتصف آب/أغسطس 2025 وحده إلى تضرّر أكثر من 100 ألف شخص. بموازاة التأثيرات المناخية، لا تزال عمليات الحفر غير القانونية مستمرّة، فيما تعاني معظم طبقات المياه الجوفية من الاستنزاف المفرط. يُضاف إلى ذلك أن تراجع معدّلات إعادة تغذية المياه الجوفية، وارتفاع مستوى سطح البحر، والاستخدام غير المستدام للمياه في الزراعة، كلها عوامل تؤثّر على أحواض المياه الجوفية وتؤدّي إلى زيادة تسرّب المياه المالحة إلى الأحواض الجوفية الساحلية، ما يسفر عن تدهور جودة المياه العذبة وتحويلها تدريجيًا إلى مياهٍ غير صالحة للشرب والري.
في غضون ذلك، أدّى الصراع في اليمن إلى تدميرٍ واسع النطاق للبنية التحتية المائية وتراجع الخدمات، إذ انخفضت إمدادات المياه في صنعاء مثلًا بنسبة 72 في المئة. كذلك تأثّر الإمداد الغذائي في البلاد، التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الواردات، نتيجة الحرب والتصعيد العسكري في البحر الأحمر. ونتيجةً لهذه الأزمات المتداخلة وسوء الإدارة، يعاني معظم اليمنيين اليوم من انعدام الأمن الغذائي. ففي العام 2025، احتاج نحو 83 في المئة من السكان، أي ما يقارب 24 مليون شخص، إلى مساعدات غذائية، في ظلّ أزمة سوء تغذية مزمنة وحادّة.
ولا تصيب تداعيات هذه الضغوط جميع السكان بالتساوي، إذ يقع العبء الأكبر منها على عاتق المجتمعات المحلية المستبعدة أساسًا من منظومة الحماية الاجتماعية ومن التمثيل السياسي في البلاد، ومن ضمنها فئة المهمّشين التي تُظهر بأوضح صورة دور الصدمات المناخية في ترسيخ أوجه التمييز الاجتماعي القائمة ومفاقمتها.
المهمّشون فئةٌ تقبع في قاع الهرم الاجتماعي اليمني، وهم أقلية عانت على مدى عقود من التهميش والإِقصاء، إذ لا يُسمَح لهم بالانتساب إلى القبائل اليمنية العربية ولا تزال أصولهم موضع جدل. يعتقد البعض أنهم يتحدّرون من جنود إثيوبيين أو عبيد أفارقة من مرحلة ما قبل الإسلام، فيما يعتبر آخرون أنّ لهم جذورًا يمنية. ويُشار إلى أن أفراد هذه الفئة يفضّلون اليوم تسمية "المهمّشين"، التي حلّت محلّ لفظة "الأخدام" (أو الخدَم) ذات الدلالة المهينة.
تتباين الأرقام بشأن عدد أفراد هذه الفئة بشكلٍ كبير، إلا أن مصادر الأمم المتحدة تُقدّره بنحو 3.5 ملايين نسمة، أي ما يقارب 10 في المئة من إجمالي سكان اليمن. لكن السجلات الرسمية تتجاهلهم في الغالب، لذا من الصعب تحديد عددهم على وجه الدقة. وهم يتركّزون في تجمّعات سكنية عشوائية تقع في محيط المدن الرئيسة، مثل صنعاء وتعز وعدن والحديدة وصعدة، كما في بعض الأطراف الريفية. وليس من السهولة تملّك العقارات نظرًا إلى تعقيدات الوثائق والإجراءات الرسمية، ما يجعل حقوقهم في الأراضي هشّة، فيما تُبنى مساكنهم عادةً على أراضٍ غير مسجّلة رسميًا، وغالبًا ما تقع تجمّعاتهم السكنية على المنحدرات أو السهول الفيضية، أو بالقرب من مواقع تجميع النفايات. إن افتقارهم إلى حقوق حيازة الأراضي يعني أنهم لا يستطيعون رهنها أو بيعها للحصول على تمويل. كذلك، يميل المهمّشون إلى الزواج الداخلي ضمن حدود فئتهم الاجتماعية. إذًا، يعاني المهمّشون حرمانًا شديدًا في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وتمييزًا ممنهجًا في مجالات العمل والزواج والسياسة، فيتقاضون أجورًا متدنّية جدًّا ويرزحون تحت وطأة الفقر، وتزداد أوضاعهم سوءًا بسبب قصور شبكات الحماية الاجتماعية. ونظرًا إلى عزلتهم الاجتماعية الخانقة والتحيّز الراسخ ضدّهم، تظلّ هذه الفئة غائبة بشكلٍ كبير عن السجلات الرسمية.
يواجه المهمّشون عوائق رسمية وغير رسمية على مختلف الأصعدة. فمن الناحية القانونية، لا يتضمّن القانون اليمني بنودًا صريحة تحرم المهمّشين من الحقوق المدنية، إلا أن الممارسات التمييزية ضدّهم واسعة الانتشار عمليًا. فهم محرومون بشكلٍ شبه تامّ من الوثائق المدنية الأساسية، مثل شهادات الميلاد والبطاقات الشخصية (بطاقات الهوية الوطنية) والأوراق الثبوتية الخاصة بالجنسية. فتشير التقديرات إلى أن نحو 78 في المئة من البالغين في فئة المهمّشين لا يملكون بطاقات شخصية، ما يمنعهم من الاستفادة من برامج الدولة، مثل التحويلات النقدية وبطاقات التموين وغيرها، وبالتالي يُعدّ مستوى حصولهم على الخدمات الأساسية أدنى بكثير من المعدّلات الوطنية.
الواقع أن شبكة الأنابيب العامة في اليمن لا تصل سوى إلى 9 في المئة فقط من فئة المهمّشين (مقارنةً مع 30 في المئة من السكان على المستوى الوطني)، ناهيك عن أن نسبة 42 في المئة منهم تفتقر إلى مراحيض منزلية خاصة. ويضطرّ كثرٌ إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج أو الاعتماد على مضخّات مياه عامة غالبًا ما تكون بعيدة عن مساكنهم. كذلك، تكاد خدمات جمع القمامة تنعدم في مناطقهم، ما يجعل تكدّس النفايات في أحيائهم مشهدًا مألوفًا. وقياسًا إلى المعدّل الوطني العام، تُعدّ مناطق المهمّشين أكثر تأثّرًا بالأزمات البيئية والمناخية، مثل مخاطر الفيضانات والسيول، وتلوّث المجاري المائية، والانبعاثات الناجمة عن حرق النفايات في العراء، ولا سيما أن الخدمات البلدية غائبة بشكلٍ كبير عن تجمّعاتهم السكنية. ومن المفارقات أنّ المهمّشين يشكّلون الغالبية العظمى من العاملين في قطاع جمع النفايات في سائر المدن اليمنية. يُضاف إلى ذلك أن الكثير من مساكنهم لا تصلها الكهرباء من الشبكة العمومية، وتلك التي تحصل على الكهرباء غالبًا ما تعتمد على المولّدات أو على توصيل التيار الكهربائي بشكلٍ عشوائي وغير قانوني. كذلك، يجري شراء الغاز المنزلي والوقود عبر القنوات غير الرسمية. ما من إحصاءات موثوقة في هذا الشأن، لكن إذا كان وضع المياه مؤشّرًا يُقاس عليه، فيُرجَّح أن تكون نسبة التغطية الكهربائية في مناطق المهمّشين أدنى بكثير من المعدّل الوطني، الذي يقلّ أساسًا عن 50 في المئة في اليمن.
علاوةً على ذلك، تعاني فئة المهمّشين من استبعادٍ هيكلي ومزمن من شبكات الرعاية الصحية والتعليم العامة. فقلّما تصل العيادات وحملات التطعيم إلى مناطقهم. وحتى عندما يحاول المهمّشون الحصول على هذه الخدمات، يواجهون معاملةً تمييزية أو يُفرَض عليهم دفع رسوم أعلى. يُضاف إلى ذلك أن عدم حيازتهم بطاقاتٍ شخصية يحرمهم من الاستفادة من الخدمات الصحية والتعليمية الحكومية. وفيما توفّر بعض العيادات المتنقّلة الصغيرة وفرق التوعية خدماتٍ لأحياء المهمّشين، تبقى إمكاناتها محدودة جدًّا في هذا الصدد. ويُشار إلى أن أكثر من 60 في المئة من أطفال فئة المهمّشين لا يرتادون المدارس، ويبلغ معدّل الإلمام بالقراءة والكتابة في صفوف البالغين منهم 20 في المئة فقط، مقارنةً مع 60 في المئة في أوساط عموم اليمنيين. وتشمل العوامل التي تؤدّي إلى هذا الوضع عدم قدرة الأُسر على تغطية تكاليف التعليم المرتفعة، وغياب الوثائق الرسمية، والبُعد الجغرافي للمدارس عن تجمّعات المهمّشين السكنية، إلى جانب أشكالٍ أخرى من التمييز.
على المستوى المؤسسي، لا يزال المهمّشون في الغالب خارج دوائر التمثيل السياسي. فنادرًا ما تتواصل الأحزاب السياسية والنقابات معهم، ناهيك عن أن مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي عُقِد في العام 2013 لم يضمّ سوى ممثّل واحد عنهم من أصل 565 عضوًا. ومنذ العام 2015، لم تُسارِع منظمات الإغاثة إلى تخصيص مساعدات موجّهة لهم تحديدًا، إذ غالبًا ما جرى إدراجهم ضمن شريحة فقراء المدن بشكلٍ عام. وقد سعى المهمّشون إلى إنشاء أُطرٍ تنظيمية للدفاع عن حقوقهم، مثلًا عبر تأسيس حركة الدفاع عن الأحرار السود في محافظة تعز في العام 1990، بينما أنشأت الحكومة في وقت لاحق منظمّات مرتبطة بها، على غرار الاتحاد الوطني للمهمّشين في العام 2007. وقد ساعدت بعض المنظمات المهمّشين المستوفين للشروط في الحصول على بطاقات شخصية، لكن الكثير منهم لا يزالون خارج نطاق هذه الجهود. إذًا، لم تشهد ظروفهم المعيشية بشكلٍ عام تحسّنًا ملحوظًا على مرّ السنوات.
وقد فاقمت الصدمات المناخية هذه الأوضاع الصعبة. فالكثير من تجمّعات المهمّشين السكنية يقع في مناطق معرّضة للفيضانات، ولا سيما مجاري الأنهار الجافة والأودية، حيث تتسبّب الأمطار الغزيرة بتدفّق مياه الصرف الصحي والنفايات المتراكمة إلى داخل الخيام، وتدمّر المساكن الهشّة. كذلك، تحمل السيول الجارفة النفايات من مكبّات القمامة القريبة إلى داخل القرى، وتترك الأُسر النازحة عالقةً في الوحل.
أما الجفاف، فقد أحدث تأثيرًا معاكسًا لكنه لا يقلّ خطورة، إذ قلّص إمكانية الحصول على المياه النظيفة، وأرغم الأُسر التي لا تصلها شبكات المياه على دفع مبالغ طائلة ثمن المياه المنقولة بالصهاريج، أو على الوقوف في طوابير طويلة عند مصادر مياه بعيدة. وفي الأحياء التي تفتقر إلى شبكات الصرف الصحي، كثيرًا ما تتدفّق المياه العادمة غير المُعالجة في العراء، فتتسرّب السوائل الملوّثة والسامّة إلى المياه الجوفية، بينما يتمّ في الكثير من الأحيان حرق النفايات المتراكمة، ما يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض تنفسية خطيرة. وتتحمّل الأُسر الأكثر فقرًا العبء الأكبر لهذه التداعيات الصحية، مثل الإسهال والكوليرا والأمراض التنفسية.
يتطلّب تقليص فجوة التفاوت الاجتماعي والبيئي استجابات موجّهة ومستدامة، تبدأ أولًا بالإدماج القانوني للمهمّشين من خلال برنامجٍ وطني يمنحهم شهادات ميلاد ووثائق هوية. ويجب أن تترافق هذه الخطوة مع الاستثمار في خدمات المياه والصرف الصحي وجمع النفايات داخل أحياء المهمّشين، وضمان أن تشملهم حملات الرعاية الصحية والتطعيم المتنقّلة. كذلك، يتعيّن على السلطات اعتماد تدابير للتخفيف من مخاطر الفيضانات، بما في ذلك إنشاء شبكات تصريف وملاجئ أكثر أمانًا. وينبغي تعزيز هذه الجهود من خلال توفير المساعدة القانونية، وفرض عقوباتٍ للحدّ من التمييز، واتّخاذ الإجراءات اللازمة للحؤول دون عرقلة وصول المساعدات الإنسانية أو توجيهها إلى غير مستحقّيها.
على الرغم من التحديات القائمة، من الممكن تنفيذ جزءٍ من هذه التوصيات عبر منظمات حقوق الإنسان والسلطات المحلية والمبادرات المجتمعية. فباستطاعة الجهود التدريجية إحراز تقدّمٍ ملموس، والمساهمة مع الوقت في تحقيق تعافٍ مؤسّسي أوسع.
مساعد عقلان
محمد السعيدي
Research Associate Professor, Qatar University
محمد السعيدي باحث وأستاذ مشارك في جامعة قطر، يعمل راهنًا على قضايا تشمل التنمية، والبيئة، وإدارة الموارد المائية، والتحولات نحو نُظم أكثر استدامةً. وانخرط في مشاريع بحثية حول اليمن، ومنطقة الخليج، وشرق أفريقيا، والأردن. عمل سابقًا في البحث والتعليم في معهد التكنولوجيا وإدارة الموارد في جامعة كولونيا للعلوم التطبيقية في إطار برامج الدراسات العليا العربية الألمانية، ومشاريع تركّز على قضايا الاستدامة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
لأن الصراعات الدائمة تُعزّز السيطرة، وتُوفّر مكاسب اقتصادية، وتسمح للقادة بتجاهل خيارات الشعوب.
انجي عمر
يناقش جيم لامسون، في مقابلة معه، الصراع الإقليمي المتواصل، ويرى صورة غير واضحة عن الفائزين والخاسرين فيه.
مايكل يونغ
يمثّل أكبر خزّان مائي في لبنان حالةً تتقاطع فيها الإخفاقات.
كميّ عمّون
تحليل مقتضب من باحثي كارنيغي حول الأحداث المتعلقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
مايكل يونغ
على المنطقة تبنّي مقاربة جديدة لا تكتفي بمواجهة الضغوط الخارجية، بل تُرسي أيضًا علاقة أكثر توازنًا وندّيةً مع العالم.
مروان المعشّر