عصام القيسي, ياسمين زغلول
{
"authors": [
"عصام القيسي"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"لبنان",
"إسرائيل",
"المشرق العربي"
]
}المصدر: Getty
تمديدٌ تحت النار
قد يبدو قرار مجلس النواب اللبناني استثنائيًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع ليس كذلك.
على وقع حملة القصف الإسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبية، ونزوح مئات آلاف اللبنانيين بحثًا عن المأوى في ملاجئ ومساكن مؤقتة في مختلف أنحاء لبنان، عقد مجلس النواب جلسةً استثنائية في 9 آذار/مارس للتوصّل إلى اتفاقٍ بشأن مسألةٍ باتت مألوفةً في الحياة السياسية اللبنانية. فقد أقرّ المجلس تمديد ولايته لمدّة سنتَين، بأكثرية 76 صوتًا مؤيّدًا مقابل 41 صوتًا معارضًا وامتناع 4 نواب عن التصويت، ما يعني تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقرّرة في أيار/مايو 2026.
أتى هذا التصويت بعد أن انجرّ لبنان مجدّدًا إلى حربٍ إقليمية، علمًا أن الغارات الإسرائيلية على البلاد استمرّت بشكل متقطّع حتى عَقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وقد تكثّف القصف الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية ليرتفع عدد ضحايا الهجمات إلى نحو 850 قتيلًا، وعدد النازحين إلى أكثر من 800 ألف شخص، بعد أن أقدم حزب الله على فتح جبهة أخرى من لبنان في المواجهة بين الجانب الأميركي والإسرائيلي من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى، حين أطلق صليةً صاروخية على إسرائيل انتقامًا لعملية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. في الواقع، أدّت التحذيرات الإسرائيلية المتكرّرة والمكثفّة إلى أزمة نزوحٍ جماعي، أسفرت فعليًا عن إفراغ مناطق واسعة من الجنوب اللبناني وأحياء كاملة في ضاحية بيروت الجنوبية من سكانها، بالتزامن مع تزايد أعداد القتلى والجرحى وارتفاع مستوى الأضرار في البنية التحتية. وفي ظلّ هذه الظروف، أصبح إجراء الانتخابات الوطنية في موعدها مستحيلًا على الصعيدَين السياسي واللوجستي.
لكن سرعان ما أعادت الدعوة إلى تأجيل الانتخابات لعامَين كاملَين فتح نقاشٍ مألوفٍ على الساحة السياسية اللبنانية. فعندما تطرأ ظروفٌ استثنائية، إلى أيّ حدٍّ ينبغي إبداء مرونةٍ بشأن المُهل الديمقراطية؟ وماذا يعني أن يمدّد مجلس النواب لنفسه من جديد لفترةٍ تعادل نصف الولاية البرلمانية البالغة أربع سنوات؟
اتّسمت جلسة مجلس النواب بمزيجٍ من الأحداث الروتينية والسُريالية في آن. فعلى الرغم من التكهّنات بأن نواب حزب الله قد يتغيّبون عن الجلسة بسبب الحرب، حضرت كتلة الحزب النيابية بكامل أعضائها. وكانت هذه الإطلالة العلنية الأولى لرئيس الكتلة محمد رعد بعد أن تداولت تقارير إعلامية الأسبوع الماضي خبر اغتياله. ناقش النواب خلال الجلسة المُهل الإجرائية والتفسيرات الدستورية، بيد أن النقاش أغفل مسألةً سياسية أعمق تتعلّق بدور حزب الله في جرّ لبنان إلى صراعٍ جعل إجراء الانتخابات الآن مهمةً شبه مستحيلة، وقد يأخذ البلاد إلى مسارٍ مجهول. وهكذا، جلس نواب الحزب في مقاعدهم، وشاركوا في التصويت، ثم غادروا من دون إلقاء كلمة أو الإدلاء بأيّ تصريح. ولم يتخلّل الجلسة حتى الوقوف دقيقة صمت على أرواح ضحايا الحرب الدائرة.
مع ذلك، جرت مشاوراتٌ نشطة حول مسألة التأجيل. لم يجادل أيٌّ من النواب الحاضرين حول إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها بشكل واقعي، وتمثّل الهاجس الذي طغى على النقاش في استمرارية عمل المؤسسات. فإذا انتهت ولاية مجلس النواب من دون إجراء انتخابات، وانهارت حكومة نواف سلام لأيّ سببٍ كان، قد يشهد لبنان وضعًا يكون فيه رئيس الجمهورية المسيحي الماروني السلطة الوحيدة التي تتمتّع بصلاحيات كاملة في خضمّ أزمة وطنية. وفي هذه الحالة، سيحدث شغورٌ في أعلى منصب سياسي للطائفة الشيعية في البلاد، أي رئاسة مجلس النواب، فيما سيشغل نواف سلام المنصب المخصّص للطائفة السنّية، أي رئاسة مجلس الوزراء، بصفة تصريف أعمال فقط.
إذًا، لم يتمحور السجال الحقيقي حول احتمال إرجاء الانتخابات أم لا، بل حول مدّة هذا التأجيل. الواقع أن إجراء الانتخابات في لبنان يتطلّب أشهرًا من التحضير حتى في ظلّ الظروف الطبيعية، إذ لا بدّ من تجهيز مراكز الاقتراع، وإعداد القوائم الانتخابية، وتنسيق الترتيبات اللوجستية في الدوائر الانتخابية الخمس عشرة في البلاد، إضافةً إلى تنظيم عملية اقتراع اللبنانيين في الخارج. في هذا السياق، اعتبر النائب المستقل فراس حمدان، ممثّل إحدى دوائر الجنوب الانتخابية، والمؤيّد لتمديد ولاية مجلس النواب، أن تنظيم الانتخابات سيتطلّب تسعة أو عشرة أشهر على الأقل من التحضير، نظرًا إلى أعداد النازحين الكبيرة، حتى لو تحسّنت الأوضاع الأمنية قريبًا، وهذا احتمالٌ مُستبعَد.
أما الأحزاب المسيحية الكبرى، مثل القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والكتائب، فقد قبلت بضرورة إرجاء الانتخابات، لكنها اعترضت على تمديد ولايته لعامَين كاملَين. ودعت بدلًا من ذلك إلى التأجيل لمدّة أقصر يمكن إعادة تقييمها لاحقًا وفقًا للظروف الأمنية. وطُرحت بدائل عدّة، منها التمديد لمدّة شهرين أو أربعة أو ستة أشهر. وفي مرحلة ما، أعلن رئيس التيار الوطني جبران باسيل تأييده لتمديد ولاية المجلس لمدّة عامٍ واحد كحلٍّ وسط، وهو اقتراحٌ أبدى النائب جورج عدوان عن حزب القوات اللبنانية استعدادًا لقبوله.
لكن في نهاية المطاف، لم يتناول التصويت أيًّا من هذه البدائل. فقد حَصَر رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف الراسخ لحزب الله، الخيارات ضمن إطارٍ أضيق من خلال طرح التمديد لمدّة عامَين باعتباره المقترح الوحيد المعروض للتصويت. وفي ظلّ غياب التوافق على تأجيلٍ أقصر، أُقرّ التمديد بأكثرية أصوات المجلس المؤلّف من 128 نائبًا.
عَقب الجلسة، قال معارضو القرار إن مدة التمديد تجاوزت حدًّا مهمًّا، إذ صرّح رئيس حزب الكتائب سامي الجميّل بأن التأجيل لسنة واحدة كان سيكفي. وعلى نحوٍ مماثل، رأى عدوان أن لبنان يجب أن يكسر نمطًا متكرّرًا من تمديد المهل الزمنية للمؤسسات. كذلك وصف ملحم كرم، النائب المستقلّ ونقيب المحامين السابق في بيروت، التمديد لسنتَين بأنه غير دستوري، محذّرًا من أن السماح لمجلس النواب بتمديد ولايته بما يتجاوز الضرورة قد يقوّض مبدأ المساءلة الانتخابية.
إلى جانب هذه الحجج القانونية برز سؤالٌ سياسي هو: إلى أيّ مدى كان القرار مدفوعًا بضرورات زمن الحرب، وإلى أيّ مدى جاء نتيجة حساباتٍ سياسية؟ ثمة إدراكٌ واسع النطاق بأن الحرب قد تغيّر المشهد السياسي في لبنان، إذ إن الصراع المسلّح يُحدث حتمًا تغييرًا في الرأي العام، ولا سيما إزاء الأطراف المنخرطة فيه بشكلٍ مباشر. ستكون الأشهر المقبلة صعبةً سياسيًا على حزب الله الذي انخرط في المواجهة مع إسرائيل، ويتحمّل الآن قدرًا كبيرًا من المسؤولية السياسية المُتصوَّرة عن عواقبها. فعلى المدى القريب، قد يؤدّي الدمار والنزوح والتدهور الاقتصادي نتيجة الحرب إلى تقويض الدعم الشعبي للحزب في بعض الدوائر الانتخابية، أو على الأقلّ قد يضفي قدرًا من الضبابية على كيفية استجابة الناخبين بعد وقف القتال.
وهذه الضبابية مهمّة للقوى السياسية على اختلاف أطيافها. فإجراء الانتخابات بعد انقضاء المرحلة المباشرة من الحرب، بينما لا تزال تداعياتُها جليّة بشدّة، قد يفضي إلى ديناميّاتٍ انتخابيةً متقلّبة. أما تأجيل الانتخابات لفترة أطول، فيتيح مزيدًا من الوقت لتطوّر السرديات السياسية، والشروع في جهود إعادة الإعمار المحتملة، وتبديد الإحباط العام. ومن هذا المنطلق، لا يُعَدّ توقيت الانتخابات مسألةً لوجستية فحسب، بل مسألة سياسية أيضًا.
يُضاف إلى ذلك أن التمديد يتقاطع مع استحقاق مؤسّسي مهمّ آخر، ألا وهو الانتخابات الرئاسية اللبنانية المقبلة. فمجلس النواب هو الذي ينتخب الرئيس المسيحي الماروني في النظام السياسي اللبناني، الأمر الذي يجعل تركيبة هذا المجلس في ذلك التوقيت حاسمة. ومن خلال تمديد ولاية مجلس النواب الحالي لمدّة عامَين، يضمن المشرّعون أن تفضي الانتخابات التشريعية المقبلة إلى مجلسٍ ينتخب الرئيس القادم.
قد لا يُقَرّ بهذه الحسابات دائمًا بشكلٍ صريح، إلا أنها تُبيّن كيف أن القرارات الإجرائية في لبنان غالبًا ما تحمل تداعيات أوسع نطاقًا. فالنقاش بشأن تأجيل الانتخابات لبضعة أشهر أو سنتَين لم يكن حول الجدوى الإدارية فحسب، بل أيضًا حول احتمال أن تغيّر الجداول الزمنية المختلفة التوازنَ السياسي الداخلي للبلاد في السنوات المقبلة.
تندرج هذه الديناميّات أيضًا ضمن نمطٍ تاريخي، إذ نادرًا ما كانت المواعيد الانتخابية في لبنان ثابتةً كما يوصي الدستور. فنظريًا، يعمل لبنان وفق إطار دستوري يحدّد جداول زمنية مؤسّسية واضحة: انتخابات برلمانية كل أربع سنوات، وولايات رئاسية مدّتها ست سنوات. أما عمليًا، فقد تبيَّن في كثيرٍ من الأحيان أن هذه المواعيد قابلةٌ للنقاش عندما يواجه البلد تعطيلًا ناجمًا عن العنف أو جمودًا سياسيًا.
الواقع أن النظام السياسي اللبناني وجد نفسه مرارًا وتكرارًا، منذ خمسينيات القرن الماضي، عالقًا في دوّامات من الصراعات العابرة للحدود أو الجمود السياسي الداخلي، آلت في نهاية المطاف إلى تأجيل المواعيد الدستورية. فولايات مجلس النواب مُدّدَت، والانتخابات الرئاسية أُجّلَت، والمهل الزمنية للمؤسسات أُطيلَت. وهكذا، واصل المجلس المُنتخَب في العام 1972 عمله طوال الحرب الأهلية التي استمرّت خمسة عشر عامًا. أما مجلس النواب المُنتخَب في العام 2009، فمدّد ولايتَه مرّاتٍ عدة، مُعلّلًا ذلك بمخاوف أمنية مرتبطة بالحرب في سورية المجاورة، ما أسفر في النهاية عن تأجيل الانتخابات حتى العام 2018.
بعد عقودٍ من تكرار هذا النمط، بات من الصعب أكثر فأكثر اعتبارُه انحرافًا مؤقّتًا عن القواعد، بل أصبح يعكس عمليًا طريقة عمل النظام اللبناني. لم تَعُد المسألة إذًا تتعلّق بموعد إجراء الانتخابات المقبلة فحسب، بل أيضًا بمدى قدرة المهل الدستورية في لبنان، في ظلّ نظامه الراهن، على التحرّر بالكامل من دوّامة الأزمات التي تؤدّي مرارًا وتكرارًا إلى تعليقها.
عن المؤلف
محلّل أبحاث
عصام القيسي محلّل أبحاث في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، يركّز عمله على لبنان وسورية.
- حين تتجاوز كرة القدم حدود الرياضةتعليق
- ترويض الاغترابتعليق
عصام القيسي
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- ذكرى الأربعين المؤجَّلةتعليق
إلى جانب التدمير والتهجير، تمنع الحرب أيضًا اللبنانيين من الحداد على أحبّائهم.
نجوى ياسين
- الحرب وارتداداتها في الخليج العربيتعليق
إن طريقة تعامل دول المنطقة مع تداعيات الضربات الإيرانية تنطوي على مفارقة.
انجي عمر
- الآتي قد يكون أعظمتعليق
تتناول نيكول غرايفسكي، في مقابلةٍ معها، الأبعاد العسكرية للهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
مايكل يونغ
- حربٌ بلا استراتيجيةتعليق
قد تؤدّي حالة التخبّط التي تعيشها الإدارة الأميركية بشأن إيران إلى مزيدٍ من العنف وعدم الاستقرار في المرحلة المقبلة.
مروان المعشّر
- القوة النارية في مواجهة قوة الإرادةتعليق
يقدّم نيسان رفاتي، في مقابلةٍ معه، تقييمًا للأسبوع الأول من الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران.
مايكل يونغ