Carnegie Endowment for International PeaceCarnegie Endowment for International Peace
  • تبرع
المهاجرون على الأبواب: أوروبا تحاول كبح الهجرة غير الشرعية

المصدر: Getty

مقالة
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

المهاجرون على الأبواب: أوروبا تحاول كبح الهجرة غير الشرعية

استجاب الاتحاد الأوروبي للوافدين غير المرغوب فيهم من خلال اتّخاذ تدابير أمنية أكثر صرامةً، إلّا أن هذا النهج أسفر عن زيادة انتهاكات حقوق الإنسان وفَشِل في كبح موجات الهجرة.

Link Copied
بواسطة ياسمين زغلول
منشئ 28 فبراير 2025

روابط إضافية

Full Text
X-Border Local Research Network

المشروع

إضاءة على النزاعات في المناطق الحدودية

في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، تستمر النزاعات ويسود اللااستقرار في المناطق الحدودية المتنازَع عليها حيث تتفاعل التوترات المحلية مع الديناميكيات الإقليمية والعالمية. وفي هذا الصدد، تعمل مؤسسة آسيا ومعهد الأخدود العظيم ومركز كارنيغي للشرق الأوسط معاً من أجل تحقيق فهم أفضل لأسباب النزاعات في هذه المناطق الحدودية وتأثيراتها وأبعادها الدولية، ودعم اعتماد أساليب أكثر فاعلية لصنع السياسات وبرمجة التنمية، وبناء قدرات الشركاء المحليين من أجل تفعيل البحوث الآيلة إلى الدفع نحو التغيير السلمي.

تعرف على المزيد

مقدّمة

أجرى جوزيب بوريل، الممثّل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، مقارنةً بين أوروبا والعالم، في خطابٍ ألقاه أمام الأكاديمية الدبلوماسية الأوروبية في العام 2022، واصفًا أوروبا بحديقةٍ جميلةٍ من الحرية السياسية والرخاء الاقتصادي حيث "كل شيء يسير على ما يرام"، وبقية العالم بـ"أدغال" يمكن أن "تغزو الحديقة". وحذّر بوريل قائلًا إن "الأسوار مهما كانت عالية لن تتمكّن من حماية الحديقة". تمثّل تصريحات بوريل هذه سرديةً تزداد شيوعًا، تصوّر الهجرة غير الشرعية أو غير النظامية على أنها تهديدٌ لاستقرار أوروبا ورفاهها.

وهذه السردية تُعَدّ إشكاليةً لا لأنها تعزّز الصور النمطية الاستعمارية المبتذلة فحسب، بل لأنها ترسّخ أيضًا الاعتقاد القائل إن من الأفضل تأمين المناطق الحدودية بشكلٍ متواصل، من دون إيلاء اعتبارٍ يُذكَر لسُبُل عيش المهاجرين أو أفراد المجتمعات المحلية في بلدان العبور. وتتجاهل هذه اللغة أحد التأثيرات الناجمة عن هذه الازدواجية والآخذة في الانتشار على نطاق واسع، وهو إسناد مسؤولية إدارة الهجرة وتقليصها إلى بلدان العبور. فهذه الأخيرة تفرض، بتشجيعٍ من الدول الأوروبية، تدابير قاسية، تتراوح من الاحتجاز إلى الترحيل، من دون ضمانات قانونية كافية لحماية حقوق الإنسان. أخيرًا، تتجاهل الأمنَنة العوامل السياسية والاجتماعية التي تدفع الأشخاص إلى الهجرة الجماعية في المقام الأول، أو تحجب حتى هذه العوامل، ما يعني أن القليل من الجهود تُبذَل لكبح هذه الظاهرة.

وقد أصبح المهاجرون بيادق في الصراعات السياسية المحلية للبلدان الأوروبية، حيث تحاول أحزاب يمين الوسط تهدئة المشاعر المتنامية المناهضة للمهاجرين من خلال تبنّي خطاب وسياسات الأحزاب المحافظة الوطنية وحتى اليمينية المتطرّفة. والواقع أن الأحزاب المحافظة الوطنية واليمينية المتطرّفة في جميع الدول الأعضاء السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي، تحرز تقدّمًا في طريقها إلى السلطة، حيث أصبح اليوم قادةٌ من اليمين المتطرّف على رأس ستّة من هذه الدول: إيطاليا، وفنلندا، وهنغاريا، وسلوفاكيا، وكرواتيا، وتشيكيا. فحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرّف، الذي تُشارِك في رئاسته أليس فايدل، حقّق نجاحًا انتخابيًا كبيرًا في شرق ألمانيا. وفي خطابٍ ألقته فايدل في كانون الثاني/يناير 2025، أعلنت أن ألمانيا ستنفّذ عمليات ترحيلٍ جماعي، أطلقت عليها مصطلح "إعادة هجرة"، في حال وصل حزبها إلى السلطة. وقد جاء ذلك وسط قرارٍ اتّخذه الائتلاف الحاكم في البلاد (الذي لا يضمّ حزب البديل من أجل ألمانيا) بتشديد الرقابة على الحدود البرّية لألمانيا في محاولةٍ لوقف الهجرة، و"الحماية من المخاطر الشديدة التي يمثّلها الإرهاب الإسلامي والجرائم الخطيرة". إن ألمانيا ليست سوى مثالٍ واحدٍ على النهج الصارم الذي بات يُتَّبَع بشكل متزايد تجاه الهجرة غير الشرعية في مختلف أرجاء أوروبا.

بلدان العبور: من شركاء إلى حرّاس حدود

نشأت الاتفاقيات مع بلدان العبور بشأن الهجرة غير الشرعية في أواخر تسعينيات القرن الماضي وأوائل القرن الحالي. وفي العام 2004، أصبحت سياسة الجوار الأوروبية الإطار الذي ينظّم تفاعل الاتحاد الأوروبي مع جيرانه من البلدان المتوسّطية غير الأوروبية، والدعامة الأساسية لسياسته الخارجية. وركّزت سياسة الجوار الأوروبية، المستندة إلى اتفاقيات سابقة، على تعزيز العلاقات الثنائية، على أساس المصالح المشتركة، في مجالات الهجرة والأمن والتنمية الاقتصادية. وقد استند نهجُها في السياسة الخارجية على الانخراط طويل الأجل. وسعت سياسة الجوار الأوروبية، من خلال الدعم المالي، والاتفاقيات التجارية، وتسهيلات التأشيرات، إلى تعزيز الإصلاحات البنيوية في البلدان المجاورة، خصوصًا الحكم الديمقراطي وتقوية المؤسسات.

صحيحٌ أن السياسة الخارجية المستندة إلى سياسة الجوار الأوروبية كانت أوسع نطاقًا من إدارة الهجرة، إلّا أنها مهّدت الطريق لكلٍّ من الأمنَنة والتفويض الخارجي. ويُقصَد بالأمنَنة التعامل مع مسألة الهجرة على أنها قضية أمنية، كما يتجلّى في تصريح بوريل المشين المذكور آنفًا. أما التفويض الخارجي، فيشير إلى إلقاء مسؤولية هذه الأمنَنة على عاتق دولٍ خارجية، ولا سيما في شكل إدارة الحدود، ويهدف بصورة رئيسة إلى منع المهاجرين من الوصول إلى شواطئ أوروبا. وتُمنَح البلدان التي يمرّ عبرها المهاجرون الحوافز المالية والدعم السياسي مقابل تعاونها وفاعليتها. وأحد الأمثلة الأولى على هذا النهج، وإن كان غير كامل، توقيع إيطاليا معاهدة صداقة مع ليبيا في العام 2008، تلقّت هذه الأخيرة بموجبها 5 مليارات دولار مقابل منع قوارب اللاجئين المنطلقة من الساحل الليبي من الوصول إلى الشواطئ الإيطالية. مذّاك الحين، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقيات مماثلة أو أوسع نطاقًا مع ليبيا، وتركيا، وتونس، والمغرب، والجزائر، وغيرها من الدول.

وقد ازداد تفويض ملفّ الهجرة إلى دول خارجية عقب أزمة البحر المتوسّط في العام 2015، عندما وصل إلى أوروبا ما يناهز المليون مهاجر، كان الكثير منهم لاجئين هاربين من الحرب الأهلية في سورية. دفعت هذه الهجرة الكثيرين في الأوساط السياسية والأكاديمية إلى المناداة بتشييد ما يُسمّى "قلعة أوروبا"، أي تحويل القارة الأوروبية فعليًا إلى حصن منيع للحدّ من ظاهرة الهجرة أو حتى وقفها تمامًا. وبالفعل، أنشأ الاتحاد الأوروبي في ذلك العام الصندوق الائتماني للطوارئ من أجل أفريقيا لمعالجة تحدّيات الهجرة، وهو ما شكّل تضييقًا لنهج الاتحاد الأوروبي. وإلى جانب معالجة قضايا تتجاوز الهجرة، نظرت سياسة الجوار الأوروبية في العلاقات مع البلقان وتركيا، إضافةً إلى الدول الأفريقية. في المقابل، صبّ الصندوق الائتماني للطوارئ جلّ تركيزه على الهجرة، وكان موجَّهًا نحو أفريقيا. والصندوق صُمّم ليكون أداةً للطوارئ، وكان الهدف من هيكلية تمويله إتاحة قدرٍ أكبر من المرونة في إدارة الهجرة. وقد ساهم الصندوق، في جوانب كثيرة، في تسريع تفويض إدارة الهجرة إلى دول خارجية.

وفي العام 2021، أُطلِقَت أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي، ما عزّز بشكل أكبر نهج الاتحاد الأوروبي في تفويض إدارة الهجرة إلى دول خارجية. فقد ركّزت هذه الأداة على تحسين قدرات الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في مجال مراقبة الحدود، وعلى تعزيز التنسيق بشأن كبح الهجرة. وقد جمعت الأداةُ وسائلَ تمويل متعدّدة للاتحاد الأوروبي مُخصَّصة لمبادرات السياسة الخارجية، بما فيها تلك التي تركّز على إدارة الهجرة والنزوح القسري، ضمن أداةٍ تمويليةٍ واحدة. في شمال أفريقيا، كان الكثير من المشاريع التي موّلتها أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي استكمالًا مباشرًا للصندوق الائتماني الأوروبي للطوارئ من أجل أفريقيا، ولكن هذه المشاريع أدّت إلى تعزيز إطار شروط التمويل، حيث تعتمد المساعدات المُقدَّمة إلى بلدان العبور على استعدادها للتعاون مع إدارة الهجرة في الاتحاد الأوروبي.

مع ذلك، استمرّت الهجرة غير الشرعية وازدادت خطورة، حيث شهد البحر المتوسّط، في العام 2023، أعلى عدد مُسجَّل لوفيات المهاجرين منذ العام 2017. فكان أن تبنّى البرلمان الأوروبي، في العام 2024، ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء، الذي سعى إلى تقديم "حلٍّ أوروبي" لتحدّيات الهجرة. ويرمي الميثاق، الذي سيدخل حيّز التنفيذ في العام 2026، إلى تعزيز إجراءات مراقبة الحدود داخل الاتحاد الأوروبي، وتبسيط طلبات اللجوء، وتنفيذ عمليات إعادة المهاجرين "غير المؤهّلين للحماية الدولية". ويفرض الميثاق على الدول الموقّعة الالتزام به، بحيث يمكن اتّخاذ إجراءات قانونية بحقّ أيّ دولة تفشل في الامتثال للقواعد والأنظمة المعمول بها.

لكن ما من سبب وجيه للاعتقاد بأن ميثاق الاتحاد الأوروبي هذا سيوقف الهجرة. فحتى الآن، كان التأثير الأبرز لتباشير الميثاق ارتفاع قيمة خدمات المهرّبين، وازدياد المخاطر التي يتعرّض لها المهاجرون. والواقع أن منظمات المجتمع المدني المعنيّة بحماية المهاجرين نشطت بشكل خاص في تسليط الضوء على ما نجم عن هذه الاتفاقيات من انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان وتزايد خطورة طرق الهجرة. ويمكن توقّع المزيد من هذه المآسي، ذلك أن غياب الشفافية في إبرام الاتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي ودول من خارجه، ناهيك عن الإشراف غير الكافي على ظروف استقبال المهاجرين، وعدم الالتزام بالمبادئ التوجيهية القانونية في البلدان المضيفة وخاصةً بلدان العبور، كلّها عوامل تُعرّض سلامة الأشخاص المتنقّلين لمخاطر أمنية جسيمة.

صفقة الاستقرار: منح المنافع للجهات التي تضبط المهاجرين

أدّت أمنَنة الحدود بشكل كبير إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وجيرانه الجنوبيين. فقد نتج عن هذا التحوّل توسّع البنية التحتية الخاصة بالمراقبة، وانتشار مراكز احتجاز المهاجرين، وتعاظم دور الشركات الأمنية والعسكرية في مجال ضبط الهجرة. وسهّل التمويل الأوروبي نشر الأنظمة البيومترية، والمسيّرات، وتقنيات مراقبة الحدود. هذا التفويض الأمني ساهم أيضًا في زيادة عسكرة الحدود بين دول المغرب العربي. فقد شهدت السنوات الأخيرة إقامة الجدران والأسوار، واستخدام تكنولوجيا المراقبة، بتمويلٍ أوروبي في أغلب الأحيان، لتأمين حدود الدول، الأمر الذي فاقم تشرذم المنطقة التي تعاني أصلًا من الانقسامات.

إضافةً إلى ذلك، أصبحت مراكز الاحتجاز، حيث يقبع المهاجرون بأعداد كبيرة، مثار جدلٍ بسبب انتهاكات حقوق الإنسان الموثَّقة على نطاق واسع. وقد تكون ليبيا أسوأ مرتكبي هذه الانتهاكات، إذ يُزَجّ بالمهاجرين، الذين يُعترَضون على يد قوات خفر السواحل شبه الرسمية في البلاد، ثم يُعادون إلى مناطق وصولهم الليبية، في مراكز احتجازٍ تحت ظروف قاسية للغاية. يُذكَر أن ليبيا كانت بؤرةً للإتجار بالبشر في السنوات التي تلت إطاحة الزعيم الليبي معمّر القذافي في العام 2011، حيث ملأت الميليشيات الفراغ الأمني، وأُفيد عن بيع المهاجرين في أسواق الرقيق، وتعرّضهم للاستغلال الشديد وغير الإنساني. وفي أيار/مايو 2024، قُدِّر عدد المهاجرين المُحتجَزين في مراكز الاحتجاز في مختلف أرجاء ليبيا بنحو 5554 شخصًا.

تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي كلّف الوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل (فرونتكس)، بتطبيق استراتيجية متكاملة لإدارة الحدود، تركّز على الرصد، وتحليل المخاطر، والاستجابات العملياتية، وعمليات إعادة المهاجرين، من خلال التعاون مع دولٍ غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي. وفي إطار هذه المهمّة، تولّت "فرونتكس" تجهيز كلٍّ من تونس، والمغرب، والجزائر، وليبيا، بمجموعة من أدوات المراقبة، وزوّدت قوات الأمن بالتدريب اللازم في مجال إدارة الحدود وضبط الهجرة. ويُتوقَّع أن تصل مساهمة الاتحاد الأوروبي في الوكالة، خلال الفترة الممتدّة بين العامَين 2021-2027، إلى حوالى 11.5 مليار دولار.

وقد أدّى ازدياد ضبط الهجرة عالميًا في بعض الأماكن إلى خصخصة هذا المجال. فافتقار دول العبور إلى القدرات التقنية دفعها إلى الاعتماد جزئيًا على الشركات الخاصة في مجالاتٍ مثل المراقبة، وضبط الحدود، والاحتجاز، والسجن. وأسندت الدول الأوروبية بصورة رئيسة مهام إدارة الهجرة والحدّ منها إلى بلدان العبور، التي أَوكلت بدورها مسؤوليةَ هذه المهام، جزئيًا على الأقلّ، إلى شركات الأمن الخاصة. فأصبحت هذه الأخيرة منخرطة بشكل كبير في إدارة مراكز احتجاز المهاجرين الخارجية، وهي تحصل على الوسائل والمعدّات اللازمة من شركات - بعضها يركّز بوضوح على المجال العسكري - تختصّ في تكنولوجيا المراقبة، وتسهّل جمع البيانات البيومترية ومعالجتها، وتصنّع المسيّرات. وتسجّل سوق أمن الحدود، التي تشكّل جزءًا منها شركاتٌ كبرى مثل شركة إيرباص (Airbus) العملاقة في مجال الطيران، نموًّا سنويًا يُقدَّر بـ7.2 إلى 8.6 في المئة، وسيصل إلى ما مجموعه 65-66 مليار دولار في العام 2025. باختصار، أدّت المصالح الراسخة إلى شبكةٍ معقّدةٍ من التداخل السياسي والاقتصادي بين الحكومات (سواء في بلدان العبور أم في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي)، وشركات الأمن الخاصة، وشركات التكنولوجيا ذات التوجّه الرقابي والعسكري.

والواقع أن الحوافز التي تُقدَّم للأنظمة في بلدان العبور من أجل الامتثال لأولويات الاتحاد الأوروبي في إدارة الحدود، تستغلّها هذه الأنظمة نفسُها لتستحصل على (المزيد من) المساعدات الاقتصادية والتنازلات السياسية من الدول الأوروبية، أو لتعاقبها. فعلى سبيل المثال، اتّهمت مدريد الرباطَ في العام 2021 بالسماح لما يقرب من 8 آلاف مهاجر بالدخول إلى مدينة سبتة الملاصقة للمغرب والواقعة تحت السيادة الإسبانية، بعد قرار إسبانيا بتقديم العلاج الطبّي لإبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية، التي تسعى إلى انتزاع استقلال الصحراء الغربية. لكن المثال الأبرز على هذا التصرّف هو ما قامت به تركيا. فهذه الأخيرة تستضيف أعدادًا من اللاجئين، معظمهم من السوريين، أكبر من أيّ دولة أخرى، وقد استغلّت دورها في الحدّ من الهجرة للتوصّل إلى إصدار البيان المشترك بين الاتحاد الأوروبي وتركيا للعام 2016. ضَمَن هذا الاتفاق لأنقرة مساعدات مالية بقيمة 6.3 مليارات دولار تقريبًا، وعزّز آفاق تحرير التأشيرات لمواطنيها، وأعاد إطلاق محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المتوقّفة منذ فترة طويلة.

وتلجأ جهات فاعلة غير حكومية أو شبه حكومية مختلفة في ليبيا إلى ممارسات مماثلة بهدف تحقيق المكاسب. فبعد أن تولّت بعض الميليشيات الليبية السيطرة على مراكز الاحتجاز، وفي بعض الحالات على ممرّات الهجرة الحيوية بعد إطاحة القذافي، بدأت في الاضطلاع بدورٍ فاعلٍ في إدارة الحدود، ودمجت وجودها في الهياكل الإقليمية والمحلية الرسمية وعزّزته، مستفيدةً في الوقت نفسه من تمويل الاتحاد الأوروبي. في حزيران/يونيو 2023، أرغمت حملةٌ مناهضة للهجرة، شنّها الجيش الوطني الليبي، وهو ميليشيا تحت قيادة أمير الحرب والسياسي خليفة حفتر، المهاجرين المصريين على العبور سيرًا على الأقدام من شرق ليبيا إلى الحدود المصرية. وفي العام 2023، استخدم لواء طارق بن زياد، وهو ميليشيا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالجيش الوطني الليبي، إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي التي نشرتها وكالة "فرونتكس" لاعتراض قوارب اللاجئين، وأعادها إلى شرق ليبيا، واعتدى جسديًا على ركّابها.

فضلًا على ذلك، تثير الأدوات الرقمية لجمع المعلومات الاستخبارية والتحرّي المخاوفَ إزاء سوء استخدام البيانات وانتهاكات الخصوصية في بلدان العبور، لا بحقّ المهاجرين فحسب. ففي العام 2023، أُفيد بأن الصندوق الأوروبي الائتماني للطوارئ من أجل أفريقيا خصّص تمويلًا بقيمة 16.5 مليون دولار للجزائر، وليبيا، ومصر، وتونس، من أجل تدريب مجموعة من "المتخصّصين السيبرانيين" الناشئين في مجال المراقبة واستخراج البيانات من الأجهزة الذكية. وتشير التقارير إلى أن هذه البلدان استخدمت لاحقًا المعدّات والتدريب ضدّ مواطنيها. ويتّضح أكثر فأكثر أن تقنيات المراقبة المتقدّمة، مثل برامج التجسّس وأدوات مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن تسهم في القمع السياسي، علمًا أن الأقلّيات المُتململة والمعارضين السياسيين هم عرضة للخطر على نحو خاص.

الواقع أن تحوّل دول المغرب العربي، مثل المغرب وتونس، من بلدان عبور إلى بلدان وجهة تَسبّب بتنامي السخط الشعبي المحلي والمشاعر المعادية للمهاجرين. وفي الكثير من الأحيان، يردّد الخطاب السياسي السائد راهنًا في دول العبور صدى خطاب اليمين المتطرّف في أوروبا. وانتشرت الحملات المناهضة للمهاجرين ولذوي البشرة السوداء، وازدادت تواترًا في جميع أنحاء المغرب العربي، حيث يتحدّر معظم المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وغالبًا ما أجّجت السلطات المحلية جذوة هذه الحملات. فقد تطرّق الرئيس التونسي قيس سعيّد، في خطاب ألقاه في آذار/مارس 2023، إلى نظرية المؤامرة المعروفة بـ"الاستبدال العظيم"، ومفادها أن الهجرة جزءٌ من مؤامرة تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية لبلد ما. أدّى هذا التحريض العنصري الواضح، إلى جانب حثّ أصحاب العمل على إنهاء عقود العمّال المهاجرين غير النظاميين، إلى ارتفاع وتيرة الاعتداءات الجسدية ضدّ عدد كبير من الأفارقة من جنوب الصحراء في تونس. وفي المغرب، عقِب الدعوات التي أطلقتها إحدى المنظمات غير الحكومية خلال العام 2024 مطالبةً فيها الحكومة بإصلاح قوانين الهجرة واللجوء، انتشرت حملات عنصرية وتحريضية ضدّ السود على منصات التواصل الاجتماعي.

إن تصنيف المهاجرين على أنهم يطرحون تهديدًا على الأمن القومي، أو الأسوأ من ذلك على الهوية الوطنية لبلدٍ ما، يُضفي شرعيةً على أعمال العنف المُرتكبة بحقهم ويعرّضهم للاستغلال. وقد ساهمت أمنَنة الهجرة ثمّ تفويض هذا الملفّ إلى دول خارجية "شريكة"، في تعزيز هذه الظاهرة. وتلجأ جهات مختلفة إلى استغلال المشاعر المعادية للمهاجرين على نحو متزايد لتحقيق مكاسب سياسية، ما يعيق احتمال صياغة نهجٍ شامل للهجرة، يتجاوز المخاوف الأمنية.

الواقع أن العمل مع الجهات الفاعلة المحلية من أجل حلّ النزاعات المسلّحة في الدول الأفريقية التي يفرّ منها الكثير من اللاجئين/المهاجرين، وإطلاق برامج لبناء الدولة تُضفي مزيدًا من الاستقرار على هذه الدول في المدى الطويل، قد يجنّبان اللجوء إلى نموذج الأمننة والتفويض الخارجي. لكن من غير الواقعي الاعتقاد بأن الدول الأوروبية يمكن أن تقتنع بضرورة اعتماد مثل هذه الاستراتيجية التي من شأنها معالجة بعض الأسباب الجذرية للهجرة الجماعية. فعلى المستويَين السياسي والشعبي، ما من اهتمامٍ يُذكر بمعالجة مشاكل أفريقيا الكثيرة، حتى تلك التي تؤثر بشكل مباشر على أوروبا. وهنا تكمن المأساة.

إلى جانب الحروب والنزاعات، ثمّة مزيجٌ من العوامل التي تتفاعل مع بعضها البعض وتؤدّي إلى الهجرة، وتتراوح بين الأسباب الاقتصادية، مثل نقص فرص العمل والإمكانيات المعيشية المحدودة، والأسباب السياسية، مثل ضعف الحوكمة والتهميش. وقد يكون بإمكان الاتحاد الأوروبي الانخراط على هذه المستويات. فعلى سبيل المثال، من شأن تعزيز مشاركة القطاع الخاص وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الاقتصادية الرئيسة، كما هو الحال في قطاع السيارات المغربي، أن يسهما في استحداث فرص عمل محلية، ولا سيما في المناطق المهمشة، والحدّ من هروب رؤوس الأموال. ولا بدّ من أن تترافق هذه المساعي مع تعزيز التدريب المهني وتحسين البرامج التعليمية المُصمَّمة بشكل خصّيصًا لتلبية حاجات السوق المحلية. ومن المهم أيضًا ضمان ألّا تتركز هذه الاستثمارات والمبادرات التدريبية في المراكز الحضرية فحسب – كما يحصل في غالب الأحيان – من أجل التصدّي لأوجه التفاوت الاقتصادي الذي يدفع السكان إلى الهجرة. علاوةً على ذلك، يمكن أن تؤدّي المؤسسات التعليمية الفرنسية دورًا محوريًا في تيسير عمليات تبادل المعارف المتخصّصة ونقل التكنولوجيا بين أوروبا والدول الأفريقية. أما النقطة الأخيرة والأهم ربما، فهي أن المشاريع التنموية التي تُنفَّذ في أفريقيا برعاية أوروبية يجب أن تتضمّن برامج لتطوير البنية التحتية ونُظم الحوكمة، وبالتالي تحسين جودة الحياة في مختلف أنحاء القارة الأفريقية.   

وبإمكان الدول الأوروبية، من خلال تبنّي هذا النهج، أن تخفّف ربما من حدّة بعض العوامل التي تدفع السكان إلى الهجرة، وأن تُفيد في الوقت نفسه الدول الأفريقية، ناهيك عن أنها قادرةٌ على فعل ذلك من دون تحمُّل أعباء مالية مفرطة أو غير ذلك. والأهم أن هذه الاستراتيجية من شأنها أن تحقّق الهدف النهائي للاتحاد الأوروبي، والمتمثّل في خفض أعداد المهاجرين الذين يصلون إلى السواحل الأوروبية. فما لم يتمّ اعتماد مثل هذا النهج، من المُستبعَد أن تشهد أوروبا انحسارًا ملحوظًا في موجات المهاجرين الوافدين إليها.

خاتمة

تواصل البلدان الأوروبية إبرام صفقات تركّز على الأمن في ملفّ الهجرة وإدارة الحدود مع دول الجوار غير الأوروبية من شمال أفريقيا إلى تركيا. هذه المقاربة القائمة على تقديم الحوافز المالية من أجل ضبط الهجرة تتيح للدول ذات الموقع الاستراتيجي تعزيز صورتها باعتبارها "دولًا شريكة موثوقة" في ظلّ صرف الأنظار الدولية عن مشاكلها الداخلية، مهما كانت ملحّة. وتشجّع هذه المقاربة أيضًا دول العبور (وكذلك الجهات الفاعلة من غير الحكومية أو شبه الحكومية في ليبيا) على الانخراط في ممارسات ريعية وإقحام مصالحها المتباينة والمتضاربة حتى في الهياكل المؤسسية للاتحاد الأوروبي.

يُضاف إلى ذلك أن التنظيمات الصارمة والمعاملة اللاإنسانية في دول العبور لا تنجح بالضرورة في كبح الهجرة. بدلاً من ذلك، من المرجّح أن تدفع هذه التدابير المهاجرين وشبكات الإتجار بالبشر إلى استخدام طرق هجرة أكثر خطورة من أجل الإفلات من المراقبة الأمنية. وما لم يتمّ تبنّي نهجٍ أكثر مرونة في التعامل مع الهجرة، سيزداد اعتماد الاتحاد الأوروبي على دول العبور لفرض تدابير أمنية أكثر صرامةً قد تؤدّي إلى نتائج عكسية. في مثل هذا السيناريو، سيكون مستقبل المهاجرين كما المواطنين قاتمًا في ظلّ الحكومات السلطوية السائدة في بلدان العبور، وستستمرّ أوروبا في مواجهة تدفّق موجات من الوافدين غير المرغوب فيهم.

عن المؤلف

ياسمين زغلول

باحثة غير مقيمة، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط

ياسمين زغلول باحثة غير مقيمة في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط.

    الأعمال الحديثة

  • تعليق
    حين تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة

      عصام القيسي, ياسمين زغلول

  • تعليق
    بين الساحل والمغرب العربي

      ياسمين زغلول

ياسمين زغلول
باحثة غير مقيمة، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط
ياسمين زغلول
المغرب العربيشمال أفريقياأوروبا الغربيةالهجرةالسياسة الخارجية للولايات المتحدة

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Carnegie Endowment for International Peace

  • تعليق
    ديوان
    حين تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة

    تناولت نهائيات كأس الأمم الأفريقية، التي استضافها المغرب مؤخرًا، قضايا أوسع بكثير من المباريات.

      عصام القيسي, ياسمين زغلول

  • تراجيديا السياسة في الشرق الأوسط
    مقالة
    تراجيديا السياسة في الشرق الأوسط

    تنخرط دول المنطقة في تنافس مستمرّ يختبر حدود قدراتها، فيما تسعى إلى التصدّي لهيمنة خصومها. فهل يمكن أن ينبثق من هذا التململ نظامٌ أكثر استقرارًا، وما الشروط اللازمة لتحقيقه؟

      حمزة المؤدّب, محمد علي عدراوي

  • إعادة النظر في اتفاقات تقاسم السلطة في ليبيا
    مقالة
    إعادة النظر في اتفاقات تقاسم السلطة في ليبيا

    ينبغي على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إعادة تقييم نهجها في البلاد، بحيث يصبح تحقيق توافق فعلي بين الأطراف المتناحرة الهدف النهائي للأزمة السياسية، بدلًا من الاكتفاء بعملية إجرائية شكلية تعرقل المسار التفاوضي عند كل منعطف.

      ثريا راهم

  • تعليق
    صدى
    مهاجرو إفريقيا جنوب الصحراء في المغرب: سؤال الأمان وامتحان الحقوق

    هل تحمي سياسة الهجرة في المغرب مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، أم تُديرهم بمنطق أمني وسياسي؟ يناقش هذا المقال الثغرات القائمة ويستعرض إمكانيات إدماج أكثر عدلًا وإنصافًا.

      سفيان الكمري

  • تعليق
    ديوان
    متاعب إيران ليست داخلية فقط

    تشعر القيادة في طهران بقلق متزايد إزاء التحدّيات المتعدّدة الممتدّة من المشرق إلى جنوب القوقاز.

      أرميناك توكماجيان

ar footer logo
0