• Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
Carnegie Global logoCarnegie lettermark logo
DemocracyIran
  • تبرع
الضغوط المناخية في الجزائر: الأزمة في منطقة القبائل الريفية

المصدر: Getty

مقالة
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

الضغوط المناخية في الجزائر: الأزمة في منطقة القبائل الريفية

لا بدّ من فهم طرق تعامل المزارعين في وادي الساحل–الصومام مع تغيّر المناخ من أجل معالجة التناقضات التي تؤدّي من خلالها عملية التكيّف، على المستويَين الفردي والمؤسّسي، إلى زيادة تأثُّر المنطقة بالعوامل المناخية، وتقويض النسيج الاجتماعي والهوية الزراعية اللذَين كانا في يومٍ من الأيام سمةً مميّزة للحياة فيها.

Link Copied
إليسا ياحمي
نشر في 8 يوليو 2026
Project hero Image

المشروع

أزمة المناخ، والقدرة على الصمود، وحركة النزوح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يتناول هذا البرنامج كيفية تأثير مظاهر تغيّر المناخ على أنماط تنقّل السكان، وأشكال الحوكمة، والقدرة على الصمود والتكيّف في ثماني دول من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تعرف على المزيد

مقدّمة

تتسبّب الضغوط المناخية في الجزائر، حيث يوظّف قطاع الزراعة نسبةً كبيرةً من القوة العاملة، على نحو متزايد بحرائق الغابات، وتعطيل أنظمة الريّ، وتقويض قدرة المزارعين على الحفاظ على سُبل عيشهم. وصحيحٌ أن الخطة الزراعية التي أعلنتها البلاد في العام 2026 ترمي إلى مضاعفة المحاصيل وتوسيع القدرة التصديرية من خلال المكننة، إلا أن ذلك لا يساعد كثيرًا في معالجة مكامن الضعف الهيكلي التي تعاني منها زراعة أصحاب الحيازات الصغيرة في منطقة القبائل، وهي في معظمها منطقة جبلية تقع في شمال البلاد. ولا يقلّ البُعد الإنساني لأزمة المناخ أهميةً عن البُعد البيئي، إذ بدأت الحياة الزراعية الريفية في القبائل تفقد معناها التقليدي تدريجيًا، وأصبحت للكثيرين عبارةً عن مجموعة ممارساتٍ متوارثةٍ منفصلةٍ عن واقع الحياة اليومية.

محاصيل بالقرب من أسيف أسماض، شباط/فبراير 2026

الزراعة في القبائل في ظلّ الأزمة

يوظّف قطاع الزراعة في الجزائر 24 في المئة من القوة العاملة الوطنية، و74 في المئة من القوة العاملة الريفية، فيما تتّسم منطقة القبائل، التي تضمّ سبع ولايات، بمعدّلات كثافة سكانية ريفية مرتفعة ومجتمع زراعي. وتضمّ القبائل وادي الساحل-الصومام الخصب، الذي يمتد بمحاذاة نهر وادي الساحل، بدءًا من المرتفعات شبه القاحلة في ولاية البويرة، نزولًا عبر السهل الرسوبي الضيّق في وادي الصومام، وصولًا إلى ساحل البحر المتوسط ​​في ولاية بجاية.1 ولطالما تمحور المشهد الزراعي في هذا الوادي حول صغار مالكي الأراضي الذين يزرعون أشجار الزيتون وغيرها من المحاصيل الشجرية (مثل الإجاص والكرز والتين) في قطع أراضٍ مُجزَّأة.

وتتعايش ضمن هذا المشهد فئتان واسعتان من المزارعين، لكلٍّ منهما علاقة متميّزة بالأرض ورأس المال والمخاطر. تتألّف الفئة الأولى من عددٍ متضائلٍ من صغار الفلاحين ذوي الاكتفاء الذاتي، الذين ينشط معظمهم في المناطق الجبلية. وتشمل هذه المجموعة عائلات ومجتمعات محلية اعتمدت على زراعة الكفاف في أراضيها الخاصة منذ أجيال. ويُعَدّ هؤلاء الفلاحون المكتفون ذاتيًا فئة سكانية تشهد تراجعًا ديموغرافيًا طويل الأمد، إذ تتأثّر حياتهم على نحو متزايد بندرة المياه وعدم انتظام الحصول عليها، وبالنُظم البيئية الهشّة، والتعرّض للصدمات المناخية.

أما الفئة الثانية، فهي طبقة متنامية من روّاد الأعمال الزراعيين ذوي التوجّه التجاري، الذين تتركّز أنشطتهم في قاع الوادي، لكنها تتوسّع لتشمل سهول الصومام الأدنى وما بعدها (بما في ذلك الهضاب المرتفعة خارج منطقة القبائل، ولا سيما في منطقة المسيلة). تتمتّع هذه الفئة بقدرةٍ أكبر على الوصول إلى رأس المال، وبنية الريّ التحتية، وشبكات السوق. وهي تضمّ بصورة متزايدة لا مزارعين محليين فحسب، بل أيضًا مستثمرين من مناطق خارج القبائل، يضخّون أموالًا في زراعة أراضٍ يتخلّى عنها تدريجيًا السكان المحليون الساعون إلى الارتقاء الاجتماعي.2 فالواقع أن معظم شباب القبائل، الذين أُجريَتُ مقابلات مع عددٍ منهم لغرض هذا المقال، يتّجهون نحو مسارات مهنية غير زراعية. هؤلاء جيلٌ تتنازعه نزعتان: الرغبة في رؤية منطقة القبائل تتغيّر وتتطوّر، والشعور بالقلق الشديد إزاء تأثير هذا التغيير على ذويهم وبيئتهم. وهذا التوتّر يدفع الكثيرين إلى النزوح نحو مناطق أخرى من الجزائر، أو حتى إلى الهجرة.

وقد لا تقع الضغوط المناخية بالتساوي على الفئتَين من المزارعين، إلا أنها تسرّع وتيرة التخلّي عن الزراعة التقليدية، وتُضيّق الظروف التي تُمكّن الفئتَين من الحفاظ على سُبل عيشهما. فندرة المياه وتعرية التربة المتزايدتان تعيدان تشكيل المقوّمات الأساسية للحياة الزراعية، وتؤثّران تأثيرًا مباشرًا على زراعة الزيتون والأشجار المثمرة والحبوب. وتشكّل حرائق الغابات تهديدًا موسميًا متكررًا منذ العام 2007، وهي غالبًا ما تنجم عن حرق بقايا المحاصيل، وممارسات القطع والحرق، والحرق الوقائي، والحرائق المتعمّدة، وجني العسل البري، وحرق مكبّات النفايات غير القانونية، وعن تجدّد اشتعال النيران بسبب عجز فرق الإطفاء أحيانًا عن الوصول في الوقت المناسب إلى المناطق النائية والوعرة.

وإضافةً إلى الضغوط البيئية، تواجه هذه المنطقة ضغوطًا هيكليةً تعود إلى ما قبل الاضطرابات المناخية الأخيرة بزمن طويل. فقد شهد وادي الصومام، بين العامَين 1987 و2019، تراجعًا للغطاء الحرجي بنسبة 63 في المئة، وتوسّعًا للأراضي الزراعية بنسبة 30 في المئة، وازديادًا للمناطق المعمورة بنسبة 58 في المئة.3 في المقابل، تواجه الممارسات الزراعية التقليدية، كالحراثة بالثيران، خطر الاندثار، إذ لم يَعُد يحافظ عليها سوى عدد قليل من المزارعين الذين لا يرون فيها مجرّد نشاط مربح، بل إرثًا مُهدَّدًا بالزوال التام. ولا يعود هذا التراجع فقط إلى عدم الاهتمام الاقتصادي أو المتوارث، بل أيضًا إلى ارتفاع تكلفة الثيران والمراعي،4 ما أسهم في تحوّلٍ أوسع في تربية الماشية من الأبقار إلى الدواجن. ومع ازدياد ندرة الأمطار وعدم انتظامها، باتت زراعة الزيتون البعلية، التي لطالما شكّلت عماد معيشة الكثير من السكان المحليين، غير مجديةٍ اقتصاديًا على نحو متزايد.

تدرك المجتمعات المحلية على نطاق واسع أن المناخ من حولها آخذٌ في التغيّر، إلا أن الخيارات المتاحة أمامها تظلّ مُقيَّدةً بالظروف المؤسسية والاقتصادية التي تواجهها. وقد بدأت تنتشر فكرة مستقبلٍ يخلو من الزراعة الجبلية في منطقة القبائل، وتبقى فيه الزراعة باعتبارها هواية لا مصدرًا للرزق. وفي المحصّلة، يعكس ذلك قلقًا متناميًا بشأن استدامة التقاليد الزراعية القائمة على زراعة الأشجار في المنطقة وقدرتها على الاستمرار في المدى الطويل.

مفارقة التكيّف

يتأخّر تكيّف مزارعي وادي الساحل-الصومام مع تغيّر المناخ في جوانب عدّة، نتيجة تضافر مجموعةٍ من العوامل. أول هذه العوامل هو القيود الاقتصادية، إذ لم تَعُد الزراعة التقليدية على نطاق صغير تدرّ ما يكفي من الدخل لتلبية تطلّعات الأُسَر الريفية أو حتى حاجاتها الأساسية. وثانيها هو الحوافز المؤسسية التي تشجّع الإنتاج واسع النطاق، وفي الوقت نفسه تكافئ من دون قصد سلوكيات أخرى، مثل الهجرة غير النظامية. والعامل الثالث هو الاعتقاد السائد بأن الاضطرابات المناخية مؤقّتة. وتتحدّد سُبل تكيّف الفلاحين وروّاد الأعمال مع تغيّر المناخ، على الرغم من اختلافها، أساسًا بالضغوط المؤسسية وضغوط السوق، لا بالوعي المناخي، ولذا غالبًا ما تؤدّي إلى مفاقمة النتائج السلبية. ثم إن هذه الأشكال من التكيّف تعيد تشكيل الهويات الاجتماعية، والعلاقات بين الأجيال، والحياة المجتمعية تدريجيًا.

وادي الساحل في شباط/فبراير 2026

يمكن القول إن المشكلة الرئيسة تكمن في أن تدابير التكيّف المؤسسية التي ترسّخت لا يحرّكها المنطق البيئي بقدر ما تحرّكها الحوافز الإدارية والاقتصادية. فهياكل الدعم وحقوق حفر الآبار التي تكافئ المكننة والتوسّع والكثافة دفعت المزارعين نحو نماذج الإنتاج الضخم غير الملائمة لبيئةٍ تزداد فيها ندرة المياه. والنتيجة هي تناقض مركزي: فالممارسات الزراعية المكثّفة تُسرّع استنزاف الموارد نفسها التي تعتمد عليها الزراعة، فتؤدّي إلى تفاقم الظروف المناخية التي تُضعِف جدوى النشاط الزراعي واستدامته. وهكذا، يغذّي التكيّف والتدهور أحدهما الآخر ضمن حلقةٍ مفرغةٍ لم تتمكن السياسات العامة من كسرها بعد.

التكاليف الاجتماعية لاستراتيجيات التكيّف الاقتصادي

إن الجهود التي يبذلها المزارعون الأفراد، والمستثمرون، والجهات الحكومية، للحفاظ على الإنتاج الزراعي تقوّض في حدّ ذاتها نمط الحياة الريفية الذي يُفترَض أن تحافظ عليه. فلقد كان للسياسات القائمة على الدعم، والمُصمَّمة لتحديث القطاع وتوسيعه، تأثيرٌ غير مقصود تَمثَّل في جعل التسجيل بصفة "مزارع" وضعًا إداريًا مرغوبًا فيه، لا بدافع الالتزام بالنشاط الزراعي فحسب، بل أيضًا لما يتيحه من مزايا وحوافز. ناهيك عن ذلك، تساهم تحويلات المغتربين والاستثمارات الأجنبية، إضافةً إلى ضخّها رؤوس الأموال في القطاع، في تسريع التحوّل نحو الزراعة الريادية واسعة النطاق، وتزيد من تقييد استدامة سُبل عيش صغار المزارعين. هذا ويلجأ المزارعون على نحو متزايد إلى توظيف العمّال الأكثر هشاشةً لمواجهة النقص في اليد العاملة المحلية، بينما يستجيب آخرون لتدهور الأوضاع عبر التوسّع الجغرافي. في غضون ذلك، تفاقمت ندرة المياه بفعل التحوّل من الريّ المُعتمِد على الأمطار إلى الريّ الاصطناعي المُعتمِد على التدخّل البشري.

والواقع أن الحكومة الجزائرية تقدّم للمزارعين المُسجَّلين مجموعةً من أشكال الدعم، تشمل امتيازات الأراضي، والبذور، والنحل وخلايا النحل، والمعدّات، والإعانات التي تغطّي المدخلات وتكاليف الإنتاج وأعلاف الماشية. وهذا ما يجعل الصفة الزراعية الرسمية، التي تُكتسَب عبر التسجيل، مرغوبةً لأسباب مالية أكثر من قيمتها الزراعية. وذلك يتماشى مع أجندة الاكتفاء الذاتي الزراعي الأوسع نطاقًا في الجزائر، والتي تتسارع وتيرتها بفعل الاستياء الشعبي من ارتفاع تكلفة السلع المستوردة. لكن هذه السياسة تنطوي على تناقضاتها الخاصة: فأعلاف الماشية واللقاحات لا تزال تُستورَد في الغالب، في حين أن البذور المُوزَّعة هي أصناف هجينة، ما يحدّ من استقلالية المزارعين، ويبقيهم معتمدين على سلاسل التوريد الخارجية.

ولم تَعُد الزراعة للبعض وسيلةً لكسب الرزق بقدر ما أصبحت بوابةً قانونيةً وإداريةً للهجرة، إذ تُوظَّف صفة "مزارع" استراتيجيًا للنفاذ إلى قنوات الهجرة نحو أوروبا. ويبدأ المهاجرون الذين يسلكون هذا المسار بالحصول على الدعوات التي تتيح لهم حضور فعاليات زراعية في فرنسا، ليحصلوا بموجبها على تأشيرات قصيرة الأمد، وبعد ذلك يتجاوزون مدة إقامتهم. وتُعَدّ هذه الممارسة صيغةً جديدةً لما يرتبط محليًا بظاهرة "الحرّاقة"، وهو مصطلح يُستخدَم في الجزائر لوصف المهاجرين غير النظاميين الذين يحاولون عبور الحدود خلسةً، غالبًا بحرًا نحو السواحل الأوروبية. بيد أن هذا الاستغلال لصفة "مزارع" عبر رخص مزارعين مُستحصَل عليها بشكل قانوني يكشف عن نمطٍ أوسع تُستغَلّ فيه المؤسسات الرسمية لتحقيق غايات غير رسمية، وهو ما يسلّط الضوء على إخفاقاتٍ هيكليةٍ تتجاوز القطاع الزراعي إلى حدٍّ كبير. فعمليات التفتيش التي تُجرى على الأراضي والمحاصيل لتقييم أهلية المزارع تتّسم بالصرامة، وترتبط بحجم المحصول أو أعداد المواشي وخلايا النحل، ما يفسّر صعوبة حصول الفلاحين على هذه الرخص.

وثمّة ديناميّةٌ ذات صلة تتمثّل في تدفّق رؤوس أموال المغتربين إلى القطاع الزراعي في منطقة القبائل. فالمزارعون ذوو التوجّه التجاري يستفيدون أكثر فأكثر من التحويلات المالية والاستثمارات المباشرة من أبناء الجالية القبائلية المقيمين في الخارج، الذين يوظّفون أموالهم في الأراضي والمعدّات والمشاريع الزراعية في المنطقة. ويساهم تدفّق رؤوس الأموال الخارجية هذا، إلى جانب عودة روّاد الأعمال الطموحين إلى الجزائر، في تسريع التحوّل نحو نماذج الزراعة واسعة النطاق، ويزيد تهميشَ صغار الفلاحين الذين يفتقرون إلى إمكانية الحصول على موارد مماثلة. كما إن هذا التحوّل يعيد تشكيل المعنى الاجتماعي للاستثمار الزراعي، حيث تغدو الأرض وسيلةً لتوظيف رأس المال أكثر منها حيّزًا للعيش والانتماء.

في المقابل، استجابت الامتيازات الزراعية الكبرى للنقص في اليد العاملة المحلية باعتمادها على العمّال المهاجرين والموسميين، بمَن فيهم رجال مسنّون يواصلون العمل في الزراعة بدافع الضرورة لا الاختيار. وهذا التقسيم لسوق العمل يركّز أكثر أشكال العمل هشاشةً ضمن الفئات السكانية الأشدّ ضعفًا، ما يثير تساؤلات جدّية بشأن استدامة إمدادات اليد العاملة في القطاع على المدى الطويل. ولا يستجيب بعض المزارعين لتدهور الأوضاع المحلية بتخلّيهم عن الزراعة، بل بالتوسّع جغرافيًا وشراء الأراضي في المناطق حيث كلفتها أقلّ، وحيث اليد العاملة متاحة أكثر، والظروف المناخية أكثر ملاءمة. صحيحٌ أن هذا النوع من التنقّل الإقليمي المتأثّر بالمناخ لا يُسجَّل في إحصاءات الهجرة التقليدية، غير أنه يمثّل إعادة هيكلةٍ مهمّةٍ للطريقة التي يُوظَّف بها رأس المال الزراعي في منطقة القبائل، والمجالات التي يُوظَّف فيها. ولا يزال الحصول على المياه والكهرباء يشكّل عائقًا إداريًا ولوجستيًا في هذه المواقع الجديدة، ما يشير إلى أن التوسّع لا يحلّ المشكلة الأساسية، بل ينقلها إلى أماكن أخرى.

سدّ تلسديت

وبالفعل، تشكّل حالة المياه مثالًا دالًّا في هذا السياق. فقد شهد العقد الماضي جفافًا في مجاري الأنهار امتدّ من أواخر الربيع إلى أواخر الخريف، ما استدعى تحوّلًا من الريّ التقليدي المُعتمِد على الجاذبية، عبر شبكة من الخنادق الترابية الصغيرة التي توجّه مياه الأمطار نحو المحاصيل، وهو نظامٌ يُعرَف في منطقة القبائل باسم "ثارقة"، إلى الريّ بالرشّ الذي أصبح ممكنًا بفضل حفر الآبار. ولا يمثّل هذا التحوّل مجرّد تغيير تقني، بل يعكس التخلّي عن ثقافة مائية جماعية ذات تقنية بسيطة تكيّفت مع طبيعة المكان على مرّ الأجيال، ما سيتسبّب بتعميق أوجه التفاوت بين مَن يملكون إمكانية الوصول إلى البنية التحتية الخاصة بالمياه ومَن لا يملكونها. أما السدّ الإقليمي القريب من أسيف أسماض، والذي شُيّد لغايات تخزين المياه، فلم يحلّ مشكلة ندرة المياه الذي كان يُفترَض أن يعالجها، لا بل فاقم تداعيات تغيّر المناخ؛ إذ أدّى شكل حوضه وارتفاع درجات الحرارة صيفًا إلى حدوث تبخّر تسبّب برفع مستويات الرطوبة في الوادي بأكمله.

 

نظام ثارقة

أعمال حفر لتجهيز شبكة ريّ في بستان خاص، ما يعكس التحوّل بعيدًا عن الاعتماد على الأمطار ونظام ثارقة

واللافت في ما يتعلّق باستراتيجيات الفلاحين المختلفة للتكيّف مع تغيّر المناخ مدى قلّة التغييرات الفعلية على مستوى الممارسات الزراعية نفسها. فكبار السنّ من الفلاحين لا يزالون يرتدون ملابس تناسب فصول الشتاء الباردة التي أصبحت أقصر أو لم تَعُد تأتي، فيما صلوات الاستسقاء لا تزال استجابةً ثقافيةً شائعةً للجفاف. وبغضّ النظر عن التحوّلات البيئية، بما فيها التغيّرات في أعداد الحشرات المحلية، والاختفاء الصامت لأنواعٍ مثل الخنفساء، لا يغيّر الفلاحون ما يزرعونه أو يأكلونه، بل يجدون سُبلًا لمواصلة ممارساتهم القديمة على الرغم من تدهور الأوضاع. أما التكيّف الحقيقي، فيتطلّب تحوّلًا أعمق يتمثّل في إحداث تغييرٍ على عملية اختيار المحاصيل بناءً على توقّعات مناخية أكثر منهجية، وعلى العلاقة بين ما تستطيع الأرض تحمّلَه وما تستهلكه المجتمعات المحلية. لكن الجهد يُبذَل بدلًا من ذلك للحفاظ على نموذج مألوف في ظلّ ظروف مناخية غير مألوفة، مع تحويل نمط العيش إلى نمط أقرب إلى حياة الضواحي. بيد أن هذا الشكل من الصمود، مهما كان مفهومًا، يُسرّع التدهور عينه الذي يحاول التغلّب عليه، وهي فكرة استوعبها كثرٌ في المنطقة وقبلوها، لكنها ستزيد من عدم استقرار المجتمعات المحلية الأكثر عرضةً للخطر ومن ضعف قدرتها على الصمود ضمن مشهدٍ هشّ أصلًا.

أنشطة رعوية على أطراف المدن المتوسّعة

التداعيات على الحوكمة

لا يقود تغيّر المناخ وحده التحوّل الزراعي في وادي الساحل-الصومام، إذ إن قوى التصنيع والسعي إلى الربحية الاقتصادية تعملان بالتوازي مع الضغوط المناخية، وغالبًا بمعزلٍ عنها. وصحيحٌ أن الكثير من الابتكارات تساهم في استدامة الإنتاج على المدى القصير، إلا أنها تهمّش في الوقت نفسه الفلاحين الذين يتعذّر عليهم الوصول إليها، وتؤدّي بشكلٍ صامت إلى قطع الرابط بين الزراعة والممارسات التقليدية التي منحتها معناها. ونتيجةً لذلك كلّه، فإن السياسات التي تتعامل مع التكيّف باعتباره تحدّيًا بيئيًا بحتًا ستغفل المحرّكات الاقتصادية والمؤسسية التي تشكّل سلوك المزارعين بقدرٍ لا يقلّ عن تأثير المناخ نفسه.

تربية الدواجن في الهواء الطلق في مزرعة تقليدية صغيرة (اليسار)، مقابل أقفاص الدواجن الصناعية في منشأة للإنتاج الزراعي واسع النطاق (اليمين)

تشير الديناميّات المتناقضة السائدة في وادي الساحل-الصومام، من تكيّفٍ يعمّق الهشاشة، وهجرةٍ تُفرّغ المجتمعات المحلية، ومؤسساتٍ تشجّع الممارسات غير المستدامة وتكافئ الإنتاج الضخم، إلى أربعة مجالات مترابطة تستدعي سياساتٍ أكثر فاعلية. أوّلها الحوكمة المحلية، التي تعمل هيكليًا ولكنها غير متّسقة في تطبيقها. والمجال الثاني هو حوكمة المياه، حيث تفضّل الحوافز حاليًا التوسّع وحفر الآبار على الاستدامة، ما يؤدّي إلى تركّز فوائد البنية التحتية في أيدي المنتجين الكبار، بينما يُترَك صغار المزارعين والمجتمعات المحلية لمواجهة ندرة المياه بوسائل مرتجلة. ويتمثّل المجال الثالث في حوكمة الأراضي، حيث لا تزال حقوق المُلكية وترتيبات الامتيازات مصدرًا للتوتّر وعدم اليقين. أما رابع هذه المجالات، فهو الصمود البيئي، حيث تتعافى المساحات المتضرّرة من الحرائق بشكل مستقلّ عن الجهود السياسية الحالية، بل وحتى على الرغم منها.

وفي ما يتعلّق بقطاع الزراعة في منطقة القبائل، ثمّة حضور للدولة على المستوى المحلي، إلا أنه يبقى غير متكافئ. فعلى سبيل المثال، تنجز دائرة امشدالة في ولاية البويرة الطلبات الإدارية بسرعة أكبر من الدوائر في ولاية بجاية، مع أن المسافة بين الولايتَين لا تتجاوز الـ15 كيلومترًا. وبالرغم من أن الدوائر مُلزَمةٌ بتفتيش المحاصيل ومرافق التخزين البارد والمتاجر يوميًا، لا يزال تطبيق هذه الإجراءات غير متّسق. ومثالٌ على ذلك وضعُ سلامة الغذاء والثروة الحيوانية: فعلى الرغم من الضوابط الرسمية، لا يزال اللحم يُعرَض مكشوفًا خارج محلات الجزارة، ولا يزال ذبح الحيوانات شائعًا في المنازل (بدلًا من المسالخ المُسجَّلة). ولذا، من شأن تقوية دور الإنفاذ المنوط بالدوائر المحلية التابعة لغرفة الزراعة أن يحلّ تدريجيًا محلّ ممارسات الكفاف، ويحسّن في نهاية المطاف سلامة المحاصيل والأغذية، والمعايير الصحية، والامتثال التنظيمي، ناهيك عن مساهمته في تعزيز سلطة الدولة على المستوى المحلي، ومواءمة الممارسات بشكل أفضل مع الأجندات المركزية واسعة النطاق. 

أما على صعيد إدارة المياه، فتكافئ الحوافز الحالية التوسّع وحفر الآبار على حساب الاستدامة. وصحيحٌ أن نموذج الإنتاج واسع النطاق قلّص درجات الهشاشة لدى بعض المزارعين، إلا أن تكاليفه تقع على كاهل صغار المزارعين بصورة غير متناسبة. وقد عمَدت المجتمعات المحلية التي تمتلك آبارًا وأنظمة حفر إلى تركيب صنابير مياه مشتركة، يستخدمها السكان المحليون (لا المزارعون منهم فقط) لملء أوعيتهم بمياه شرب مجانية، ما يساهم في تخفيف ندرة المياه واسعة النطاق، والتكيّف مع الضغوط المناخية. وتؤدّي ندرة المياه إلى تنامي جاذبية المشاريع المدعومة من الدولة، ولا سيما أن نُظم إدارة الموارد المائية بحاجةٍ إلى تحديث. لكن الحلّ لا يكمن في جعل تصاريح حفر الآبار أكثر تنافسيةً، بل في تطوير شبكات توزيع وبنى تحتية مائية أكثر كفاءة، تعتمد على نقل المياه من المناطق الساحلية الجزائرية إلى المناطق التي تشهد انخفاضًا في معدّلات هطول الأمطار. ومن شأن توزيع المياه بشكلٍ أكثر انتظامًا وموثوقيةً أن يحدّ أيضًا من ظاهرتَي التخزين الاحتكاري والاستهلاك المفرط الناجمتَين عن التزوّد المتقطّع بالمياه.

 

خزّان مياه خاص ومتاح للاستخدام العام مجانًا. كُتبت عليه عبارة: "ممنوع غسل السيارات، رجاءً"، في إشارةٍ إلى القواعد غير الرسمية التي يفرضها المالكون لحماية الموارد المشتركة الشحيحة.

وفي ما يتعلق بإدارة الأراضي، لا يزال التوترّ قائمًا بين الأفراد الذين يسعون إلى الحصول على الملكية الكاملة للأراضي وحرية التصرّف فيها من جهة، وبين نهج الدولة القائم على منح امتيازات طويلة الأجل قابلة للتوريث ومرتبطة بمشاريع تحظى بموافقة السلطات من جهة أخرى. إن هذا النموذج، الذي يربط الامتيازات بالاستغلال الفعلي للأرض في الزراعة وتحقيق حدٍّ أدنى من الإنتاج، يصبّ في مصلحة روّاد الأعمال الزراعيين الكبار، إذ إنهم الأقدر على استيفاء الشروط المطلوبة. وتتطلّب معالجة هذه المسألة اتّخاذ إجراءات على الجانبَين، أي من خلال تسهيل سُبل تملُّك الأراضي لمزارعي الكفاف والأفراد الذين عملوا في زراعة الأراضي على مرّ العقود، وفي الوقت نفسه تقصير مدّة الامتيازات وربط تجديدها بمتطلّبات الاستخدام الفعلي والهادف للأرض، لا بمجرّد حجم الإنتاج فقط. ومن شأن هذه الإصلاحات مجتمعةً أن تحدّ من تسجيل الأراضي لأغراض المضاربة، وأن تُفسح المجال أمام صغار المزارعين للانخراط في أنشطة ريادية، فضلًا عن تعزيز فرص العمل المحلية، مع ضمان تحقيق الاستدامة على المدى الطويل.

وفي ما يتعلّق بقدرة النُظم البيئية على الصمود، إن الشروط اللازمة لاتّباع مقاربة منخفضة التكلفة تقودها المجتمعات المحلية متوافرة بالفعل. ففي المناطق المتضرّرة من الحرائق، تعاود الأشجار والمحاصيل النمو في التربة الغنية بالرماد، إذ تُعدّ الحرائق بمثابة سمادٍ طبيعي غير مقصود يسرّع عملية تعافي الأرض من دون تدخّل بشري مباشر، وهذا التجدّد الطبيعي يعزّز إعادة التشجير ويسهم في تمكين المجتمعات المحلية من إدارة الأراضي بشكلٍ مستدام. وإذا استفادت الجزائر من عملية التجدّد هذه، فقد تتيح فرصًا أمام المجتمعات المحلية للاضطلاع بدور فعّال في إدارة الأراضي وحمايتها. على سبيل المثال، عوضًا عن تخصيص إعانات سخية للخرّيجين العاطلين عن العمل، (وهو أمرٌ قد يثنيهم من دون قصد عن البحث عن عمل)، يمكن للدولة الاستثمار في توظيف الشباب في المناطق الريفية.

من منظور أوسع، يجب أن تعالج السياسات العامة استغلال البعض لصفة "مزارع" بهدف الهجرة، ما يعكس أوجه القصور في آليات توظيف الشباب والهجرة وليس في القطاع الزراعي نفسه. ويمكن أن تتمثّل الخطوة الأولى في ربط تسجيل المزارعين بمتطلّبات محدّدة تثبت انخراطهم الفعلي في النشاط الزراعي، بما يضمن أن تعكس صفة "مزارع" نشاطًا زراعيًا حقيقيًا بدل أن تُستخدم كوسيلة للهجرة. وقد يسهم ذلك على المدى الطويل، في إعادة ربط الأجيال الشابة بتراث أجدادها عبر تعزيز هوية مرتبطة بزراعة الأرض.

خاتمة

إن لم يتم وقف ديناميّات رأس المال والهجرة السائدة في وادي الساحل–الصومام أو على الأقل التخفيف منها، فستستمر في إعادة تشكيل المنطقة. وحتى في أوساط السكان المحليين الذين لم يغادروا بحثًا عن فرص أفضل في أماكن أخرى، يحدث تحوّلٌ هادئ من نمط الحياة الريفية والنائية نحو نموذج اقتصادي أقرب إلى نمط الحياة السائد في الضواحي. فأسلوب العيش القبائلي التقليدي، القائم على إقامة أفراد عدّة من الأسرة نفسها في بيت أجداد مشترك عبر الأجيال، آخذٌ في التراجع لصالح السكن في الشقق، ما يمثّل بحدّ ذاته نوعًا من النزوح. وبات البقاء الاقتصادي منفصلًا بصورة متزايدة عن الإنتاج الزراعي، إذ تتبنّى الأُسر استراتيجيات دخل متنوّعة لا تنظر إلى الزراعة كمهنة أساسية، بل كمصدرٍ واحد من بين مصادر دخل متعدّدة. وفي الخلاصة، مع تغيّر البيئة المحيطة بسكان وادي الساحل– الصومام، يتغيّر أيضًا معنى الموطن في حدّ ذاته.

عن المؤلف

إليسا ياحمي

الأستاذة المُساعِدة في العلاقات الدولية والسياسات المُقارنة في الجامعة الأميركية في باريس

إليسا ياحمي هي الأستاذة المُساعِدة في العلاقات الدولية والسياسات المُقارنة في الجامعة الأميركية في باريس.

إليسا ياحمي
الأستاذة المُساعِدة في العلاقات الدولية والسياسات المُقارنة في الجامعة الأميركية في باريس
إليسا ياحمي
المغرب العربيالجزائرشمال أفريقياالطاقة والمناخ

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Carnegie Endowment for International Peace

  • تعليق
    ديوان
    كأس العالم 2026: لمحة عن منتخبات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

    تُعدّ بطولة هذا العام الأكثر تمثيلًا للمنطقة وسط التغيّرات الواسعة التي تطرأ على المشهد الكروي فيها.

      عصام القيسي

  • تعليق
    ديوان
    تغيّر المناخ يفاقم معاناة المهمّشين في اليمن

    تتعرّض هذه الفئة أساسًا للتمييز الاجتماعي، لذا يجب إطلاق مبادراتٍ مستدامة لمعالجة أوجه التفاوت المختلفة.

      مساعد عقلان, محمد السعيدي

  • مقالة
    العراقيون من أصول أفريقية في البصرة في ظلّ تغيّر المناخ وغياب العدالة البيئية

    يواجه العراقيون من أصول أفريقية تهميشًا وتمييزًا في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يعرّض الفئات الأكثر فقرًا من هذا المجتمع المحلي إلى التداعيات الواسعة النطاق الناجمة عن الكوارث البيئية التي تعصف بالمنطقة.

      زينب شكر

  • مقالة
    البدون في الكويت: غير مرئيين لكن معرّضون لمخاطر تغيّر المناخ

    إن التخفيف من حدّة تداعيات تغيّر المناخ في الكويت أمرٌ ضروري لتقليص أوجه التفاوت الاقتصادي والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية.

      كورتني فرير

  • تعليق
    صدى
    سوريا على حافة العطش: تغير المناخ يفاقم الجفاف ويهدد الأمن الغذائي

    لم يعد الجفاف في سوريا أزمة موسمية عابرة. هذا التقرير يوضح كيف يفاقم تغيّر المناخ ندرة المياه ويهدد الزراعة والأمن الغذائي، وما الحلول المطروحة لتفادي الأسوأ.

      ميليا اسبر

احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
Carnegie global logo, stacked
1779 Massachusetts Avenue NWWashington, DC, 20036-2103الهاتف: 202 483 7600
  • Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
  • Donate
  • Programs
  • Events
  • Blogs
  • Podcasts
  • Contact
  • Annual Reports
  • Careers
  • Privacy
  • For Media
  • Government Resources
احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
© 2026 Carnegie Endowment for International Peace. All rights reserved.