Carnegie Endowment for International PeaceCarnegie Endowment for International Peace
  • تبرع
{
  "authors": [
    "محمد السمهوري"
  ],
  "type": "commentary",
  "blog": "صدى",
  "centerAffiliationAll": "",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace"
  ],
  "collections": [],
  "englishNewsletterAll": "",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "Carnegie Endowment for International Peace",
  "programAffiliation": "",
  "programs": [],
  "projects": [],
  "regions": [
    "الشرق الأوسط",
    "فلسطين",
    "المشرق العربي"
  ],
  "topics": [
    "اقتصاد"
  ]
}
Attribution logo

المصدر: Getty

تعليق
صدى

قراءة في الأزمة المالية الفلسطينية

القرار الذي اتخذته إسرائيل باقتطاع جزء من العائدات التي تجمعها بالنيابة عن الفلسطينيين تسبّب بالتسريع في وقوع أزمة مالية تُحكم خناقها على الاقتصاد الفلسطيني، في حين أن الخيارات المتاحة للخروج من الأزمة محدودة.

Link Copied
بواسطة محمد السمهوري
منشئ 3 مايو 2019

المدونة

صدى

"صدى" نشرة إلكترونية تندرج في صلب برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تسعى إلى تحفيز وإغناء النقاش عن أبرز الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، وتقدّم فسحة للمفكرين والكتّاب، الجدد كما المعروفين في مجالاتهم، يتسنّى لهم من خلالها الإضاءة على هذه المواضيع من وجهة نظر تحليلية.

تعرف على المزيد

تواجه السلطة الفلسطينية راهناً أزمة مالية خانقة. ففي 17 شباط/فبراير الماضي، قررت الحكومة الإسرائيلية الامتناع عن صرف 138 مليون دولار من الأموال الضريبية والجمركية الفلسطينية، المعروفة بعائدات التخليص، والتي تجمعها إسرائيل بالنيابة عن السلطة الفلسطينية وتحوّلها شهرياً إلى الصناديق الفلسطينية وفق مندرجات الاتفاق الاقتصادي الموقَّع بين الطرفَين في العام 1994، والذي يُشار إليه عادةً ببروتوكول باريس.

القرار القاضي باقتطاع جزء من عائدات التخليص أقرّه الكنيست الإسرائيلي في 27 حزيران/يونيو 2018، والمبلغ المقتطَع يوازي الدفعات النقدية التي تُسدّدها السلطة الفلسطينية إلى عوائل "الشهداء والأسرى" الفلسطينيين، وقدرها نحو 11.5 مليون دولار في الشهر وفقاً للتقديرات الإسرائيلية. وقد ردّت السلطة الفلسطينية برفضها تسلُّم عائدات التخليص ما لم تعدل إسرائيل عن قرارها، غير أن الأخيرة لم تُبدّل موقفها، ما أطلق شرارة الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية راهناً.

تُشكّل عائدات التخليص، التي تُقدَّر بـ2.4 مليارَي دولار سنوياً (أو نحو 15 في المئة من إجمالي الناتج المحلي)، العمود الفقري لموازنة السلطة الفلسطينية. فهي تؤمّن نسبة 65 في المئة من مجموع إيرادات السلطة الفلسطينية، وتغطّي أكثر من نصف نفقاتها. ونتيجةً لهذا الانقباض المفاجئ في السيولة، لم تتمكّن السلطة الفلسطينية من تسديد رواتب موظفي الخدمة المدنية والشرطة كاملةً، والتي قُدِّرَت بـ150 مليون دولار في الشهر في العام 2018، ولم تُسدّد سوى 60 في المئة فقط من هذه الرواتب منذ شباط/فبراير الماضي. ومن التداعيات الأشد خطورة والأبعد مدى لهذا التراجع الحاد في عائدات السلطة الفلسطينية، تأثيره على قدرتها على تأمين الخدمات الأساسية، وعلى حجم الفجوة التمويلية للسلطة الفلسطينية (أي عجز الموازنة بعد التمويل الخارجي)، والتي قد تتخطى، وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي في نيسان/أبريل 2019، مليار دولار بحلول أواخر العام 2019 (أو 6.5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي).

بغض النظر عن المبالغ التي تقتطعها إسرائيل من عائدات التخليص، تلوح الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية في الأفق منذ بضع سنوات. فالتقارير الدورية الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حول أوضاع الاقتصاد الفلسطيني تحذّر من أزمنة مالية عصيبة في حال عدم المبادرة عاجلاً إلى اتخاذ إجراءات طارئة للتخفيف من حدّة الأزمة. وقد اشتملت التوصيات الصادرة عن هاتَين المؤسستين على توجيه دعوات إلى السلطة الفلسطينية لمواصلة العمل بالإجراءات الآيلة إلى ضبط أوضاع المالية العامة بغية الحد من العجز المالي؛ وإلى المجتمع الدولي لزيادة دعمه لموازنة السلطة الفلسطينية؛ وإلى إسرائيل للتخفيف من قبضة سياساتها وممارساتها التقييدية التي تُحكم الخناق على الاقتصاد الفلسطيني. يُشار إلى أن التقييم الذي يجريه البنك الدولي حول تنفيذ هذه التوصيات، يكشف أن مستوى التقدم في هذا الإطار يبقى ضئيلاً باستمرار. 

وتزداد الأزمة المالية الفلسطينية استفحالاً بسبب محدودية الخيارات المتاحة للسلطة في السياسات كي تتمكّن من إدارة هذه الأزمة. في الماضي، عند مواجهة أزمات مالية، كانت السلطة الفلسطينية تلجأ تقليدياً إلى ثلاثة إجراءات في السياسات: مناشدة المانحين والدول العربية تقديم دعم إضافي لموازنتها، وتطبيق إجراءات تقشفية، وزيادة الاستدانة الداخلية. لكن هذه المرة، أمام السلطة هامشٌ محدود جداً للتحرك على الجبهات الثلاث.

لقد تراجع الدعم المباشر الذي يُقدّمه المانحون لموازنة السلطة الفلسطينية بنسبة وصلت إلى 58 في المئة على امتداد الأعوام الخمسة الماضية - من 1.24 مليار دولار في العام 2013 إلى 516 مليون دولار فقط في العام 2018. وفي الاجتماع الربيعي السنوي للجنة الارتباط الخاصة (مجموعة الدول المانحة الدولية من أجل فلسطين) في بروكسل في 30 نيسان/أبريل، أشار المانحون إلى أنه "ليس بمقدورهم تغطية الفجوة المالية الناجمة" عن أزمة عائدات التخليص. واقترحوا بدلاً من ذلك إجراء وساطة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية للمساعدة في نزع فتيل المأزق. كما أن سجل المساعدات المالية العربية للسلطة الفلسطينية في سياق ما يُعرَف بـ"شبكة الأمان المالية العربية" – وهي آليةٌ أُنشئت خلال اجتماع جامعة الدول العربية في آذار/مارس 2012 لمنح السلطة الفلسطينية 100 مليون دولار شهرياً رداً على اللجوء الإسرائيلي المتكرر إلى حجب عائدات التخليص – مخيِّبٌ للآمال إلى حد كبير. والتعهّد الذي قطعته جامعة الدول العربية في 31 آذار/مارس بتجديد التزامها بشبكة الأمان لن يتجسّد على الأرجح بصورة كاملة على أرض الواقع.

هذا فضلاً عن أن قدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار في اتخاذ إجراءات مالية أشد صرامة، قد بلغت أقصى حدودها الآمنة. فالسلطة الفلسطينية تُطبّق، منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، برنامجاً طموحاً جداً للإصلاح المالي مدعوماً من صندوق النقد الدولي بهدف تحقيق الاستدامة المالية. نتيجةً لذلك، انخفض عجز الموازنة من 28 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في العام 2007 إلى 8.4 في المئة في العام 2018. وفي حال اتخاذ مزيد من التدابير على هذا الصعيد، فسوف تترتب عنها أكلافٌ معيّنة. والسبب هو أنه في الاقتصاد الفلسطيني حيث الاستهلاك العام والخاص هو المحرّك الأساسي للنمو، سوف تبلغ الإجراءات التقشفية المتواصلة نقطةً تبدأ معها بالتأثير سلباً في النمو الاقتصادي الضعيف أصلاً، والذي يتوقّع صندوق النقد الدولي أن يبلغ 1.5 في المئة في العام 2019، وتتسبب لاحقاً بمزيد من الارتفاع في معدلات البطالة والفقر، فضلاً عن تسجيل تراجع إضافي في مستوى الدخل الفردي.

أخيراً، لم تعد الاستدانة الداخلية خياراً قابلاً للحياة. ففي منتصف العام 2018، بلغ مجموع الديون الداخلية للسلطة الفلسطينية 4.25 مليارات دولار، 1.6 مليار دولار منها هي للمصارف المحلية، و2.65 مليارَي دولار في شكل متأخرات متراكمة للقطاع الخاص وهيئة التقاعد الفلسطينية. غير أن الاستدانة من المصارف تقترب سريعاً من الحدود التي وضعتها سلطة النقد الفلسطينية، في حين أن المتأخرات المتراكمة المتواصلة للقطاع الخاص سوف تؤثّر سلباً في القدرة على سداد القروض، بما يؤدّي إلى تمدّد الأزمة المالية الراهنة إلى القطاع المصرفي. كما أن المصارف تنكشف بصورة متزايدة على المخاطر الناجمة عن ديون السلطة الفلسطينية والقروض الاستهلاكية لموظفي السلطة الفلسطينية الذين تأثّرت رواتبهم بالأزمة الراهنة، والذين تبلغ قيمة قروضهم المصرفية راهناً 1.5 مليار دولار.

بعدما أصبحت الخيارات التقليدية في السياسات معدومة عملياً أو محدودة جداً، ليس واضحاً كيف ستشقّ السلطة الفلسطينية طريقها للخروج من الأزمة الراهنة إذا تمسّكت كل من إسرائيل والسلطة بموقفهما بشأن الاقتطاعات من عائدات التخليص. إنما من الواضح أنه حتى لو أفرجت إسرائيل عن الأموال المحتجزة، واستأنفت تحويل عائدات التخليص بكاملها وبصورة منتظمة، لن تؤدّي العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الأزمة إلى معالجة الصعوبات المالية المستمرة التي تتخبط فيها السلطة الفلسطينية والتي يُحذّر منها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على امتداد السنوات الثلاث الماضية.

والسبب هو أن المتاعب المالية للسلطة الفلسطينية متجذّرة عميقاً في مناخ سياسي غير مؤاتٍ على الإطلاق؛ فالعجوزات المستمرة في الموازنة هي مجرد نتيجة متفرّعة عن هذا المناخ. وعلى وجه التحديد، تعمل السلطة الفلسطينية، منذ إنشائها قبل 25 عاماً، في ظل احتلالٍ عسكري يمارس سيطرة تامة على مختلف جوانب الاقتصاد الفلسطيني. في هذا السياق، تتسبّب شبكة معقّدة من السياسات والممارسات الإسرائيلية بتعطيل حرية تنقّل الفلسطينيين والبضائع الفلسطينية؛ وفرض قيود على الوصول الحر إلى الموارد الطبيعية الوطنية، لا سيما الأراضي والمياه؛ والحد من قدرة الفلسطينيين على الوصول بحرية إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

لقد أدّت ظروف النزاع المستمرة، وانعدام الاستقرار السياسي المتفاقم، وفي بعض الأحيان تجدُّد جولات العنف، إلى اشتداد درجة الالتباس والمخاطر في هذه الأجواء المتقلّبة أصلاً، ما يُثني القطاع الخاص الفلسطيني عن أداء دوره الحيوي كمحرِّك للنمو الاقتصادي. وقد أسفرت كل هذه المعطيات عن اقتصادٍ ضعيف يعجز بصورة متزايدة عن توليد موارد كافية لتمويل موازنته الوطنية، ويُعوِّل، بصورة مزمنة، على المساعدات الدولية لتأمين استمراريته المالية.

إذا لم يطرأ تغيير جذري على هذا السياق – وهو احتمالٌ مستبعد جداً في المستقبل القريب نظراً إلى الغياب التام للمفاوضات السياسية المُجدية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية منذ منتصف العام 2014 – سوف تستمر المتاعب المادية الفلسطينية في الاستفحال، ما يجعل السلطة الفلسطينية أقرب من أي وقت مضى إلى حافة الانهيار المالي، مع ما يترتب عن ذلك من تبعات غير متوقعة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

محمد السمهوري هو أكاديمي وخبير اقتصادي فلسطيني، مستشار اقتصادي كبير سابقاً في السلطة الفلسطينية، وزميل ومحاضر كبير سابق في مركز كراون للدراسات الشرق الأوسطية في جامعة برانديس. لمتابعته عبر تويتر: msamhouri@

عن المؤلف

محمد السمهوري

محمد السمهوري خبير اقتصادي أمضى فترة تدريبية في الولايات المتحدة، وفي رصيده خبرة تزيد عن عشرين عاماً في الأكاديميا والبحوث وصنع السياسات.

محمد السمهوري

محمد السمهوري خبير اقتصادي أمضى فترة تدريبية في الولايات المتحدة، وفي رصيده خبرة تزيد عن عشرين عاماً في الأكاديميا والبحوث وصنع السياسات.

اقتصادالشرق الأوسطفلسطينالمشرق العربي

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال صدى

  • تعليق
    صدى
    مهاجرو إفريقيا جنوب الصحراء في المغرب: سؤال الأمان وامتحان الحقوق

    هل تحمي سياسة الهجرة في المغرب مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، أم تُديرهم بمنطق أمني وسياسي؟ يناقش هذا المقال الثغرات القائمة ويستعرض إمكانيات إدماج أكثر عدلًا وإنصافًا.

      سفيان الكمري

  • تعليق
    صدى
    تآكل صورة العراق كدولة مؤثرة: هل أصبحت الدبلوماسية العراقية رهينة المزاج السياسي للأحزاب المتناحرة؟

    السياسة الخارجية للعراق تدفعها الصراعات الداخلية من نخب منقسمة، مليشيات متنافسة، ودولة عاجزة عن توحيد قرارها. تطرح المقالة أسئلة أساسية: كيف تؤثر هذه الانقسامات على قدرة العراق في موازنة النفوذ الأميركي–الإيراني؟ وهل يمكن لنهج "حُسن الجوار" أن يخفّف التوترات الإقليمية؟ وكيف يستطيع العراق تحويل الشراكات والاستثمارات الإقليمية إلى استقرار فعلي؟ وتقدّم المقالة مسارات للحل، أهمها تعزيز مؤسسات الدولة، الحد من نفوذ المليشيات الخارجة عن السيطرة، تحسين الحوكمة، والاستفادة من الشراكات الإقليمية لمعالجة .الأزمات الاقتصادية والأمنية لبناء سياسة خارجية موحدة وثابتة.

      مايك فلييت

  • تعليق
    صدى
    التجارة الالكترونية وتمكين المرأة السعودية: قراءة في الفرص والإمكانات التشريعية

    كيف يمكن للسعودية أن تحوّل قطاع التجارة الإلكترونية المزدهر إلى محرّك فعلي لتمكين النساء اقتصادياً رغم فجوات التمويل والتدريب الرقمي وممارسات العمل غير الشاملة؟ هذه المقالة تبحث الحلول السياسية، من دمج الشركات النسائية في بنية مراكز البيانات إلى الأطر التنظيمية الحساسة للنوع الاجتماعي التي قد تفتح الباب أمام مشاركة نسائية أوسع في الاقتصاد الرقمي للمملكة.

      حَنّان حسين

  • تعليق
    صدى
    خطاب الكراهية في السودان يغذي الحرب ويهدد وحدة البلاد

    يتناول المقال انتشار خطاب الكراهية في السودان ودوره في تفاقم الحرب بين الجيش السوداني  وقوات الدعم السريع. ويعرض تحليلات الخبراء والخلفية التاريخية ليوضح كيف أسهم هذا الخطاب في تأجيج العنف وتبرير الجرائم وإضعاف الوحدة الوطنية، كما يقترح سبل مواجهته من خلال العدالة والتعليم ونشر ثقافة السلام.

      سمر سليمان

  • تعليق
    صدى
    السلاح الفلسطيني في لبنان: تحويل الاختبار الأمني إلى سياسة سيادية قابلة للتعميم

    شكّل قرار الحكومة اللبنانية في آب/أغسطس 2025 بحصر السلاح بيد الدولة -ابتداءً من السلاح الفلسطيني في المخيمات- اختباراً جدياً لقدرة لبنان على تحويل الشعار التاريخي إلى سياسة عملية، لكن التجربة سرعان ما كشفت عن تردد سياسي وثغرات اجتماعية .وانقسامات فصائلية، ما يطرح السؤال حول إمكانية اعتمادها نموذجاً لمعالجة ملفات أكثر حساسية كسلاح حزب الله.

      صهيب جوهر

ar footer logo
0