على مشارف الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في 12 أيار/مايو، ومع انطلاق الحملات الانتخابية الرسمية في 14 نيسان/أبريل، يقوم الجزء الأكبر من "الحملة" على إلقاء شخصيات بارزة مثل رئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري، خطابات بصفتهم مسؤولين منتخَبين – ويندرج ذلك أيضاً في إطار الحملة غير الرسمية التي بدأت قبل 14 نيسان/أبريل. وقد نظّم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون وأحد نوّاب الرئيس العراقي الحاليين، تجمّعات حاشدة، وتحدّث في العلن عن الانتخابات المقبلة كوسيلة من وسائل التغيير (ذي التعريف السيئ جداً). بطبيعة الحال، تمنح هذه الحملات غير الرسمية، التي لم تتضمن قدراً كبيراً من النقاش في السياسات، أفضلية لأحزاب المؤسسة الحاكمة عبر إعطائها فرصة أكبر للسيطرة على السردية.

نظراً إلى هذه الأفضلية وعلى الرغم من بعض العثرات الأولى، لا يزال العبادي يحتل الصدارة في الحملة الانتخابية. لقد بنى سردية حملته حول دوره كقائد أعلى للقوات المسلحة يُشرف على الحرب ضد ما يُسمّى بتنظيم الدولة الإسلامية. كما أن موقفه المتشدّد من الاستفتاء الكردي في أيلول/سبتمبر، الذي أفضى إلى إعادة تأكيد بغداد سيطرتها الاتحادية على كركوك في تشرين الأول/أكتوبر، وضعه في موقع قوي جداً بحلول كانون الأول/ديسمبر. بيد أن أوراق اعتماده في القومية، وقيادة الحرب، والحوكمة، تتعرّض لتحدّيات مطردة.

بعد العراقيل التي واجهها العبادي بسبب سوء إدارته لإطلاق تحالفه الانتخابي في كانون الثاني/يناير الماضي، بدا أنه يتخلص من أوراق اعتماده القومية لضمان انتخابه لولاية جديدة من خلال عقد صفقة مع الفصائل المدعومة من إيران في ائتلاف الفتح بقيادة منظمة بدر، إنما ما لبثت هذه الصفقة أن انهارت. وقد تعزّز الانطباع عن غياب الصدق لديه، في شباط/فبراير، عندما كشف أحد أقرب حلفائه في حزب الدعوة، النائب علي العلاق، في مقابلة معه، أن العبادي والمالكي اتّفقا، كتابةً، على دمج ائتلافَيهما بعد الانتخابات على الرغم من مواظبة كل منهما على إلقاء اللائمة على الآخر في المشكلات التي يعاني منها العراق راهناً. وقد أطلق كلام العلاق عاصفة إعلامية حول "الاتفاق السرّي"، ونتيجةً لذلك، استدعى الحزب العلاق، كما أُفيد، للمثول أمام لجنة تأديبية

عزّزت المعطيات التي كشف عنها العلاق، الانطباع بأن أوراق اعتماد العبادي القومية معروضة للبيع، كما ظهر من خلال التحالف مع ائتلاف الفتح المدعوم من إيران الذي كاد أن يتحوّل إلى واقع ناجز. وعنى ذلك أيضاً أن حزب الدعوة ينتهك القواعد الانتخابية، فالحكم الصادر عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في كانون الثاني/يناير قضى بأنه لا يحق للحزب الترشح على قائمة أكثر من تحالف واحد، ما اضطُرّ حزب الدعوة إلى الزعم في العلن بأن قيادييه يترشّحون بصفة مستقلين على لوائح منفصلة. 

وقد تفاقمت متاعب العبادي الانتخابية مع التغطية الإعلامية المتزايدة لما بدا أنها عودة للنشاط الإرهابي في أعقاب سلسلة من الهجمات الدموية التي شنّها تنظيم الدولة الإسلامية ضد عناصر أمنيين في أجزاء من محافظة كركوك حيث تنمو المجموعات المتشدّدة وتتوسّع منذ وقت طويل. لقد تسبّبت هذه العمليات بتقويض السردية الأمنية التي يروّجه لها العبادي، وقيادته للحرب. حتى إن الإمام الشيعي الشعبوي مقتدى الصدر ذهب إلى حد القول بأنه "مع التقصير الحكومي الواضح بهذا الخصوص، نحن على استعداد تام لإنقاذ كركوك من يد الإرهاب"، في إشارة إلى إعادة تعبئة الميليشيا التابعة له.

في حين أنه ليست هناك مؤشرات توحي بأن تنظيم الدولة الإسلامية سيستعيد السيطرة على الأراضي، كما حصل في العام 2014، إلا أن هذه النظرة إلى الإخفاق الأمني تطرح مشكلة بالنسبة إلى العبادي الذي ربط إلى حد كبير حظوظه السياسية بدوره كقائد أعلى للقوات المسلحة. منذ أعلن العبادي، في كانون الأول/ديسمبر، أن الأراضي العراقية "قد تحرّرت بالكامل" في إطار "نصر تاريخي مبين يفتخر به جميع العراقيين على مر الأجيال"، واظب رئيس الوزراء العراقي على التركيز على هذا الموضوع، وفي هذا الإطار، يندرج إطلاقه اسم ائتلاف النصر على تحالفه الانتخابي. وقد ردّ العبادي بتوجيه انتقادات إلى وسائل الإعلام. وفي حين شدّد، عن صواب، على أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يعد يمارس سيطرة كاملة على أي من الأراضي، نحا خطابه نحو اعتماد نبرة هستيرية. ففي كلمة ألقاها أمام شخصيات مرموقة مقيمة في بغداد في 26 آذار/مارس، طالب العبادي بمعرفة الأسباب التي تدفع بوسائل الإعلام العراقية الكبرى إلى نشر "أخبار كاذبة عن انتصارات كاذبة لداعش"، واشتكى من أن بعضها يفتقر إلى الحس الوطني.

تزامناً، اندلعت موجة من الاحتجاجات في أجزاء من بغداد على خلفية الخدمات العامة الرديئة – لا سيما في حي الحسينية شمال بغداد، حيث قطع السكان الطريق العام المؤدّي إلى كركوك، وفي حي الفضيلية شرق العاصمة – ما طعنَ بسردية العبادي التي يتحدث فيها عن عراق ناجح بإدارته. من المناطق الأخرى في بغداد التي شهدت احتجاجات على خلفية الخدمات العامة، المعامل وسبع قصور وسبع البور والنهروان والنصر وجسر ديالى. ومن أبرز المطالب التي يرفعها المحتجّون الحصول على مياه نظيفة، وتأمين الرعاية الصحية، والبنى التحتية. في حين تزداد الاحتجاجات على مشارف الانتخابات لأسباب عدة منها ممارسة الضغوط على السلطات كي تبادر إلى التحرك، أدّى ارتفاع نسبة تلوّث المياه مؤخراً بسبب رداءة منظومة الصرف الصحي، إلى تعاظم الغضب لدى المواطنين.

وقد أقدم العبادي، إدراكاً منه للتهديد السياسي الذي تشكّله هذه الاحتجاجات، على خطوة دراماتيكية في الأول من نيسان/أبريل، عبر إصدار مرسوم تنفيذي لإطلاق "مجهود وطني" يتسلّم بموجبه موظفو الوزارات الاتحادية مسؤولية إتمام مشاريع الخدمات العامة – لا سيما شبكات المياه والمجارير، والطرقات، والمدارس والمستشفيات – التي لا تمتلك الحكومة الاتحادية التمويل اللازم من أجل التعاقد مع مموّنين خارجيين لإنجازها. ينص المرسوم على إنشاء "غرفة عمليات" برئاسة استبرق الشوك، وكيل وزارة الإعمار والإسكان والبلديات، وخاضعة للإشراف المباشر من العبادي – ما يجعله يتحمّل مسؤولية مباشرة عند وقوع أي تقصير من جانب الغرفة المذكورة. مرسوم العبادي غير قابل للتنفيذ – نظراً إلى أن موظفي الوزارات وغيرهم من موظفي الدولة لا يمتلكون الإمكانات لتأمين الخدمات العامة التي تشكّل حاجة ماسّة – ولا يعدو كونه مجرد وعد انتخابي. وبعدما عرض العبادي تفاصيل إضافية عن هذا "المجهود الوطني" في المؤتمر الصحافي الذي عقده في العاشر من نيسان/أبريل، قال (بنفحة تفاؤل مفرطة ربما) إن الناس يدركون أنه على الرغم من أن الحكومة تعمل على معالجة هذه المشكلات، إلا أنها لن تتمكن من إيجاد حلول لها كلها قبل الانتخابات.

اندلعت احتجاجات خارج العاصمة – وقسمٌ كبير منها انطلق على خلفية الجهود التي يبذلها العبادي لإصلاح قطاع الكهرباء ، ما دفعه إلى التراجع وتسبّبَ بالتالي بزيادة الدعم الحكومي للكهرباء.  لكن بغداد هي دائرته الانتخابية الرئيسة ومسقط رأسه. فعلى النقيض من العديد من المحافظات الجنوبية حيث تدهورت الأوضاع الأمنية والاقتصادية في عهد العبادي بسبب زيادة الجريمة المنظمة، وتفاقُم أزمة المياه، وغياب التمويل للخدمات العامة، من جملة أسباب أخرى، أفاد سكان بغداد من تحسينات أمنية وما رافقها من انتعاش اقتصادي منذ العام 2014، بيد أن التململ لا يزال سائداً في أوساط أبناء العاصمة، وقد أخفقت التحسينات في إحداث فارق ملحوظ في حياتهم. فضلاً عن ذلك، تنتخب بغداد 69 من أصل 329 مقعداً في مجلس النواب المقبل، والتي يأمل العبادي بأن تكون كافية للتعويض عن الدعم المتناقص له في المحافظات الجنوبية التسع ذات الأكثرية الشيعية، والتي تنتخب مجتمعةً 125 نائباً فقط.

في حين أن الانتخابات تتعلق، في معظم الأحيان، بالسردية أكثر منه بالسياسات، وقبل نحو شهر من موعد الانتخابات، يخسر العبادي، على الرغم من تصدّره السباق، سيطرته على السردية بصورة مطردة، ولن يحمل الشهر المقبل من الحملات الانتخابية الرسمية سوى مزيد من التدقيق في سجله، وفي الخلافات حول الرؤية لإدارة البلاد. لكن نظراً إلى الأفضلية التي يمنحه إياها وجوده في المنصب، وإلى انقسام المشهد السياسي، لا يزال ائتلاف النصر بقيادة العبادي يمتلك حظوظاً جيدة بالفوز بأكثرية المقاعد. إلا أنه من شأن الفوز بأكثرية ضئيلة، أو الفوز بعدد من المقاعد مساوٍ تقريباً للمقاعد التي سيفوز بها ائتلاف الفتح، أن يجعل العبادي من دون تأثير يُذكَر في مفاوضات ما بعد الانتخابات، الأمر الذي سيُسفر، مرة أخرى، عن تشكيل حكومة ضعيفة من دون برنامج متماسك في السياسات. 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كيرك سويل محلل للمخاطر السياسية وناشر الرسالة الإخبارية Inside Iraqi Politics التي تصدر كل أسبوعَين. لمتابعته عبر تويتر: uticarisk@