صرّح مؤخًّرًا رئيس شركة ليبية متعدّدة الجنسيات تعمل في مصر منذ تسعينيات القرن الماضي، قائلًا: "مصر هي امتداد طبيعي لليبيين، إذ تربطنا علاقات تجارية منذ قرون، ولدينا مصالح مشتركة". صحيحٌ أن السوق المصرية تواجه تحدّيات اقتصادية كبيرة، إلا أنها تتمتّع باستقرار نسبي، ما يجعلها جذّابةً للمستثمرين الليبيين بوجه خاص، نظرًا إلى انعدام الاستقرار السياسي والأمني والتفكّك المؤسّسي في بلادهم. ولا يعكس تصريح رجل الأعمال فقط الدور المركزي الذي يؤدّيه مجتمع الأعمال الليبي في مصر في بناء الروابط العابرة للحدود، بل أيضًا الطريقة التي تتشابك بها أنشطته العابرة للحدود مع المصالح الثنائية للدولتَين.
ولكن أكثر ما يلفت الانتباه في المشاريع والاستثمارات التجارية الليبية في مصر هو أنها تنبع في المقام الأول من القطاع العام الليبي، لا من القطاع الخاص. الواقع أن مجتمع الأعمال الليبي في مصر يحافظ على روابط وثيقة بالقطاع العام الليبي لضمان مصالحه الاقتصادية. وترتكز هذه الروابط الوثيقة على علاقات مميّزة مع الهياكل السياسية الحكومية، ما يمكّن أعضاء مجتمع الأعمال من توسيع نفوذهم من خلال الحصول على عقود استراتيجية، وتولّي مناصب مؤسّسية رئيسة، وتسهيل الشراكات بين القطاعَين العام والخاص في ليبيا وخارجها. والجدير بالذكر أيضًا أن مجتمع الأعمال هذا ليس عبارة عن جاليةٍ من روّاد الأعمال في مصر بقدر ما هو مجتمع أعمال عابر للحدود له أنشطة راسخة في السوق في كلٍّ من ليبيا ومصر ودول أخرى في المنطقة. وبالفعل، مقارنةً مع رجال الأعمال الليبيين من القطاع الخاص الذين سعوا إلى العمل في مصر منذ الربيع العربي في العام 2011، وحدها الشركات الليبية الكبرى العابرة للحدود حافظت على دور دائم ومهمّ في السوق المصرية، بفضل قدرتها على التأقلم مع الحضور القوي للشركات المملوكة للدولة المصرية والمنافسين الأجانب.
القطاع الخاص الليبي المتعثّر
ظلّ القطاع الخاص الليبي متخلّفًا عن التطور، على الرغم من سياسة التحرير الاقتصادي النسبي (أو الانفتاح الاقتصادي) التي بدأت في أوائل تسعينيات القرن الماضي. قبل الشروع في عملية التحرير هذه، ساد نموذج اقتصادي تديره الدولة، ويتّسم بهيمنة القطاع العام على غالبية قطاعات الأعمال في البلاد، مع تركيزٍ كبيرٍ على قطاع النفط والغاز. وعلى خلاف معظم الاقتصادات النامية، حيث يمثّل القطاع الخاص عمومًا أكثر من نصف النشاط الاقتصادي الوطني، لم تتجاوز نسبة مساهمته في ليبيا الـ5 في المئة قطّ. ونظرًا إلى حظر النظام الليبي المُلكية الخاصة بدءًا من العام 1978 وحتى الانفتاح التدريجي في أوائل التسعينيات، اضطّر روّاد الأعمال من القطاع الخاص إلى ممارسة أنشطتهم بصورة رئيسة ضمن الاقتصاد غير الرسمي، أو مغادرة البلاد لمزاولة أعمالهم في أماكن أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو أوروبا. فعلى سبيل المثال، أطلق رجل الأعمال الليبي حسن طاطاناكي أنشطته الريادية من الخارج، وخصوصًا من مصر، التي كانت أُسرتُه فرّت إليها في السبعينيات. اشترى طاطاناكي في العام 1991 شركة "تشالنجر" المحدودة (Challenger Limited) المتعدّدة الجنسيات، وأصبح رئيسها، وتخصَّصَ في الخدمات النفطية وحفر آبار النفط، قبل أن يعود في نهاية المطاف إلى ليبيا لتوسيع نطاق أعماله بين البلدَين.
شرع النظام الليبي، إثر العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على اقتصاده، في الانتقال إلى تحريرٍ اقتصادي جزئي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وهكذا، بدأ بعض رجال الأعمال الليبيين الذين كانوا يديرون أنشطتهم في الخارج بالعودة إلى ليبيا وتطوير أعمالهم في إطارٍ عابرٍ للحدود. وكان أحد الأهداف التي توخّاها النظام الليبي من السماح لبعض رجال الأعمال بالعودة إلى ليبيا لتطوير أعمالهم أكثر استغلالَ شبكاتهم الدولية من أجل الالتفاف على القيود المالية الناجمة عن تجميد الأصول الليبية. وقد استخدم النظام رجال الأعمال هؤلاء كوسطاء، ولا سيما لتسهيل تحويل الأموال إلى الخارج. كذلك، ضَمَنَ التواطؤ بين القطاع الخاص والدولة مزايا اقتصادية للنخب السياسية ونخب الأعمال، ومكَّنَ في الوقت عينه النخب الحاكمة من ترسيخ "اقتصادٍ سياسي قائم على الطاعة". ومن خلال السماح بخصخصة بعض القطاعات وتوفير فرص الاستثمار، عزّز النظام قاعدةَ دعمه في أوساط الجهات الاقتصادية الفاعلة النخبوية، التي أصبحت تعتمد على الحكومة للحفاظ على امتيازاتها في البلاد.
القطاع العام مقابل القطاع الخاص: الاستثمار الليبي في مصر
لا تزال هيمنة القطاع العام على الاقتصاد المحلي في ليبيا تنعكس في الاستثمارات الليبية في الخارج، التي تُدار بصورة رئيسة من خلال المؤسسة الليبية للاستثمار، وهي صندوق الثروة السيادي للبلاد. أُنشِئَت هذه المؤسسة في العام 2006 بهدف الاستفادة من فائض الإيرادات من صادرات الموادّ الهيدروكربونية، نظرًا إلى أن ليبيا تمتلك أكبر احتياطيات النفط والغاز في أفريقيا، والتي شكّلت في العام 2023 نسبة 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، و90 في المئة من إيرادات الميزانية، و95 في المئة من قيمة الصادرات. وتضطلع الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية بمعظم أنشطة المؤسسة الليبية للاستثمار في مصر، في شكل مساهمات أو استثمارات. ولكن بينما يبدو أن القطاع العام يحافظ على هيمنته، يبقى من الصعب للغاية تحديد الجهات الفاعلة، لأن استراتيجيات الاستثمار الحكومي التي تديرها طرابلس تُنفَّذ عبر هياكل مؤسّسية متعدّدة تشارك في تمويل عددٍ من الشركات الفرعية المختلفة ذات المُلكية الغامضة والهياكل المالية المعقّدة.
يُقدَّر عدد الشركات المرتبطة بليبيا في مصر على ما أُفيد بـ1165 شركةً متخصّصةً في السياحة، والعقارات، والتمويل، والزراعة، وتمتلك مثلًا بعض المؤسسات الليبية أسهمًا في شركات مصرية. وتُعَدّ حصة ليبيا الاستثمارية في القطاع المصرفي المصري مُربحةً بشكل خاص، إذ يمتلك المصرف الليبي الخارجي حصصًا كبيرةً في المصارف المصرية، أبرزها 38.76 في المئة من المصرف العربي الدولي، و27.71 في المئة من بنك قناة السويس. ومن الأمثلة الأخرى على استراتيجية الاستثمار الحكومية إقامة شراكات بين القطاعَين العام والخاص عن طريق ضخّ التمويل العام الليبي مثلًا في شركات مساهمة ذات أنظمة أساسية مرنة إلى حدٍّ ما، والمشاركة في تمويل المشاريع وإدارتها في مجال التنمية الحضرية أو التطوير العقاري. فقد شمل مشروع "وان ناينتي" One Ninety، الذي أُطلِق في العام 2018 في القاهرة الجديدة، شراكةً بين شركة "لاندمارك صبور" Landmark Sabbour المصرية الخاصة وشركة "لايك سايد" Lakeside للاستثمارات العقارية والسياحية التابعة للشركة الليبية للاستثمارات الخارجية.
تجدر الإشارة إلى أن طبيعة استثمارات الدولة الليبية في السوق المصرية تعقّدت بسبب اختلاس أموال عامة مُخصَّصة لهذا الغرض في ليبيا. فقد اُفيد بأن أفرادًا مقرّبين من الزعيم الليبي معمّر القذافي استخدموا قبل العام 2011 أموالًا عامةً للاستثمار في قطاعَي العقارات والضيافة وغيرهما في مصر، مُنشِئين بذلك نُظمًا ماليةً معقّدةً لإثراء أنفسهم. وقد فرّ بعضهم إلى مصر عَقِب سقوط النظام الليبي في العام 2011، ولا يزالون يمارسون أنشطتهم التجارية هناك. نتيجةً لذلك، أصبح الاستحواذ على استثمار الثروة الوطنية، داخل ليبيا وخارجها، هدفًا رئيسًا للقوى السياسية المتنافسة في البلاد.
وكما هو متوقّع، شهدت الآليات الرئيسة للاستثمار الحكومي الليبي في مصر أيضًا مثل هذا الصراع بين القوى السياسية، ولا سيما بعد نشوء حكومتَين متنافستَين في العام 2014، واحدة في طرابلس (غربًا)، وأخرى في بنغازي (شرقًا). فقد ولّد ذلك تنافسًا على السيطرة على مقرّ المؤسسة الليبية للاستثمار في مصر، وعلى عملية تعيين موظّفيها. يُضاف إلى ذلك أن الخصخصة الكليبتوقراطية للأموال العامة في ليبيا مهّدت الطريق أمام الأفرقاء السياسيين في الحكومة وشبكاتهم لاستخدام الأموال مصدرًا للإثراء والفرص الاقتصادية، عبر استغلال المناصب العامة مثلًا للاستيلاء على أموال الدولة، سواء عن طريق بيع أصول الدولة أم منح عقود تفضيلية.
دفعت أهمية الاستيلاء على أموال الدولة وعقود المشتريات العامة روّادَ الأعمال من القطاع الخاص إلى الانخراط أكثر فأكثر في السياسة الليبية. وقد ترشّح على الأخصّ عددٌ من أعضاء مجتمع الأعمال الليبي العابر للحدود في مصر للانتخابات الرئاسية الليبية، التي كان من المُقرَّر إجراؤها في كانون الأول/ديسمبر 2021، ولكنها أُلغيَت في نهاية المطاف. يوسّع هذا التوجّه نطاق ديناميّات الخصخصة الكليبتوقراطية، إذ تسعى جهاتٌ اقتصادية فاعلة أخرى إلى خوض المعترك السياسي لاكتساب نفوذ استراتيجي في إدارة الأموال والعقود العامة، وبالتالي استثمارات الدولة في الخارج، الأمر الذي يحسّن أنشطتها التجارية العابرة للحدود.
صعوبة تجديد القطاع الخاص الليبي
يُفترَض من الناحية النظرية أن تقدّم مصر المجاورة، بعد العام 2011، للقطاع الخاص الليبي بديلًا عمليًا، نظرًا إلى جهود الحكومة المصرية لجذب الاستثمار الأجنبي، والدعم الذي تحظى به من صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية الأخرى. فالمشاريع العقارية الضخمة التي أطلقتها إدارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تتيح، شأنها شأن قطاعات متنوّعة، بما فيها الخدمات المالية والطاقة والسياحة، فرصًا استثماريةً طويلة الأجل. ومع ذلك، إن تحقيق هذه الإمكانات ليس بالأمر اليسير، إذ تضع السوق المصرية عوائق كبيرة أمام الشركات الليبية الخاصة التي تسعى إلى العمل فيها. فالحضور القوي للشركات المحلية والأجنبية، المتخصّصة والراسخة إلى حدٍّ كبير في مختلف القطاعات الاقتصادية المصرية، يجعل من الصعب على مؤسسات القطاع الخاص الليبي غير المتطوّرة المنافسة. تفتقر الشركات الخاصة الليبية عمومًا إلى الميزة التنافسية مقارنةً مع الشركات المصرية التي تمتلك الخبرات اللازمة لتنفيذ المشاريع التنموية، إلى جانب اليد العاملة الماهرة اللازمة لذلك. وبالفعل، مع أن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي لمصر بلغت نحو 70 في المئة في العام 2019، لا يزال من الصعب على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تخطّي العقبات التي تنطوي عليها بيئة الأعمال المصرية. ولا يبدو أن بيئة الأعمال هذه، المُشبَعة أو الحصرية للغاية، ملائمةٌ لتجديد القطاع الخاص الليبي على العموم.
ومن الصعب بوجه خاص على رجال الأعمال الليبيين الجدد تأسيس أعمالٍ في مصر. فكما ذكرنا، تسهّل العلاقات الراسخة مع الهيئات الحكومية النافذة وكبار رجال الأعمال معظم أنشطة القطاع الخاص المصري، وكذلك الأنشطة التجارية الليبية الراسخة العابرة للحدود. ويفضّل الجيش المصري، على وجه الخصوص، الشركات المصرية الخاصة لتنفيذ الأشغال العامة الكبرى التي يديرها، مُحافِظًا في الوقت نفسه على أعماله التجارية المهمّة التي تستفيد من الإعفاءات الضريبية، وامتيازات الحصول على العقود العامة، والشراكات مع مستثمرين من القطاع الخاص.
وهكذا، يبدو أن البيئة الاقتصادية في مصر ما بعد العام 2011 تدعم ببساطة استمرارية الماضي، أي بتعبير آخر، لا تزال الجهات الفاعلة الليبية الرئيسة في قطاع الأعمال في مصر تلك التي تشكّل مجتمع الأعمال العابر للحدود الذي يعود تاريخه إلى عقود. في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، عزّزت هذه الجهات نفوذها بنقل أعمالها إلى خارج ليبيا. آنذاك، وفّر نقص الفرص الاقتصادية في ليبيا، إلى جانب عملية التحرير الاقتصادي في مصر التي كانت بدأت في السبعينيات، وتعمّقت بفعل برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيّف الهيكلي الذي أُطلق في العام 1991، بيئةً مؤاتيةً لروّاد الأعمال هؤلاء من أجل تطوير أنشطتهم، أولًا من الخارج ثم بين البلدَين. وقد مكّنهم وجودهم الطويل الأمد في السوق المصرية من توسيع عملياتهم، وتأسيس شركات كبرى وحتى تكتّلات متعدّدة الجنسيات وإدارتها. واليوم، تمتدّ أنشطتهم إلى قطاعاتٍ متنوّعة واستراتيجية مثل قطاع النفط والغاز، والعقارات، والإنشاءات، والخدمات، والسياحة، والصناعات التحويلية.
ويحافظ رجال الأعمال هؤلاء ذوو العلاقات الواسعة على استمرارية مؤسساتهم جزئيًا من خلال تنويع أساليب عملهم، إذ يستثمرون رأس المال من خلال الاستحواذ على الأسهم أو الحصص في المشاريع، فيما يواصلون تطوير شركاتهم الخاصة أو الشركات التابعة لها التي تنتج السلع والخدمات. فعلى سبيل المثال، تمتلك مجموعة غرغار، التي تأسّست في ليبيا في العام 1993، مكتبًا في القاهرة وتعمل في مصر من خلال شركاتها التابعة، مثل غرغار للإنشاءات (Ghrghar Construction) و"ريدي ميكس" Ready Mix. وللمجموعة أيضًا مشاريعها الخاصة في مصر، مثل سلسلة مطاعم أكاكوس Acacus، ومشروع تطوير برج رغد، بما في ذلك بناء مساحات تجارية في حيّ مدينة نصر، تُقدَّر قيمتها بـ41.2 مليون دولار، ومن المُقرَّر الانتهاء منها في العام 2027.
فضلًا عن ذلك، تميل الشركات الليبية الكبرى العاملة في مصر إلى ممارسة أنشطتها الأساسية في سياقٍ عابرٍ للحدود أوسع نطاقًا، حيث تعمل في مصر وليبيا والإمارات العربية المتحدة. يبدو أن رجال الأعمال الليبيين والجهات الاقتصادية الليبية في القطاع الخاص يرَوْن في الإمارات وجهةً للاستثمار أكثر جاذبيةً من مصر. فبيئة الأعمال في الإمارات تتميّز ببيروقراطية مبسّطة ومزايا ضريبية كبيرة، ما يوفّر إطارًا تشغيليًا أكثر ملاءمة، ناهيك عن أن الإمارات لا تواجه التحدّيات الاقتصادية نفسها التي تواجهها مصر، وأبرزها النقص المزمن في العملات الأجنبية والتضخّم المتفشّي. وتتّخذ مجموعة غرغار، وتشالنجر المحدودة (Challenger Limited)، و"ألادا" (Alada)، وهي كلّها شركات كبرى، من الإمارات مقرًّا لها، كما تمتلك مكاتب في القاهرة وليبيا. هذا ويحمل أفراد مجتمع الأعمال العابر للحدود جنسياتٍ متعدّدة، ويتنقّلون على نحو منتظم بين هذه الدول الثلاث، حيث يقيمون مؤقّتًا لمزاولة أعمالهم. تتيح هذه الاستراتيجية العابرة للحدود لمجتمع الأعمال الراسخ هذا الاستفادة مما تقدّمه الإمارات من استقرار ومزايا، مع الحفاظ في الوقت عينه على حضوره في مصر.
تأثير العوامل الجيوسياسية على بيئة الأعمال
أصبحت مصر مركزًا استراتيجيًا لرجال الأعمال الليبيين البارزين، ولا سيما أولئك الذين يتبنّون رؤية سياسية-إيديولوجية ليبرالية ويروّجون للإسلام المعتدل. فقد عمَد بعض أفراد مجتمع الأعمال العابر للحدود إلى الاستثمار في قطاعَي الإعلام المصري والليبي من أجل الترويج لهذه الرؤية والتصدّي لنفوذ الإسلام السياسي في المنطقة. وقد استثمر رجل الأعمال الليبي الشهير، حسن طاطاناكي، 15 مليون جنيه مصري (2.73 مليون دولار) في العام 2009 لإطلاق قناة "أزهري" الفضائية في مصر، بهدف نشر رؤية الإسلام المعتدل غير السياسي بما يتماشى مع تعاليم الأزهر، في وجه خطاب جماعة الإخوان المسلمين ووسائل الإعلام التابعة لها، مثل شبكة الجزيرة. وبعد وصول السيسي إلى السلطة، ظلّت مصر بيئةً مؤاتية لأفراد مجتمع الأعمال العابر للحدود المُلتزمين بالتوجّه الإيديولوجي نفسه الذي يتّبعه أصحاب النفوذ المصريون الذين تربطهم بهم علاقات وثيقة.
لجأ بعضٌ من نخبة رجال الأعمال الليبيين إلى الاستثمار في قطاع الإعلام أيضًا من أجل الترويج لموقفهم حيال مسار الصراع في ليبيا. ففي العام 2011، أطلق طاطاناكي قناة "ليبيا أولًا" التي تبثّ من القاهرة وتُعرَف بمعارضتها للإخوان المسلمين وللإسلاميين الناشطين في المشهد السياسي الليبي. وعلى نحو مماثل، أسّس محمود شمّام، وزير الإعلام السابق والمتحدّث باسم المجلس الوطني الانتقالي الليبي، في العام 2013 مجموعة الوسط الإعلامية، التي تمتلك صحيفة مطبوعة، وراديو، ومنصّة رقمية تهدف إلى تغطية أخبار ليبيا، معبّرةً عن وجهة نظر نقدية تجاه القوى الإسلامية المنخرطة في الصراع الليبي. وعلى وجه الخصوص، تبنّى مجتمع الأعمال الليبي هذا المنخرط في قطاع الإعلام التوجّه نفسه الذي اتّبعه المصريون والإماراتيون، من خلال دعم السلطات في شرق لبيبا والقوات المسلّحة بقيادة المشير خليفة حفتر في حربه على الإرهاب ومجموعات الإسلام السياسي؛ وسعى أيضًا إلى إحباط نفوذ حكومة طرابلس التي تدعمها الميليشيات الإسلامية وتساندها تركيا وقطر.
الاصطفافات الجيوسياسية والفرص الاقتصادية الجديدة المتاحة أمام مؤسسات القطاع الخاص الليبي
أسهم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا في العام 2020 في تخفيف حدّة الاختلافات السياسية والجيوسياسية لإفساح المجال أمام تعزيز الفرص الاقتصادية المشتركة مع مصر. وعلى حدّ قول أحد رجال الأعمال المصريين: "لم تعد القضايا السياسية في ليبيا هي محور الاهتمام، بل نتحدّث اليوم عن ممارسة الأعمال في ليبيا". وبالفعل، أدّت إعادة تشكيل العلاقات بين البلدَين إلى إبرام شراكةٍ ذات منفعة متبادلة بين السلطات في القاهرة وطرابلس، ما شكّل تحوّلًا عن الشراكة المميزة السابقة بين مصر وسلطات بنغازي. فقد عقدت الغرفة التجارية للقاهرة اجتماعات عدّة مع غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس في إطار اللجنة العليا المشتركة الليبية المصرية أو مجلس أصحاب الأعمال الليبي المصري، أفضت إلى إبرام اتفاقات في العام 2022 من أجل تعزيز العلاقات التجارية وتنويع الاستثمارات وإنشاء مناطق تجارة حرة مشتركة. وقد عمدت مصر إلى توسيع دورها في الأسواق الليبية، في غرب البلاد وشرقها على السواء. ومنذ العام 2021، حصلت الشركات المصرية على عقود إعادة إعمار ضخمة من سلطات طرابلس وبنغازي، تُقدَّر قيمتها بنحو 110 مليارات دولار على مدى عشر سنوات، ويُتوقَّع أن توفّر فرص العمل لما يصل إلى ثلاثة ملايين مصري.
مع ذلك، من المستبعد أن تُحدث العلاقات السياسية المُتبدّلة تغييرًا ملحوظًا في نموذج الأعمال أو تركيبة القطاع الخاص الليبي في مصر. ويُشار إلى أن السلطات الليبية لم تستفِد بعد من الفرص الجديدة المتاحة أمامها لتحسين قدرة المؤسسات الأقل تطوّرًا في القطاع الخاص الليبي على دخول السوق المصرية. وقد أدّى نمو المصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدَين إلى تنامي حجم الاستثمارات الحكومية الليبية في مصر، وبالتالي إلى استمرار مساعي الجهات الخاصة إلى الاستفادة من موارد الدولة الليبية. وتَعد هذه الديناميات بالحفاظ على المكانة الراسخة لمجتمع الأعمال الليبي العابر للحدود.