لم يعد الجفاف في سوريا أزمة موسمية عابرة. هذا التقرير يوضح كيف يفاقم تغيّر المناخ ندرة المياه ويهدد الزراعة والأمن الغذائي، وما الحلول المطروحة لتفادي الأسوأ.
ميليا اسبر
المصدر: Getty
إن التخفيف من حدّة تداعيات تغيّر المناخ في الكويت أمرٌ ضروري لتقليص أوجه التفاوت الاقتصادي والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية.
تقع الكويت في إحدى أشدّ مناطق العالم حرًّا، ويعتمد اقتصادها بدرجةٍ كبيرة على إنتاج المحروقات، ما يجعلها حالةً بالغة الأهمية لدراسة التداعيات الناجمة عن تغيّر المناخ، ولا سيما على فئات محدّدة من السكان. فمع أن البلاد تتمتّع بناتج محلي إجمالي مرتفع نسبيًا للفرد، لا تتوزّع الثروة فيها بالتساوي. فضلًا عن ذلك، يؤثّر الاحتباس الحراري والظواهر المناخية المتطرّفة بشكل غير متناسب على سكان المناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية وقلّة الدعم الحكومي، فيما يُتوقَّع أن تزداد هذه الظروف حدّةً في المستقبل. ويُعَدّ المقيمون البدون جنسية، أي مَن لا يحملون الجنسية الكويتية، الذين غالبًا ما يُشار إليهم بالبدون، الفئة الأكثر عرضةً للمخاطر. ولهذا السبب، إن التخفيف من تداعيات تغيّر المناخ في الكويت ليس ضروريًا بحدّ ذاته فحسب، بل لا بدّ منه أيضًا للحدّ من أوجه التفاوت الاقتصادي، وتحقيق قدرٍ من العدالة الاجتماعية.
يشكّل السكان البدون عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من المقيمين في الكويت طوال حياتهم من دون أن يحملوا الجنسية. وتتوزّع هذه الفئة من السكان على مختلف دول الخليج الريعية الغنية بالنفط. ويعيش البدون شكلًا من أشكال النزوح الداخلي داخل بيئة ثرية وحضرية (إلى حدٍّ كبير)؛ فهم غير مرئيين إداريًا، لكنهم مُعرَّضون للمخاطر المادية. وضعهم هذا يُبرِز كيف يتقاطع التهميش القانوني مع التحديات المناخية، ما يُنتِج حالةً من عدم الاستقرار المكاني ليست عرضيةً ولا مؤقّتة. إنه وضعٌ متجذّر هيكليًا في إدارة الكويت لشؤون المواطنة والرعاية الاجتماعية.
يُشترَط على الأفراد في الكويت، للحصول على الجنسية "الأصلية"، أن يثبتوا أن توطّنهم في البلاد يعود إلى العام 1920 أو ما قبله. وعَقب الاستقلال في العام 1961، أتاح مرسومٌ جديدٌ تجنيس الكويتيين الذين لم تكن لديهم وثائق رسمية تُثبت استقرار أُسَرِهم في الكويت بحلول العام 1920. آنذاك، كان هؤلاء يشكّلون نحو ثلث السكان المقيمين، ويتألّفون في الغالب من كويتيين ذوي أصول قَبَلية لم تكن عائلاتهم قد استقرّت بحلول العام 1920. ومع ذلك، لا يزال في الكويت حتى اليوم عددٌ كبيرٌ من البدون الذين يختلف وضعهم القانوني عن وضع العمّال الأجانب المقيمين البلاد.
بدأ تصنيف البدون في الكويت كمقيمين بصورة غير قانونية منذ العام 1986، ما يجعلهم غير قادرين على الحصول على الجنسية الكويتية.
فالبدون يُصنَّفون منذ العام 1986 على أنهم مقيمون بصورة غير قانونية، إذ لا يستطيعون الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية، ويُحظَّر عليهم قانونيًا تشكيل المنظمات غير الحكومية، ويُحرَمون من المزايا الحكومية السخية التي يحظى بها المواطنون الكويتيون. نتيجةً لهذا الوضع، هم عاجزون عن الحصول على الجنسية الكويتية، الأمر الذي يعقّد حصول أفراد هذه الفئة على فرص العمل. وقد اشتكى أحد الأشخاص الذين أجرينا معهم مقابلات من أن الوظائف المتاحة للبدون نادرة جدًّا، وأن رواتبهم قلّما تتخطّى الحدّ الأدنى للأجور، ما يجعل من الصعب عليهم تحمّل تكاليف الإيجار.1 كذلك اشتكى آخرون من عدم قدرتهم على شراء العقارات أو حتى تسجيل المركبات بسبب وضعهم القانوني.2
في الفترة الممتدّة بين أيلول/سبتمبر 2024 وكانون الأول/ديسمبر 2025، سحبت الحكومة الكويتية الجنسية من نحو 50 ألف كويتي، بحجّة أنهم حصلوا عليها بشكل غير قانوني. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، نقضت السلطات المادة 8 من قانون الجنسية الكويتية، والتي كانت تُجيز منح المرأة الأجنبية التي تتزوّج من كويتي الجنسيةَ الكويتية، وطبّقتها بأثر رجعي، ما أدّى مرةً أخرى إلى ازدياد أعداد البدون بين ليلة وضحاها. وفي شباط/فبراير 2026، أقرّت الحكومة قانونًا معدّلًا للجنسية، لم تُنشَر تفاصيله بعد، ولكن مبرّرات الحكومة لإصداره ذات دلالات. فالقانون الجديد "ينبع من أهمية تنظيم الجنسية باعتبارها ركيزة من ركائز سيادة الدولة، ومن الالتزام بالحفاظ على الهوية الوطنية للكويت، وتعزيز الانتماء الوطني، وصون السيادة القانونية للكويت في جميع مسائل الجنسية". ويبدو من المرجّح أن تستخدم الدولة هذا القانون لسحب الجنسية الكويتية من بعض الفئات، من بين أمور أخرى.
وكانت الدولة قد بذلت بعض الجهود في وقتٍ سابق لمعالجة مظالم هذه الفئة من السكان. فقد أُنشِئ في العام 2010 الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية كوسيلة لمساعدة البدون في إثبات أصولهم العائلية في الكويت، أو لاستحصال بطاقات هوية تمكّنهم من الحصول على التعليم، والرعاية الصحية، ورخص القيادة، وفرص العمل، بيد أن النتائج جاءت متفاوتة. فقد أشار عددٌ من الذين أجرينا معهم مقابلات لغرض هذا المقال إلى البرامج الحكومية التي يقدّمها الجهاز، والتي تتيح للبدون الالتحاق بالجيش أو الدراسة الجامعية، باعتبارها الأكثر فائدةً لهم.3 تُمثّل هذه البرامج الفرصة الوحيدة لكثيرٍ من البدون للحصول على عملٍ مستقرٍّ ومُجزٍ، فضلًا عن إمكانية الوصول، وإن كان بشكلٍ محدود، إلى شبكات الرعاية الاجتماعية الحكومية. مع ذلك، كما أشار أحد الذين قابلناهم، "لا تزال عقباتٌ كبيرة قائمة، مثل القيود على الوثائق، ومحدودية الوصول إلى فرص التعليم العالي، وعدم القدرة على الحصول على الشهادات المدنية الأساسية".4
ونظرًا إلى أن أفراد البدون لم يتسجّلوا جميعهم في الجهاز المركزي، إذ يخشى كثيرون أن يعرّضهم ذلك لمزيدٍ من المراقبة الحكومية، لا يزال العدد الإجمالي للبدون غير معروف. وتتراوح التقديرات ما بين 83 ألفًا و180 ألف شخص في بلدٍ يبلغ عدد سكانه ما يزيد قليلًا عن 5.2 ملايين نسمة (بما في ذلك العمّال الأجانب). فضلًا عن ذلك، إن الحصول على بطاقة هوية من الحكومة عبر الجهاز المركزي يعني التنازل رسميًا عن أيّ حقّ في المطالبة بالجنسية. وكما أشارت كلير بوغران، هذا "يرغم البدون على القبول بعدم الانتماء من أجل الحصول على الأوراق الثبوتية، التي من دونها لا يمكنهم التعامل مع باقي الأجهزة الحكومية في الكويت".
ومع أن السكان البدون ليسوا فئةً متجانسة بأيّ حال من الأحوال، يعيشون في غالبيتهم إما في مناطق حضرية، وإما في الضواحي، وتحديدًا منطقة جليب الشيوخ في مدينة الكويت، أو منطقتَي الصليبية وتيماء في محافظة الجهراء النائية. وهذه المناطق الثلاث تعاني من إهمال الدولة، حيث يشكّل الاكتظاظ السكاني وضعف البنية التحتية مصدر قلق خاص. ناهيك عن ذلك، تُفاقِم المساكن غير الرسمية أو المؤقّتة، وضعف العزل الحراري، تأثيرات الحرارة الشديدة والعواصف الترابية، والأمطار الغزيرة المتقطّعة. كل هذا يحوّل الضغوط المناخية إلى مخاطر يومية تهدّد الصحة وسُبل العيش.
البيئة المعيشية في الصليبية، حيث يلعب الأطفال وسط مساكن لا تستوفي المعايير المطلوبة.
بعدسة: علي فارس
لقد وثّق السكان في منطقة الصليبية غيابًا واضحًا للدعم والاستثمار الحكوميَّين. ففي كانون الأول/ديسمبر 2020، حاول رجل من فئة البدون الانتحار حرقًا احتجاجًا على سوء ظروفه المعيشية، إذ أُفيد بأنه لم يتمكّن من تجديد بطاقة هويته، ما حال دون حصوله على عمل. وفي العام 2022، خاض عددٌ من الناشطين البدون في الصليبية إضرابًا عن الطعام استمر تسعة عشر يومًا أمام مركز شرطة المنطقة. وخلال شهر أيار/مايو 2025، شهدت منطقة جليب الشيوخ قطع التيار الكهربائي الكهرباء بسبب مخالفات مزعومة، مثل تحميل الناس الشبكة ما يفوق طاقتها بتوصيلات مباشرة للكهرباء، وتغيير سعة القواطع من دون إبلاغ السلطات الحكومية. وكانت المنطقة تعاني أصلًا من خفض التغذية الكهربائية، نظرًا إلى أن الكويت عمومًا تواجه انقطاعًا متكرّرًا في التيار الكهربائي بسبب الطلب الذي يتجاوز الطاقة الاستيعابية). أما منطقة تيماء، التي تقع على مسافة أبعد من مدينة الكويت (انظر الخريطة)، فقد شهدت إجراءات أمنية صارمة بسبب إقامة منشآت على أراضٍ مملوكة للدولة.
يُذكَر أن بلدية مدينة الكويت أعلنت في العام 2025 عن اعتماد إجراءات جديدة لتحسين تنظيم قطاع السكن، وتجنّب الاكتظاظ والحرائق في جليب الشيوخ. وشملت هذه المخطّطات بناء مساكن للعمّال الأجانب في المناطق الصناعية والأراضي الزراعية، فضلًا عن إصلاح البنية التحتية المتضرّرة في المنطقة. لكن إنجاز هذه المشاريع سيستغرق ما بين عامَين وستة أعوام. وفي غضون ذلك، وربما حتى بعد اكتمال المشاريع، ستظلّ الظروف المعيشية لمعظم السكان البدون متأثّرة بانعدام الأمن السكني المزمن، وتدهور البنية التحتية، وتنامي حدّة الضغوط البيئية.
يعيش البدون في بلدٍ يواجه حالةً حادّةً من الاحتباس الحراري، إضافةً إلى أشكال أخرى من الظواهر المناخية المتطرّفة. فقد توقّعت دراسةٌ أجرتها جامعة هارفرد في العام 2022 أن ترتفع درجات الحرارة في الكويت بمقدار 5.54 درجات مئوية بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين. وفي بلدٍ حيث بلغت درجات الحرارة 50 درجة مئوية (122 درجة فهرنهايت) في العام 2025، ما دفع وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجدّدة إلى اللجوء إلى التقنين المُبرمَج للتيار الكهربائي للمساعدة في تلبية الطلب الهائل على الشبكة، سيؤدّي تنامي درجات الحرارة على الأرجح إلى زيادة الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة 5.1 في المئة إجمالًا بحلول نهاية القرن (وتصل نسبة الزيادة المتوقّعة إلى 15.1 في المئة في أوساط العمّال الأجانب الذين أُدرِجوا في الإحصاء). ولهذا الحرّ أيضًا تأثيرٌ هائلٌ على النُظم البيئية المحيطة بالكويت، ما يهدّد قطاعَي صيد الأسماك والزراعة والعاملين فيهما. وإلى جانب ارتفاع درجات الحرارة، من المرجّح أن تشهد الكويت ظواهر مناخية متطرّفة على شكل موجات جفاف وعواصف ترابية وسيول.
والواقع أن الظواهر الجوية المتطرّفة وغيرها من المشاكل المناخية تؤثّر تأثيرًا غير متناسب على السكان في المناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية وقلّة الدعم الحكومي؛ وهذا الأمر ينطبق على الكويت، حيث تُعَدّ مناطق البدون أكثر عرضةً لهذه المخاطر من غيرها. فقد أفاد المشاركون في المقابلات باستمرار بأن ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، والانقطاع المتكرّر للتيار الكهربائي، وتكاليف التبريد الباهظة، كلّها عوامل تؤثّر عليهم سلبًا. وكما أوضح أحد الذين قابلناهم، "إن المساكن القديمة والموارد الاقتصادية المحدودة يزيدان من صعوبة التعامل مع الحرارة الشديدة".5
فضلًا عن ذلك، أدّت شبكات تصريف المياه غير الكافية أو المعطّلة، وغياب مرافق الصرف الصحي، واستخدام مواد بناء متدنّية الجودة، إلى جعل المنازل عرضةً للأمطار والعواصف الترابية. وقد أفاد عددٌ من المشاركين في المقابلات بتسرّب المياه إلى منازلهم أثناء العواصف المطرية، وبتدهورٍ ملحوظٍ في جودة السكن مع مرور الوقت. وكما قال أحدهم، "عندما تمطر في الصليبية، يبدو وكأن المدينة بأكملها تتأثّر. المنزل بأكمله يتضرّر، كذلك في فصل الصيف مع العواصف الترابية".6 وفي بعض الحالات، تضطّر الأُسر إلى الانتقال إلى ملاجئ ومراكز إيواء مؤقّتة أو مناطق قاحلة خلال فترات الطقس القاسي.
ويشكّل تكييف الهواء عبئًا كبيرًا على استهلاك الطاقة في الكويت، إذ توصّلت دراسة أُجريَت في العام 2020 إلى أن أنظمة التكييف تستنفد نحو 67 في المئة من إجمالي الكهرباء المُستهلَكة في المنازل الكويتية. ومع أن تكاليف التكييف مدعومةٌ بشكل كبير للمواطنين الكويتيين، تبقى مرتفعةً للبدون. ولذا، يعمد الكثير من أُسَر البدون إلى تقليل استخدام التكييف في الأوقات التي تكون الحاجة إليه في أشدّها، ما يزيد من المخاطر الصحية، ولا سيما على الأطفال، وكبار السنّ، ومَن يعانون من أمراض مزمنة. يُضاف إلى ذلك أن بعض المساكن المؤقّتة التي يقطنها البدون تخلو من أنظمة تكييف الهواء.
في ظلّ عدم استقرار ظروف معيشة البدون وعدم استدامتها، تُفاقم الضغوط المناخية التهميش القائم.
وثمّة تأثير نفسي أيضًا، إذ أفاد عددٌ من الذين أجرينا معهم مقابلات بتعرّضهم لضغوط نفسية مرتبطة بتكلفة تكييف الهواء خلال أشهر الصيف الطويلة، وقلّة النوم الكافي عند عدم استخدامه، وما ينتج عن ذلك من إرهاق بدني ونفسي.7 وعلى نطاق أوسع، أعرب كثرٌ عن قلقهم بشأن المستقبل، وعن عدم قدرتهم على التخطيط لقراراٍت حياتية طويلة الأمد تتعلّق بالتعليم، والعمل، والسكن، والاستقرار الأُسَري.8 وفي ظلّ عدم استقرار ظروف معيشة البدون وعدم استدامتها، تُفاقِم الضغوط المناخية التهميش القائم.
الواقع أن انعدام الاستقرار الاقتصادي لدى أفراد البدون يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالضغوط المناخية. فعددٌ كبيرٌ منهم يعمل في وظائف غير رسمية أو في الهواء الطلق، في مجالات التوصيل والإنشاءات وحراسة مواقع البناء على سبيل المثال. وهذه المهن تصبح خطرةً خلال الفترات التي يشتدّ فيها الحرّ، ما يؤدّي إلى تقليص ساعات العمل، أو فقدان الوظائف، أو عدم استقرار الدخل. يحدّ هذا الوضع الاقتصادي المُتزعزع من قدرة الأُسَر على التكيّف مع التحدّيات المناخية، ويُكرّس دوّامات الفقر. ولا يبدو أن الحكومة الكويتية أدركت هذه المسألة، إذ ما من مساعدات مُوجَّهة تُذكَر للبدون خارج الجهاز المركزي، الذي يوفّر بطاقات هوية ولا يقدّم الكثير غير ذلك.
ولمّا كانت الجهود الحكومية لتخفيف وطأة تغيّر المناخ محدودة، سعى أفراد البدون إلى استخدام نظام الديوانية غير الرسمي للتعبير عن مظالمهم، وهو نظام يقوم على اجتماعات أسبوعية في منازل قادة البدون. فمقابلة المسؤولين مباشرةً أمرٌ شبه مستحيل، حيث لا يُسمَح مثلًا إلا للمواطنين بحضور النقاشات المفتوحة التي تعقدها الوزارات المختلفة، والتي أُطلِقَت بعد حلّ الأمير البرلمان في أيار/مايو 2024. ويأمل البدون في أن يجد مَن يفوّضونهم للتحدّث نيابةً عنهم طريقةً لإيصال التحدّيات التي يواجهونها إلى السلطات الحكومية بشكل غير مباشر. فلن يكون للمسؤولين الحكوميين الدافع لتحسين الظروف المعيشية للبدون إذا لم يكونوا على دراية بها.
لكن الحكومة هدمت الديوانيات في منطقة الصليبية في ربيع العام 2025، بحجّة أنها أُقيمَت على أراضٍ عامة، وهي بذلك تُعَدّ غير قانونية. هذه الخطوة عكست إدراكَ الدولة للجهود التي يبذلها البدون لتنظيم أنفسهم، ونيّتَها الحدّ من هذه الظاهرة. وفي ضوء ذلك كلّه، أصبح أسلوب عمل معظم البدون الكويتيين يتمثّل في ابتكار وسائل تمكّنهم من التكيّف مع ظروفهم وتحمّلها، بدلًا من محاولة تغييرها جذريًا.
والواقع أن الدولة نفسها تؤيّد مثل هذا النهج بالتحديد. فقد أوصى الجهاز المركزي عبر موقعه الإلكتروني بضرورة "التركيز على إزالة، ومعالجة أوجه الخلل القائمة لتتمكّن هذه الشريحة [البدون] من تجاوز معاناتها، وذلك بدلًا من 'تطويع' القوانين السارية، وطرح التعديلات 'المتكلفة' بما يترتّب عليها من محاذير، ومضاعفات غير محسوبة تطال الأبعاد الأمنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتشكّل تهديدًا للهوية الوطنية حاضرًا ومستقبلُا". إذًا، لا يبدو أن إحداث تغييرٍ جذري يندرج ضمن مهام هذا الجهاز. وقد وصف أحد الأشخاص الذين أجرينا معهم مقابلات وضع البدون بدقّةٍ، قائلًا إنه حالة "انتظارٍ دائم".9
في الكويت، قدّمت الأبحاث المموّلة من الدولة أدلّة دامغة على تداعيات تغيّر المناخ. وقد أقّرت الحكومة بذلك، وذكرت أنها "ملتزمة بالجهود التي توائم النمو الاقتصادي مع التنمية المنخفضة الكربون والمقاومة للتغيّرات المناخية". وفيما توحي هذه الخطوة بأن النخب السياسية تعتبر أن اتخاذ إجراءاتٍ في هذا الصدد أمرٌ ضروري، لم يتم إقرار أي تشريع متعلّق بالمناخ منذ العام 2023، ولا تزال انبعاثات غازات الدفيئة مرتفعة. وأظهرت إحدى الدراسات "التزام حكومة الكويت بالانتقال إلى 'اقتصاد يهتم بخفض انبعاثات غاز الكربون'، لكن ليس ثمة نقاش حول ما يعنيه هذا التعهّد أو كيفية تنفيذه".
تُعدّ الإرادة السياسية، كما يظهر في التصريحات الحكومية الدورية، عنصرًا مهمًا في التعامل مع تحديات تغيّر المناخ. مع ذلك، تشتدّ الحاجة أيضًا إلى الفعل واتّخاذ إجراءات ملموسة من خلال إطلاق مبادرات. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في حالة البدون، نظرًا إلى معاناتهم من التهميش. ويمكن لمبادرات عدّة أن تشكّل بداية جيّدة في هذا الصدد، وكلما أُطلقت في وقت أقرب، كان ذلك أفضل.
ومن شأن منح البدون إمكانية الوصول إلى الخدمات الحكومية من دون تمييز، ولا سيما تحسين شبكات البنية التحتية، أن يساعد هذه الشريحة على مواجهة التحديات المُلحّة المرتبطة بتغيّر المناخ. كذلك، سيسهم تزويدهم ببطاقات هوية كتلك الممنوحة للسكان المقيمين على المدى الطويل أو المواطنين، في إزالة الوصمة الاجتماعية التي تحيط بهم. في هذا السياق، سلّط المشاركون في المقابلات الضوء على أن انعدام الجنسية (وهو ما يظهر في الوثائق التي يحملها البدون، ومن ضمنهم أولئك الذين يحصلون على بطاقات من الجهاز المركزي)، يزيد من مستوى تأثّرهم بالضغوط المناخية. فانعدام الجنسية يحرم البدون ليس فقط من مبادرات الإسكان الحكومية والدعم المُخصّص للكهرباء، بل أيضًا من المساعدات الطارئة.
كذلك، من شأن معالجة ظروف السكن غير الآمنة أن توفّر الحماية للبدون. في الوقت الراهن، يبدو أن قوانين البناء تُطبَّق بشكل أساسي في الأحياء الكويتية الميسورة، بينما من المُفترض أن تُطبَّق في جميع أنحاء البلاد. كذلك، يجب توفير خدمات الصرف الصحي وجمع النفايات وغيرها بشكل متساوٍ بين المناطق ومن دون تمييز. إذًا، غالب الظن أن تسهم هذه المبادرات إلى حدٍّ كبير في حماية الفئات السكانية الأكثر احتياجًا من التعرّض إلى ظروفٍ بيئيةٍ تزداد قساوةً. ويُعدّ هذا الهدف قابلًا للتحقيق نظرًا إلى الثروة التي تجنيها الكويت من إنتاج النفط والغاز.
علاوةً على ذلك، ثمة حاجة ملحّة لتحديث الشبكة الكهربائية في الكويت وتطويرها. فعلى المدى الطويل، تتمثّل المقاربة الأكثر استدامةً في بذل الدولة جهودًا لتعزيز وعي السكان بشأن التكاليف البيئية الناجمة عن الإفراط في استخدام أجهزة التكييف، أو في فرض ضرائب على الأُسر بسبب مثل هذه الممارسات. مع ذلك، على المدى القصير إلى المتوسط، ستستمرّ الشبكة الكهربائية في تحمّل هذا العبء مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، لذا لا بدّ من إجراء إصلاحات هيكلية لنظام الكهرباء.
كان لافتًا أنّ أيًّا من أفراد البدون الذين أجرينا مقابلات معهم لم يأتِ على ذكر مساعٍ حكومية للتخفيف من وطأة تغيّر المناخ على هذه الفئة السكانية، بالرغم من تداعيات الاحتباس الحراري تحديدًا على حياتهم اليومية. ويُشار إلى أن الجهاز المركزي لا يتطرّق إلى سُبل التخفيف من حدّة هذه التأثيرات على البدون. وينطوي ذلك على مفارقة، لأن هذا الجهاز يُفترض أن يساعدهم على التعامل مع التحديات التي تواجه مجتمعهم، لذا من الضروري إشراك الجهاز المركزي في المساعي المبذولة على المستوى الوطني الأوسع لمكافحة تبعات تغيّر المناخ.
في الخلاصة، ينبغي التواصل مع الحكومة حول الحاجة إلى هذه المبادرات بطريقةٍ تنسجم مع أهدافها المُعلنة الرامية إلى معالجة القضايا المتعلّقة بتغيّر المناخ. فمن خلال الفهم السليم للتحديات القائمة وتقييمها بشكل ملائم، بما في ذلك التحديات التي تواجه السكان البدون، ستكون الحكومة قادرةً على التعامل معها بفعالية أكبر. يُضاف إلى ذلك أن معاملة البدون على قدم مساواةٍ مع المواطنين الكويتيين ستُفضي إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية في شتّى أنحاء البلاد، ما من شأنه أن يُحسّن الظروف المعيشية ويُعزّز التماسك الاجتماعي.
تُعدّ الحرارة الشديدة في الكويت أزمةً خطيرة مرتبطة بتغيّر المناخ، ويُتوقّع أن تزداد حدّتها في المستقبل القريب، ما يستوجب التعامل مع تبعاتها بشكلٍ مُلحٍّ وعاجل، إذ إن الظرف الراهن لا يُتيح هامشًا يُذكَر لخوض التجارب واقتراف الأخطاء. ولحسن الحظ، تتمتّع الكويت بوفرةٍ في الموارد تمكّنها من معالجة هذه الأزمة. على الصعيد الرسمي، أبدت الحكومة استعدادًا للتصدّي إلى هذه المشكلة، لكن على أرض الواقع، لم ترقَ التدابير المُتّخذة إلى المستوى المطلوب. ويتجلّى هذا القصور بشكلٍ خاص لدى البدون، الذين يتلقّون الحدّ الأدنى من المساعدات الحكومية، على الرغم من أنهم (إلى جانب العمّال الأجانب) الأكثر احتياجًا لها. لذا، ما لم يتم إطلاق حملة مركّزة ومُمنهجة لإعادة تأهيل البنية التحتية وإصلاح شبكة الخدمات في المناطق التي يقطنها البدون، فسيستمرّ تغيّر المناخ في إلحاق أضرارٍ متزايدة والتسبّب بعواقب وخيمة على المستويَين البشري والمادّي.
هذه المادة مرخّصة بموجب أحكام وشروط رخصة المشاع الإبداعي العمومية (نَسْبُ المُصنَّف 4.0 رخصة عمومية دولية) . للمزيد من التفاصيل، يُرجى زيارة الرابط التالي: نَسبُ المصنَّف 4.0 رخصة عمومية دولية | المشاع الإبداعي.
كورتني فرير
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
لم يعد الجفاف في سوريا أزمة موسمية عابرة. هذا التقرير يوضح كيف يفاقم تغيّر المناخ ندرة المياه ويهدد الزراعة والأمن الغذائي، وما الحلول المطروحة لتفادي الأسوأ.
ميليا اسبر
يناقش جيم لامسون، في مقابلة معه، الصراع الإقليمي المتواصل، ويرى صورة غير واضحة عن الفائزين والخاسرين فيه.
مايكل يونغ
يمثّل أكبر خزّان مائي في لبنان حالةً تتقاطع فيها الإخفاقات.
كميّ عمّون
تحليل مقتضب من باحثي كارنيغي حول الأحداث المتعلقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
مايكل يونغ
يناقش سيرغي ميلكونيان، في مقابلة معه، سياسة التوازن الحذر التي تتّبعها أرمينيا وأذربيجان في التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
أرميناك توكماجيان