مهنّد الحاج علي
المصدر: Getty
التهريب والسلم الأهلي على الحدود اللبنانية: حالة السمّاقية
تهدّد حملة السلطات اللبنانية لمكافحة الأنشطة غير المشروعة عبر الحدود بتضييق الخناق الاقتصادي على شريحةٍ واسعة من سكان هذه القرية المُهمَلة تاريخيًا والمناطق المحيطة بها في محافظة عكار.
مقدّمة
تضمّ قرية السمّاقية الواقعة في شمال لبنان حوالى 2100 نسمة، يتوزّعون بالتساوي تقريبًا بين العلَويين والسنّة، وتُعدّ من نواحٍ عدّة نموذجًا يجسّد حال البلدات الحدودية في محافظة عكار. فقد شكّلت عمليات التجارة غير المشروعة عبر الحدود عاملًا ضامنًا للوئام الاجتماعي في السمّاقية وغيرها من القرى المختلطة بين العلَويين والسنّة. وتَحقَّق ذلك عبر تعزيز المصالح الاقتصادية المتبادلة بين أبناء الطائفتَين، ما ولّد حرصًا مشتركًا على تخفيف الاحتقان الطائفي، والحفاظ على النسيج المجتمعي، وترسيخ نهجٍ عملي قائم على المسؤولية المدَنية المتبادلة في قريةٍ ومنطقة لطالما عانَتا من التهميش. لكن تدفّق العلَويين السوريين الفارّين من أعمال العنف التي تعرّضوا إليها على يد جماعات مسلّحة مرتبطة بالحكومة الانتقالية في بلادهم في ربيع العام 2025، فضلًا عن غياب الدولة اللبنانية شبه التام عن عكار، والضغوط الخارجية المفروضة على كلٍّ من سورية ولبنان لضبط حدودهما المشتركة ووقف عمليات التهريب، كلّها عوامل تُلقي بثقلها على الهدوء النسبي الذي يسود المنطقة. في موازاة ذلك، تفتقر الحكومة اللبنانية، التي اضطرّت إلى التعامل مع حربٍ إسرائيلية مدمّرة في ربيع العام 2026، إلى الوسائل اللازمة لمعالجة محنة الشمال، وقد تضطّر إلى التماس التمويل وسائر أشكال الدعم من الخارج.
تُعَدّ عكار من أفقر محافظات لبنان وأكثرها تهميشًا، إذ لم تحظَ تاريخيًا باهتمامٍ يُذكر من الدولة اللبنانية، وعانت من الإهمال المتجذّر.
التهريب: حلٌّ محلي لإهمال الدولة
إن الوجود العلَوي في عكار ليس حديث العهد. فقد عاش العلَويون اللبنانيون، الذين يشكّلون أقليةً وازنةً من سكان سهل عكار، جنبًا إلى جنب مع جيرانهم السنّة في عددٍ من القرى الحدودية لعقودٍ طويلة. أما في السمّاقية، فتشير التقديرات التقريبية إلى أن نسبة العلَويين تبلغ نحو 55 في المئة من السكان، فيما تبلغ نسبة السنّة 45 في المئة. تُعَدّ عكار من أفقر محافظات لبنان وأكثرها تهميشًا، إذ لم تحظَ تاريخيًا باهتمامٍ يُذكر من الدولة اللبنانية، وعانت من الإهمال المتجذّر وغياب الإنماء المتوازن. ويشكّل هذا الإرث جزءًا لا يتجزّأ من الهوية المعاصرة للسمّاقية، إذ يسود إجماعٌ لدى السكان المحليين على أن الدولة تتجاهلهم ولا تولي اعتبارًا فعليًّا لحاجاتهم.
ومن الأمثلة على هذا التهميش وعود الحكومة بتحويل نبع مياه طبيعي اكتُشِف في العام 1969 إلى مشروع منتجع صحي. فاليوم، وبعد عقودٍ عدّة، لا يزال النبع يتدفّق إلى بقعة أرضٍ موحلة ومليئة بالنفايات، ليشكّل شاهدًا على الإهمال الرسمي. وعلى النحو نفسه، ينتقد المسؤولون المحليون تقاعس الحكومة عن اتّخاذ الإجراءات اللازمة لمكافحة الفيضانات التي تتزايد حدّتها في منطقةٍ تُعَدّ فيها الزراعة عصب الحياة ومصدر الرزق الأساسي؛ فقد فاض النهر الكبير الفاصل بين لبنان وسورية مرارًا وتكرارًا، في الأعوام 2016، و2019، و2023، و2024، و2026، وغمرت مياهه مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والبيوت، مُتسبِّبةً بتلف المحاصيل وتضرّر الممتلكات. واشتكى رئيس بلدية السمّاقية السابق بلال شمعا، في مقابلة معه، من أن المناشدات المتكرّرة التي وجّهها إلى الدولة على مدى سنوات لمساندة القرية في الحدّ من الفيضانات لم تلقَ آذانًا صاغية.1
ومن المفارقات، على الرغم من تهميش الدولة للسمّاقية، أنّ نسبةً عالية من أبنائها تخدم في الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية في البلاد. فوفقًا لتقديرات شمعا، ينتمي إلى السلك العسكري والأمني نحو 200 من سكان القرية، أي ما يقارب ثلث رجالها ممَّن هم في سنّ العمل.2 وهذا ينسج رابطًا بين السمّاقية والدولة، ويرسي حسًّا بالانتماء المؤسّسي المشترك بين السنّة والعلَويين.
لكن القوة الشرائية لرواتب القطاع العام تدهورت نتيجة فقدان الليرة اللبنانية أكثر من 98 في المئة من قيمتها عقب الأزمة المالية التي شهدها لبنان في العام 2019، فتقلّص الأجر الأساسي الشهري للجندي من نحو 700 دولار إلى ما لا يتجاوز الـ100 دولار فقط. وحتى مع الزيادات التي أُقِرَّت في السنوات اللاحقة، لا يزال راتب الجندي اللبناني يتراوح بين 250 و400 دولار شهريًا. وهكذا، أدّت الأزمة إلى تقويض أحد صمّامات الأمان الرئيسة ضدّ الفقر في السمّاقية وغيرها من القرى الحدودية. وفي خضمّ هذا الواقع المُقلق، تنامت وتيرة التهريب عبر الحدود، علمًا أنه يشكّل ظاهرةً مزمنة لطالما تغاضت عنها السلطات اللبنانية والسورية على حدٍّ سواء. وشملت هذه العمليات تدفّق موادّ مثل التبغ، والوقود، والسلع الاستهلاكية، والأدوية، والمنتجات الزراعية في كلا الاتجاهَين بين البلدَين.
واقع الحال أن أنشطة التهريب تزايدت بسبب الصراع. فقد شنّت إسرائيل خلال حربها ضدّ حزب الله، في العام 2024، غاراتٍ جوية على معبرَي الدبّوسية والعريضة الحدوديَّين الرسميَّين في لبنان، مُدّعيةً أنهما يُستخدَمان لنقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله. وأدّى هذا التدمير الذي طال البنية التحتية الرسمية المتعلقة بالنقل والعبور إلى تحويل مسار الكثير من الأنشطة التجارية عبر الحدود نحو القنوات غير الرسمية، ما زاد حجم التهريب وتنوّعه. ثم في ظلّ الفوضى العارمة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأ عناصر وحداتٍ عدّة من الجيش السوري في البحث عن مشترين لبعض أسلحتهم، وقد وجدوهم بين مهرّبي السلاح في لبنان، وكان لا بدّ من نقل الشحنات إليهم عبر وسائل غير قانونية.
لكن هذا التطوّر شكّل إيذانًا ببدء انحسار موجة التهريب المتصاعدة التي أطلقتها الأزمة المالية في العام 2019، واشتدّ زخمها إثر خروج معبرَي الدبّوسية والعريضة عن الخدمة. ففي المقام الأول، أثار تدفّق الأسلحة إلى لبنان حفيظة الولايات المتحدة، ثم وقعت أحداثٌ جديدة، منفصلة عن تهريب السلاح، إنما وثيقة الصلة بتولّي نظامٍ جديد سُدة الحكم في سورية، وكانت على وشك التأثير على شمال لبنان وقراه العلَوية والسنّية المختلطة.
قرية على شفا الأزمة
اجتاح العنف المدن الساحلية العلَوية في محافظة اللاذقية السورية يوم 6 آذار/مارس 2025. فبعد أن نصب مسلّحون من فلول نظام الأسد كمينًا استهدف قوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية، تصاعدت الأحداث بوتيرة متسارعة واندلعت اشتباكات دامية، إذ شنّت السلطات الجديدة هجماتٍ انتقامية واسعة النطاق في القرى العلَوية. وأسفرت أعمال العنف هذه عن قتل مئات المدنيين، ودخول ما يُقدَّر بنحو 60 ألف لاجئ علَوي سوري إلى الأراضي اللبنانية، بعضهم عبر المعابر الرسمية، والبعض الآخر عبر نقاطٍ كان الأمن فيها ضعيفًا أو منعدمًا. وقد توافد معظمهم إلى نحو اثنتَي عشرة قرية شمالية يشكّل فيها العلَويون اللبنانيون غالبية السكان، ما مثّل تحدّيًا كبيرًا لمنطقةٍ تعاني أصلًا من تراجعٍ تنموي حادّ، وأدّى إلى احتقانٍ طائفي. وقد أسفرت موجة النزوح هذه، إضافةً إلى تدفّق الأسلحة غير المشروعة من سورية إلى لبنان، عن فرض ضغوط خارجية على الحكومة اللبنانية لحملها على تكثيف التدابير الأمنية على الحدود الشمالية.
كان الواقع الديموغرافي الجديد في القرى والبلدات الحدودية في عكار قادرًا على التسبّب باضطرابات أمنية. فالفارّون رووا قصصًا عن عمليات قتل ارتكبتها قواتٌ مرتبطة بالحكومة ضدّ العلَويين في سورية، وهم لجأوا إلى قرى لبنانية، منها السمّاقية، حيث يُبدي الكثير من السنّة تعاطفًا مع النظام الجديد في دمشق، وينظرون بعين الريبة إلى مؤيّدي نظام الأسد القمعي. وهكذا، تصاعدت حدّة التوتّرات الطائفية، كما تعاظمت المخاوف من اندلاع أعمال عنف. وكان لمدينة طرابلس، التي تبعد مسافة ساعةٍ بالسيارة جنوبًا، سجلٌّ طويلٌ من الاشتباكات بين حيّ جبل محسن العلَوي وحيّ باب التبانة السنّي، علمًا أن الكثير من سكان السمّاقية، العلَويين والسنّة على السواء، يعملون ويُقيمون في هذَين الحيَّين في طرابلس.3
وما زاد الوضع سوءًا أن وسائل التواصل الاجتماعي ضخّمت الشائعات والاتهامات بوجود شبكات موالية للأسد تنشط ميدانيًا في القرى اللبنانية. فقد زعمت حسابات على مواقع التواصل، في شباط/فبراير 2025، أنّ سكانًا علَويين اختطفوا في قرية تلبيرة المجاورة للسمّاقية لاجئين سوريين سنّة بقوا في لبنان بعد سقوط الأسد. فردّ سكانٌ محليون سنّة غاضبون بقطع الطرق والمطالبة باتخاذ إجراءات ضدّ العلَويين السوريين. لكن تبيّن أن ما تمّ تداوله كان باطلًا، إذ إنّ المواطنين السوريين لم يُختطَفوا بل أوقفتهم السلطات اللبنانية. ومع ذلك، كشفت هذه الحادثة عن مدى الاحتقان الأمني والاجتماعي في شمال لبنان.
التهريب في لبنان نشاطٌ تعاوني بطبيعته، وليس عملًا فرديًا.
أما في السمّاقية، فاستطاع المسؤولون ووجهاء العائلات من كلا الطائفتَين دحض الشائعات والمخاوف والاستفزازات السياسية إلى حدٍّ كبير، وذلك لسببَين. الأول هو أن التهريب في لبنان نشاطٌ تعاوني بطبيعته، وليس عملًا فرديًا؛ إذ إن نقل السلع عبر حدودٍ سهلة الاختراق، إنما خاضعة للرقابة الأمنية، يتطلّب شبكات وشركاء موثوقين على الجانب الآخر، ووسطاء قادرين على اجتياز نقاط التفتيش، ووجهاء محليين يستطيعون احتواء تداعيات أي مشكلة قد تطرأ. في السمّاقية، اعتمدت هذه الشبكات تاريخيًا على تنسيق مشترك بين أشخاصٍ من الطائفتَين العلَوية والسنّية، بدلًا من حصر نشاطها بكلّ طائفةٍ على حدة، الأمر الذي عزّز العلاقات بين الجانبَين. وفي منطقة حدودية شحيحة الموارد، يُسهِم التعاون العابر للطوائف في تشكيل المزاج العام، ويساعد على تهدئة التوتّرات الطائفية التي قد تؤجّجها الأحداث السياسية.
والسبب الثاني هو أن أبناء الطائفة العلَوية في السمّاقية راكموا رصيدًا معنويًا لدى جيرانهم السنّة خلال سنوات الوصاية السورية الطويلة على لبنان، وخصوصًا فترة الاحتلال المباشر (1990-2005). فعلَويو السمّاقية وغيرها من القرى الحدودية تمكّنوا، بفضل روابطهم العائلية والاجتماعية مع أبناء طائفتهم الذين كانوا يتمتّعون بنفوذٍ كبيرٍ داخل الأجهزة الأمنية السورية، من التوسّط لصالح لبنانيين سنّة اعتُقِلوا بسبب مخالفات غير سياسية. فقد تحدّث أحد المسؤولين المحليين السنّة في منطقة ساحلية من عكار عن العلَويين اللبنانيين في مقابلة معه، قائلًا: "ندين لهم بالفضل، ولم ننسَ مساعدتهم لنا خلال عهد النظام السابق".4
صحيحٌ أن التوتّرات في السمّاقية والقرى العلَوية-السنّية الأخرى لم تنزلق إلى دوّامة العنف المسلّح، إلا أن المناطق الواقعة في أقصى شمال لبنان سرعان ما واجهت تحدّيًا آخر من شأنه أن يتسبّب بأزمة. فقد أقنعت أطرافٌ خارجيةٌ عدّة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وسورية، الحكومة اللبنانية باتّخاذ إجراءاتٍ صارمةٍ ضدّ التهريب. وكانت تداعيات هذا القرار فورية وكبيرة، إذ أقدم لبنان فعليًا على زعزعة نظامٍ لطالما شكّل دعامةً للاقتصاد المحلي ونظّم إلى حدٍّ ما العلاقات بين الطوائف.
في ظلّ غياب الدعم المالي أو المادّي الذي يمكن أن توفّره الدول التي تضغط على لبنان لكبح التهريب، ستزداد الأوضاع الاقتصادية تدهورًا.
نهاية حلٍّ: الدولة تكبح التهريب
من المفارقات أن التجارة غير المشروعة عبر الحدود تعرّضت للتقييد حين أصبحت تشكّل أكثر من أيّ وقت مضى شريانًا حيويًا للحياة الاقتصادية في شمال لبنان، بعد سنوات الأزمة المالية، وانهيار رواتب الجيش، والعواقب الوخيمة للفيضانات المتكرّرة على الإنتاج الزراعي، وتدفّق اللاجئين المعدمين ذوي الفرص المحدودة في سوق العمل اللبنانية. وما زاد الطين بلّة أن الحكومة اللبنانية، التي أطلقت حملة الإجراءات المشدّدة استجابةً للضغوط الخارجية، لم تبذل جهدًا يُذكَر لتحسين أوضاع المنطقة التي تعاني أصلًا من الإهمال. وما يجعل الأزمة الراهنة في أقصى شمال لبنان مختلفةً عن السابق ليس التوتّرات السياسية والاجتماعية، بل تراجع مصادر العيش وصمّامات الأمان الاقتصادية التي كانت تخفّف من حدّة الأزمات. وفي ظلّ غياب الدعم المالي أو المادّي الذي يمكن أن توفّره الدول التي تضغط على لبنان لكبح التهريب، ستزداد الأوضاع الاقتصادية تدهورًا، وستتفاقم الاحتكاكات الاجتماعية والسياسية بوتيرةٍ متسارعة، وقد تؤول في نهاية المطاف إلى اندلاع أعمال عنف.
الواقع أن الولايات المتحدة بدأت تزيد الضغط على لبنان لاتخاذ إجراءاتٍ لكبح التهريب في أوائل العام 2025. فسقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 قطع الجسر البرّي الذي يربط حزب الله بإيران، وواشنطن كانت أقنعت رئيس الجمهورية جوزاف عون وحكومته بالالتزام بنزع سلاح الحزب الذي تراجعت قدراته ونفوذه السياسي. مع ذلك، كانت واشنطن قلقةً من تدفّق الأسلحة من سورية إلى شمال لبنان، إذ إن النظام الجديد في دمشق لم يكن قد بسط سيطرته الكاملة على البلاد بعد. وكان الخوف من أن يجد حزب الله سبيلًا لاستعادة شبكة إمداداته، وألا تتمكّن الدولة اللبنانية من الوفاء بالتزامها بنزع سلاحه.
في موازاة ذلك، عمَدت السعودية، التي لطالما دعمت نزع سلاح حزب الله وكانت قلقة من تدفّق حبوب الكبتاغون غير المشروعة من سورية إلى أراضيها، إلى الضغط على كلٍّ من بيروت ودمشق لفرض سيطرتهما على الحدود المشتركة. لذا، سعَت الرياض إلى تقريب وجهات النظر وفتح قنوات تنسيق مباشرة بين النظام السوري الجديد والسلطات اللبنانية من أجل تبادل المعلومات حول شبكات التهريب والمخدّرات. وتزامنت هذه الجهود مع خططٍ لإجراء مفاوضاتٍ من أجل ترسيم الحدود، وهي قضية شائكة للبنان الذي يسعى منذ زمن طويل إلى نيل اعترافٍ سوري رسمي بحدوده.
وهكذا، كثّفت الولايات المتحدة والسعودية الضغط على لبنان بعد أشهرٍ من التوتّرات في قضاء الهرمل الواقع في أقصى الشمال الشرقي للبنان على الحدود السورية، نتيجة وقوع اشتباكاتٍ بين قوات تابعة للنظام السوري الجديد ومسلّحين من العشائر اللبنانية الشيعية المدعومة من حزب الله. وفي شباط/فبراير 2025، تدخّل الجيش اللبناني في الهرمل لتهدئة الأوضاع بين الطرفَين، ومنع التصعيد، والردّ على مصادر النيران التي تُطلَق من الأراضي السورية باتجاه لبنان. وفي عكار، شدّدت الحكومة اللبنانية إجراءاتها الأمنية في أيار/مايو 2025، إذ أمرت بضبط البضائع المهرّبة عبر الحدود اللبنانية السورية، وواصلت تنفيذ تدابير مماثلة. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، نفّذت الأجهزة الأمنية حملات ميدانية واسعة لإقفال المعابر غير الشرعية في السمّاقية والقرى المجاورة من خلال رفع السواتر الترابية وإقامة حواجز مؤقتة.
علاوةً على ذلك، دعا النظام السوري الجديد السلطات اللبنانية إلى تنسيق أمني مشترك لتشديد الرقابة على الحدود، وسط أزمة نزوح آلاف اللاجئين العلويين الفارّين من سورية إلى شمال لبنان. وترافق ذلك مع مطالبة السلطات السورية لقوى الأمن اللبنانية تسليم أكثر من 200 ضابط من فلول النظام السابق قيل إنهم فرّوا إلى لبنان. وفي أيلول/سبتمبر 2025، أجرت قناة "سي إن إن" مقابلة مع ضابطٍ سوري سابق في بيروت، ثم في كانون الأول/ديسمبر، كشفت معلومات حصلت عليها قناة الجزيرة عن محاولات قادها فلول النظام السوري المخلوع لإعادة تنظيم صفوفهم في الساحل السوري ومناطق من لبنان. فأبدت السلطات الجديدة في دمشق تخوّفها من وقوع هجمات عبر الحدود، تُشنّ من مناطق ذات غالبية علَوية في شمال لبنان. لذا، بدءًا من كانون الثاني/يناير 2026، وبإيعازٍ من الرئيس عون، نفّذت الأجهزة الأمنية اللبنانية حملة مداهمات في مخيّمات العلَويين في الشمال والبقاع، أسفرت عن توقيف عددٍ من العلَويين السوريين بتُهم الإخلال بالأمن، لكنها لم تتمكّن من تحديد أماكن تواجد الضباط السابقين المطلوبين للسلطات في دمشق.
اللافت أن معظم سكان عكار يريدون فرض هيبة الدولة وضبط الحدود، على الرغم من التبعات السلبية للتدابير الأمنية وكبح التهريب على مصادر رزقهم.5 وقد ساهمت تجاربهم خلال السنوات القليلة الماضية في تعزيز هذه القناعة. فحتى قبل تشديد الإجراءات، حين كانت عمليات التهريب عبر الحدود واسعة النطاق وغير منضبطة، لم تكن عوائدها كافية للتعويض بالكامل عن الانهيار الحادّ في رواتب العسكريين، وتضرُّر المحاصيل الزراعية بصورة متكرّرة. ويرى السكان المحليون أن الدولة قادرة على التخفيف من وطأة هاتَين الأزمتَين. كذلك، أدّى تدفّق اللاجئين من سورية إلى تنامي الشعور بأن الحلول المحلية لا تكفي لمعالجة أزمة بهذا الحجم، ولا بدّ من تدخّل الدولة بشكلٍ فعّال لتحسين الأوضاع. في الوقت الراهن، يواصل رئيس بلدية السمّاقية والمسؤولون المحليون مناشدة الدولة بالدعم العاجل لهذه القرية الحدودية في استضافة اللاجئين، وإدارة مخاطر فيضان النهر الكبير، وإعادة بناء المعابر الحدودية، وتحسين العلاقات التجارية مع سورية، ومكافحة الجرائم المنتشرة، ومن ضمنها فرض الإتاوات (الخوّات)، والاستيلاء على الممتلكات، والصراع على مناطق النفوذ بين العصابات.6
المشكلة ليست ببساطة أن سِجّل الحكومة المركزية في تلبية حاجات سكان عكار لا يدعو إلى التفاؤل، بل في أن الدولة مُنهكة ومُثقلة بأعباء تفوق طاقتها.
المشكلة ليست ببساطة أن سِجّل الحكومة المركزية في تلبية حاجات سكان عكار لا يدعو إلى التفاؤل، بل في أن الدولة مُنهكة ومُثقلة بأعباء تفوق طاقتها. فهي تفتقر إلى الموارد الكافية، وتُخصّص إمكاناتها المحدودة لجهود الإغاثة عَقب الصراع الأخير بين إسرائيل وحزب الله في ربيع العام 2026. في الواقع، شكّلت هذه الحرب ضربة قاصمة للدولة اللبنانية، إذ تسبّبت بتهجير نحو 1.2 مليون شخص، إلى جانب استيلاء إسرائيل على المزيد من الأراضي، وتدميرها البنى التحتية المدنية الحيوية والمرافق الصحية. ومع أن بعض التهديدات الأخرى التي واجهها لبنان قد انحسرت مؤقّتًا، فإنها قد تعاود الظهور من جديد. على سبيل المثال، هدّدت إسرائيل بقصف معبر المصنع، وهو المنفذ الرسمي الحيوي المتبقّي بين البلدَين. ولو استجابت سورية لطلب أميركي يقضي، وفق التقارير، بالتدخّل عسكريًا ضدّ حزب الله في البقاع بهدف وضعه بين فكَّي كمّاشة إسرائيلية وسورية - وهو طرحٌ أعلنت دمشق رفضه – لكان ذلك قوّض بشكلٍ إضافي سيادة الدولة اللبنانية ووحدة أراضيها.
وعلى الرغم من قدرات الحكومة اللبنانية المحدودة والضغوط الممارسة عليها، اتّخذت قرارًا يشكّل، من الناحية النظرية على الأقل، بارقة أملٍ لشمال لبنان، وهو تحويل قاعدة رينيه معوّض الجوية العسكرية في بلدة القليعات العكارية إلى منشأةٍ مدنية تستقبل رحلات تجارية. ويُعدّ هذا مشروعًا إنمائيًا مهمًّا يمكن أن يسهّل تصدير المنتجات الزراعية، ويعزّز مكانة طرابلس كمركزٍ محوري يخدم شمال لبنان وأجزاء من سورية. لكن هذا المشروع يواجه جملةً من التحديات. وحتى لو لم تؤدِّ الأعباء المالية الناجمة عن حرب العام 2026 إلى عرقلة هذه الخطة، فزيادة حركة التجارة والنقل من محافظة الشمال وإليها تثير مخاوف أمنية. لذلك، تتطلّب هذه المبادرة الحدّ من الجرائم في المنطقة، ما يستدعي تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية التي تعمل فوق طاقتها وتعاني من تدنّي رواتبها. ولكي يصبح ذلك ممكنًا، لا بدّ من توفير الأموال والموارد اللازمة.
خاتمة
قد لا تمتلك الدولة اللبنانية الكثير من الأموال والموارد، إلّا أنّ قوّتَين تتمتّعان بإمكانيات ضخمة، هما الولايات المتحدة والسعودية، تبدوان حريصتَين على دعمها في مكافحة تهريب المخدّرات والأسلحة، ما قد يمنح بيروت بعض الأوراق التفاوضية. لذا، على الحكومة اللبنانية محاولة إقناع الدولتَين باعتماد مقاربة أكثر توازنًا. وقد يشمل ذلك إبرام صفقة معهما: فمقابل استمرار لبنان في بذل جهودٍ حثيثة لكبح تهريب المخدّرات والأسلحة، باستطاعة واشنطن والرياض الإسهام في تمويل مشاريع تنموية تشتدّ الحاجة إليها في عكار، وانتزاع تعهّدٍ من إسرائيل بوقف تدمير البنى التحتية المدنية والمرافق الصحية في حال اندلاع مواجهة أخرى مع حزب الله. إن لم يتحقّق ذلك، سيكون من المستبعد تحقيق نتيجة إيجابية. بتعبيرٍ آخر، ما لم تُتّخَذ إجراءاتٌ مدروسة لتحسين أوضاع شمال لبنان الذي يعيش اليوم أزماتٍ متراكمة بعد عقودٍ طويلة من الإهمال والتأخّر التنموي، فغالب الظن أن تتفاقم التهديدات المُحدقة بالسلم الأهلي في المنطقة.

عن المؤلف
نائب مديرة المركز لشؤون الأبحاث, مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
مهنّد الحاج علي نائب مديرة المركز لشؤون الأبحاث في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت.
- لبنان بحاجة إلى استراتيجية تفاوضية جديدة مع إسرائيلتعليق
- احتلال "عن بُعد" في جنوب لبنانتعليق
مهنّد الحاج علي, محمد نجم
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال Carnegie Endowment for International Peace
- باتريمونيالية جديدة تقوّض المرحلة الانتقالية في سورياتعليق
وعدت المرحلة الانتقالية في سوريا ببداية جديدة، لكن هل تعود أساليب الحكم القديمة بثوب جديد؟ يناقش هذا المقال مؤشرات ذلك وما يلزم لبناء دولة أكثر شفافية ومساءلة.
سيما بيتنجانة
- سورية الجديدة ولبنان القديم: أزمة غياب الدولةتعليق
من شأن أي تحرّك أميركي لتنفيذ اقتراح ترامب، القاضي بأن تقنع واشنطن دمشق بخوض مواجهة عسكرية مع حزب الله، أن يؤدّي إلى عواقب كارثية.
خضر خضّور
- على لبنان محاولة وضع حزب الله على طاولة الولايات المتحدة وإيرانتعليق
مع انطلاق المحادثات بين واشنطن وطهران، أمام بيروت فرصةٌ لطرح خطةٍ إقليميةٍ بشأن نزع السلاح.
مايكل يونغ
- محنة سورية في ظلّ الانتدابتعليق
تستذكر إليزابيث تومسون، في مقابلة معها، كيف صاغت البلاد دستورًا ليبراليًا في العام 1920، قبل أن تجهض فرنسا وبريطانيا هذا المسار.
مايكل يونغ
- الأمن الإسرائيلي قائمٌ على انعدام الأمن في الشرق الأوسطتعليق
فيما تستمر المفاوضات مع إيران ولبنان، يظلّ نشر الفوضى في صُلب حسابات حكومة نتنياهو.
مايكل يونغ