• Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
Carnegie Global logoCarnegie lettermark logo
DemocracyIran
  • تبرع
الاقتصاد الحدودي في الأردن:  تجارة المخدّرات مستمرّة حتى في خضمّ التحوّل

المصدر: Getty

مقالة
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

الاقتصاد الحدودي في الأردن: تجارة المخدّرات مستمرّة حتى في خضمّ التحوّل

على الرغم من انتهاء الحرب الأهلية في سورية، لا تزال البلاد تشكّل مصدرًا لتهريب الموادّ غير المشروعة إلى الأراضي الأردنية وعبرها.

Link Copied
أرميناك توكماجيان و ليث قرباع
نشر في 6 نوفمبر 2026

مقدّمة

أحدثت الحرب الأهلية السورية (2012-2024) تحوّلاتٍ جذريةً في ثلاث سماتٍ لطالما ميّزت اقتصاد الأردن العابر للحدود مع سورية. وأكثر ما يلفت النظر في هذه التحوّلات أن التجارة غير المشروعة، خصوصًا تجارة المخدّرات، أصبحت سمةً أساسيةً من سمات الاقتصاد الحدودي. فقد تحوّل الأردن خلال الحرب من طريق عبورٍ للمخدّرات في المقام الأول إلى سوقٍ للعبور والاستهلاك في آن. ثانيًا، كانت التجارة غير الرسمية قبل الحرب نشاطًا معتادًا، وكانت توفّر السلع للكثير من المجتمعات الحدودية المهمّشة. لكن هذا النمط من التجارة، الذي كان يُجرى من دون دفع الرسوم الجمركية أو بدفع جزءٍ منها فقط، شهد تراجعًا حادًّا مع اندلاع الحرب السورية. ثم جاء سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 ليعزّز اتجاهًا ثالثًا كان قد بدأ بالظهور. فمع تدهور الاقتصاد السوري تدريجيًا نتيجة استمرار الحرب، أصبح الأردن يصدّر إلى سورية أكثر ممّا يستورد منها. هذه التحوّلات الثلاثة مجتمعةً أحدثت تغييرًا في اقتصادٍ حدودي تَشكَّل في سبعينيات القرن الماضي، واستمرّ حتى السنوات الأولى من الحرب الأهلية السورية، وهي اليوم تعمّق التهميش الاجتماعي الاقتصادي الذي تعاني منه المجتمعات الحدودية في شمال الأردن.

فضلًا عن ذلك، أدّى الانتشار المتزايد للتجارة غير المشروعة إلى طمس الخطّ الفاصل بين التجارة غير الرسمية والأنشطة الإجرامية. فقد أصبح اليوم يُنظَر إلى التجارة غير الرسمية أكثر فأكثر بعين الريبة، وأصبحت السلطات تتعامل معها على أنها غطاء محتمل لأنشطة غير مشروعة. وقد تشكّل التجارة الثنائية وتجارة العبور (الترانزيت) نعمةً للبلاد عمومًا، وإن ظلّت المنافع التي تجنيها المجتمعات الحدودية محدودةً بطبيعتها. والنتيجة أن هذه التحوّلات الهيكلية تضع المجتمعات الحدودية في وضعٍ غير مؤاتٍ، وتزيد الضغوط على الدولة للتوفيق بين حملتها الأمنية لمكافحة التجارة غير المشروعة وجهودها الرامية إلى إبقاء التجارة عبر الحدود ضمن الأُطُر القانونية، والحاجة إلى إيجاد بدائل اقتصادية ناجعة.

الخطّ الفاصل بين غير الرسمي وغير المشروع

على الرغم من ترسيم الحدود بين سورية والأردن في العام 1932، لم تُضبَط هذه الحدود فعليًا على نحو تدريجي إلا في العام 1970، عبر إقامة الحواجز المادية وتشديد الرقابة.1 وبدأ تشديد إجراءات ضبط الحدود في ذلك العام، عقب التدخّل العسكري السوري لصالح المقاتلين الفلسطينيين الذين كانوا يواجهون القوات الحكومية الأردنية خلال أحداث أيلول الأسود، غير أن هذا التشديد لم يمتدّ إلى المنطقة القليلة السكان الواقعة شرق دير الكهف إلا بعد مرور سنوات عدّة.2 وفي محيط منطقة الرويشد، الواقعة في شمال شرق البلاد، يُرجِع السكان المحليون بدء فرض الرقابة الجدّية على الحدود إلى الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وإلى حرب الخليج في العام 1991.3 ومع ذلك، ظلّت إجراءات ضبط الحدود غير مكتملة بسبب الامتداد الصحراوي الشاسع.

الحدود الأردنية السورية

وهكذا، أصبحت التجارة البسيطة والصغيرة النطاق مع سورية، التي كانت تجري في السابق بحريةٍ عبر الأراضي المفتوحة، تخضع تدريجيًا للقيود، أو أُعيد توجيهها لتمرّ عبر معبر الرمثا-درعا، الذي بقي حتى تسعينيات القرن الماضي المعبر الرسمي الوحيد بين الأردن وسورية. وقد أرسى ذلك أُسُس الاقتصاد غير الرسمي بين البلدَين، الذي تُقدَّر قيمته بملايين الدولارات. ويبدو أن هذا الاقتصاد، الذي تمحور حول مدينة الرمثا، ظلّ إلى حدٍّ كبير منفصلًا عن تجارتَي المخدّرات والأسلحة، إذ كانت هاتان التجارتان تجريان عبر شبكات اجتماعية مختلفة، وفي مناطق جغرافية متباينة، وبأساليب مختلفة.

ابتداءً من التسعينيات، كان الاقتصاد السوري الأكبر حجمًا والمدعوم حكوميًا يزوّد شمال الأردن بسلع رخيصة، غالبًا ما كانت عالية الجودة، بدءًا من السجائر والملابس، ووصولًا إلى الفواكه والخضار والحلويات. أما الأردن، باقتصاده الأكثر انفتاحًا، فكان يزوّد جارته سورية بمجموعة أصغر من السلع التي كانت نادرة أو غير متوافرة فيها، أو يعيد تصديرها إليها. وقد انعكس ذلك بوضوح في التجارة الرسمية (انظر الشكل 1). وبينما تغيب البيانات المتعلّقة بالتجارة غير الرسمية، كشفت دراسةٌ سابقةٌ عن معبر الرمثا عن وجود تجارة واسعة النطاق اتّسمت بنمطٍ مماثلٍ يغلب عليه الاستيراد. وقدّرت الدراسة بتحفّظ أن نحو 350 ألف سيجارة دخلت الأردن يوميًا في العام 2010. وتراوحت قيمة السجائر وحدها بين 7.5 ملايين و22 مليون دولار شهريًا، استنادًا إلى سعر السوق الذي كان يتراوح بين 70 سنتًا و2.10 دولار للعلبة تبعًا لجودتها.

وقد جسّد البحّارة الأردنيون التجارة غير الرسمية العابرة للحدود، حيث عكست أساليبهم، وتقنيات التهريب التي اتّبعوها، والنطاق الجغرافي لنشاطهم داخل الأردن، كيفية عمل الاقتصاد غير الرسمي على أرض الواقع. هؤلاء كانوا مجموعةً يسهل التعرّف عليها، وكان معظمهم يتحدّر من منطقة الرمثا، ويستخدمون سيارات مرخّصة خصيصًا لهذا الغرض، بلغ عددها ما يقرب من 800 سيارة بحلول العام 2011، وكان يُسمَح لها بدخول سورية مرّتَين يوميًا.4 ومع أنهم كانوا ينقلون الركّاب أحيانًا، كان مصدر دخلهم الرئيس نقل البضائع، بعضها على نحو قانوني، وبعضها الآخر بطريقة غير رسمية، مثل السجائر المُهرَّبة، لصالح تجّار أكبر.

والأمر نفسه انطبق على العراق، إذ بحلول العام 2005، أُفيد بأن 500 سائق أردني كانوا يهرّبون الوقود والسجائر عبر معبر الكرامة-طريبيل. وكان يجري التهرّب من دفع الرسوم الجمركية بالكامل أو كانت تُسدَّد عن جزءٍ من الحمولة فقط، وهو ما دلّ على وجود قدرٍ من التساهل من جانب مسؤولي الجمارك وأمن الحدود الأردنيين، وربما على تعاونهم في بعض الأحيان.

أدّى البحّارة، على حدّ قولهم، خدمةً للدولة الأردنية بعدم سعيهم إلى العمل في القطاع العام المُثقَل، وخدمةً للمجتمع من خلال إدخال السلع المنخفضة التكلفة إلى البلاد.5 كذلك التزموا بمدوّنة سلوك، حيث امتنعوا عن حمل السلاح أو مواجهة موظّفي الحدود، واستخدموا المعبر الحدودي بدلًا من الالتفاف حوله، وتجنّبوا الإتجار بسلعٍ مثل المخدّرات والأسلحة، الذي كانت عقوبته السجن لفتراتٍ طويلة أو الإعدام.6

وكانت ثمّة استثناءات، إلا أن المجتمع المحلي غالبًا ما كان ينظر إلى البحّارة على أنهم تجّارٌ محنّكون يسدّون حاجةً اقتصاديةً في منطقةٍ مُهمَلةٍ من البلاد.7 والأكثر دلالةً أن الدولة لم تكن تتعامل معهم إجمالًا بوصفهم مجرمين خطيرين، بل يبدو أن أنشطتهم كانت قائمة على تفاهمٍ غير رسمي أفاد جميع الأطراف. فقد كسب البحّارة رزقهم، وغضّ مسؤولو الجمارك والحدود الطرف في كثيرٍ من الأحيان مقابل الرشاوى، وتمكّن المستهلكون من الحصول على سلعٍ أرخص، فيما لم تشكّل هذه التجارة تهديدًا يُذكَر للأمن الوطني.

والواقع أن افتتاح معبر جابر-نصيب، على بُعد 25 كيلومترًا تقريبًا شرق معبر الرمثا-درعا، في شمال غرب الأردن في تسعينيات القرن الماضي، سَهَّل نشوء اقتصاد غير رسمي للسلع في محيطه المباشر، تنقُلها سيارات الركّاب والشاحنات. لكن هذه التجارة بقيت محدودة نسبيًا، إذ ظلّت الرمثا المركز الرئيس لإعادة توزيع السلع السورية في شمال غرب الأردن.8 وما ميّز معبر جابر كان دوره في الاقتصاد الرسمي، حيث مرّ عبره جزء كبير من التجارة الثنائية (كما هو مبيّن في الشكل 1)، إضافةً إلى عمليات تهريب المخدّرات. وبالفعل، أشار تقريرٌ صادرٌ عن مديرية الأمن العام في 2005، حين كان الأردن بلد عبورٍ بامتياز،9 إلى أن غالبية عمليات ضبط المخدّرات في الأردن جرت عند معبر جابر.

وإذا كانت الرمثا عاصمة التجارة غير الرسمية في شمال غرب الأردن، فإن بلدة الرويشد النائية جدًا شكّلت سوقًا مهمّةً، وإن أصغر حجمًا، في شمال شرق البلاد. وتقع الرويشد على الحدود مع سورية والعراق والمملكة العربية السعودية، وقد نشأت في الثلاثينيات حول محطة الضخّ H4 التابعة لخطّ أنابيب النفط كركوك-حيفا، الذي كان يتقاطع مع طريق بغداد والحدود العراقية الأردنية القديمة. وكانت البلدة تُعرَف في البداية باسم H4، ثم أُطلِق عليها اسم الرويشد في العام 1985. وتُفيد روايات متعدّدة بأن الرويشد احتضنت بين الستينيات والتسعينيات اقتصادًا غير رسمي مزدهرًا. وكانت المخدّرات والأسلحة جزءًا من هذا النشاط أيضًا، وقد استمرّ الإتجار بها بحكم الحدود السهلة الاختراق، والروابط القبَلية العابرة للحدود، وغالبًا ما كانت تأتي من سورية، وتمرّ عبر الأردن قبل وصولها إلى السعودية.

مع ذلك، لم يكن التداخل بين التجارة غير الرسمية والتجارة غير المشروعة تامًّا في مختلف أنحاء الأردن. وقد شكّلت الطرق ومراكز الجمارك البنية التحتية الرئيسة للاقتصاد غير الرسمي، كما كانت حال كلّ من معبر الكرامة الحدودي مع العراق ومعبر الرمثا. وفي معبر الكرامة، ركّز البحّارة خصيصًا على إدخال السجائر واللحوم والوقود إلى الأردن، وباعوا في الوقت نفسه سلعًا متنوّعةً لمشترين في العراق، الذي ظلّ خاضعًا للعقوبات الدولية من العام 1990 حتى العام 2003.

أما الاقتصاد غير المشروع، فاتّسم بخصائص مختلفة تمامًا، في مقدّمتها اعتماده إلى حدٍّ كبير على التهريب عبر الصحراء بعيدًا عن المعابر الحدودية. وشكّل البدو المحليون العمود الفقري لمهرّبي المخدّرات، إذ إن هذا النشاط تطلّب معرفةً دقيقةً بتضاريس المنطقة، وهي معرفة لم يمتلكها سواهم. ففي حين اعتمد البحّارة على المعابر الحدودية، شقّ مهرّبو المخدّرات من البدو مسارات خاصة، وأقاموا بنية تحتية لوجستية عبر المساحات الصحراوية الشاسعة الممتدة بين سورية والأردن والعراق والسعودية، وكانوا يجتازونها بشاحنات صغيرة رباعية الدفع.10 على سبيل المثال، امتدّ أحد مسارات تهريب الكبتاغون من تركيا إلى شمال غرب السعودية (تبوك والجوف)، مرورًا بسورية والأردن، حيث كان المهرّبون ينقلون كمياتٍ كبيرةً من هذه المادّة عبر الصحراء.11 واتّسمت هذه التجارة غير المشروعة أيضًا بطابع عسكري، إذ غالبًا ما كان المهرّبون يحملون أسلحة آلية، لا بل كانوا يتبادلون إطلاق النار أحيانًا مع دوريات حرس الحدود.12

انحسار التجارة غير الرسمية وسط اتّساع نطاق الأنشطة غير المشروعة

وجّهت الحرب السورية ضربات عدّة للاقتصاد الحدودي غير الرسمي. فقد دمّرت الاقتصاد السوري الذي كان في السابق اقتصادًا إنتاجيًا، وقوّضت الدعم الحكومي في قطاعات واسعة، وأتاحت انفتاح البلاد على الأسواق العالمية بشكل أكبر بعد سقوط بشار الأسد. وأفضت هذه التغييرات مجتمعةً إلى تقويض المنطق الأساسي للتجارة غير الرسمية – المتمثّل في الاستفادة من ندرة سلع معيّنة، والفوارق السعرية. كذلك تسبّبت الحرب بتوسّع اقتصاد المخدّرات غير المشروع في سورية على نحوٍ غير مسبوقٍ. وسرعان ما تحوّل إلى صناعة ضخمة عابرة للحدود، استفادت على ما يبدو من دعم عناصر من نظام الأسد وانخراطهم فيها، مع اعتماد متزايد على معبر جابر. هذه التجارة غير المشروعة أرهقت الأردن، وأفضت بشكل أساسي إلى طمس الخطّ الفاصل الرفيع أصلًا بين الأنشطة غير الرسمية والأنشطة الإجرامية، في الممارسة العملية وفي نظر السلطات على السواء.

كذلك، أدّت الحرب وإغلاق معبر الرمثا لأسبابٍ أمنية في العام 2012 إلى تفكّك اقتصاد المدينة فعليًّا، ما ألحق الضرر بمصادر رزق السكان وأعمالهم التجارية، فيما ارتفعت كلفة السلع التي كانت تتدفّق سابقًا بأسعارٍ رخيصة من سورية. لكن إعادة فتح معبر جابر في العام 2018 (بعد إغلاقه في العام 2015 بسبب الحرب) أسهمت في إنعاش الاقتصاد الحدودي وانخفاض الأسعار لفترةٍ وجيزة - لكن هذا الانتعاش لم يَدُم طويلًا مع تدهور الاقتصاد السوري وتشديد العقوبات المفروضة على البلاد في العام 2020. وبحلول العام 2022، انعكس النمط القديم: فبدلًا من إحضار السلع من سورية، أخذ البحّارة يبيعونها إلى مشترين في السوق السورية التي أنهكتها العقوبات المشدّدة وندرة السلع.13 وتجلّى ذلك أيضًا في التجارة الرسمية، التي كان ميزانها قد مال لصالح الأردن (انظر الشكل 2 أدناه) واستمرّ في ذلك في سورية ما بعد الأسد. وإذا كان الدعم الحكومي قد تراجع في عهد الأسد، فقد تقلّص أكثر في عهد الرئيس الجديد أحمد الشرع. وازدادت وفرة السلع في الأسواق، إلا أنّ الأسعار ارتفعت. وعلى الرغم من أن بعض السلع ظلّت تتيح فرصًا للتجارة غير الرسمية، إلا أن الأساس الاقتصادي الذي استندت إليه هذه التجارة على مدى عقود قد اهتزّ بشكل جذري.

ولعلّ التطوّر الأشدّ تأثيرًا تمثّل في انهيار الصفقة غير المكتوبة بين البحّارة والسلطات. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى المخاوف من أن تشكّل التجارة غير الرسمية غطاءً للتجارة غير المشروعة. وفي العام 2019، تلقّى البحّارة ضربةً موجعة جرّاء الحملة التي شُنّت على تجارة السجائر غير الرسمية، إلى جانب التأخيرات الناجمة عن عمليات التفتيش في معبر جابر. وتفاقمت الأوضاع مع اقتصار عمل المعبر على فترات محدودة، وإغلاقه أحيانًا بشكل كامل، كما حدث خلال تفشّي جائحة كوفيد-19 في العام 2020. وبالرغم من احتجاجات البحّارة المتكرّرة، أصرّت الدولة على موقفها.

وحتى بعد سقوط الأسد، واصل الأردن تطبيق سياسته الصارمة الجديدة تجاه التجارة غير الرسمية، حيث بات يُسمح للبحّارة بالعبور مرّة واحدة فقط كلّ أربعة أيام - لنقل الرّكاب لا البضائع. ولجأ البعض إلى إخفاء كميات ضئيلة من البضائع، لكنها لم تكن كافية لاقتصادٍ كان يدرّ في السابق ملايين الدولارات. واختفت من الأسواق منتجات بسيطة مثل الفاصوليا الخضراء السورية.14 ومع ذلك، لا تزال التجارة غير المشروعة مستمرّة بلا هوادة - ما يشير إلى أن البحّارة ليسوا المسؤولين الوحيدين عن هذه الأنشطة، ولا حتى المسؤولين الرئيسين. ففي العام 2024، أعلنت الجمارك الأردنية عن ضبط حوالى 7.5 ملايين حبة كبتاغون في مختلف أنحاء البلاد، بينما ضُبط ما يقرب من 6 ملايين حبة عند معبر جابر خلال النصف الأول من العام 2026 وحده.

يعكس استمرار الأردن في اتّباع السياسة نفسها تجاه التجارة غير الرسمية، حتى بعد الإطاحة بالأسد، سعيَ السلطات أيضًا إلى توجيه التجارة الجديدة العابرة للحدود نحو الاقتصاد الرسمي بدلًا من الاقتصاد غير الرسمي، ما يتيح للدولة الاستفادة من القيمة الاقتصادية التي تولّدها هذه التجارة. ومع انفتاح السوق السورية أكثر وارتفاع الطلب فيها على الواردات، باتت التجارة إلى حدٍّ كبير تعتمد على التبادلات التجارية الثنائية وعمليات إعادة التصدير بواسطة الشاحنات عبر معبر جابر. ووفقًا لدائرة الإحصاءات العامة الأردنية، بلغ حجم الصادرات والسلع المُعاد تصديرها إلى سورية حوالى 900 مليون دولار في العام 2025 (انظر الشكل 2)، أي ما يعادل 5.2 في المئة من إجمالي صادرات الأردن وسلعه المُعاد تصديرها، (6.6 في المئة من صادراته، و25.1 في المئة من سلعه المُعاد تصديرها). قد تعود هذه المكاسب بالفائدة على الاقتصاد الوطني، وتسهم في استحداث المزيد من فرص العمل عند المعابر الحدودية، وتحسّن البنية التحتية، وتدعم الأنشطة الاقتصادية التي تجري على جوانب الطرقات، لكن من غير المرجّح أن تصل فوائدها إلى المجتمعات الحدودية المهمّشة على نطاق أوسع.

وفي الوقت نفسه، ازداد تأثير الأنشطة غير المشروعة في المناطق الصحراوية، وكأنها تواكب التغيّرات في طبيعة الحدود نفسها، التي تزداد تضاريسها وعورةً وتصبح أقلّ ملاءمةً للعيش كلما اتّجه المرء شرقًا. ففي منطقة البادية الشمالية، "دخلت المخدّرات كلّ بيت"، على حدّ قول أحد المسؤولين المُنتخبين السابقين في مقابلة، مضيفًا "حتى بيتنا [نحن]".15 وقد عبرت المخدّرات الحدود بكلّ طريقة يمكن تصوّرها: بواسطة البالونات الموجّهة والطائرات المسيّرة، وكذلك عبر الطرق القديمة التي تشقّ التضاريس الوعرة الفاصلة بين الأراضي القاحلة في جنوب السويداء والأردن.16 وأدّى ارتفاع معدّلات البطالة وفشل الكثير من المشاريع التنموية إلى جعل المنطقة أكثر عرضةً للانخراط في الاقتصاد غير المشروع. ولا يقلّ أهميةً عن ذلك أنّ المهرّبين لم يعودوا منبوذين اجتماعيًا كما كانوا في السابق. فقد أشار رئيس المركز المجتمعي في دير الكهف في مقابلة معه إلى أنهم باتوا، نظرًا إلى امتلاكهم المال، "يجلسون على رأس المائدة" خلال المناسبات الاجتماعية.17

في أقصى شرق الأردن، بدأ انحسار التجارة الصغيرة العابرة للحدود وارتفاع الأنشطة الإجرامية قبل اندلاع الحرب السورية. فبعد العام 2003، ازداد تدفّق المخدّرات إلى الأردن من العراق (وهو تدفّق لا يزال مستمرًّا اليوم، بما في ذلك عبر معبر الكرامة-طريبيل).18 لكن بحلول أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت التجارة غير الرسمية مع العراق آخذة في التقلُّص، مع انخفاض حركة المسافرين نتيجة انعدام الأمن وتشديد القيود على التأشيرات. وساهمت الحرب السورية في تسريع هذا التحوّل. فتراجعت التجارة الصغيرة النطاق، ويُرجّح أنها انحسرت أكثر بعد فرار الأسد، عندما أدّى تقلّص الفوارق السعرية إلى تآكل ربحيّتها. وأصبح تهريب المخدّرات والأسلحة أكثر بروزًا، وعلى الأرجح الشكل السائد للتجارة.

الإرث الدائم للحرب السورية: التجارة غير المشروعة

سيواصل الاقتصاد الحدودي الأردني السوري التكيّف مع منطقةٍ تشهد تقلّبات سياسية واقتصادية. مع ذلك، من المستبعد أن ينقلب مساره الأوسع. صحيحٌ أن بعض مجالات التجارة غير الرسمية ستظلّ قائمةً: فالسجائر أو المنتجات الزراعية السورية مثلًا، مع تعافي القطاع الزراعي، قد تستمرّ في الوصول إلى الأسواق؛ وهي ليست أرخص دائمًا، لكنها قد تتميّز بنوعيةٍ أفضل نظرًا إلى خصوبة التربة ووفرة المياه في سورية. أما المجال الذي يُستبعد أن يعود إلى سابق عهده فهو الاقتصاد السوري القائم على الدعم الحكومي، الذي كان في السابق يُحدث فوارق سعرية كبيرة بين جانبَي الحدود. ويتّجه المسار الحالي للسياسة السورية بعيدًا عن مثل هذا الدعم، فيما لا تترك التحدّيات المالية التي تواجه البلاد مجالًا كبيرًا لاستعادته.

في غضون ذلك، وعلى الرغم من أن سقوط نظام الأسد أدّى إلى ارتفاع عمليات ضبط المخدّرات والاعتقال، لم يختفِ التهريب بأيّ حال من الأحوال. فمع الارتفاع الحاد في تعاطي المخدّرات في الأردن (انظر الشكل 3)، واستمرار الطلب عليها في دول الخليج، ووجود نظامٍ في دمشق يُستبعد أن يتمكّن من فرض سيطرته الكاملة على البلاد في المستقبل القريب، بالإضافة إلى الحرمان الاجتماعي والاقتصادي المستمرّ في المناطق الجنوبية من سورية والمناطق الشمالية والشرقية من الأردن، تظلّ الظروف الهيكلية التي تدعم هذه التجارة قائمةً إلى حدٍّ كبير. لذلك، من المرجّح أن يصبح تهريب المخدّرات أحد أوجه الإرث الدائم للصراع السوري، بدلًا من أن يكون ظاهرةً مؤقّتة ارتبطت بزمن الحرب، وأن يواصل تشكيل الاقتصاد الحدودي المتبدّل بين الأردن وسورية.

إن التجارة العابرة للحدود ليست مجرّد مصدر رزق، بل هي أسلوب حياةٍ للبحّارة وسكان المناطق الحدودية الذين لطالما اعتمدوا على سورية. صحيحٌ أنهم سيتكيّفون مع الظروف المتغيّرة، لكن من غير المرجّح أن يتخلّوا عن التجارة غير الرسمية من دون توافر حوافز، ولا سيما إذا أُعيد فتح معبر الرمثا. لذلك، قد يكمن النهج الأكثر استدامةً الذي يمكن للحكومة الأردنية اتّباعه في إبرام صفقة جديدة، تتمثّل في السماح بالتجارة عبر الحدود على نطاق صغير، شريطة أن تكون مُعلَنة بالكامل وخاضعةً للضرائب، مع فرض عقوبات صارمة على تهريب المخدّرات والأسلحة. وبهذه الطريقة، قد تفوق المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي يجنيها أبناء المناطق الحدودية المهمّشة من الانخراط في الاقتصاد الرسمي المخاطرَ التي ينطوي عليها العمل في التجارة غير الرسمية.

ومن شأن إعادة فتح معبر الرمثا أن تخفّف الضغط أيضًا عن معبر جابر. وإذا اقترنت هذه الخطوة بتوفير معدّات مسح متطوّرة وتشديد الإجراءات الرامية إلى مكافحة الفساد وتواطؤ المسؤولين، فقد تسهم في تسهيل التجارة المشروعة، وتعزيز دور الأردن كممرّ رئيس للعبور بين الخليج والبحر الأبيض المتوسط، ولا سيما في ظلّ الاضطرابات المستمرّة في مضيقَي هرمز وباب المندب. في المقابل، ينطوي الاعتماد على معبر جابر-نصيب الوحيد والمزدحم على خطر تعطُّل حركة التجارة، ما يضعف القدرة التنافسية للأردن ويؤدّي إلى تحويل حركة العبور (الترانزيت) نحو ممرّات أخرى، ولا سيما عبر العراق.

لا يمكن تطبيق أيٍّ من هذه الحلول بسهولة في منطقة الرويشد. بل قد تكون هذه الحالة من الحالات التي لا يتوافر فيها حلّ واقعي، نظرًا إلى القدرات المحدودة للدولة الأردنية وعدم رغبتها في الاستثمار في المناطق البعيدة جدًا. وحتى المشاريع التنموية الناجحة أو برامج استحداث فرص العمل قد لا تضاهي جاذبية الأرباح السريعة التي يدرّها التهريب، ولا سيما عندما تبدو الكفة راجحة في كثير من الأحيان لصالح المهرّبين بدلًا من السلطات. فعلى مدى عقود، شكّلت الصحراء الشاسعة القليلة السكان في المنطقة ملاذًا للأنشطة غير المشروعة. وما تغيّر ليس الجغرافيا، بل الاقتصاد، إذ إن انحسار التجارة الحدودية غير الرسمية التي كانت توفّر في السابق مصدرًا بديلًا للدخل، إلى جانب تآكل الأجور الحقيقية، جعلا الاقتصاد غير المشروع أكثر هيمنةً وجاذبيةً من أيّ وقت مضى.

خاتمة

لا يمكن أبدًا إحكام إغلاق الحدود بشكل كامل – ولا سيما الحدود الأردنية السورية التي تفرض طبيعتها الجغرافية تحدّيات جمّة. ولا يمكن اختزال المعابر الحدودية في مجرّد نقاط تفتيش أمنية: فهي تُفضي بشكل شبه حتمي إلى نشوء أسواق ومصادر رزق وفرص اقتصادية، إلى جانب أنشطة غير مشروعة. لذلك، يُعدّ النهج الأمني – القائم على تشديد الرقابة على الحدود، ومكافحة التهريب، وتقييد التجارة غير الرسمية – ضرورةً لا غنى عنها لمكافحة الأنشطة الإجرامية. مع ذلك، يظلّ هذا النهج محدودًا بطبيعته. وفي حالة الأردن، أثارت القيود المُفرَطة في بعض الأحيان توتّرات سياسية، كما حدث مع البحّارة، ناهيك عن أنها تسبّبت في ازدحام عند معبر جابر، ما أعاق التجارة الرسمية وحرية التنقّل. ويكمن التحدّي الأساسي في تحقيق توازن بين المخاطر والفرص.

ويتطلّب تحقيق هذا التوازن أن يُحسن الأردن توظيف دوره المتنامي بوصفه ممرًّا تجاريًا بين البحر الأبيض المتوسط والخليج، وإتاحة المجال في الوقت نفسه أمام المجتمعات الحدودية للاستفادة من الموقع الجغرافي الذي لطالما أثّر على سُبُل عيشها، ولا سيما في ظلّ محدودية البدائل الواقعية التي توفّرها الدولة. وهذا يستدعي اتّباع نهج أقلّ تركيزًا على الاعتبارات الأمنية وأكثر تقبّلًا للمخاطر. ففي نهاية المطاف، من المرجّح أن تظلّ التجارة غير المشروعة إرثًا دائمًا للحرب السورية. ومهما كان هذا الإرث مؤلمًا، لا ينبغي أن يتحوّل إلى عائقٍ دائم أمام التبادلات التجارية وحركة التنقّل والفرص الاقتصادية، أو أن يزيد من تهميش المجتمعات الحدودية.

 

* جرت الاستعانة بنموذج لغوي قائم على الذكاء الاصطناعي أثناء ترجمة هذا المقال، وخضعت الترجمة لتحرير وتدقيق شاملَين من فريق التحرير في مركز كارنيغي، ثم لمراجعة المؤلّفَين.

  

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج أبحاث Cross-Border Conflict Evidence, Policy and Trends (XCEPT) (برنامج الصراعات العابرة للحدود – الأدلة والسياسات والاتجاهات) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK International Development التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.


عن المؤلفين

أرميناك توكماجيان

باحث غير مقيم، مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

أرميناك توكماجيان باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركّز أبحاثه على قضايا الحدود والصراع، واللاجئين السوريين، والوسطاء المحليين في سورية.

ليث قرباع

ليث قرباع محامٍ، وناشط في المجال الإنساني، وباحث مقيم في الأردن.

Laith Qerbaa is a lawyer, humanitarian practitioner, and researcher based in Jordan.

المؤلفون

أرميناك توكماجيان
باحث غير مقيم، مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
أرميناك توكماجيان
ليث قرباع
ليث قرباع محامٍ، وناشط في المجال الإنساني، وباحث مقيم في الأردن.
ليث  قرباع
المشرق العربيالأردنسورية

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Carnegie Endowment for International Peace

  • أوراق بحثية
    أفول عصر النفط في زمن اللايقين: الانتقال من الحلقة المفرغة إلى الحلقة المثمرة

    يشهد نظام الطاقة العالمي القائم على الموارد الهيدروكربونية تغيُّرًا جذريًا. فقد أصبح التنويع الاقتصادي وبناء اقتصاداتٍ مُنتِجة ضرورةً استراتيجيةً لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تُحتِّم عليها التصدّي للتحدّيات الاجتماعية والسياسية، وإعادة النظر في ترتيباتها الداخلية والإقليمية والعالمية.

      • +1

      إسحاق ديوان, نور عرفة, حمزة المؤدّب, …

  • تعليق
    ديوان
    سدّ الفراغ وسط تعثّر العدالة الانتقالية في سورية

    تبرز مجالس الصلح في مختلف أنحاء البلاد للتوسّط في النزاعات داخل المجتمعات المحلية التي يعود الكثير منها إلى سنوات الحرب.

      ناتاشا دانون

  • تعليق
    ديوان
    احتفال أم مأتم في العراق؟

    مع انسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، سيصبح الأكراد أكثر اعتمادًا على بغداد وعلى أنفسهم.


      فلاديمير فان ويلغنبرغ

  • تعليق
    ديوان
    مسار نزع السلاح في العراق يبدأ بإصلاح الحشد الشعبي

    يواجه هدف حكومة الزيدي عقبات بسبب الصراع الإقليمي، لكن بإمكانها اتّخاذ بعض الإجراءات في هذا الصدد.

      علي المولوي

  • تعليق
    ديوان
    إلى أين تتّجه العلاقات بين لبنان وسورية؟

    يحلّل صهيب جوهر، في مقابلةٍ معه، التحوّلات العميقة التي طرأت على الروابط بين البلدَين الجارَين.

      مايكل يونغ

احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
Carnegie global logo, stacked
1779 Massachusetts Avenue NWWashington, DC, 20036-2103الهاتف: 202 483 7600
  • Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
  • Donate
  • Programs
  • Events
  • Blogs
  • Podcasts
  • Contact
  • Annual Reports
  • Careers
  • Privacy
  • For Media
  • Government Resources
احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
© 2026 Carnegie Endowment for International Peace. All rights reserved.