• Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
Carnegie Global logoCarnegie lettermark logo
DemocracyIran
  • تبرع
{
  "authors": [
    "نورهان حفظي"
  ],
  "type": "commentary",
  "blog": "صدى",
  "centerAffiliationAll": "",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace"
  ],
  "englishNewsletterAll": "",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "Carnegie Endowment for International Peace",
  "programAffiliation": "",
  "regions": [
    "الشرق الأوسط",
    "إسرائيل",
    "مصر",
    "أوروبا",
    "ألمانيا",
    "روسيا"
  ],
  "topics": [
    "السياسة الخارجية للولايات المتحدة",
    "تجارة",
    "طاقة",
    "الاتحاد الأوروبي"
  ]
}
SADA

تجمع الصورة ممثلين من الإتحاد الأوروبي ومصر وإسرائيل، آثناء توقيعهم على الإتفاقية الثلاثية للغاز الطبيعي، وذلك خلال الإجتماع الوزاري لمنتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، الذي استضافته القاهرة في الخامس عشر من يونيو ٢٠٢٢. (المصدر: KHALED DESOUKI/AFP via Getty Images)

تعليق
صدى

الغاز والسلام: هل تستطيع التجارة احتواء الصراع بين مصر وإسرائيل؟

هل يمكن للغاز أن يخفف التوتر بين مصر وإسرائيل، أم أن المصالح الاقتصادية تؤجل الصدام فقط؟ يقارن المقال بين صفقة الغاز المصرية-الإسرائيلية والتجربة الألمانية-الروسية ليكشف حدود قدرة التجارة والاعتماد المتبادل على احتواء الصراع.

Link Copied
نورهان حفظي
نشر في 31 أغسطس 2026

المدونة

صدى

"صدى" نشرة إلكترونية تندرج في صلب برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تسعى إلى تحفيز وإغناء النقاش عن أبرز الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، وتقدّم فسحة للمفكرين والكتّاب، الجدد كما المعروفين في مجالاتهم، يتسنّى لهم من خلالها الإضاءة على هذه المواضيع من وجهة نظر تحليلية.

تعرف على المزيد

مقدمة:

في ديسمبر ٢٠٢٥ تمت المصادقة الرسمية على تمديد صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية المبرمة عام ٢٠١٨، لتمتد لعام ٢٠٤٠، كما تم إقرار التعديلات المتفق عليها في مذكرة تفاهم ثلاثية بين مصر وإسرائيل والاتحاد الاوروبي عام ٢٠٢٢ والتي تنص على زيادة صادرات الغاز الإسرائيلي لمصر لتصدير جزء منه لأوروبا بعد إسالته في محطات الإسالة المصرية. جاءت المصادقة على التمديد والتعديل في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد والتوتر بين مصر وإسرائيل وعبر الإقليم بأكمله على إثر هجمات ٧ أكتوبر وحرب الإبادة في غزة.

وصف نتنياهو هذه الخطوة بأنها تعزز الاتصال والعلاقات الاستراتيجية مع دول المنطقة، وتسهم في ترسيخ الإستقرار الإقليمي، مشيراً  إلى أنها جاءت بعد ضمان المصالح  الأمنية والحيوية لإسرائيل. في المقابل، اعتبر رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، ضياء رشوان ، أن تصريحات نتنياهو يمكن فهمها كتسويق إعلامي لكسر حالة العزلة العالمية التي تحيط بإسرائيل نتيجة هجومها العنيف على غزة، ووصف رشوان الصفقة بأنها "تجارية بحتة" وتعزز مركز مصر كمركز إقليمي لتداول الغاز في المنطقة.

لا يمكن فصل هذه الاتفاقية التجارية عن السياق السياسي والأمني الإقليمي والدولي الذي أُبرمت فيه، فلا يمكن قراءة الجانب الاقتصادي منها دون النظر للعوامل السياسية والأمنية التي دفعت نحو إبرامها مثل توتر العلاقات السياسية والأمنية بين مصر وإسرائيل منذ ٧ أكتوبر، وكذلك تشابك المصالح المصرية-الإسرائيلية بشأن الغاز مع مصالح أوروبا التي تنتظر الغاز المسال، والتي ترى هذه الإتفاقية كخطوة نحو استقرار المنطقة وهي مسألة تضعها أوروبا في أولوياتها مخافة موجات الهجرة غير الشرعية. كما لا يمكن إغفال مصالح الشركات الأمريكية-الأوروبية المستثمرة في حقول الغاز والبنية التحتية اللوجستية والقائمة على تنفيذ الصفقة ودورها في الدفع نحو إبرامها.

هذا التشابك الاقتصادي- السياسي-الأمني، والسعي إلى استخدام العلاقات التجارية ليس فقط لتحقيق المنفعة الاقتصادية، وإنما أيضاً لخلق حوافز لاحتواء الصراع، يرتبط بفرضية تُعرف باسم التغيير من خلال التجارة (Change Through Trade أو Wandel durch Handel بالألمانية)، وهي فرضية يمكن إرجاعها لنظريات ليبرالية مثل نظرية السلام التجاري ونظرية الإعتماد المتبادل، وتفترض أن ربط الأطراف المتنازعة بمصالح اقتصادية مشتركة يدفعها نحو الحفاظ على هذه المصالح ويخلق حافز لخفض الصراع والحفاظ على السلام.

تبنت ألمانيا هذه النظرية بشكل استراتيجي في علاقتها الخارجية، فيمكن أن تعبر العلاقات الألمانية-الروسية قبل غزو أوكرانيا عنها بشكل ملحوظ، وتبنت السياسة الأمريكية نفس المنهجية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي معتقدة أن الطريقة المُثلي للتعامل معه هي إدارة الصراع بدلاً من حسمه، وفي هذا الإطار، يمكن للاتفاقيات الابراهيمية التي دمجت التعاون الاقتصادي في مجالات حيوية عدة كالطاقة والتكنولوجيا أن تعزز الجوانب السياسية والأمنية وتساهم في استقرارها. 

كما دللت أيضا تصريحات توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا ورجل الأعمال المقرب من الرئيس ترامب، على نفس المعنى حيث اعتبر الصراع في الشرق الأوسط أن لا نهايةً له وأن الحل ربما في ربط الأطراف المتنازعة بمصالح مشتركة، لكن ما هي حدود التغيير الذي يمكن أن تحققه المصالح الاقتصادية المشتركة، وهل يمكن لهذه المصالح أن تخفض إحتمالات الصراع أو تخلق سلامًا؟ أم أنها مقامره بالأمن والسياسة، والاقتصاد أيضاً؟

التجربة الألمانية -الروسية في مجال الغاز:

التغيير عبر التجارة في عهد ويلي براندت وأنجيلا ميركل:

بدأت ألمانيا الغربية في الاعتماد على استراتيجية التغيير من خلال التجارة في السبعينات، فاعتمد المستشار الألماني "ويلي براندت" هذه الاستراتيجية في التعامل مع الكتلة الشيوعية الشرقية المتمثلة في الاتحاد السوفيتي، ودول أوروبا الشرقية، وألمانيا الشرقية، كجزء من استراتيجية سياسية أوسع للتطبيع معها فيما عُرف بـ "السياسة الشرقية الجديدة Neue Ostpolitik".

في هذا السياق وضمن اعتماد سياسته الجديدة وقع "براندت" عدة معاهدات سياسية مع الكتلة الشرقية، كما وقع صفقة الأنابيب والغاز (Erdgas-Röhre-Geschäft) عام ١٩٧٠مع الاتحاد السوفيتي، والتي خلقت أول اعتماد متبادل بين الطرفين حيث نصت على تمويل وتصنيع ألمانيا الغربية للأنابيب الفولاذية اللازمة لنقل الغاز من الاتحاد السوفيتي إليها والتي يفتقد الاتحاد التكنولوجيا اللازمة لتصنيعها، مقابل توريد الاتحاد الغاز لألمانيا لسداد قيمة الصفقة.

هذه العقيدة التي اتبعتها ألمانيا منذ ويلي امتدت حتى المستشارة أنجيلا ميركل التي توسعت في الاعتماد على هذه الاستراتيجية خاصة مع روسيا واعتمدت بشكل متزايد على الغاز الروسي، فمنذ توليها منصب المستشارية، عملت ميركل على استكمال وتنفيذ خط نورد ستريم ١ لنقل الغاز من روسيا لألمانيا مباشرة عبر البلطيق متفاديًا الدول الواقعة بين البلدين والتي يمر الخط البري من خلالها مثل أوكرانيا، كما اتفقت حكومتها عام ٢٠١٥ على توسعة المشروع بتنفيذ خط نورد ستريم ٢، مما جعل من الغاز الروسي ركيزة أساسية للطاقة الألمانية.

تجدر الإشارة هنا أن الموافقة على مد خط إضافي للغاز بين البلدين، نورد ستريم ٢، جاءت بعد عام من احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، مما أثار حفيظة دول شرق أوروبا وسبب أزمة بين ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، غير أن ميركل دافعت عنها بشدة بوصفها "مشروعاً اقتصادياً بحتاً" (rein ökonomisches Projekt).

خط نورد ستريم والحرب الأوكرانية:

لم يُثبِت الغزو الروسي لأوكرانيا فشل السياسة الألمانية وعجز التجارة عن إقرار السلام أو حتى خفض مستوي الصراع فقط، بل حملها أثمان سياسية واقتصادية فادحة. هذا الغزو اعتُبرَ في برلين بمثابة زلزال، فلم يتخيل الساسة الألمان أن يَقدُم بوتين بشكل جدي على خطوة راديكالية بهذا الحجم ويُضحي بأكبر مستورد للغاز الروسي ويواجه عقوبات اقتصادية ضخمة.

 سياسياً، وجدت ألمانيا نفسها في موقف سياسي حرج أمام حلفاءها الذين طالما جادلوا بأنه لا يمكن اعتبار خطوط الغاز صفقة تجارية وإنما سلاح جيوسياسي روسي، واعترف الرئيس الألماني- وهو أحد المدافعين عن سياسة التقارب مع روسيا- بفشل رؤيته كلياً قائلاً: "لقد أخطأت في تقييمي، وتمسكي بنورد ستريم 2 كان خطأً واضحاً، ولم أكن أعتقد أن بوتين سيقبل بالخراب الكامل لاقتصاده وبلده في سبيل جنونه الإمبراطوري."

أُجبِرت ألمانيا وبشكل مفاجئ على تبني عقيدة مختلفة على مستوى الدفاع والطاقة، فألقى المستشار الألماني أولاف شولتس خطابًا تاريخيًا أمام البرلمان الألماني سُمي بـخطاب نقطة  التحول دعا فيه إلى "تغيير جذري" في السياسة الخارجية الألمانية وألتزم بتخصيص 100 مليار يورو لتحديث الجيش الألماني، كما التزم بدعم أوكرانيا وقطع اعتماد ألمانيا على الطاقة الروسية والبدء فوراً في بناء محطات للغاز المسال وتبني سياسة جديدة تقوم علي تنويع مصادر تلبية احتياجات الطاقة، وإعادة تشغيل محطات الفحم.

يمكن القول بأن سياسة التغيير عبر التجارة التي تبنتها ألمانيا نحو روسيا لم تفشل فقط في منع الصراع لكنها خلقت أيضًا اعتمادية ألمانية على روسيا في قطاع حيوي يمس الاقتصاد والأمن القومي مثل الطاقة، وهو ما جعل التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لفك هكذا ارتباط باهظة عمليًا ولا يمكن تحملها دفعة واحدة حتى وإن تغير القرار السياسي، لذلك، ورغم أن إعلان شولتس عن التغييرات الاستراتيجية في العقيدة الألمانية قد جاء مبكراً جداً، بعد ثلاثة أيام فقط من غزو اوكرانيا، إلا أنه أعلن أيضًا مع وزير الاقتصاد روبرت هابيك أن فك الارتباط لا يمكن أن يحدث إلا تدريجياً وربما يتطلب ما يقرب من عامين، وأن القطع الفوري لإمدادات الغاز كان سيعني إغلاق للمصانع الألمانية و إحداث أزمة كبري للمنازل بشتاء عام ٢٠٢٢، لكن رفاهية وضع خطة زمنية لفك الارتباط لم تكن أيضًا ممكنة  إذ أن روسيا لم تنتظر لاستخدام هكذا ورقة ضغط واتجهت في صيف ٢٠٢٢ إلي تقليل ضخ الغاز عبر خط نورد ستريم ١ ثم قطعه تماماً بحجة وجود أعطال تقنية، ثم تفجير خطي نورد ستريم بفعل"مجموعة تخريبية أوكرانية مدعومة من قيادات عسكرية في كييف" حسب تقارير صحفية ذكرت مؤشرات التحقيقات الجنائية الألمانية.

هذه التغييرات المفاجأة والراديكالية كان لها أثر سياسي داخل الائتلاف المُشكِل للحكومة إذ إن إعادة تشغيل محطات الفحم لسد عجز الطاقة عُدّ بمثابة تراجع عن التزام حكومة شولتس بالسياسات المناخية المُتفق عليها مع شركائه من حزب الخضر، كما كان لها أثر اقتصادي فادح اعتُبِرَ واحداً من أكبر الصدمات الاقتصادية التي واجهتها ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية، فواجهت موجة تضخم عنيفة  ودفعت "فاتورة إنقاذ" بلغت ٢٠٠ مليار يورو لتثبيت أسعار طاقة المنازل والمصانع  والحفاظ علي شبكات الطاقة، وحتى مع بناء محطات استقبال الغاز المسال، فإن التكلفة الباهظة مقارنة بأسعار الغاز الروسي لم تكن بالحسبان، ما ساهم، إلى جانب عوامل اقتصادية آخرى، في دخول ألمانيا في ركود اقتصادي عام ٢٠٢٣ بعد أن كانت قاطرة الاقتصاد الأوروبي.

الغاز الإسرائيلي وصراع الإقليم وتشابك المصالح:

 تم توقيع مذكرة التفاهم عام ٢٠٢٢ بين مصر وإسرائيل والاتحاد الاوروبي والتي تقضي بزيادة إمدادات الغاز الإسرائيلي لمصر لإسالة الفائض وتصديره الي أوروبا، لكن هذا الوضع تغير جذرياً عقب ٧ أكتوبر، فإقليميًا، اشتعلت الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في غزة وحزب الله والأطراف الإقليمية الداعمة لهم، ووصلت العلاقات المصرية-الإسرائيلية لمستوي غير مسبوق من الجمود السياسي والدبلوماسي وصل حد تعليق تصديق مصر على أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي وهو ما أدى إلى بقاء المنصب شاغراً الي ما يقرب من عام، وتحميل الطرفين بعضهما البعض مسئولية تعطيل دخول إمدادات الإغاثة لغزة، وإعلان مصر الإنضمام لدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية.

على المستوى الأمني، احتلت إسرائيل محور فيلادلفيا على الحدود المصرية -الغزية وهو ما اعتُبِرَ خرقاً للملحق الأمني لمعاهدة السلام التي تمنع وجود قوات عسكرية ثقيلة في المنطقة المتاخمة للحدود من الجانبين إلا بتنسيق مسبق، وفي المقابل تحدثت تقارير عن ضخ مصر لفرق عسكرية في المنطقة "ج" في سيناء وهي المتاخمة للحدود أيضاً وبناء بٌنى تحتية عسكرية وهو ما اعتبرته إسرائيل تهديداً لأمنها القومي وخرق للملحق الأمني كذلك.

 كما أن الوضع المحلي في مصر وإسرائيل تغير أيضاً، ففيما يخص الطاقة لم تعد مصر مكتفية بإنتاجها المحلي ولديها فائض تسعي لتصديره كما كان الوضع عليه عام ٢٠٢٢ ، بل أصبحت تعاني عجزاً في توفير احتياجاتها المحلية نتيجة تراجع إنتاج حقل ظهر ونتيجة موجات ارتفاع درجات الحرارة الناجمة عن التغيرات المناخية، كما أن المزاج الشعبي المصري والعربي تغير بعد حرب إسرائيل على غزة، وتعالت الدعوات إلى قطع العلاقات مع إسرائيل وحصارها اقتصادياً.

أما في إسرائيل، أصبح هناك ميل لإستغلال ورقة الغاز في الضغط بالملفات السياسية والأمنية، إذ أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي أنه أرجأ الموافقة على الصفقة حتى الإتفاق على سعر، إلا أن هذا الإرجاء الطويل فُسِر على أنه ضغطاً سياسياً، إضافةً إلى تهديد بنيامين نتنياهو فيما بعد بوقف الصفقة نتيجة مااعتبره انتهاكاً مصرياً للحدود وخرقاً لمعاهدة السلام، وازداد التوبر بين البلدين بعد مطالبة أصوات إسرائيلية عِدة، منها مسئوليين بوزارة المالية الإسرائيلية، بزيادة احتياطات الغاز وخفض نسب التصدير باعتباره واحداً من محددات الأمن القومي الإسرائيلي.

من هنا لم تعد صفقة زيادة إمدادات الغاز الإسرائيلي مجرد اتفاق تجاري تستفيد منه مصر  بوصفها مركزاً  إقليمياً لإسالة وتصدير غاز شرق المتوسط، وتستفيد إسرائيل من خلاله من السوق المصرية ومحطات الإسالة، وتستفيد منه أوروبا في تأمين وتنوع مصادر الغاز وتستفيد منه الشركات العالمية المستثمرة في حقول الغاز وفي البنية التحتية، بل أصبح اتفاق اضطراري لنزع فتيل صراع الإقليم من التمدد وإنقاذ المصالح الاقتصادية القائمة من الإنهيار.  

الموائمة والإرجاء للمستقبل:

 رغم كل هذا التوتر السياسي والدبلوماسي بين مصر وإسرائيل، وتغيُر المعادلة الأمنية على الحدود، استمرت قنوات التنسيق الأمني والاستخباراتي في العمل، خاصةً في المفاوضات الخاصة بغزة وبضبط الموقف على الحدود حتى لا ينزلق الطرفان إلى مواجهة وهو ما يمكن فهمه في ضوء ما يُعرف في العلاقات الدولية باستراتيجية "فصل المسارات Compartmentalization."1

في هذا السياق، يمكن قراءة المصادقة على صفقة الغاز باعتبارها مؤشراً على رغبة الطرفين في الحفاظ على مساحة للتعاون الاقتصادي، رغم الخلافات السياسية والأمنية. فالنسبة لإسرائيل، تساهم الصفقة في خفض الصراع في الإقليم وتعزز مكانتها الاستراتيجية، وبالنسبة لمصر، فهي صفقة تجارية مربحة لا تؤثر على سياساتها.

لكن في الواقع يمكن استنباط أن هذه الإتفاقية أتت بمواءمة من الطرفين لوضع حد لكل هذا التوتر والمُضي نحو المنفعة والاعتماد المتبادل،  فإسرائيل تخلت عن استغلال ورقة الغاز في الضغط على مصر لعودة الوضع الأمني في سيناء لما كان عليه قبل احتلال محور فيلادلفيا، وعن الضغط لقبول مصر سيناريو تهجير الفلسطينيين من غزة، وقبلت بالصفقة لإبقاء قنوات الإتصال والتنسيق، ولتفادي التصعيد الأمني والتربص والمناوشات على الحدود، وللهرب من سيناريو العزلة السياسية والدبلوماسية إذا واصلت مصر الضغط وصعَّدت الجمود السياسي والدبلوماسي، وفي المقابل تنازلت مصر عن استغلال ورقة الغاز أيضاً في الضغط على إسرائيل لإرساء وضع مختلف في غزة، وأبقت على سياسة فصل المسارات.

 كما جاءت هذه المواءمة بدعم غير مباشر من أطراف أخرى كالاتحاد الأوروبي المهتم بأمن الطاقة واستقرار جنوب المتوسط والذي يعتبِر إستقرار مصر السياسي والاقتصادي نقطة محورية في إدارة ملفات الطاقة والهجرة في الشرق الأوسط وحماية حدود أوروبا الجنوبية من موجات الهجرة غير الشرعية.

من هذا المنطلق،  يكتسب اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي أهمية خاصة، فمصر تحتاج إلى واردات إضافية من الغاز لتغضية الطلب المحلي، والذي يمثل ١٥٪  إلى ٢٠٪ من احتياجاتها اليومية وهي نسبة لا يمكن استبدالها بسهولة أو تفاديها، ورغم قدرة مصر على اسيتراد الغاز الطبيعي المسال، فإن الغاز الإسرائيلي يتمتع بميزه اقتصادية ولوجستية، فهو يصل عبر خطوط أنابيب قائمة،ويمكن إدخاله إلى منظومة الإسالة المصرية، بينما تظل تكلفة البدائل لا يمكن تحملها اقتصادياً ولا تقارن بالسعر الاقتصادي للغاز الإسرائيلي. 

وبناءً على ذلك، انصب اهتمام الاتحاد الاوروبي على تأمين الإمدادات الحالية والرهان على المستقبل في مسألة إسالة وتصدير فائض الغاز اعتماداً على أرقام الإحتياطات المؤكد وجودها في المنطقة والمُنتظر اكتشافها في مصر إثر أعمال التنقيب والحصول عليها من توسعات الحقول الإسرائيلية التي يجري العمل عليها.

وتدخل مصالح الشركات العالمية، وفي مقدمتها شيفرون الأمريكية، في هذه المعادلة أيضًا. فشيفرون هي المشغل الرئيسي لحقل ليفياثان الإسرائيلي، ولها مصالح في عمليات التنقيب وإنتاج الغاز في المنطقة، ما يجعل استمرار تدفقات الغاز وتوسيع البنية التحتية المرتبطة بها ذا أهمية مباشرة للشركة، ولذلك يمكن فهم تحركاتها لدعم توسعة البنية التحتية ومشروعات نقل الغاز في إطار حماية هذه المصالح التجارية، مع ضرورة التمييز بين دور الشركة التجاري وبين أي ضغط سياسي أمريكي مرتبط بالصفقة.

وتداخلت هذه المصالح التجارية مع اهتمام الإدارة الأمريكية باستمرار تدفقات الغاز وتوسيع إنتاج حقل ليفياثان، وهو ما ظهر في الضغط الأمريكي من أجل المضي في الصفقة رغم تأخر إقرارها، ويكشف ذلك عن اتساع شبكة المصالح المحيطة بالاتفاق، بحيث لم تعد الصفقة شأنًا ثنائيًا بين مصر وإسرائيل، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بمصالح الشركات الأمريكية وبأولويات الطاقة الأمريكية والأوروبية.

كما سعت شيفرون لطمأنه القاهرة بشأن استدامة تدفقات الغاز وصعوبة استغلالها سياسياً، مستندةً إلى الطابع التجاري للصفقة وأن أي إيقاف تعسفي وغير مبرر فنياً سيترتب عليه آثاراً قانونية، بجانب ما قد يترتب عليه من توتر بين تل أبيب والإدارة الأمريكية التي دفعت نحو إتمام هذا الاتفاق، إذ يُعد مثل هذا الإجراء مساساً بالمصالح الحيوية لشركة أمريكية ويُضعِف نفوذها بسوق الطاقة ويفتح الباب لتعاظُم نفوذ قوى وشركات عالمية أخرى.

وربما كان تصديق شيفرون على التوسع في البنية التحتية في خطوط الغاز الإسرائيلية، بالمشاركة في مد خطوط أنابيب برية جديدة عبر معبر العوجا والمتوقع اكتماله بحلول 2028، والمصادقة على الإستثمار في توسعة خط ليفياثان، عاملاً أساسياً يضاً لطمأنة إسرائيل وتشجيعها على التصديق على الصفقة إذ يساعد في تهدئة المعارضة الإسرائيلية الداخلية التي جادلت بأن التصدير لمصر سيفرغ الحقول الإسرائيلية ويضر بالأجيال القادمة.

هذا الدور لـشيفرون ولرئيسها التنفيذي مايك ويرث، وهذه الهندسة للصفقة والطمأنه للجانبين بالأوراق الحيوية التي يملكها كل منهم بجانب المنفعة الاقتصادية، ربما يذكرنا كثيراً بالمشهد الروسي -الألماني وترابط المصالح في لحظةٍ ما ودور رجال الأعمال وممثلي شركات الطاقة ليس فقط في تسيير هكذا صفقات وإنما في التفاوض على ملفات الأمن والسياسة المرتبطة بها. 

هذا الدور الذي يتعدى أحياناً التفاوض المرتبط بصفقات الطاقة ليمتد إلى فتح قنوات اتصال في اللحظات الحرجة، يتشابه كثيراً مع الدور الذي لعبه رجل الأعمال الروسي رومان أبراموفيتش Roman Abramovich في فتح قنوات اتصال بين روسيا وأوكرانيا في الأيام الأولى للحرب بناءً على رغبة أوكرانيا، ومشاركته في المرحل الأولية من المفاوضات كما أكد الكرملين لاحقاً.

الخاتمة:

يتضح من تجربة التبادل والإرتباط الألماني-الروسي في قطاع حيوي كالطاقة، أن استراتيجية التغيير عبر التجارة قد نجحت في تعزيز تطبيع العلاقات بين البلدين لعقود وخلقت مناخ لا يمكن وصفه بالتحالف لكنه ليس أيضاً عدائياً، كما كان لها أثر اقتصادي إيجابي ملحوظ، لكنها في المقابل لم تحقق سلاماً مستدام ولم تغير عقيدة الأطراف المرتبطة بهذه المصالح تجاه سياساتهم الدولية ورؤيتهم للصراع، كما لا يمكن إغفال أن تغاضي ألمانيا عن نقاط الخلاف الأوروبي- الروسي حول القرم وإرجاءها للصدام نظير المُضي في التبادل التجاري، قد كلفها في المستقبل تكلفة باهظة سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

وبنفس الكيفية، يمكن فهم جدوى صفقة الغاز المصرية-الإسرائيلية اقتصادياً للبلدين، كما يمكن توقع مساهمتها في خفض الصراع المتصاعد بين البلدين مؤقتًا، لكن في الوقت نفسه لا يمكن التعويل عليها كمشروع مُستدام للتعاون الاقتصادي بين البلدين في ظل الصراع القائم بالمنطقة مثلما لا يمكن الاعتماد على هذا التعاون كإستراتيجية لتحقيق سلام مُستدام إذا ما بقيت مُسببات الصراع وبقي العجز عن إيجاد حل لإنهائه.

في نفس السياق، يمكن الإشارة إلى أن التشابك المُعقد لشبكة المصالح المرتبطة بصفقة الغاز المصري الإسرائيلي كان سبباً في الدفع لإتمام الاتفاق ونجح في نزع فتيل تصاعد الصراع في المنطقة، لكنه في المقابل دفع بالمزيد من رؤوس الأموال والبنية التحتية الحيوية، وقدم مزيد من التغاضي عن نقاط مفصلية في نسيج الصراع القائم وأرجئها للمستقبل، وهو ما يُعد مقامرة تشبه كثيراً الرهان الألماني بمد خط نورد ستريم ٢ رغم غزو القِرم، والذي جرى تفجيره لاحقاً.  

كما يجدر الانتباه إلى أن شبكة المصالح في الحالة المصرية-الإسرائيلية أعقد كثيراً منها في النموذج الألماني- الروسي في ظل تواجد الشركات الأمريكية والأوروبية المستثمرة في البنية التحتية وحقول الغاز، وأن هذه الشبكة الواسعة من المصالح المشتركة تنذر بتكلفة أكبر لفك الإرتباط في المستقبل.  

لذلك فيمكن القول بأن الدفع نحو مزيد من التبادل والاعتماد التجاري بين مصر واسرائيل، وضخ مزيد من رؤوس الأموال، كان يجب ان يأتي بالتوازي مع خطة سياسية شاملة لإنهاء الصراع في المنطقة، أو يكون لاحقاً لا سابقاً عليها، وأن المُضي في توطيد الإرتباط الاقتصادي في ظل تعثُر المسارات السياسية والقانونية لإنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يُنذِر بعواقب أكثر كارثية في المستقبل وبتكلفة أعلى لفك ارتباط هذه الأطراف جميعًا، ليس فقط مصر وإسرائيل.

يأخذنا هذا كله إلى فرضية التغيير عبر التجارة مرة أخرى، فالمنظرون لهذه الاستراتيجية لم يطرحوها كحل سحري بمفردها للتوصل للتغيير والسلام مثلما فرغتها التجربة الألمانية من مضمونها وتُعيد التجربة المصرية استهلاكها بنفس الكيفية، إنما قدموها كمُحفِز ودافع يتكامل مع الديمقراطية والقانون الدولي واحترام الدساتير والعدالة الشاملة، وكما طرح الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Immanuel Kant في كتابه Zum ewigen Frieden (Perpetual Peace)، ولحقه منظرين كُثر، فإن التجارة وحدها في غياب منظومة سياسية وقانونية عادلة، لا يمكن أن تصنع سلاماً، بل قد تتحول هي نفسها إلى أداة للحروب والاستعمار.

 يمكننا أيضاً تذكر أن الإتفاقيات الإبراهيمية التي أتت برعاية أمريكية وبُنيت في جانب أساسي منها على ربط أطرافها بمصالح اقتصادية مشتركة والقفز على بعض مناحي الصراع السياسي القائم، قد تجمدت تماماً عقب السابع من اكتوبر.

عن المؤلف

نورهان حفظي

باحثة وصحفية

نورهان حفظي: باحثة وصحفية، حاصلة على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة فورتفاغن الألمانية ولديها خبرة طويلة في العمل على القضايا السياسية والاجتماعية في مؤسسات بحثية وصحافية وتليفزيونية عديدة في مصر وألمانيا.

نورهان حفظي
باحثة وصحفية
نورهان حفظي
السياسة الخارجية للولايات المتحدةتجارةطاقةالاتحاد الأوروبيالشرق الأوسطإسرائيلمصرأوروباألمانياروسيا

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال صدى

  • تعليق
    صدى
    تدويل اليوان: كيف تعمل الصين على الترويج لعملتها في أسواق الخليج

    هل يتجه الخليج إلى ما بعد هيمنة الدولار؟ يتناول هذا المقال توسّع الصين لاستخدام اليوان في أسواق الخليج، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل النظام المالي الإقليمي، ولماذا تبدو مسألة فك الارتباط بالدولار أكثر تعقيدًا مما توحي به العناوين.

      أندرو بوني

  • تعليق
    صدى
    باتريمونيالية جديدة تقوّض المرحلة الانتقالية في سوريا

    وعدت المرحلة الانتقالية في سوريا ببداية جديدة، لكن هل تعود أساليب الحكم القديمة بثوب جديد؟ يناقش هذا المقال مؤشرات ذلك وما يلزم لبناء دولة أكثر شفافية ومساءلة.

      سيما بيتنجانة

  • تعليق
    صدى
    سوريا على حافة العطش: تغير المناخ يفاقم الجفاف ويهدد الأمن الغذائي

    لم يعد الجفاف في سوريا أزمة موسمية عابرة. هذا التقرير يوضح كيف يفاقم تغيّر المناخ ندرة المياه ويهدد الزراعة والأمن الغذائي، وما الحلول المطروحة لتفادي الأسوأ.

      ميليا اسبر

  • تعليق
    صدى
    حوار حول سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مع السيناتور كريس ميرفي

    تستضيف مؤسسة كارنيغي السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي في حوارٍ لمناقشة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، محذرًا من أن الحرب على إيران خطأ استراتيجي سيدفع المنطقة والعالم نحو مزيدٍ من التصعيد.

      أنجي عمر

  • تعليق
    صدى
    الاحتجاج الرقمي في المغرب: قراءة سوسيولوجية في حراك جيل زيد

    من أبطال الأنمي إلى مجتمعات الألعاب الإلكترونية، يبني جيل زيد في المغرب ثقافة احتجاج جديدة، فماذا تكشف هذه المخيلة الرقمية عن السياسة لدى الشباب؟ وكيف ينبغي للمؤسسات أن تتعامل معها؟

      عبد الإله فرح

احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
Carnegie global logo, stacked
1779 Massachusetts Avenue NWWashington, DC, 20036-2103الهاتف: 202 483 7600
  • Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
  • Donate
  • Programs
  • Events
  • Blogs
  • Podcasts
  • Contact
  • Annual Reports
  • Careers
  • Privacy
  • For Media
  • Government Resources
احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
© 2026 Carnegie Endowment for International Peace. All rights reserved.