المصدر: Getty
مقال

ما مآلات التطوّرات الأخيرة في اليمن؟

يناقش إبراهيم جلال، في مقابلة معه، سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي مؤخرًا على حضرموت والمهرة.

نشرت في ٥ يناير ٢٠٢٦

كان إبراهيم جلال سابقًا باحثًا غير مقيم في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، حيث ركّزت اهتماماته البحثية على الشؤون اليمنية وهيكل الأمن الإقليمي المتغيّر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. عمل أيضًا مع منظمة الأمم المتحدة، ومعهد الشرق الأوسط، والمركز اليمني للسياسات، ومعهد التنمية الخارجية، ومعهد دراسات التنمية في جامعة ساسكس. أجرت "ديوان" مقابلة مع جلال في منتصف كانون الأول/ديسمبر لشرح التطوّرات الأخيرة في محافظتَي حضرموت والمهرة بعد بسط المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته عليهما. وكان جلال قد كتب مقالًا في كانون الأول/ديسمبر 2024، يُعدّ مفيدًا للغاية من أجل فهم الوضع الراهن في اليمن.

مايكل يونغ: ما تأثيرات سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي مؤخرًا على الجزء الأكبر من جنوب اليمن؟ وكيف يمثّل هذا التطوّر فصلاً جديدًا من فصول الصراع اليمني؟

إبراهيم جلال: تحمل سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي مؤخرًا على محافظتَي حضرموت والمهرة تداعيات مهمّة، وإن كانت هذه العملية تمّت في الغالب من دون وقوع مواجهات وبتنسيق إقليمي. فهي تكشف عن تباينات عميقة في العلاقات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وتتجاوز الخطوط الحمراء للدول المجاورة لليمن، وتهدّد بتفكيك مجلس القيادة الرئاسي اليمني، وتزيد احتمال اندلاع مواجهةٍ عسكريةٍ مباشرة بين قوات درع الوطن المدعومة من السعودية والمجموعات شبه العسكرية المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي. يهدّد هذا الوضع الجديد بزعزعة استقرار المحافظتَين بشكلٍ أكبر، وبتقويض التماسك الاجتماعي والاستقرار النسبي والهدوء السائد في حضرموت منذ طرد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في العام 2016. ويحدّ هذا التطوّر أيضًا من نفوذ حزب الإصلاح، ويحاصر مأرب، ويصرف الأنظار بعيدًا عن حركة أنصار الله (المعروفة بالحوثيين)، ويفاقم حالة الانقسام في جنوب اليمن.

على الصعيد الإقليمي، يسهم هذا التطوّر في توسيع نطاق النفوذ الإماراتي، ويفاقم التهديدات المتصوَّرة للأمن القومي في كلٍّ من السعودية وسلطنة عُمان، كما يعكسُ ذلك نشر قوات عسكرية إضافية بالقرب من منافذ صرفيت وشحن والوديعة الحدودية. ويمكن فهم هذه التحرّكات على أنها ردٌّ إماراتي على الضغوط السعودية المتنامية في ملف السودان، والتي بدت واضحةً خلال لقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في تشرين الثاني/نوفمبر. كذلك، يفضي هذا التطوّر إلى بروز سرديّات حرب جديدة، واستخدام ورقة مكافحة الإرهاب كأداة سياسية، ويُفسح المجال أمام الحوثيين والتنظيمات المتطرّفة لاستغلال الفراغ المُحتمل، ويزيد من تعقيد الجهود المبذولة لإحلال السلام.

عمومًا، تشير خريطة السيطرة والنفوذ التي تُميّز هذه المرحلة الجديدة، التي لم يتم ترسيخها بعد، إلى تحوّل نوعي في مسار الصراع، من دون أن يمثّل نهايةً حاسمة له. ويُعدّ التقدّم الذي أحرزه المجلس الانتقالي الجنوبي في التوسّع شرقًا محاولةً لإعادة ترتيب الأوضاع الميدانية والسياسية، وتقويض سلطة الحكومة اليمنية المُعترف بها دوليًا، حيث تحوّلت مناطق لطالما اعتُبرت مناطق عازلة وتميّزت بالتدفقات التجارية العابرة للحدود وموارد الطاقة، وتمتّعت بسلامٍ نسبي، إلى ساحات مواجهة أساسية.

يونغ: هل نحن أمام المرحلة النهائية من التطوّرات التي يشهدها الجنوب منذ سنوات؟ بعبارة أخرى، هل يتّجه الوضع نحو انفصال جنوب اليمن عن شماله وعودة تقسيمه إلى دولتَين، أم ثمة قوى في الجنوب نافذة بما يكفي للحؤول دون بلوغ هذه النتيجة؟

جلال: هذه ليست المرحلة النهائية من التطوّرات في جنوب اليمن، ولا تمثّل أمرًا واقعًا محسومًا لكلٍّ من الرياض ومسقط ورئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي. قد تواجه هذه الأحداث الأخيرة قريبًا ضغوطًا منسّقة وربما تحجيمًا لتمدّد قوات المجلس الانتقالي. ونظرًا إلى حسابات الأمن القومي للدولتَين اللتَين تحدّان اليمن، فالاعتقاد بأن هذه التطوّرات تمثّل نهايةً محسومة هو وهم. بل هي في الواقع تزيد التكاليف السياسية والاجتماعية والدبلوماسية والعسكرية على كلٍّ من المجلس الانتقالي الجنوبي والإمارات وحضرموت. فتحقيق انفصالٍ مُعترف به دوليًا [لجنوب اليمن] أمرٌ معقّد (كما تُظهر تجربتا كلٍّ من صوماليلاند وكردستان العراق)، لكن في الوقت نفسه قد يؤدّي انسحاب القوات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي من حضرموت والمهرة إلى إضعافه داخل معاقله. ومع أن توسيع المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات نفوذه في شرق اليمن عملية ضخمة، فإن هذه المكاسب قابلة للتحجيم على الصعيد الاستراتيجي، ولا تزال الكثير من الأمور غير محسومة، ولا سيما إذا قرّرت الرياض توظيف ثقلها الجيوسياسي.

لا تحظى مطالب انفصال جنوب اليمن عن الشمال، التي تصاعدت وتيرتها منذ العام 2007، بدعم شامل في الجنوب. فعلى سبيل المثال، تُطالب حضرموت والمهرة منذ فترة طويلة بالحكم الذاتي أو إرساء نظامٍ فدرالي اتحادي ضمن الدولة اليمنية، لا بالانفصال. وتُفضّل الدولتان المتاخمتان لليمن، نظرًا إلى تجاربهما التاريخية المتباينة مع شمال اليمن وجنوبه، نظامًا وديًّا ومتعاونًا في اليمن، وليس طرفًا غير منضبط ومدعومًا من قوة إقليمية غير متاخمة لليمن جغرافيًا. وهما تسعيان أيضًا للتوصّل إلى ترتيبات أمنية حدودية غير خاضعة لتقلّبات مفاجئة. وبالتالي، دفعت الصراعات في البحر الأحمر وخليج عدن، كما في السودان والصومال، إضافةً إلى غياب نموذجٍ ناجحٍ لتوفير الخدمات في المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، المجتمعَ الدولي إلى التساؤل عمّا إذا كان الانفصال سيؤدّي إلى نشوء دولة أكثر استقرارًا أم دولة فاشلة؟ وكيف يمكن أن يسهم الانفصال في الاستقرار الاستراتيجي، بما في ذلك تحقيق الأمن البحري واحتواء التهديدات العابرة للحدود التي يطرحها الحوثيون؟ إن تعدّد الجهات الفاعلة وتشرذم خريطة السيطرة الميدانية في اليمن بشكلٍ أكبر من مجرّد انقسام بين الشمال والجنوب، إلى أن النتيجة النهائية قد تتمثّل في نشوء أكثر من كيانَين، إلّا إذا سُلِّمت الجيوب المتبقية في شمال غرب البلاد إلى الحوثيين. في الوقت الراهن، يواجه المجلس الانتقالي الجنوبي ثلاثة تحديات رئيسة، تتمثّل في مدى قدرته على تطوير نموذج حكم قابل للتطبيق، وتفعيل الإدارة الذاتية، وقبل ذلك الصمود في وجه الضغوط الإقليمية (للحفاظ على مكاسبه).

يونغ: هل المجلس الانتقالي الجنوبي قادرٌ على التقدّم نحو صنعاء، حيث يتمركز الحوثيون، وإلحاق الهزيمة بهم؟ لقد عبّر رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزُبيدي عن أن هذه هي النية، لكن من غير الواضح في تلك الحالة ما إذا كان المجلس يسعى إلى الانفصال، أم إلى السيطرة على كامل الأراضي اليمنية. ما قراءتك لذلك؟

جلال: كلا، إن المجلس الانتقالي الجنوبي غير قادرٍ على التقدّم نحو صنعاء وإلحاق الهزيمة بالحوثيين، نظرًا إلى المتطلّبات اللوجستية والعسكرية والبشرية والقيادية الضرورية لتنفيذ ذلك. لكنه قد يشكّل جزءًا من تحالفٍ أوسع لتحقيق هذه النتيجة. لذلك، يمكن اعتبار تصريح الزُبيدي مؤشرًا استراتيجيًا على محاولة تقديم نفسه كمتحدّث باسم مجلس القيادة الرئاسي، على الرغم من التباينات داخله. وربما كان يهدف أيضًا إلى تشويه صورة الرئيس العليمي، وطمأنة السعودية والمجتمع الدولي حيال التزام الزُبيدي بمواجهة تهديدات الحوثيين العابرة للحدود، على أمل إضفاء الشرعية على المكاسب الميدانية التي حقّقها المجلس الانتقالي الجنوبي. يسعى المجلس الانتقالي إذًا إلى توطيد أركان نفوذه في الجنوب، لا إلى السيطرة على اليمن بأكمله.

يونغ: كيف ترى مستقبل العلاقات السعودية الإماراتية، ولا سيما أن الرياض دعمت مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، على الرغم من أن المجلس الانتقالي الجنوبي – للمفارقة – كان ممثّلًا فيه، وفضّلت التوصّل إلى حلّ تفاوضي للصراع اليمني؟ فالسعودية والإمارات لا مصلحة لهما في الانخراط في مواجهة مباشرة مع بعضهما البعض، لكنهما في الوقت نفسه غير مستعدّتَين لتقديم تنازلات في ما يتعلّق بأولوياتهما الاستراتيجية.

جلال: بلغت التباينات السعودية الإماراتية الأخيرة في اليمن مستوى غير مسبوق، لتدخل مرحلةً شديدة الحساسية. فقد خرجت هذه الخلافات من دائرة التنافس المضبوط بقواعد واضحة، ووصلت إلى حدّ حشد القوات قرب الحدود السعودية، ما يشير إلى مساعٍ لإعادة ضبط قواعد الاشتباك بين الطرفَين. ويتجاوز ذلك بشكلٍ كبير التنافس الدائر في خليج عدن وحوض البحر الأحمر، ولا سيما في السودان والصومال وإريتريا. وعلى الرغم من أنّ البلدَين كانا يعتمدان على قنوات تنسيق مباشرة لإدارة خلافاتهما، يبدو أن هذه الآليات قد تعثّرت اليوم، في ضوء نقل الإمارات ديناميات المواجهة من السودان إلى مناطق قريبة من الحدود السعودية. ونتيجةً لما يطرحه ذلك من تهديد على المصالح الأمنية الوطنية لكلٍّ من السعودية وعُمان، تفاقمت حالة انعدام الثقة بين دول الخليج. ونظرًا إلى أنّ السعودية والإمارات لا ترغبان في خوض مواجهة مباشرة، لا بدّ من فتح قنواتٍ للحوار الصريح وعلى أعلى المستويات، وإلى إجراء مقايضات إقليمية، من خلال إبرام تفاهمات بشأن مناطق النفوذ أو بذل جهودٍ لتعزيز التعاون المنسّق في السودان واليمن. أما البديل، فهو استمرار تقويض الخطوط الحمراء لكل طرف، والتصعيد التدريجي، وارتفاع احتمالات سوء التقدير.

يونغ: كيف ستتعامل إيران مع التطوّرات الأخيرة، في ظلّ بسط المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته على الجنوب؟

جلال: تنظر إيران إلى التطوّرات الأخيرة باعتبارها فرصةً لتقويض تماسك المعسكر المناهض للحوثيين، والتحالف بقيادة السعودية، والغرب عمومًا. ففي 14 كانون الأول/ديسمبر، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن الوضع في اليمن تَسبّب بزعزعة الأمن الإقليمي، متّهمًا القوى الغربية بمحاولة "تفتيت دول الشرق الأوسط" بما يتماشى مع "السياسات الإسرائيلية". في المحصّلة، تستفيد إيران والحوثيون من التحرّكات الميدانية الأخيرة.

لا تتّخذ مؤسسة كارنيغي مواقف مؤسّسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الدراسة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المؤسسة، أو فريق عملها، أو مجلس الأمناء فيها.