المصدر: Getty
مقال

تصدير الوقود الأحفوري عن طريق الحوسبة السحابية

إن استخدام الذكاء الاصطناعي سيُكسِب دول مجلس التعاون الخليجي نفوذًا كبيرًا في البنية التحتية الرقمية العالمية ومحادثات المناخ.

نشرت في ٩ يناير ٢٠٢٦

أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي، على مدى عقود، عن خططٍ لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن استخراج الوقود الأحفوري، فيما يجري تقديم الذكاء الاصطناعي اليوم أكثر فأكثر بوصفه المحرّك الأحدث لهذا التحوّل. وقد أعدّت هذه الدول وثائق تخطيط اقتصادي كبرى، وشرعت في تنفيذ مشاريع عملاقة في الصحراء، وروّجت قطاعات جديدة، كدليلٍ على تطلّعها نحو مستقبل ما بعد النفط. ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد السياسي لدول الخليج يعتمد هيكليًا على طاقة الوقود الأحفوري الرخيصة، ويستمرّ هذا الاعتماد في تشكيل استراتيجيات التنمية المحلية، ودبلوماسية المناخ الدولية لدول مجلس التعاون.

لقد وسّعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة انخراطهما في قطاع المواد البتروكيميائية، منتقلتَين إلى مراحل لاحقة من سلسلة القيمة الهيدروكربونية بدلًا من الخروج منها. واستثمرت البحرين، ولاحقًا دبي، في الخدمات المالية، التي تزدهر بفضل تدفّقات رأس المال الإقليمية المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بثروة الوقود الأحفوري. وانتشر التطوير العقاري في مختلف أرجاء شبه الجزيرة العربية، مستوعبًا فائض رأس المال، وفي الوقت نفسه حاصرًا مدن الخليج في أنماطٍ حضريةٍ تعتمد بشدّة على الطاقة الرخيصة لأغراض التبريد، وتحلية المياه، والنقل، والصيانة. كذلك، شهدت السياحة نموًّا سريعًا، إلا أنها تُعَدّ من بين أكثر القطاعات استهلاكًا للمياه والطاقة في البيئات القاحلة. أخيرًا، برزت الخدمات اللوجستية بوصفها ركيزة محتملة، إلا أنها تبقى عرضةً لتغيّر مسارات التجارة العالمية وإعادة توجيهها نحو منطقة المحيطَين الهندي والهادئ.

ويُعَدّ إنتاج الألومنيوم في دول مجلس التعاون الخليجي، والذي قُدّم على أنه قصة نجاح، واحدًا من أوضح محاولات التنويع الصناعي التي تعكس هذه الديناميّات. يعتمد هذا الإنتاج على ميزةٍ مُقارَنةٍ واحدة، ألا وهي الكهرباء الوفيرة متدنية الكلفة والمُولَّدة بالوقود الأحفوري. فإنتاج الألومنيوم عمليةٌ ذات استهلاكٍ كثيف للكهرباء، إذ إن تحويل خام البوكسيت إلى معدنٍ عبر التحليل الكهربائي يتطلّب كمياتٍ كبيرةً جدًّا من الطاقة الكهربائية المتواصلة. وتوجد في دول مجلس التعاون الخليجي خمسة مصاهر، أنتجت مجتمعةً نحو 6.3 ملايين طن من الألومنيوم الأوّلي في العام 2024، أي حوالى 9 في المئة من الإنتاج العالمي، ما يُبرِز دور الألومنيوم كركيزةٍ لصادرات دول المجلس غير النفطية. ولا يعكس التركيز على هذا الإنتاج في دول مجلس التعاون الخليجي ابتكارًا تكنولوجيًا ملحوظًا أو ارتفاعًا في إنتاجية اليد العاملة، بل يشير إلى قدرة هذه الدول على تحويل المواد الهيدروكربونية الرخيصة إلى إنتاج صناعي قابل للتصدير.

تسهم محاولات التنويع الاستراتيجي هذه كلّها في خفض المخاطر المالية، وتخفيف تقلّبات الإيرادات، غير أنها لا تؤدّي إلى فكّ الارتباط بين اقتصادات الخليج والوقود الأحفوري. فهذه الاقتصادات لا تزال تقوم على الريع، وتستهلك الطاقة بشكل كبير، وتعتمد هيكليًا على استخراج النفط والغاز. وهذا المنطق نفسه يعاود الظهور اليوم بشكلٍ جديد أكثر تطوّرًا، مدفوعًا بالتوسّع السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

واقع الحال أن التنويع المجدي في مجال ابتكارات الذكاء الاصطناعي، ويُقصَد بها الإنجازات الخوارزمية والأبحاث الرائدة، لا يزال خارج متناول دول مجلس التعاون الخليجي. تعتمد هذه الابتكارات على نُظم أبحاثٍ مكثّفة، وحرية أكاديمية، وتداول المعرفة المفتوحة، وثقة مؤسّسية طويلة الأمد، وهي ظروف لا يمكن توفيرها بين ليلة وضحاها، كما لا يمكن تهيئتها فقط من خلال ضخّ رؤوس الأموال أو الصناديق السيادية.

لكن في ظلّ تسارع انتشار الذكاء الاصطناعي، بات من الصعب أكثر تجاهل الأُسُس المادية للاقتصاد الرقمي، فيما الطلب العالمي على سعة تخزين البيانات وقدرات الحوسبة يتزايد. هذه الفجوة تتيح فرصًا جديدة أمام دول مجلس التعاون الخليجي. فالذكاء الاصطناعي يعتمد على مراكز البيانات، ومزارع الخوادم، وأنظمة التبريد، وإمدادات الطاقة المستمرة. وهذه الدول تتمتّع بإمكانية الحصول على طاقة رخيصة وموثوقة، فضلًا عن أنظمة سياسية قادرة على تأمين الأراضي ورأس المال والبنية التحتية اللازمة، بما في ذلك الاستخدام الفعّال لأنظمة التبريد على نطاق واسع. وهذا الأمر يجعلها لا دولًا مُبتكِرة لأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل دولًا مضيفة للركيزة المادية المتقدّمة تكنولوجيًا التي يستند إليها الاقتصاد الرقمي.

وهكذا، يبرز التخزين السحابي بوصفه الألومنيوم الجديد لدول الخليج، إذ لم يعد الوقود الأحفوري يُصدَّر على شكل منتجات صناعية فحسب، بل أيضًا بصورة أكثر تجريدًا على شكل خدمات رقمية. تتجلّى هذه الاستراتيجية عمليًا من خلال الاتفاقيات الضخمة لبناء مراكز بيانات عالية السعة في مختلف أنحاء المنطقة. ففي دولة الإمارات مثلًا، أعلنت شركة "مايكروسوفت" (Microsoft)، ومجموعة "جي 42" (G42) ومقرّها أبو ظبي، عن مشروع توسعة منظومة مراكز البيانات بسعة 200 ميغاواط، سيتم تنفيذه من خلال شركة "خزنة" الإماراتية الرائدة في تشغيل مراكز البيانات، في إطار استثمار أكبر بقيمة 15 مليار دولار. وفي السعودية، كشفت شركة "أدفانسد مايكرو ديفايسز" (Advanced Micro Devices) وشركة "سيسكو سيستمز" (Cisco Systems) عن تعاونهما مع شركة "هيوماين" (Humain) السعودية المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي لإطلاق مشروعٍ مشتركٍ يرمي إلى إنشاء مركز بيانات بقدرة إجمالية تبلغ 100 ميغاواط. لقد أسهمت تطوّرات موازية في إطلاق مثل هذَين المشروعَين، بما في ذلك موافقة الولايات المتحدة على تصدير شرائح الذكاء الاصطناعي التي تنتجها شركة "إنفيديا" (Nvidia) إلى الإمارات بقيمة مليارات الدولارات، في إطار اتفاقيات ثنائية تهدف إلى دعم إنشاء مراكز بيانات في دول مجلس التعاون الخليجي. كذلك، ستستضيف السعودية في أيلول/سبتمبر 2026 القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في نسختها الرابعة، بمشاركة عددٍ من القيادات الحكومية، وصنّاع القرار، والرؤساء التنفيذيين لكبرى شركات التقنية، والخبراء والمبتكرين والباحثين في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي من مختلف دول العالم.

يعكس حجم هذا التوسّع كيف تصبح الحوسبة السحابية بمثابة الألومنيوم الجديد لدول الخليج، باعتبارها مسارًا إضافيًا لتحويل طاقة الوقود الأحفوري الرخيصة إلى سعة تخزينية قابلة للتصدير ومُحمّلة بالانبعاثات الكربونية، تحت شعار التنويع الاقتصادي. صحيحٌ أن السحابة الإلكترونية تُصوَّر في الكثير من الأحيان على أنها غير مادية وموجودة خارج المكان، إلّا أنها في الواقع شديدة الاعتماد على العناصر الجغرافية والبنى التحتية. فهي لها موقع محدّد، ناهيك عن أنها تستهلك كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية، وتُولّد حرارة تتطلّب تبريدًا مستمرًا. ولا يعود الكربون مرئيًا خلال مرحلة الاستهلاك، إذ يُخفى خلف تجريد عملية تخزين البيانات والقدرة الحاسوبية، بينما تتركّز الانبعاثات في أماكن أخرى بعيدة جغرافيًا، وتخفّ المساءلة السياسية عن تبعاتها. هذا ما يمكن وصفه بأنه تصدير الدول الخليجية الغنية بالنفط لسُحُب الوقود الأحفوري.

ومع عودة مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ إلى المنطقة، ليعقد دورته الحادية والثلاثين (COP31) في مدينة أنطاليا التركية في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الجاري، يثير التوسّع المتسارع للبنية التحتية السحابية في دول الخليج تحديًا استراتيجيًا للعمل المناخي. فمن خلال استضافة دول مجلس التعاون الخليجي حصةً متنامية من البنية التحتية الرقمية العالمية ذات الاستخدام الكثيف للطاقة، والتي يعمل جزءٌ كبير منها بالوقود الأحفوري، قد تتسبّب هذه الدول بترسيخ شكلٍ جديدٍ من النفوذ في المفاوضات المتعلّقة بالمناخ، يجمع بين دورها التقليدي كمُنتِجة للمواد الهيدروكربونية، وبين سيطرتها المتزايدة على البنى التحتية السحابية الحيوية. وقد يُعزّز هذا التحوّل بشكلٍ كبير قدرتها على المساومة على الساحة الدبلوماسية العالمية، ولا سيما في سياق عرقلة العمل المناخي، من خلال إعادة تعريف الاعتماد على الوقود الأحفوري، بوصفه ليس فقط مسألة تتعلّق بأمن الطاقة، بل أيضًا ضرورة رقمية استراتيجية. ومن شأن ذلك أن يتيح لهذه الدول هامشًا إضافيًا لتأخير عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة، بالتوازي مع مواصلة تحقيق أقصى قدرٍ من المنفعة اقتصادية من احتياطيات الوقود الأحفوري.

لا تتّخذ مؤسسة كارنيغي مواقف مؤسّسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الدراسة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المؤسسة، أو فريق عملها، أو مجلس الأمناء فيها.