يزيد صايغ
المصدر: Getty
الاقتصاد التأجيري العسكري في مصر وحدوده
تشجّع القوات المسلحة شكلًا من أشكال الرأسمالية يدرّ إيرادات، لكن اعتماده على الريع يواجه عوائد متناقصة، ما يحمّل البلاد تكاليف ضخمة غير قابلة للاسترداد وعوائد مؤجّلة، ويزيد اعتمادها على الاقتراض الخارجي.
ملخّص وافٍ
لقد ترسّخ تركيز مصر على الإنشاءات المموّلة من المال العام تحت الإدارة العسكرية ليصبح "رأسمالية تأجيرية"، تستند إلى جني الريع من إدارة أصول الدولة وتسييلها (درّ دخلٍ مالي منها)، بدلًا من إنتاج السلع والخدمات. وقد يشير هذا إلى نضجٍ في تحقيق فوائض في بعض القطاعات الاقتصادية، ما قد يتيح التوسّع في قطاعات أخرى. لكنه قد يشير أيضًا إلى حالة تشبّع، حيث تقترب آليات الجيش لاستخراج الريع من حدودها المتأصّلة، مع تعميق الاعتماد على الاقتراض الخارجي.
نقاط أساسية
- يتركّز نهج الرئيس السيسي في توليد الإيرادات العامة وتحقيق النمو الاقتصادي الكلّي على السيطرة على الأراضي والبنية التحتية، والأصول المملوكة للدولة كمصدر رئيس للتراكم بدلًا من الاستثمار الإنتاجي أو التحديث التكنولوجي؛
- إن الجيش جزءٌ لا يتجزأ من عملية صنع القرار ووضع السياسات التي تتمحور حول الرئيس، في ما يتعلق باستراتيجية الدولة الاستثمارية؛
- تقود هيئات عسكرية مختارة نموذج "الرأسمالية التأجيرية" الذي يركّز على تأجير الأراضي المملوكة للدولة في المناطق الحضرية والريفية إلى مستثمرين من القطاع الخاص؛
- تشكل حوالى مئة شركة عسكرية جزءًا متبقيًا من الاقتصاد العسكري الذي يعمل كأداة للمحسوبية وتداول النخبة داخل القوات المسلحة؛
- لا تزال الريعية سمة سائدة في الاقتصاد العسكري، ما يؤدّي إلى توسّع مستمر في مشروعات العقارات والزراعة بغضّ النظر عن الجدوى والربحية.
نتائج وتوصيات
- يُشكّل الرئيس والمؤسسة العسكرية بشكل ساحق معالم البيئة السياسية وظروف السوق التي يعمل في إطارها جميع الجهات الفاعلة الاقتصادية، بما في ذلك القطاع الخاص؛
- تُظهر المشروعات التي تديرها المؤسسة العسكرية في مجال العقارات الحضرية والزراعة الصحراوية نجاحات أولية قوية، لكن التوازن الفعلي بين تكاليفها وفوائدها مشكوكٌ فيه، حيث إنها قد تحجب مخاطر مالية وبيئية واجتماعية هامة؛
- لا يمكن بسهولة تكرار نموذج "الرأسمالية التأجيرية" التي يديرها الجيش في قطاعات اقتصادية أخرى، إن أمكن ذلك أصلًا؛
- تواجه الرأسمالية التأجيرية التي تديرها المؤسسة العسكرية عوائد متناقصة، ما يحمّل مصر تكاليف تأسيسية ضخمة غير قابلة للاسترداد وعوائد مؤجّلة، إن وجدت؛
- إن حاجة السيسي إلى توسيع قاعدة المحسوبية لإدارته والحفاظ على الولاء من خلال مشروعات عسكرية ضخمة مموّلة بالديون، تدفع مصر إلى التعمّق أكثر فأكثر في الاعتماد على التدفّقات المستمرة لرأس المال من مصادر خارجية؛
- الحكومة تقترض وتسدّد الديون، بينما الرئيس والمؤسسة العسكرية ينفقان؛
- المقاربة الاقتصادية تعمل إلى أن تتوقّف عن العمل. فمصر تفشل في توليد فوائض ومدّخرات محلية ذات أهمية، وهي معرّضة بشدّة للصدمات الخارجية.
مقدّمة
لقد توسّع دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري وتطور باستمرار منذ تولّي القوات المسلحة السلطة في العام 2013، ولا سيما منذ تولّي وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي الرئاسة في العام التالي.1 وثمّة ثلاثة عوامل عامة دفعت هذا المسار. أولًا، رغبة السيسي الفورية عند تولّيه منصبه في تصوير مصر على أنها جاهزة للنشاط التجاري، من أجل جذب الاستثمار الأجنبي وتدفّقات رأس المال الأخرى. ثانيًا، سعى السيسي بلا هوادة إلى توليد إيرادات للدولة لخزينة مستنزفة، قبل كل شيء عن طريق تسييل أصول الدولة من خلال الاستثمار الخاص. وثالثًا، دفعته ثقته في المهارات الإدارية الفائقة والانضباط والولاء السياسي للقوات المسلحة إلى إسناد نطاق متّسع باستمرار من الأنشطة، في مجموعة متنامية من القطاعات الاقتصادية، إلى الإدارة العسكرية.
وبعد أن نما الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية بشكل كبير من حيث النطاق والحجم حتى العام 2020، شهد منذ ذلك الحين تحوّلاً نوعيًا في كلٍّ من نمطه وتنظيمه. وأبرز ما في الأمر أن التركيز الشديد في الفترة 2014–2019 على مشروعات البناء المموّلة من المال العام تحت الإدارة العسكرية قد تبلور إلى ما يمكن تسميته "رأسمالية تأجيرية"، وهي شكل من أشكال رأسمالية الدولة يقوم على جني الريع من إدارة أصول الدولة بدلًا من إنتاج السلع والخدمات. وقد رافق هذا التحوّل ظهور "أبطال" اقتصاديين عسكريين: وهي هيئات تابعة لوزارة الدفاع أو القوات المسلحة حظيت برضا الرئاسة، ونتيجةً لذلك، مُنحت حصة أكبر من المشروعات الاقتصادية التي تديرها المؤسسة العسكرية مقابل نجاحها الملحوظ في تسييل أصول الدولة، ولا سيما العقارات الحضرية والأراضي الصحراوية المملوكة للدولة. لكن هذا التحوّل النوعي كان جزئيًا. فقد واصلت الهيئات العسكرية الأخرى، التي تعمل من خلال ما يقارب مئة شركة عسكرية مسجلة رسميًا وتزاول أنشطة تجارية، ممارسة أعمالها كالمعتاد في قطاعاتها، مثل الصناعة التحويلية، والتجارة بالتجزئة، واستخراج المعادن، والخدمات. تشكّل هذه الشركات جزءًا متبقيًا من الاقتصاد العسكري، وتعمل بشكل أساسي كأدوات للمحسوبية وتداول النخبة داخل القوات المسلحة، وليس كمحرّكات مهمة للاقتصاد ككل.2
هل وصل الاقتصاد العسكري إلى مرحلة النضج، حيث ينظّم بشكل أكثر فعالية وسائل توليد الفوائض المالية في عدد قليل من القطاعات الاقتصادية، ويمكّن من التوسّع المحتمل في قطاعات أخرى؟ أم أنه دخل مرحلة التشبّع، حيث وصلت آلياته التقليدية والجديدة على حدٍّ سواء لاستخراج الأرباح وتراكم الثروة إلى حدودها المتأصلة، أو تقترب منها، في حين يزداد اعتماده على الاقتراض الخارجي أكثر فأكثر؟ تشير التحوّلات في الاقتصاد العسكري إلى توتّر جوهري: فتركيبته الأساسية كنظام يمكن فيه تحويل السلطة السياسية والقسرية مباشرةً إلى تراكم اقتصادي، تعتمد كليًّا على الحفاظ على فخ الدين الوطني الذي يولّد احتياجات متكررة للحصول على العملة الأجنبية، وخدمة الالتزامات الخارجية، وتأمين عمليات الإنقاذ الدورية. وبالتالي، فإن الاستدامة لا تعتمد إلا جزئيًّا على تحسن الأداء الاقتصادي، بل تعتمد بدرجة أكبر بكثير على التحالفات الجيوسياسية التي تضمن استمرار تدفّقات رأس المال الواردة. ونتيجةً لذلك، فإن الافتقار الهيكلي إلى القدرة التنافسية، والأزمات الاقتصادية الكلية، وعمليات الإنقاذ المالي تجعل مصر عرضةً للصدمات الخارجية.
الاقتصاد المصري السياسي بامتياز
يعكس النمط التطوري للاقتصاد العسكري كيفية عمله ضمن هيكل سلطة يكون فيه الرئيس هو السلطة العليا، وفي الوقت نفسه يعتمد كليًا على الدعم المؤسسي والولاء السياسي للقوات المسلحة. وينطبق الأمر نفسه على اندماج المؤسسة العسكرية في الاقتصاد السياسي للإنتاج والإدارة وتكوين رأس المال. فمن ناحية، تُعدّ القوات المسلحة شريكًا مؤسسيًّا كاملًا، لكن السيسي يتمتع بالسلطة الشاملة في تحديد الاتجاه وترتيب أولويات أشكال الاستثمار الذي تقوده الدولة تحت الإدارة العسكرية. من ناحية أخرى، وعلى الرغم من التوافق التام في الرؤية والافتراضات الاقتصادية بين السيسي والمؤسسة العسكرية، فإن علاقتهما قائمة أيضًا على المصالح، ما يقيّد استقلاليته ويرغمه أحيانًا على التنازل أو التأجيل في قضايا معينة.
بشكل أعم، وعلى الرغم من هيمنة الرئيس والمؤسسة العسكرية، فإن المشاركين الآخرين في السوق، بما في ذلك الهيئات الاقتصادية الحكومية، والشركات المملوكة للدولة، وقطاع الأعمال الخاص، يتمتعون أيضًا بقدرة على التصرّف. ومع أن هؤلاء المشاركين الآخرين في السوق مقيّدون إلى حدٍّ كبير بهيكل سلطة لا يتمتعون فيه إلا بصوت سياسي محدود، فإنهم يواصلون العمل بطرق محدّدة ضمن اختصاصاتهم وقطاعاتهم، ويدافعون عن مصالحهم المؤسسية والاقتصادية. ويعكس هذا ما أطلق عليه الاقتصادي السياسي عمرو عادلي اسم "الرأسمالية المتصدّعة" في مصر - وهو نظام ريعي يتميز بأسواق ضعيفة التكامل، وقطاع خاص مجزّأ، ونقص نسبي في التماسك والتنسيق بين الجهات البيروقراطية الحكومية.3 ويمكن القول إن الاقتصاد العسكري يكشف عن نموذجه الخاص من "الرأسمالية المتصدّعة"، حيث إن التعايش بين الأنماط الجديدة والمتبقية التي تتميز بمستويات متباينة من الكفاءة، والمردود، والقدرة الإدارية، يعكس الضرورة المركزية المتمثّلة في الحفاظ على النظام الريعي.
الأمر الحاسم، على الرغم من أن القطاع الخاص يمثل ما يُقدَّر بنحو 75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فقد خلص صندوق النقد الدولي إلى أن "المشهد الاقتصادي تهيمن عليه الاستثمارات التي تقودها الجهات العامة، وبيئة تنافسية غير متكافئة، والكيانات المملوكة للدولة، بما في ذلك الكيانات العسكرية، التي تعمل مباشرة في أسواق المنتجات".4 وقد تضاءلت المزايا الممنوحة للمؤسسات المدنية المملوكة للدولة والهيئات الحكومية الأخرى المشاركة في الاقتصاد، ولا سيما بعد أن أنهى القانون رقم 159 لسنة 2023 رسميًا إعفاءاتها الضريبية. ومع ذلك، لا تزال التأثيرات الحقيقية للقانون غامضة، وفي كل الأحوال تظل الكيانات ذات الصلة بالمؤسسة العسكرية معفاة.5 ولا تزال الكيانات الحكومية تزاحم القطاع الخاص، بما في ذلك في مجال الائتمان ضمن نظام مصرفي تمتلك فيه البنوك المملوكة للدولة ما يقرب من ثلثَي إجمالي الأصول.6 ونظرًا إلى أن الإنفاق العام يمثل ثلاثة أرباع إجمالي الاستثمارات، حيث تستحوذ البنية التحتية على وجه الخصوص على 45–60 في المئة من إجمالي الاستثمار العام، فإن الدولة تُعدّ مصدرًا مهمًا للعقود بالنسبة إلى الشركات الخاصة الكبيرة والمتوسطة.7
ومع ذلك، فإن الاقتصاد السياسي في مصر آخذٌ في التطور، وإن كان ذلك بطرق لا تتقارب أو تتوافق. تظهر مجالات جديدة من نشاط القطاع الخاص (بشكلٍ رئيس)، مثل توظيف عدد متزايد من الشركات والعمالة الماهرة نيابةً عن الشركات الخليجية المستثمرة في مصر. ويؤدّي العملاء من الطبقة الوسطى الأصغر سنًّا، الذين يسعون إلى الحفاظ على قيمة مدّخراتهم في ظل المخاطر المستمرة لارتفاع التضخم، إلى زيادة كبيرة في عدد مستخدمي تطبيقات الاستثمار الفردي مثل "ثاندر" (Thndr)، وفي عدد المسجلين في البورصة المصرية.8 وتسير شركات التطوير العقاري الكبرى على خطى المؤسسة العسكرية، حيث تستثمر بكثافة في مدن ومنتجعات خاصة جديدة مخصّصة للعملاء من الطبقة المقتدرة. وكما يوضح المثال الأخير على وجه الخصوص، تتعايش بعض أنشطة القطاع الخاص هذه مع أنماط مستمرة في ممارسة الأعمال التجارية التي، على الرغم من بعض التكيّف مع ظروف السوق المتغيّرة والتطورات التكنولوجية، لا تزال تعيد إنتاج الأنماط الكلاسيكية للاقتصاد الريعي: توليد الدخل من خلال السيطرة على الأصول الرئيسة مثل الأراضي أو منح العقود العامة، بدلًا من العمل الإنتاجي أو التحديث التكنولوجي أو الابتكار في السوق. وهذا يساعد في تفسير ضعف اندماج مصر في سلاسل القيمة العالمية.9
ولا يختلف الاقتصاد العسكري عن ذلك. فثمّة عدد قليل من الهيئات العسكرية التي تتبع نماذج أعمال وأساليب تنظيمية جديدة - وإن كانت تتضمن أيضًا عنصرًا ريعيًا قويًا - فيما تحافظ الهيئات والشركات العسكرية المتبقية على أشكال قديمة أقل إنتاجية وكفاءة بشكل ملحوظ. وقد كان هذا واضحًا في السنوات الأولى من رئاسة السيسي، حيث أدّى الإلحاح الذي أبداه تجاه أهدافه المتعلقة بالاقتصاد والسمعة إلى إحداث حالة من التنافس العشوائي المهدر للموارد من دون قصد، إذ أطلقت الكثير من الهيئات العسكرية أنشطة تجارية ليست مؤهلة لها، ما أدّى إلى ازدواجية مشروعات وأنشطة في القطاعات نفسها.10 ومع ذلك، تظل الحقيقة أن كلا من النماذج الجديدة والقديمة يتم تمكينها بفضل الهيكلية السلطوية التي يعمل في إطارها الاقتصاد المصري، ولكنها في الوقت نفسه مقيّدة به. فمن ناحية، ثمّة القوة المهيمنة للدولة في تحديد الاتجاه ودفع نشاط السوق من خلال الحوافز واستراتيجيتها الاستثمارية، وهو ما يتطلّب، من ناحية أخرى، أن تدير الدولة باستمرار اعتمادها على الديون وتؤمّن بشكل متكرر الحصول على العملة الأجنبية.
وأخيرًا، فإن ظهور اتجاهات جديدة في مشاركة المؤسسة العسكرية وإدارتها للاقتصاد هو، إلى حدٍّ كبير، نتيجة لتشديد الأوضاع المالية في مصر. فقد تعرّض اقتصادها مرارًا وتكرارًا لصدمات خارجية منذ العام 2020: جائحة كوفيد-19، التي أعقبها اندلاع الحرب في أوكرانيا خلال العام 2022، والصراع في البحر الأحمر في العام 2024، ثم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في العام 2026. وبالفعل، كانت وزارة الدفاع، وليس مجلس الوزراء أو أي وكالة مدنية أخرى، هي التي أصدرت مقطع فيديو على يوتيوب تم إنتاجه باحترافية في نيسان/أبريل 2026 يشرح للجمهور أسباب قيام الحكومة بتطبيق إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة لحماية الاقتصاد من حرب الخليج الأخيرة.11
يبدو أن هذه الصدمات الجيوسياسية والجيواقتصادية قد دفعت إدارة السيسي إلى السعي لتحقيق كفاءة أكبر في المشروعات الاقتصادية التي تديرها المؤسسة العسكرية في السنوات الأخيرة، ولكن بهدف المضي قدمًا في نهج يحتوي على شوائب أساسية بدلًا من إعادة صياغته. ومع ذلك، فإن تشديد الأوضاع المالية يفسّر أيضًا اشتداد أنماط وعلاقات الريعية المألوفة بين جميع المشاركين في السوق. وتجد إدارة السيسي نفسها عالقة بين النقص المزمن في الموارد المالية العامة وحاجتها السياسية إلى شراء الولاء من خلال توسيع دائرة المحسوبية. ومع انتهاء ولايته الأخيرة في العام 2030، يتعيّن على الرئيس أيضًا الحفاظ على الدعم السياسي للقوات المسلحة إذا أراد السعي إلى تعديل دستوري يتيح له الترشح لولاية إضافية، وهو ما يبدو أنه عازم على القيام به. إن مركزية دور القوات المسلحة في تثبيت سلطة الرئيس، وليس تحليل التكلفة والعائد الدقيق لوظيفتها الاقتصادية أو لنمط الاستثمار الحكومي، هي التي تضمن أن تواصل ترسيخ دورها باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد المصري.
التكاليف والمنافع في النموذج الاقتصادي المصري
تفسّر الغلبة السياسية للرئيس والقوات المسلحة سبب انخراط المؤسسة العسكرية المصرية في الاقتصاد الوطني على نطاق واسع. إن سيطرتها على مؤسسات الدولة، والأجهزة القسرية، والهيئات التنظيمية، تُترجم بشكل منهجي إلى فرص لاستخراج الريع، وتسييل الأصول، وتوطيد شبكات المحسوبية. ومع ذلك، تُثار أسئلة أخرى بشأن النموذج الاقتصادي المحدّد الذي تتبعه المؤسسة العسكرية، وقبل كل شيء: لماذا ظهر النموذج بهذا الشكل بالذات؟ ما هي التكاليف والمنافع الاقتصادية والمالية الحقيقية لهذا النموذج؟ وكيف يتأثر ميزان هذه التكاليف والمنافع عند أخذ التأثيرات الاجتماعية والبيئية في الحسبان؟
والأمر الحاسم هو أن أنشطة المؤسسة العسكرية لم تظهر كاستجابة من الدولة لفشل السوق. فلم تتدخل المؤسسة العسكرية في المجالات التي كان القطاع الخاص غائبًا عنها، ما يرغم الدولة على أخذ زمام المبادرة برأس مال استثماري أو بتهيئة الظروف لدخول جهات فاعلة أخرى إلى السوق. بل كان القطاع الخاص يحتل بالفعل موقعًا مهيمنًا في جميع القطاعات الاقتصادية تقريبًا التي أنشأت فيها المؤسسة العسكرية أعمالها وأنشطتها التجارية الخاصة.12 ويشمل ذلك الإنشاءات والتطوير العقاري، ومجموعة واسعة من السلع الصناعية المدنية، بدءًا من الإسمنت والصلب وصولًا إلى الأجهزة المنزلية والألواح الشمسية، وخدمات البيع بالتجزئة، والمقاولات، وتوريد الأغذية والسلع، واستخراج المعادن والرخام، والاستزراع السمكي، والضيافة والسياحة، والزراعة، وحتى استصلاح الأراضي الصحراوية.13
وبالمثل، كثيرًا ما يشير السيسي إلى إنشاء بنية تحتية على نطاق لا يستطيع القطاع الخاص تحمّل كلفته أو لا يضطلع به من تلقاء نفسه، وإلى الفرص الاستثمارية التي يوفرها ذلك. لكن طبيعة هذه المشروعات وحجمها ووتيرتها يحدّدها هو وحده، من دون التشاور مع القطاع الخاص. بعد مرور اثنَي عشر عامًا على الحملة الكبيرة التي شنّتها إدارة السيسي لجذب الاستثمار الخاص، لا يزال الافتقار المستمر إلى إطار قانوني ينظّم العلاقات التجارية بين المستثمرين المدنيين والمؤسسة العسكرية - التي كثيرًا ما تكون المالك في شراكات القطاعَين العام والخاص - يمثل عاملًا مثبطًا إضافيًا. وعلى أي حال، فإن المقاولين من القطاع الخاص هم الذين ينفذون أعمال البناء الفعلية للبنية التحتية والإسكان، وإن كان ذلك تحت إدارة الهيئات العسكرية. وإذا كان القطاع الخاص قادرًا على الاضطلاع بأعمالٍ بهذا الحجم، فإن السؤال الحقيقي هو: لماذا تستثمر الدولة بشكل هائل في مشروعات بناء تتجاوز الطلب الفعلي؟ مع كون العدد الفعلي لسكان المدن الجديدة مجرّد جزء ضئيل من الأهداف الرسمية، مثلًا، فإن البنية التحتية المرتبطة بها، مثل الطرق السريعة ومحطات تحلية المياه، تعاني من نقص حاد في الاستخدام.14 على سبيل المثال، إن وجهة ساحلية شهيرة نسبيًا مثل مدينة العلمين الجديدة لا تبلغ نسبة الإشغال فيها سوى 20 في المئة تقريبًا حتى خلال موسم الذروة، وبالتالي فإن معدل استخدام محطة تحلية المياه فيها منخفض بنفس النسبة.15
العنصر الحاسم الذي يشكّل نموذج المشاركة العسكرية في الاقتصاد هو أنه يعكس اقتصادًا سياسيًا قائمًا على السلطة. فمن ناحية، تقود بعض الهيئات العسكرية أجندة الرئيس الرامية إلى توليد الدخل من خلال المشروعات الضخمة وتسييل أصول الدولة، بينما تحافظ هيئات أخرى على نظام الولاء الذي تطوّر منذ التسعينيات فصاعدًا وتدعم المصالح المكتسبة للمؤسسة العسكرية. ومن ناحية أخرى، يقدّم النموذج مكافآت واضحة للشركات الكبيرة والمتوسطة التي تشارك في المشروعات التي تديرها المؤسسة العسكرية، والتي قد تستفيد بعد ذلك من هذه الموجة من خلال إنشاء مشروعاتها الخاصة في القطاعات نفسها، وأبرزها في مجال التطوير العقاري. وهذا الأمر يصب في مصلحة الشركات الخاصة ذات الصلات السياسية، بما في ذلك بعض الشركات المرتبطة مباشرةً بالهيئات العسكرية أو الاستخباراتية، لكنه لا يسهم كثيرًا في تحفيز الإنتاج والإنتاجية في بقية الاقتصاد الحقيقي أو في التشجيع على تنمية القطاع الخاص واستقلاليته.16 ويؤكد ذلك الحصة المنخفضة بشكلٍ لافت للمحتوى المحلي في قطاع الصناعة التحويلية، والتي قدّرها وزير الاستثمار بنسبة تتراوح بين 20 و40 في المئة اعتبارًا من نيسان/أبريل 2026.17
إن تأثيرات ذلك بعيدة المدى. في الواقع، يؤثّر هذا النموذج بشكلٍ حاسم على الإطار السياساتي العام وظروف السوق التي تعمل فيها الجهات الفاعلة الاقتصادية الأخرى، ما يؤدّي إلى تشويه إشارات السوق والحوافز لجميع المشاركين. وتتمتع المؤسسة العسكرية، على وجه الخصوص، بنفوذ كبير. فهي تفرض تأثيرات ملموسة على شروط مشاركة الجهات الفاعلة الخاصة في السوق بفضل الحجم الهائل للمشروعات التي تديرها، كما تتمتع بإمكانية الحصول على التمويل القائم على الديون، ما يقلّل بشكل حاد من وصول القطاع الخاص إلى أسواق الائتمان المحلية. ومن خلال تخصيص أراضي الدولة لمدن جديدة أو مشروعات أخرى، ترفع المؤسسة العسكرية قيمة الأراضي، ما يتيح بيعها بمبالغ أكبر.18 وبذلك، فإنها تُحدث انحيازًا في هيكلية الاقتصاد وخريطة الاستثمار الإجمالية.
ولكي يكون تحليل التكلفة والعائد للجوانب التي تديرها المؤسسة العسكرية ضمن استراتيجية الاستثمار التي تقودها الدولة ذا مغزى، يجب أن يأخذ جميع هذه العوامل في الاعتبار. ففي الكثير من الأحيان، يتم اختيار وتقييم المشروعات التي تديرها المؤسسة العسكرية بشكل فردي، بناءً على تكاليف إنشائها وإنتاجها والعائد النقدي المتوقع. ولا يتم أخذ الصيانة المستقبلية وإعادة التأهيل الدوري في الحسبان بشكل كافٍ أو لا يتم أخذها في الحسبان على الإطلاق، كما لا يتم أخذ التأثيرات على الجهات الفاعلة الأخرى في السوق في الاعتبار، ولا تكاليف الاقتراض التي يتعيّن على الحكومة تحمّلها من أجل تمويل المشروعات.19 وبالمثل، نادرًا ما تُؤخذ التأثيرات غير المباشرة في الحسبان على المدى الطويل - إن أُخذت على الإطلاق - من حيث تحفيز الأنشطة والاستثمارات في المراحل الأولية أو النهائية للاقتصاد ككل. ومن أبرز الأمثلة على ذلك استحداث فرص العمل وتنمية المهارات: فالعمالة المشاركة في المشروعات التي تديرها المؤسسة العسكرية هي في الغالب وظائف مؤقتة وتتطلب مهارات منخفضة، وهو مؤشّر مهم في بلد يمثّل فيه العمل غير الرسمي حوالى 67 في المئة من إجمالي الوظائف، ما يعكس عدم كفاية توليد فرص العمل في الاقتصاد الرسمي.20
ويُعدّ تطوير العقارات الحضرية مثالاً بارزًا على هذه الأنماط، إذ يستحوذ على حصة كبيرة من التمويل القائم على الدين العام، وقد روّجت له الحكومات المتعاقبة باعتباره محرّكًا للنمو. مع ذلك، يعتبر المشروع البحثي، "حلول للسياسات البديلة"، ومقرّه الجامعة الأميركية في القاهرة، ما مفاده:
لا يزال [قطاع العقارات] مصدرًا لجذب الاستثمار بوصفه وسيلة لحفظ القيمة وليس مصدرًا إنتاجيًا أو مستدامًا للنمو. إذ تُعدّ تدفّقات رأس المال إلى هذا القطاع مؤقتة ومحدودة، ثم تتوقف العقارات عن إنتاج أي قيمة. كما أن فرص العمل في قطاع البناء، والتي يتم الترويج لها كأحد أشكال النمو الاقتصادي المرتبط بقطاع العقارات، غالبًا ما تكون مؤقتة ومنخفضة المهارات والأجور، ما يسهم في تفاقم الطابع غير الرسمي للاقتصاد وانعدام الاستقرار المالي. وفي ما يتعلق بالإيرادات الضريبية المتوقعة، لا تزال الضرائب العقارية في مصر منخفضة. وعلى الرغم من التعديلات الأخيرة على النظام الضريبي في مصر، من المتوقع ألا تتجاوز إيرادات ضرائب الثروة العقارية 0.1 في المئة من إجمالي الإيرادات السنوية في السنة المالية 2025/2026.21
وبالفعل، تُظهر البيانات أن العرض الإجمالي للمساكن يتجاوز الطلب، وأن 88 في المئة من جميع المساكن الجديدة التي يسلّمها كلا القطاع العام والقطاع الخاص الرسمي تُبنى في المدن الجديدة.22 علاوةً على ذلك، بحلول منتصف العام 2024، كان ثمّة بالفعل تسع وأربعون مدينة جديدة من جميع الفئات، شُيّدت معظمها تحت إدارة عسكرية لكنها تخضع للمسؤولية الإدارية لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، ويبلغ إجمالي عدد سكانها 1.7 مليون نسمة فقط.23 هذا بخلاف مدينتَين شيّدتهما الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ومدن أخرى شيّدها مطوّرون من القطاع الخاص. بعبارة أخرى، تخدم المدن الجديدة بشكل شبه كامل في تخزين القيمة للطبقة الوسطى في مصر، سواء كانت تعيش في الوطن أو في الخارج، ما يؤدّي إلى تحويل رأس المال إلى استخدامات غير إنتاجية. والجدير بالذكر أن الجهات العسكرية المشاركة في مشروعات العقارات الحضرية تحوّل عبء التمويل إلى القطاع المصرفي، الذي يقرض المطوّرين الأموال اللازمة للبناء الفعلي.
كذلك، لا يمكن قياس أو التحقّق من التكاليف والمنافع المالية للمشروعات التي تديرها الهيئات العسكرية، لأن البيانات ذات الصلة بالأنشطة العسكرية في جميع المجالات، بما في ذلك المجال المدني، تُحفَظ طي الكتمان باسم الأمن القومي. قد تكون المخصّصات الإجمالية معروفة في ما يتعلق بالمشروعات التي تموّلها الحكومة، إلا أنها غير معروفة في حالة المشروعات التي تديرها هيئات الدولة أو البرامج التي تحظى باستقلالية تشغيلية عن الحكومة والتي تتبع رئيس الجمهورية مباشرةً؛ فالمشروعات التي تموّلها الحكومة مدرجة في الميزانية العامة للدولة، أما مجموعة المشروعات الثانية فليست كذلك. وفي كلتا الحالتَين، لا يتم الكشف عن تفاصيل الإنفاق، ولا عن حصة الميزانيات الرسمية المخصّصة للمقاولين من القطاع الخاص في المشروعات التي تديرها الهيئات العسكرية، ولا عن بنود مثل المتأخّرات التي تُستخدم لإخفاء التكاليف الكاملة. وهذا يحجب بشكل خاص المبالغ التي تأخذها الهيئات العسكرية كرسوم إدارية، والتي لا تستند إلى مقياس رسمي أو ثابت، لكن المطّلعين من الحكومة وقطاع الأعمال يعرفون أنها تتراوح بين 5 و35 في المئة من ميزانيات المشروعات.24 ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية لأن ميزانيات المشروعات لا تُعدَّل لتعكس تقلّبات أسعار المواد أو تكلفة الحصول على العملات الأجنبية لدفع ثمن الواردات، ما يرغم المقاولين من القطاع الخاص الذين يقومون بالعمل الفعلي على خفض هوامش أرباحهم، أو حتى تكبّد خسائر صافية من أجل تسليم المشروعات.
وتمثّل التبعات البيئية عنصرًا آخر مفقودًا في تقييم التكاليف والفوائد في المشروعات التي تديرها المؤسسة العسكرية.25 إن الإنشاءات الضخمة للإسكان والبنية التحتية، واستصلاح الأراضي الصحراوية وزراعتها على نطاق واسع، والصناعة التحويلية، واستخراج المعادن، والاستزراع السمكي، كلها أنشطة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه. وينطبق الأمر نفسه على مشروعات التجديد الحضري التي تهدف في المقام الأول إلى زيادة الإيرادات النقدية؛ حيث يُقدَّر أن هذه المشروعات قد أدت إلى انخفاض المساحات الخضراء في القاهرة بنسبة 95 في المئة تقريبًا خلال السنوات الثماني حتى العام 2024، على سبيل المثال.26 جميع المشروعات التي تديرها الهيئات العسكرية تنطوي على تداعيات بيئية محتملة كبيرة، بما في ذلك انبعاثات الكربون، وتلوث الهواء، وتلوث المياه واستنزاف طبقات المياه الجوفية غير المتجدّدة، وتدهور التربة. ومع ذلك، كان انتقال مصر إلى موارد الطاقة المستدامة ضئيلًا للغاية. وعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة الكهرباء المولّدة من مصادر الطاقة المتجدّدة 14 في المئة بحلول العام 2025، وهي نسبة لم تتغير تقريبًا عمّا كانت عليه قبل عقد من الزمن، وتقل بكثير عن الهدف المحدّد عند 48 في المئة بحلول العام 2028، فيما لم تتجاوز نسبة الطاقة النظيفة من إجمالي استهلاك الطاقة في البلاد 2.2 في المئة، وزادت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 142 في المئة في الفترة الممتدّة بين العامَين 2000 و2023.27
يتجلّى الحجم المحتمل لهذه المخاطر، وبالتالي تأثيرها، في جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع لسلاح الجو، والذي يدير نصف إجمالي الأراضي المزروعة في مصر ويخطّط لزيادة المساحة الإجمالية من 9 ملايين إلى 12 مليون فدان بحلول نهاية العام 2026.28 ولهذا الأمر انعكاسات ملموسة على النظام البيئي (السكان والزراعة والموارد المائية) الذي يتعرّض بالفعل لضغوط شديدة بسبب تغيّر المناخ العالمي. ولكن على الرغم من أن المسؤولين العسكريين يتبنّون بشكل روتيني خطابًا "أخضر"، إلا أن الأنشطة التي تديرها المؤسسة العسكرية في المجال المدني تُحجب خلف نفس الجدار المعلوماتي الذي يحجب البيانات المالية، ما يجعل من المستحيل تقييم تبعاتها البيئية بشكل مستقل، ويزيد من التكلفة المحتملة للإجراءات التصحيحية التي قد تصبح ضرورية في المستقبل.
لا يقل تحليل التكلفة والعائد الاجتماعي أهمية، ولا سيما في ما يتعلّق بالرأسمالية التأجيرية العسكرية. إن التركيز على تنفيذ مشروعات واسعة النطاق بحجة تحقيق كفاءة أكبر في الإنتاج يحاكي الأنماط العالمية. وفي مصر، يتجلّى ذلك بشكل خاص في المشروعات الزراعية التي تموّلها الدولة، ولا سيما في زراعة الأراضي الصحراوية والدفيئات، والتي أصبحت جميعها الآن تحت الإدارة العسكرية، وتشكّل ما يُقدَّر بنصف إجمالي الأراضي المزروعة.29 ولا تتيح متطلّبات الحدّ الأدنى للاستثمار المشاركة في هذه المشروعات إلا للمستأجرين الكبار، في حين أن سلطة المؤسسة العسكرية غير المقيّدة في مصادرة الموارد المائية وتحويل العملات الأجنبية لتمويل مشروعاتها تزيد من إقصاء صغار المزارعين ومنتجي الألبان أو إفلاسهم. وتم إجبار صغار المزارعين، الذين يشكّلون الغالبية العظمى ضمن الـ20 في المئة من السكان الذين يعملون في الزراعة، أيضًا على الاكتفاء بزراعة الكفاف أو ترك أراضيهم بسبب غزو مياه الصرف الناجمة عن مشروعات استصلاح الأراضي والزراعة واسعة النطاق.30 وتأثّرت مجتمعات الصيد في البحيرات الشاطئية والداخلية في مصر بشكل مماثل، حيث أعادت الهيئات التأجيرية العسكرية تحديد رسوم الانتفاع وحدود حجم الصيد، فيما تدير مشروعاتها التجارية الضخمة في الاستزراع السمكي واستخراج المعادن.31 كما جُرِّد البدو والمجتمعات الريفية الأخرى في شمال غرب مصر مرارًا من ممتلكاتهم لإفساح المجال أمام مشروعات التطوير العقاري، بما في ذلك إنشاء أربع عشرة مدينة جديدة، ومنتجعات كبرى مثل مشروعَي "مدن رأس الحكمة" و"علم الروم" الضخمَين المموّلين من الإمارات وقطر، إضافةً إلى البنية التحتية الخاصة بالنقل.32
ولا تقل التأثيرات الاجتماعية للرأسمالية التأجيرية العسكرية أهمية للسكان ذوي الدخل المنخفض في المناطق الحضرية. يُقدَّر أن ثلث الأُسر المصرية تعيش في بيئة عمرانية محرومة، وفقًا لمعايير السكن اللائق، والقدرة على تحمّل التكاليف، واستدامة السكن، وأمن الحيازة، ومساحة المعيشة الكافية، والمياه الصالحة للشرب والصرف الصحي المحسّن.33 وقد أدّت المشروعات التي تديرها الهيئات العسكرية إلى تهجير مئات الآلاف من السكان الأكثر فقرًا، الذين يمثّلون 60 في المئة من سكان منطقة القاهرة الكبرى الذين يعيشون في أحياء غير رسمية، كما دمّرت مواقع التراث الثقافي، لإفساح المجال أمام مشروعات سكنية وتجارية راقية وشبكات نقل.34 واستنادًا إلى التقارير الحكومية الرسمية، تقدّر الباحثة الحضرية أمنية خليل أن ما بين 1.7 و2.8 مليون شخص، أو 14 في المئة من سكان منطقة القاهرة الكبرى، قد تم تهجيرهم بحلول العام 2024.35 يُعرَض على السكان المشرّدين مساكن بديلة في مواقع جديدة غالبًا ما تكون نائية وبعيدة عن أسواقهم. علاوةً على ذلك، تحسب خليل أن المساكن البديلة أقل بكثير من العدد المطلوب لإعادة إسكان الأعداد التي تتعرّض للإخلاء والترحيل، ما يدل على المفارقة المتمثّلة في بقاء عددٍ كبير من الوحدات السكنية الجديدة شاغرة لأنها تستهدف الفئات ذات الدخل المرتفع.36 إلى جانب السياسات المالية النيوليبرالية التي خفضت الدعم المقدّم للسلع الأساسية وقلّصت خدمات التعليم والصحة العامة، ساهمت هذه الممارسات في زيادة معدلات الفقر بشكلٍ حادّ منذ تولّي السيسي الرئاسة في العام 2014، الأمر الذي ترك ما يقدّر بنحو 33.5–35.7 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر الوطني.37
العسكر بصفتهم رأسماليين تأجيريين
يتمثّل أحد التطورات الرئيسة في الاقتصاد العسكري في صعود هيئاتٍ عسكرية لا تشيّد المباني أو تنتج الغذاء، بل تدير الأراضي باعتبارها أصلًا رأسماليًا. ويشير عالم الاجتماع الريفي صقر النور إلى أن "فائض القيمة ]يُجمع[ من الإيجار وتنظيم النفاذ إلى الأرض، لا من الزراعة وعمليات إدارة الإنتاج الزراعي نفسها".38 ويمكن قول الشيء نفسه عن العقارات الحضرية الخاضعة للإدارة العسكرية، والتي تمثّل الشكل الرئيس الثاني للرأسمالية التأجيرية العسكرية.39 ففي هذا القطاع الواسع من الاقتصاد العسكري تبرز مسألة النضج مقابل التشبّع بأقوى صورة، حيث قد تصطدم المكاسب الأولية السهلة نسبيًا في الربحية بقيود متأصلة تحدّدها محدودية الموارد الطبيعية والاعتماد على التدفّقات المستمرة من رأس المال غير المنتج من الخارج.
والأمر الحاسم هو أن الرأسمالية التأجيرية العسكرية تمثّل استجابة مباشرة لسعي السيسي منذ زمن طويل إلى تسييل أصول الدولة. ويأتي ذلك على النقيض من صندوق مصر السيادي، مثلًا، الذي أُنشئ بموجب مرسوم رئاسي في العام 2018 وكُلّف بتوليد الدخل من أصول الدولة، إلا أن أداءه حتى الآن كان باهتًا.40 وبالفعل، يمتد الاختلاف مع الهيئات التأجيرية العسكرية إلى هيئات عسكرية أخرى لم تلبِّ توقعات الرئيس. وأبرزها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الذي قاد لسنوات الكثير من الجهود التي دفع بها السيسي لاستصلاح أراضي الصحراء، وتوسيع إنتاج الغذاء، وتوليد الإيرادات من تأجير الأراضي الزراعية إلى مستثمرين خليجيين، لكنه فقد هذا الدور إلى حدٍّ كبير لصالح جهاز "مستقبل مصر" الأكثر نجاحًا.41
تستند الرأسمالية التأجيرية العسكرية في مصر إلى خمسة عوامل متداخلة: أولًا، السيطرة العسكرية على استخدام أراضي الدولة. تُعدّ وزارة الدفاع إحدى الهيئات الحكومية التي يجب أن توافق على طلبات استخدام أراضي الدولة لأي غرض مدني، وتتمتع بنفوذ كبير على المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة، الذي ينظّم استخدام جميع أراضي الدولة.42 وبالتالي، تعمل المؤسسة العسكرية كحارس يسيطر على وصول جميع الجهات المدنية، سواء كانت خاصة أو عامة، إلى أراضي الدولة واستغلالها، ما يمنحها إيرادات كبيرة من الرسوم ونفوذًا غير رسمي.
ثانيًا، منح حق الانتفاع الاقتصادي الحصري. منذ العام 2016، صنّف السيسي معظم الطرق السريعة القومية، إن لم يكن جميعها، التي تربط مدن مصر ومناطقها الإنتاجية على أنها من "المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية في الأراضي الصحراوية"، وهو تعريف قانوني تم توسيع نطاقه ليشمل أجزاء من سواحل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وعشرات الجزر في البحر الأحمر ونهر النيل.43 ويمنح هذا التصنيف وزارة الدفاع فعليًّا امتيازًا تجاريًّا حصريًّا على هذه المناطق، تستخدمه لفرض رسوم على المستثمرين من القطاع الخاص مقابل الحصول على إذن لإنشاء أعمال تجارية أو إقامة لوحات إعلانية.44 والأهم من ذلك أن الأراضي في المناطق الاستراتيجية يمكن تأجيرها لمستثمرين مدنيين من دون بيعها بملكية حرة، ما يبقي المؤسسة العسكرية مسيطرة عليها إلى الأبد.
ثالثًا، النفوذ الإداري. إن قانون تنظيم المناقصات والمزايدات رقم 89 لسنة 1998، الذي منح الوزارات والهيئات الحكومية سلطة واسعة لتوقيع العقود حتى قيمة معيّنة وضمن مجالات محدّدة عن طريق ما يُعرف عمومًا بـ"الأمر المباشر" - أي على أساس عدم إجراء مناقصة ومن دون منافسة - منح الصلاحيات نفسها لوزارة الدفاع والهيئات العسكرية الأخرى.45 ويوفّر التغلغل الواسع للمتقاعدين العسكريين في جهاز الدولة البيروقراطي لعموم المؤسسة العسكرية نفوذًا غير رسمي إضافي على العقود، والتراخيص، والتخليص الجمركي، وفي حالة الشركات المدنية التي تعمل في المناطق الاستراتيجية أو بشكل أعم في الأراضي الصحراوية، توفير اليد العاملة والمياه، والمواد الأخرى اللازمة، ما يزيد من نفوذ المؤسسة العسكرية على الكيانات والشركات الخاصة. ومن الاتجاهات الإضافية في السنوات الأخيرة نقل الاختصاصات والأصول الخاصة بالهيئات الاقتصادية العامة، بناءً على أوامر رئاسية أو حكومية، إلى السيطرة العسكرية، بما في ذلك الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، والهيئة العامة لتنمية الموارد السمكية، والشركة العربية لاستصلاح الأراضي، وجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، والجهاز الوطني لتنمية شبه جزيرة سيناء، وفروع مركز البحوث الزراعية.
رابعًا، حماية الهيئات والأنشطة العسكرية من القانون المدني والمحاكم المدنية، وفي المقابل، توسيع نطاق اختصاص القضاء العسكري ليشمل المجال المدني. لا يمكن حل النزاعات التجارية أو المتعلقة بالملكية في المحاكم المدنية، ما يترك المدنيين، بمن فيهم المستثمرون من القطاع الخاص، معتمدين على العلاقات الشخصية أو السياسية، أو على الرشاوى، لحماية مصالحهم وكذلك للحصول على عقود من الباطن في المقام الأول. وعلى القدر نفسه من الأهمية، فإن الهيئات العسكرية التي تتولّى اختصاص السلطات الاقتصادية المدنية، مثل تلك المذكورة أعلاه، تحيل الدعاوى المرفوعة ضدّ المستأجرين لديها إلى المحاكم العسكرية، التي تطبّق قواعد ولوائح تلك السلطات. وقد تعزّزت ضبابية الحدود بين المجالَين العسكري والمدني من خلال دمج المحاكم العسكرية في القضاء المدني، حيث يشغل رئيس هيئة القضاء العسكري حاليًا منصب نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا. كذلك، تحاكم المحاكم العسكرية المدنيين عن "الجرائم التي تضرّ باحتياجات المجتمع الأساسية من سلع ومنتجات تموينية"، وفقًا للقانون رقم 3 لسنة 2024، الذي يمنح علاوةً على ذلك جميع سلطات الضبط القضائي والصلاحيات المرتبطة بها في مجال الاعتقال والتحقيق إلى أفراد عسكريين محدّدين.46 وبالتوازي مع ذلك، من خلال فرض سيطرة رئاسية مباشرة على هيئات المحاسبة والتدقيق الرئيسة في البلاد وإعفاء المؤسسة العسكرية من نطاق اختصاصها، وسّع السيسي النفوذ الاقتصادي للقوات المسلحة وحمى إيراداتها واستثماراتها من التدقيق.
خامسًا، تستطيع الهيئات العسكرية تحويل جزء كبير من عبء تمويل المشروعات إلى البنوك المملوكة للدولة، التي تزوّد المطوّرين العقاريين من القطاع الخاص بمزيج من القروض المباشرة والضمانات. وتستحوذ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي لا تُعدّ هيئة عسكرية إلا أنها شريك رئيس في مشروعات عقارية واسعة النطاق، على حصة إضافية من الاقتراض، إذ يُذكر أنها مدينة بمبلغ 150 مليار جنيه مصري (حوالى 3 مليارات دولار) لصالح البنك الوطني (الأهلي) وبنك مصر بحلول أواخر العام 2025.47 وقد أدّى ذلك إلى احتفاظ البنوك المملوكة للدولة بجزء كبير من محفظة العقارات في البلاد والمخاطر المرتبطة بها، والتي تضمنها في نهاية المطاف الخزانة العامة للدولة بدلًا من الهيئات العسكرية المشاركة في إنشاء المشروعات العقارية وإدارتها. ويُعدّ القلق بشأن الالتزامات الطارئة أحد الأسباب التي دفعت صندوق النقد الدولي إلى التركيز بشكل جديد في مراجعته في تموز/يوليو 2025 لاتفاقية القرض الحالية على دور البنك المركزي المصري، سعيًا إلى إبعاده عن البنوك العامة وتحويله إلى مساهم بدلًا من مالك لأصول الدولة.48
الطفرة العقارية التي تديرها المؤسسة العسكرية
من الواضح أن السيسي يعتبر إنشاء العقارات الحضرية وسيلة رئيسة لتوليد الإيرادات للدولة ودفع عجلة النمو الاقتصادي. ويتم ذلك بطريقتَين: من خلال بناء عشرات المدن الجديدة على أراضٍ صحراوية، وتحويل الأماكن العامة والأحياء التي يقطنها ذوو الدخل المنخفض إلى مواقع متميزة للتطوير التجاري في المدن "القديمة"، وفي مقدّمتها القاهرة والإسكندرية. وحقيقة أن الدولة تمتلك حوالى 94 في المئة من إجمالي أراضي مصر، وأن قطاع العقارات يسهم بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تجعل من إنشاء العقارات الحضرية المتميزة محورًا أساسيًا للرأسمالية التأجيرية.49 بل إن المسؤولين المصريين صاغوا مصطلح "صادرات العقار" لإخفاء الطابع المضاربي للتطوير العقاري.
ويجادل أمير أسمر، المسؤول السابق في الاستخبارات الأميركية، عند النظر إلى تسييل أراضي الدولة في المناطق الحضرية والريفية بمعزل عن الأمور الأخرى، بأن ذلك:
يقلّل من الاقتراض غير المستدام، ويجلب عملات أجنبية قيّمة، ويطور الأراضي غير المستغلة بالكامل، ويستورد الخبرة الإدارية، ويساعد على تحقيق استقرار العملة. ويُعدّ التدفّق النقدي الفوري أمرًا حاسمًا لإدارة ميزان المدفوعات في مصر، ويُستكمل بمشاركة الأرباح والعوائد الضريبية طويلة الأجل... لكن العائدات تُستخدم عادةً لتمويل الالتزامات الجارية أو استثمارات أخرى؛ فهي لا تقلّل بالضرورة من الديون القائمة ما لم تُخصَّص صراحةً لسداد الديون، وهو ما يُخطَّط له فقط بالنسبة إلى بعض الإيرادات المتولّدة.50
كما هو متوقع، ونظرًا إلى الدور المركزي الذي تضطلع به القوات المسلحة في نهج السيسي الاقتصادي وفي تخصيص أراضي الدولة، تقود المؤسسة العسكرية عملية إنشاء العقارات الحضرية وإدارتها بصفتها المؤجّر والمالك. وعلى الرغم من تداخل هذَين المصطلحَين، فإن المؤسسة العسكرية تتمتع في بعض الحالات بسلطة تأجير الأراضي الخاضعة لسيطرتها، وإن لم تكن تملك هذه الأراضي بالمعنى الدقيق للكلمة؛ وفي حالات أخرى، على سبيل المثال عندما تُصنَّف الأرض على أنها "أرض مملوكة للدولة ملكية خاصة"، يمكن اعتبارها "مملوكة" للمؤسسة العسكرية، ما يجعلها فعليًا مالكًا للعقار ويحق لها الحصول على عائداته. والأهم من ذلك، من خلال تصنيف مشروعات البناء على أنها "قومية"، يتجنّب الرئيس والحكومة الحاجة إلى إجراء مناقصة، ويحوّلان صلاحيات البناء والهدم والترخيص من السلطات المحلية إلى الهيئات العسكرية المنفِّذة لتلك المشروعات. وقد تجلّى ذلك في قرار مجلس الوزراء رقم 38 لسنة 2026، الذي أسند تنفيذ بناء مرسى لليخوت على الساحل الشمالي الغربي إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، على سبيل المثال.51 يُضاف إلى ذلك أن وضع المشروعات تحت إدارة المؤسسة العسكرية يعني أن أي مخالفة أو نزاع مزعوم يحصل في مناطق ومنشآت المشروعات أو يتعلق بها، يقع ضمن اختصاص المدّعي العام العسكري، وليس النيابة العامة المدنية.
أدارت المؤسسة العسكرية بناء عشرات المدن الجديدة، ومشروعات الإسكان في المدن القديمة، إضافةً إلى البنية التحتية المرتبطة بها. فقد أدارت الهيئات العسكرية 25 في المئة من أعمال البناء المموّلة من القطاع العام في الفترة 2013–2018 (بما في ذلك النقل، والزراعة، فضلًا عن الإسكان)، وارتفعت هذه النسبة إلى 28–38 في المئة في 2019–2020.52 وتفيد مصادر حكومية وتجارية رفيعة المستوى بأن المؤسسة العسكرية تفرض رسومًا إدارية تتراوح بين 5 و35 في المئة، تقتطعها من ميزانيات المشروعات.53 وبما أن قطاع البناء يساهم بنحو 15 في المئة من إجمالي الناتج المحلي المصري، فإن دور المؤسسة العسكرية وإيراداتها كلاهما كبيران.54
وقد تم تسليط الضوء بشكل كبير على اتساع نطاق النمو الإضافي في هذا القطاع من خلال مشروع "مدن رأس الحكمة" الضخم للتطوير العقاري الفاخر على الساحل الشمالي، المموّل باستثمار قدره 35 مليار دولار من الإمارات العربية المتحدة (الإمارات) في العام 2024، ومشروع مماثل مموّل من قطر بقيمة 29.7 مليار دولار في "علم الروم"، الذي اكتمل في العام 2025.55 ويستفيد المطوّرون العقاريون من القطاع الخاص الذين استثمروا بكثافة في المشروعات العقارية التي تديرها المؤسسة العسكرية من البيئة السياساتية المؤاتية لإطلاق مشروعاتهم الضخمة الخاصة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك هشام طلعت مصطفى، الذي يُعتبر وسيطًا يربط بين الإمارات والمؤسسة العسكرية وإدارة السيسي. ففي العام 2024، أطلق مشروع "ساوث ميد" (SouthMED) السياحي بقيمة تريليون جنيه مصري (21 مليار دولار)، يقع أيضًا على الساحل الشمالي، وفي العام 2026 أعلن عن إطلاق مدينة "ذا سباين" (The Spine) بقيمة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) شرق القاهرة.56
تشارك هيئات عسكرية عدّة في تطوير العقارات الحضرية. وتُعدّ الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في الطليعة في إدارة بناء المساكن المموّلة من الحكومة (معظمها للعملاء المقتدرين) والبنية التحتية العامة. وقد نفّذت ما بين 25 و38 في المئة من إجمالي مشروعات البناء المدنية المموّلة من القطاع العام في الفترة 2014–2020. ولم تصدر الهيئة إحصاءات شاملة منذ العام 2020، إلا أن تصريح السيسي في تشرين الأول/أكتوبر 2024 بأن الدولة أنفقت 10 تريليونات جنيه مصري (323 مليار دولار) على المشروعات في العقد الأول من رئاسته يشير إلى الحصة المحتملة للمؤسسة العسكرية.57 وقد أطلقت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان معًا بناء أربع وعشرين مدينة "ذكية" منذ تولّي السيسي السلطة، وتستهدف جميعها تقريبًا العملاء من الطبقات الميسورة. وتتباين التصريحات الحكومية، ولكن تزمع الخطة زيادة عدد المدن الذكية الجديدة إلى ثماني وثلاثين مدينة بحلول العام 2050، مع توقعات بأن يبلغ عدد سكانها 32 مليون نسمة.58 كذلك عمَدت هيئة عسكرية حديثة العهد، وهي جهاز "مستقبل مصر" التابع لسلاح الجو (الذي سيتم مناقشته في القسم التالي)، إلى تأسيس شركة مشتركة مع وزارة الإسكان لإدارة المدن الجديدة وصيانتها وتشغيلها، بل إنه يقوم ببناء ست مدن جديدة بمفرده.59 هذا ويضمن بناء المدن الجديدة للمؤسسة العسكرية تدفّقًا للدخل يبدو لا نهاية له، سواء كانت هذه المدن مأهولة بكامل سعتها أم لا. وقد توفّر المشروعات العقارية، وبخاصة تلك التي تُنفّذ بالشراكة مع مستثمرين خليجيين، أيضًا وسيلة للمؤسسة العسكرية كي تُعيد تدوير إيراداتها.
بالتوازي مع ذلك، برز جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة في السنوات الأخيرة كأداة عسكرية مهمة لتسييل المحفظة العقارية للدولة في المدن "القديمة"، وفي عدد قليل من المدن الجديدة، وخصوصًا مدينة الجلالة الراقية على ساحل البحر الأحمر ومدينة الإسماعيلية الجديدة على قناة السويس، والأهم من ذلك، العاصمة الإدارية الجديدة للبلاد.60 تمتلك وزارة الدفاع حصة تبلغ 51 في المئة في شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، التي تدير مشروع العاصمة الجديدة بتكلفة قُدرت عند الإطلاق بـ45 مليار دولار.61 ويحوز جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة 21.6 في المئة من الحصة العسكرية في شركة العاصمة الإدارية الجديدة، بينما يمتلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية النسبة المتبقية البالغة 29 في المئة، وبالتالي يحصل كلاهما على حصص من الإيجارات التي تدفعها الوزارات والهيئات الحكومية التي تنتقل إلى العاصمة الجديدة، وكذلك من المستثمرين من القطاع الخاص الذين يشترون حقوق الإيجار هناك.62
وقد شملت الحملة الرامية إلى تسييل العقارات المملوكة للدولة ذات المواقع المتميّزة استبدال الأحياء ذات الدخل المنخفض في قلب المدن بأبراج راقية، كما حدث في مثلّث ماسبيرو وجزيرة الورّاق في القاهرة، وفي الإسكندرية. وكجزء من هذه الحملة، نقل رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إدارة القطاع من شبرا إلى حلوان على طول نهر النيل من وزارة الموارد المائية والري إلى جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة في العام 2020، ما مكّنه من تحصيل الإيجارات من المراسي السكنية والتجارية والمؤسسات القائمة على الجزر الواقعة في وسط النهر على امتداد 44 كيلومترًا في منطقة القاهرة الكبرى.63 وقام جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة لاحقًا بعرض حقوق الإيجار التجارية بالمزاد العلني في منطقة إدارته على طول نهر النيل في القاهرة لمشروعات الترفيه والضيافة.64 وتم نقل المساحات التي كانت مخصّصة سابقًا لـ"المنفعة العامة" في القاهرة والإسكندرية - مثل الحدائق ومراكز البحوث الزراعية والنوادي الاجتماعية لموظفي الحكومة - إلى وزارة الدفاع لتنفيذ مشروعات استثمارية سكنية وتجارية راقية.65 بل إن وزارة الإنتاج الحربي حصلت على عقد انتفاع مدّته خمسة وعشرون سنة لتأهيل حديقة حيوانات الجيزة وحديقة أورمان النباتية.66
لا يقتصر تسييل المساحات العامة والأراضي المملوكة للدولة للأغراض التجارية على المناطق المبنية التقليدية. وكما أُشير سابقًا، صنّفت القرارات الرئاسية المتتالية الكثير من المناطق على أنها "مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية"، ما وضعها تحت سيطرة وزارة الدفاع.67 ويُعزى جانبٌ كبير من هذا التصنيف إلى الرغبة في منع التعدّي على أراضي الدولة، كما كان الحال عند تخصيص ست وثلاثين جزيرة في وسط نهر النيل في العام 2022، والتي يُعتزَم من بعضها على الأقل التطوير التجاري.68 وعلى الطرق السريعة، تفرض الوزارة رسوم عبور ورسومًا على إنشاء الشركات الخاصة لمحطات الوقود والخدمات الأخرى ولوحات الإعلانات.
وقد استغلت وزارة الدفاع صعوبة وصول المستثمرين من القطاع الخاص إلى الأراضي الخاضعة لسيطرتها لتشييد الفنادق المملوكة لها في مواقع سياحية متمّيزة: على سبيل المثال في جزيرة طويلة والغمشة في البحر الأحمر، وفندقَي "ريغال هايتس" (Regal Heights) و"كريستال إن" (Crystal Inn) في العلمين الجديدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وفندق "سانت ريجيس" (St. Regis) في العاصمة الإدارية الجديدة.69 كما واصلت سلاسل الفنادق المملوكة للمؤسسة العسكرية "تريومف" (Triumph) و"توليب" (Tolip) توسّعها، حيث اشترت "توليب" فندقًا فاخرًا في شرم الشيخ في آذار/مارس 2023.70 تُعقد المؤتمرات التي تموّلها الحكومة بشكل روتيني في الفنادق المملوكة للهيئات العسكرية، ما يضمن لها مصدر دخل.
رائد الزراعة الكبرى
يُعدّ جهاز "مستقبل مصر" نموذجًا بارزًا آخر للشكل الجديد من الرأسمالية التأجيرية المصرية. هذا الجهاز، الذي كان تابعًا لسلاح الجو حتى تحويله إلى هيئة خاصة تتبع رئيس الجمهورية مباشرةً في تموز/يوليو 2026، تأسّس بموجب قرار رئاسي في العام 2022، ووصفته الهيئة العامة للاستعلامات بعد عامَين فقط بأنه "أحد أكبر الكيانات في العالم بمجالات وأنشطة التنمية".71 ويعكس ظهوره الاعتقاد السائد بين صانعي السياسات الزراعية في مصر بأن الزراعة على نطاق واسع والأعمال الزراعية في الأراضي الصحراوية المستصلحة أكثر فاعليةً في إطعام البلاد.72 وبناءً على ذلك، يهدف "مستقبل مصر" إلى "زيادة الرقعة الزراعية في مصر، وتحقيق الأمن الغذائي، وتوفير فرص عمل في إطار رؤية الدولة للتنمية المستدامة"، وكذلك "العمل بنظام المشاركة مع المستثمرين الزراعيين الجادّين".73 ووصفت الرئاسة هذا الجهاز بأنه أول مشروع استصلاح جديد "لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض"، ما يسلّط الضوء على الجهود الرامية إلى خفض واردات الغذاء، وتوفير العملات الأجنبية، وتوليد إيرادات من الصادرات.
يتمثّل النهج الأساسي لـ"مستقبل مصر" في تأجير الأراضي الصحراوية - التي هي حكمًا مملوكة للدولة – إلى مستثمرين من القطاع الخاص لزراعتها، مع الاحتفاظ بالسيطرة والإدارة الشاملة. ويأتي ذلك بعد استصلاح الأراضي وإنشاء البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك الطرق، ومحطات الكهرباء وشبكات التوزيع، وإمدادات المياه، والتي يتولّى تنفيذها جهاز "مستقبل مصر" والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وغيرها من الجهات الحكومية. وتختلف الرأسمالية التأجيرية المصرية في هذَين الجانبَين الرئيسَين عن النموذج الإثيوبي أو السوداني، مثلًا، حيث تُؤجّر مساحات شاسعة من الأراضي إلى مستثمرين أجانب لاستغلالها من دون إعدادات أو إدارة ذات شأن من جانب السلطات الوطنية في البلدَين.
وقد وُضعت معظم الأراضي الصحراوية التي تم استصلاحها بتمويل عام، إن لم يكن كلها، تحت إدارة "مستقبل مصر"، ما جعل "نصف مساحة مصر المزروعة تحت قيادته وإشرافه" بحلول أوائل العام 2025، وفقًا لوسيلة إعلامية تابعة لجهاز المخابرات العامة.74 وادّعى المدير التنفيذي للجهاز، العقيد بهاء الغنام، وهو طيار في سلاح الجو، أن الجهاز ساهم بمبلغ 4.3 مليارات دولار في إحلال الواردات وتصدير المحاصيل في الفترة 2018–2024، ووفّر 40 ألف وظيفة مباشرة و2 مليون وظيفة غير مباشرة في العام 2024 وحده.75 وتوقّع توفير 80 ألف وظيفة مباشرة و3.5 ملايين وظيفة غير مباشرة بحلول العام 2027، وتحقيق عائدات سنوية بقيمة 3.7 مليارات دولار في مجال إحلال الواردات و2 مليار دولار في الصادرات سنويًا بحلول العام 2029.
تولّى "مستقبل مصر" أيضًا جوانب أخرى من إدارة التموين الغذائي في مصر. والأهم من ذلك، أنه تولّى مسؤولية شراء السلع الأساسية من الهيئة العامة للسلع التموينية في العام 2024، ليصبح مسؤولًا بشكل خاص عن شراء القمح لمصر، التي تُعدّ واحدة من أكبر الدول المستوردة في العالم.76 وبعد عامَين، كلّف السيسي "مستقبل مصر" بالسيطرة الحصرية على تصدير الأرز والعائدات التي يدرّها بالعملة الأجنبية. ويُعتبر الجهاز الآن أحد أركان "مثلّث الأمن الغذائي" في البلاد، الذي يضمّ كذلك وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ووزارة التموين والتجارة الداخلية.77 وتعزّزت مكانة "مستقبل مصر" في الإمداد الغذائي عَقب استحواذه على حصة أغلبية في بورصة السلع الغذائية التي تديرها الدولة في تموز/يوليو 2025، والتي تشرف على تجارة المحاصيل ومدخلات الإنتاج الزراعي، بما في ذلك المبيدات الحشرية والأسمدة، فضلًا عن شرائه أسهمًا في عدّة شركات خاصة وكيانات حكومية مدرجة في البورصة تعمل في قطاعات الأغذية، واستصلاح الأراضي، والسياحة.78
وعزّز "مستقبل مصر" لاحقًا دوره في تجارة الأغذية وتوزيعها محليًّا عبر إنشاء سلسلة متاجر التجزئة الخاصة به "سوبر توفير"، بهدف تأمين الغذاء من المزرعة إلى المائدة وخفض الأسعار من خلال الاستغناء عن الوسطاء.79 لكنه أدمج هذه السلسلة على الفور تقريبًا تحت العلامة التجارية الجديدة والأكبر بكثير "كاري أون" (Carry On)، التي يشرف عليها نيابةً عن الحكومة.80 وقد صنّف السيسي مشروع "كاري أون" كمشروع قومي في شباط/فبراير 2026، وهو يضم نحو 50 ألف منفذ بيع بالتجزئة وموزّع لحصص الغذاء المدعومة تابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، ويقدّم خدماته مجتمعةً لـ60.8 مليون عميل.81 وبالتوازي مع ذلك، أقام "مستقبل مصر" أيضًا منشآت تخزين ضخمة، وأطلق مصنعًا متكاملًا لإنتاج ألبان الأطفال، ويعمل على إنشاء مزارع للطاقة الشمسية.82
يعكس الصعود الصاروخي للجهاز الدعم القوي الذي يحظى به من السيسي، الذي كثيرًا ما يشرك الغنام في اجتماعات القيادة الاقتصادية. ومن المؤشرات على مكانة "مستقبل مصر" استيلاؤه على مشروعات كان يديرها سابقًا جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بما في ذلك استصلاح الأراضي الصحراوية، وإدارة البحيرات الساحلية والداخلية التي تُستخدم للاستزراع السمكي واستخراج المعادن، وتربية الحيوانات، وصيانة المباني، وتنظيفها. وبالمثل، حل الجهاز محل شركة "أبناء سيناء" ليصبح أكبر قناة لتصدير الأرز في البلاد. ويمتلك شركةَ "أبناء سيناء" إبراهيم العرجاني، وهو أحد المقرّبين من النظام ويمثّل على الأرجح المصالح التجارية للمخابرات الحربية. ولذلك، فإن فقدانها لمكانتها في السوق يشير مرة أخرى إلى الدعم الرئاسي القوي لـ"مستقبل مصر".83 وانعكاسًا للثقة المتزايدة، أشار الغنام، المدير التنفيذي لـ"مستقبل مصر"، إلى أن الجهاز سيطرح أسهمًا للمستثمرين من القطاع الخاص في البورصة المصرية - وهو ما كان من المفترض أن يقوم به جهاز مشروعات الخدمة الوطنية منذ العام 2020 على الأقل - على الرغم من أن ذلك لم يتحقق بعد.84 وبالفعل، ظل الموقع الإلكتروني الرسمي لجهاز "مستقبل مصر" قيد الإنشاء حتى تموز/يوليو 2026، ما يؤكّد غموضه.85
وقد تنوعت أنشطة "مستقبل مصر" منذ ذلك الحين لتشمل مجالات غير زراعية، في مؤشّر على الدعم السياسي الذي يتمتع به، وبالتالي، قدرته على الحصول على التمويل وجذب شركاء من القطاع الخاص. ويتجلّى ذلك في قيامه ببناء مدينة خاصة راقية ومنطقة استثمارية خاصة، تُدعى "جريان"، من خلال ذراعه العقاري الجديد، شركة "نيشنز أوف سكاي" (Nations of Sky) التي تزعم أن المشروع سيشمل استثمارات بقيمة 1.5 تريليون جنيه مصري (حوالى 31 مليار دولار).86 وتزعم "نيشنز أوف سكاي" أيضًا أن لديها خمس مدن جديدة إضافية قيد الإنشاء أو "قيد الإعداد".87 ومن خلال شركته التابعة "مدن" (Modon)، سيتولّى جهاز "مستقبل مصر" أيضًا "تقديم خدمات إدارة وصيانة وتشغيل المباني والتجمّعات العمرانية والبنية التحتية... إلى جانب الإشراف على أعمال النظافة" في العشرات من المدن الجديدة التي شُيّدت بأموال عامة في جميع أنحاء البلاد على مدى العقود القليلة الماضية. وتستهدف معظم هذه المدن عملاء من الطبقة المتوسطة العليا والأُسر من الطبقة المتوسطة التي تبحث عن ملاذ آمن لمدّخراتها في ظل التضخم المتصاعد.88 ومع توقع زيادة عدد المدن الجديدة خلال العقد المقبل أو أكثر، من المتوقع أن يعزّز "مستقبل مصر" مكانته في سوق العقارات الحضرية حديثة الإنشاء.
من الواضح أن "مستقبل مصر" يشهد صعودًا مستمرًا. وبالفعل، أقرّ مجلس الشعب في 14 تموز/يوليو 2026 مشروع قانون أعدّه السيسي يعيد تصنيف الجهاز ليصبح هيئة اقتصادية خاصة تخضع لسيطرته المباشرة، ويعفيها من الالتزام بمجموعة من النظم الحكومية والقوانين المنظمة للهيئات العامة، ويمنحها صلاحية تحديد جدول رواتبها ونظام تقاسم الأرباح الخاص بها، فضلًا عن إنشاء صندوقَين للثروة السيادية تابعَين لها لاستثمار إيراداتها.89 إن التوسّع المقبل في نطاق اختصاصات "مستقبل مصر" استثنائي: فإضافةً إلى الزراعة، بما في ذلك تربية الحيوانات والدواجن والأسماك، سيشمل نطاقه استخراج المعادن، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والبناء، والطاقة، والمياه، والتعليم، والكهرباء، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.90
على الرغم من أن القانون الجديد يحوّل "مستقبل مصر" اسميًا إلى هيئة مدنية تابعة للدولة، فإن حساباتها تظل مخفية وراء جدار حماية المعلومات بحجة دواعي الأمن القومي، كما هو الحال مع جميع الهيئات العسكرية المشاركة في أي جانب من جوانب توفير السلع والخدمات المدنية. وهذا يمنع التحقّق من ادعاءاته بشأن الأرباح أو إجراء تقييم التكلفة والعائد لنموذج أعماله. وتشكّل التصريحات المتناقضة حول تكلفة استصلاح الأراضي الصحراوية في مشروع "الدلتا الجديدة"، الذي يخضع لإدارة "مستقبل مصر"، مثالًا على هذه المشكلة. فقد أورد الموقع الرسمي للرئاسة المصرية أن التكلفة الإجمالية لتجهيز مليون فدان للزراعة بلغت 8 مليارات جنيه مصري (حوالى 160 مليون دولار)، فيما ادّعى السيسي نفسه أن التكلفة التراكمية لنفس المساحة بلغت حوالى 200–250 مليار جنيه مصري (4.2–5.27 مليارات دولار).91 هذا بخلاف التكلفة، التي لم يُعلن عنها حتى الآن، لبناء شبكة نقل مياه بطول 500 كيلومتر (بما في ذلك نهر اصطناعي بطول 170 كيلومترًا) لري المشروع.
الاقتصاد العسكري المتبقي
يمتد الاقتصاد العسكري إلى ما هو أبعد بكثير من قطاعَي العقارات والزراعة، ليشمل الصناعة التحويلية، وتجارة التجزئة، وإنتاج الأغذية وتعبئتها، والمقاولات، واستخراج المعادن، وخدمات متنوعة تشمل إدارة تكنولوجيا المعلومات، والضيافة، والحماية. تشكل هذه الأنشطة حوالى 91 في المئة من إجمالي الإنتاج العسكري من السلع والخدمات في المجال المدني.92 وتنفِّذ الجزء الأكبر من هذه الأنشطة هيئاتٌ مسجَّلة رسميًا كشركات، سواء بموجب أحد قوانين شركات القطاع العام، أو من خلال عملية بسيطة لتسجيل الشركات في غرفة تجارية محلية. وهذا يميزها عن الهيئات العسكرية الأخرى المشاركة في تطوير العقارات الحضرية أو استصلاح الأراضي وزراعتها، والتي تُعدّ تابعة مباشرةً لوزارة الدفاع، أو فروعًا وإدارات تابعة للقوات المسلحة.
على الرغم من أن حوالى مئة شركة عسكرية تعمل حاليًا في هذه القطاعات، فإن حصتها السوقية في معظمها متواضعة، إن لم تكن لا تُذكر تمامًا.93 وباستثناء قطاعَي الصلب والإسمنت على وجه التحديد، لا تؤثر الشركات العسكرية على أي قطاع اقتصادي ككل بالطريقة التي يؤثر بها جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة أو الهيئات العسكرية الأخرى على القطاع العقاري الحضري أو يؤثر بها "مستقبل مصر" على القطاع الزراعي. علاوةً على ذلك، على الرغم من أن البيانات المالية المتعلقة بعمليات وإيرادات الشركات العسكرية إما غير منشورة أو معروفة فقط في تفاصيلها العامة، فمن المرجّح أن يكون دخلها الصافي الإجمالي أقل بكثير من الدخل المتراكم الذي تحقّقه الهيئات العسكرية المنخرطة في الرأسمالية التأجيرية. بل من المعروف أن عددًا من الشركات العسكرية تتكبّد خسائر، وتقوم خزانة الدولة بتغطية هذه الخسائر. وحتى في حالة الشركات التي تدّعي تحقيق أرباح صافية ونمو، فإن ذلك يرجع إلى ضمانها للسوق المتمثّل في المشروعات التي تديرها المؤسسة العسكرية - ولا سيما في مجال البناء - وإلى ضمان حصولها على عقود المشتريات العامة، والتي يُمنح الكثير منها عن طريق أوامر مباشرة من دون مناقصة.
حقيقة أن عدد الشركات العسكرية قد تضاعف أكثر من مرتَين منذ العام 2013 لا تعكس أداءً سوقيًا، بل تعكس الأسبقية السياسية للمؤسسة العسكرية في ما أسماه السيسي "الجمهورية الجديدة" لمصر.94 وعلى مدى عقود قبل ذلك وحتى سنوات عدّة من بعد بداية رئاسة السيسي، كان التبرير الشائع لمشاركة الشركات العسكرية في الأسواق المدنية أنها كانت تستغل فقط الطاقة الإنتاجية الفائضة في المصانع والمزارع التي أُنشئت في الأصل لتلبية الاحتياجات الدفاعية. لكن ما يقرب من ثلاثة أرباع مجموع الشركات العسكرية، بما في ذلك جميع الشركات الجديدة التي أُنشئت منذ العام 2013، تنتج سلعًا وخدمات مدنية فقط، ما يقوّض تمامًا الادعاء باستخدام الطاقة الإنتاجية الفائضة.95 إلى جانب ذلك، فإن حقيقة أن ربعًا فقط من الشركات الاثنتَين والعشرين التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، على سبيل المثال، كانت تحقّق أرباحًا، فيما كان ربع آخر يخسر، ونصفها كان يحقّق التعادل المالي فقط حتى العام 2019–2020، تؤكّد المدى الذي ذهب إليه السيسي في تمكين توسّع المشروعات العسكرية سياسيًا وقانونيًا، بغضّ النظر عن أدائها التجاري أو جدواها الفعلي.96
من الواضح أن الرئيس يعلّق أهمية أكبر بكثير على الهيئات العسكرية التي تنفّذ الرأسمالية التأجيرية مقارنةً مع الشركات العسكرية. فهو لم يوسّع سلطة هذه الأخيرة أو الأصول الخاضعة سيطرتها، ولا تُعتبر أي منها من "أبطال" الرئيس بالطريقة التي يُعتبر بها جهاز "مستقبل مصر". أما الهيئات القابضة الثلاثة الرئيسة - وهي وزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية - فتتمتع باستقلالية في الضغط على الوزارات الحكومية للحصول على العقود، وإنشاء الشركات الجديدة أو المشروعات المشتركة مع شركات مصرية وأجنبية، والانضمام إلى المجالس الحكومية التي تراجع المشتريات العامة أو تناقش استراتيجيات التنمية الصناعية ومجالات سياساتية أخرى. لكن هذا لا يغير حقيقة أنها تمثّل جانبًا تراثيًّا من الاقتصاد العسكري الذي تجاوزته الرأسمالية التأجيرية. علاوةً على ذلك، فإنها لا تمثّل سوى 10 في المئة تقريبًا من إجمالي عدد المؤسسات المملوكة للدولة، والهيئات الاقتصادية، والهيئات الخدمية التي تقدّم السلع والخدمات المدنية في مختلف القطاعات الاقتصادية.97 باختصار، يعمل الاقتصاد العسكري المتبقي بشكل أساسي كأداة لتدوير النخبة بين كبار الضباط ووسيلة لتعزيز ولائهم للرئيس وللنظام ككل.
ونظرًا إلى أن الجدوى الاقتصادية ليست أمرًا ضروريًّا، فإن الشركات العسكرية تكشف عن أوجه قصور عدّة. فقد شكّلت الشركات الصناعية التابعة لوزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع عددًا من المشروعات المشتركة والشراكات مع شركات خاصة محلية وأجنبية، لكن جزءًا كبيرًا من مساهمتها في رأس المال المشترك يتمثّل في توفير الوصول إلى الأراضي الحكومية اللازمة لإنشاء المنشآت، وفي التسهيلات البيروقراطية. ولا يزال التجميع بموجب ترخيص هو الشكل الصناعي السائد، ما يحدّ من تعظيم المحتوى المحلي والقيمة المضافة. وصحيحٌ أيضًا أن الشركات العسكرية التي تفوز بعقود لتزويد الوزارات الحكومية بسلع معينة تكتفي في الكثير من الحالات باستيرادها، بدلًا من إنتاجها محليًا.
تتجلّى هذه القيود في مجالَين. فمن ناحية، شهدت الصناعة الحربية لأغراض الدفاع القومي بعض التحسينات، مثل تطوير أنظمة أصغر حجمًا وأرخص ثمنًا، مثل المركبات الجوية غير المأهولة، وإعادة تجهيز الأنظمة القائمة بإلكترونيات محسّنة. لكن التخلّف في الصناعة الحربية ككل لا يزال ينعكس في الانعدام شبه الكامل للصادرات الدفاعية (باستثناء بيع مركبات المشاة المدرّعة من طراز "فهد" إلى بضعة بلدان في غرب أفريقيا). من ناحية أخرى، فشلت المقترحات المتكررة لإعادة إطلاق قطاع صناعة السيارات المتعثّر في مصر. ولا يزال طموح الحكومة المصرية والشركات العسكرية في منافسة نجاح المغرب في التحوّل إلى مركز لتصنيع السيارات (ناهيك عن قطاع الطيران المغربي الذي يتطوّر بسرعة) معوّقًا بسبب الافتقار إلى المتطلبات الأساسية، بما في ذلك الاستثمار في البحث والتطوير، والاستراتيجيات الصناعية الفعّالة، ومشاركة القطاع الخاص.98
كل هذا يشير بقوة إلى اقتصاد سياسي يفضّل شركات معينة، كانت لولا ذلك لتواجه صعوبات في المنافسة، ناهيك عن البقاء، في سوق حرة حقيقية. وهذا يساعد في تفسير تكرار الأنشطة بين الشركات العسكرية في أحيان كثيرة، وغيرها من أوجه القصور. وقد يفسر أيضًا سبب عدم تنفيذ المقترحات الرسمية المتكررة منذ العام 2018 على الأقل، لطرح أسهم في الشركات التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، ومؤخرًا في شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، باستثناء اتفاق جزئي تم التوصل إليه أخيرًا في حزيران/يونيو 2026.99 يُعتقد أن عوامل مثل غياب سندات ملكية الأراضي، وعقود المشتريات الغامضة، والمناقصات غير الشفافة، وعدم اتساق مسك الدفاتر وجداول الرواتب، وغيرها من المشاكل، تمنع الإفصاح المالي السليم المطلوب للطرح في البورصة، لكن العقبة الأساسية ربما تكمن في إحجام المؤسسة العسكرية عن التخلّي عن مصادر دخلها المربحة.100
تتجلّى البنية الإشكالية للحوافز في الاقتصاد العسكري المتبقي بطرق متنوعة. فمن ناحية، يستغل الضباط نفوذهم للحصول على عضوية في مجالس الإدارة أو حصص في رأسمال الشركات الناشئة، أو قد ينشئون مشروعات تجارية صغيرة مثل المطاعم والمقاهي حول نوادي الضباط والمنشآت العسكرية الأخرى في المناطق الحضرية المرغوبة، مثل حي الزمالك في القاهرة. ومن المفارقات أن هذا يحاكي الاستيلاء الرسمي للمؤسسة العسكرية على الأراضي المملوكة للهيئات الحكومية مثل مراكز البحوث الزراعية بحجة أن الأرض "لا تدرّ دخلًا"، ويتم تحويلها بعد ذلك إلى مقاهي ومنشآت ترفيهية مماثلة.101 وتتبادل شبكات الضباط غير الرسمية معلومات داخلية بشأن خطط التطوير الجديدة للأراضي المملوكة للدولة، ما يتيح المضاربة والربح غير المشروع.102 ويتكرر السلوك الفردي على المستوى المؤسسي: فوفقًا للتقارير، تقوم الفروع الرئيسة للقوات المسلحة بتقسيم أجزاء من الطرق السريعة القومية الخاضعة للسيطرة العسكرية في ما بينها بشكل غير رسمي، لكي تجبي رسومًا غير نظامية خارجة عن حساباتها من المستثمرين الذين يسعون إلى إنشاء أنشطة خدمية تجارية هناك.103
ومن ناحية أخرى، تواصل جهات عسكرية مثل هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع، وإدارة النوادي والفنادق، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية - وحتى وزارة الإنتاج الحربي، وهي مجموعة صناعية - توسيع سلاسل فنادقها، على الرغم من النتائج المالية المخيّبة للآمال.104 وهذا شكل مبسّط من أشكال الرأسمالية التأجيرية العسكرية، وهو ما يتجلّى أيضًا في الصلاحية التي منحها رئيس الوزراء إلى وزارة الدفاع لفرض رسوم مرور على جميع المحاجر والمناجم في مصر.105 وثمّة شكل أكثر فظاظة من أشكال استخراج الريع، يتمثّل في فرض رسوم ابتزازية على الأُسر الفلسطينية التي تسعى إلى الفرار من قطاع غزة، وعلى الشاحنات التي تنقل المساعدات إليه، من جانب شركات مملوكة لرجل الأعمال المقرّب من المؤسسة العسكرية إبراهيم العرجاني.106
إلى أين يتّجه الاقتصاد العسكري؟
ما هو المستقبل الذي ينتظر دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري؟ هل سيستمر على نفس المنوال أم يسلك اتجاهات جديدة، وهل أي من هذَين المسارَين قابل للاستدامة؟ ظل إنتاج وإدارة السلع والخدمات العامة في بعض القطاعات الاقتصادية من قبل الهيئات العسكرية في مسار توسّعي لأكثر من عقد من الزمان، لكن هذا كان قائمًا على عوامل تعاني من حدود كامنة متأصلة. فمن جهة، يعمل النموذج الذي ظهر في ظل إدارة السيسي بشكل أفضل عندما تسيطر الدولة بالفعل على الأصول الحيوية ولا تضطر إلى التفاوض مع جهات فاعلة أخرى بشأن الوصول إليها أو استخدامها. وهذا هو بالضبط ما يفسر تركيز أكبر استثمارات الدولة على تسييل استخدام الأراضي والمياه، سواء لأغراض البناء أو الزراعة.
وعلى العكس من ذلك، لا يبدو أن مديري هذا النموذج ولا إدارة السيسي قادرون أو راغبون في تعلم كيفية تمكين بقية الاقتصاد الحقيقي من النمو والتنويع. ومن نتائج ذلك أن الاقتصاد المصري، إلى جانب معظم الإنتاج العسكري من السلع والخدمات، لا يزال عند مستويات منخفضة نسبيًّا من حيث الابتكار والمحتوى المحلي والتكامل الأفقي مقارنة مع الاقتصادات المماثلة. ويتوازى هذا مع اتجاه أوسع نطاقًا في مصر، التي، وفقًا لتقرير حول الصناعة التحويلية صادر عن منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي في أيار/مايو 2026، تتخلف باستمرار عن ركب الاقتصادات الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، بل تتزايد الفجوة في ما بينها مع مرور الوقت.107 وكما ذكر الباحثان أحمد داود وسامريدي فيج، "لا تزال مصر عالقة في نموذج تصدير منخفض القيمة يعتمد على الزراعة والمحاجر"، ولا يؤدّي تدخّل المؤسسة العسكرية سوى إلى ترسيخه.108 وهذا يشير إلى أن هذا النموذج لا يمكن تكراره في قطاعات أخرى، وبالتالي فإن مسار نموه الحالي لا يمكن الحفاظ عليه إلى ما لا نهاية.
وبالتالي، تُعدّ الآفاق الجديدة للاقتصاد العسكري محدودة. وقد يفسر هذا محاولات عددٍ من الهيئات العسكرية لدخول الأسواق الأفريقية بدءًا من العام 2017 تقريبًا، ربما بناءً على جهود السيسي لتعزيز العلاقات المصرية الأفريقية، التي بلغت ذروتها برئاسته للاتحاد الأفريقي في الفترة 2019–2020. لكن هذه الجهود ظلت متواضعة، إذ ركزت بشكل أساسي على المشروعات المشتركة في إنتاج الأغذية والماشية، وعلى الإنشاءات المدنية في أوغندا وتنزانيا ونيجيريا. وأفادت التقارير أن "مستقبل مصر" كان يأمل أيضًا في إنشاء مناطق لوجستية في ست دول أفريقية بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة المصرية في العام 2025.109
واستهدفت الهيئات العسكرية فرصًا في أسواق إعادة الإعمار العربية في سورية وليبيا وغزة، والتي من المحتمل أن توفر عوائد أكبر بكثير.110 ولم تثبت جدوى سوى ليبيا في الواقع، بفضل سوق إعادة الإعمار فيها الذي قُدّر بـ111 مليار دولار في العام 2021.111 ولكن على الرغم من حصول عددٍ من الشركات المدنية المصرية على عقود ليبية تُقدّر قيمتها، حسبما ورد، بـ4.2 مليارات دولار في العام 2021، لا يبدو أن الشركات والهيئات العسكرية قد حصلت على حصة كبيرة.112 شاركت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في إعادة إعمار مدينة درنة الواقعة في شرق ليبيا عقب الدمار الذي لحق بها جرّاء العاصفة دانيال في العام 2023، كما حصلت شركة إنشاءات مملوكة لإبراهيم العرجاني على عقود من السلطتَين المتنافستَين في شرق وغرب ليبيا.113 لكن حقيقة أن هذه النجاحات نفسها كانت بفضل العلاقات السياسية تؤكد العجز العام للشركات العسكرية المصرية عن تحقيق صادرات ملحوظة أو عن الدخول إلى أسواق أجنبية تتسم بالمنافسة القوية، على سبيل المثال في دول الخليج، التي تستضيف عددًا كبيرًا من رجال الأعمال المصريين وتحتفظ بعلاقات سياسية ومالية واسعة النطاق مع إدارة السيسي.
فلا توجد ببساطة الأسس التي تسمح للاقتصاد العسكري المصري بالتحرك في اتجاهات جديدة، سواء كان ذلك للهروب من القيود الهيكلية للسوق المصرية أو لتوليد مصادر جديدة للعملة الصعبة التي تشتد الحاجة إليها. إن البحث عن أسواق جديدة ليس نتيجة لتوسّع ناجح أو تنافسية متزايدة. والأهم من ذلك، أن النموذج الذي طُبّق في مجالَي العقارات الحضرية والزراعة - بنجاح من وجهة نظر الرئيس السيسي والمؤسسة العسكرية - لا يبدو قابلاً للتكرار في قطاعات اقتصادية أخرى، مثل الصناعة التحويلية والخدمات. ومع ذلك، فإن مجرّد البقاء على المسار الحالي للاقتصاد العسكري ينطوي على خطر تضاؤل عائداته مقابل تكلفته. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن مساحة الأراضي المتميزة اللازمة لمشروعات ضخمة مثل "مدن رأس الحكمة" و"علم الروم" ليست متوفرة بشكل غير محدود، إذ تتزاحم على نفس العقارات الساحلية مشروعات أخرى تعوّل عليها مصر للتنمية ولجذب الاستثمارات والقروض الأجنبية - بما في ذلك المدن الجديدة الفاخرة ومحطات تحلية المياه والهيدروجين الأخضر.114 وبدأت بوادر تراجع الطلب على الوحدات السكنية الجديدة تظهر بحلول منتصف العام 2026، ما كشف عن حدود السوق المحلية ودفع مطوّري العقارات من القطاع الخاص إلى البحث عن أسواق أخرى في الخارج.115 وفي دليل محتمل على تضاؤل الفرص، أو على زيادة شهية الهيئات والشركات العسكرية، أصبحت هذه الأخيرة تشتري أسهمًا في مؤسسات أخرى مملوكة للدولة.
بالطبع، هذه المشاكل تخصّ مصر ككل، وليس المؤسسة العسكرية وحدها. وحتى الآن، كلما أحرزت مصر تقدّمًا حقيقيًّا في استقرار بيئتها الاقتصادية الكلية، ولا سيما في العام 2016 ومنذ العام 2024، كان هذا التقدّم قصير الأجل بسبب المقاومة الشديدة للانطلاق في تغيير هيكلي ذي مغزى. وقد استمر السلوك الريعي والافتراسي بدلًا من أن يتضاءل.116 ويشير هذا أيضًا إلى أن ظهور مجالات مزدهرة في القطاع الخاص قد يتيح، من الناحية النظرية، التعايش بين الإدارة العسكرية للاستثمارات الحكومية وقطاع خاص يزداد استقلاليةً ونفوذًا، إلّا أنه قد يؤدّي أيضًا، بدلًا من ذلك، إلى زيادة اهتمام المؤسسة العسكرية ويُفضي إلى محاولات متجدّدة للاستحواذ على الحصص أو الريع.
في بلدان أخرى، يتوسّع أصحاب رؤوس الأموال الذين يتجاوز نموهم أسواقهم الوطنية إلى الأسواق الدولية من أجل النمو والمنافسة، لكن النموذج الاقتصادي العسكري في مصر لا يستطيع تحقيق ذلك.117 فهو يظل معتمدًا كليًّا على استمرار تدفّقات رأس المال الكبيرة إلى اقتصاد لا يولّد فائضًا محليًّا كافيًّا للحفاظ على نمط اقتصادي استخراجي وريعي. وقد تلقّت مصر نحو 200 مليار دولار في شكل قروض ومنح ومساعدات عينية واستثمارات ذات دوافع سياسية من دول الخليج والمؤسسات المالية الدولية ووكالات التنمية في الفترة 2013–2024، و87 مليار دولار أخرى في شكل استثمارات عقارية موعودة أو فعلية، وشطب ديون، ومساعدات رسمية جديدة في الفترة 2024–2025 وحدها.118 مع ذلك، إن حقيقة أن خدمة الديون سوف تستهلك 64 في المئة من الإنفاق الحكومي في الميزانية المقترحة للسنة المالية 2026/2027 تؤكّد مدى إصرار إدارة السيسي على اتّباع نهج اقتصادي فشل في تنشيط القطاعات غير الريعية في الاقتصاد، ما أدّى إلى تعميق فخ الديون الذي تقع فيه مصر.119
خاتمة
تساءل الخبير في الاقتصاد السياسي عمرو عادلي، في دراسته عن الرأسمالية المتصدّعة في مصر، عن سبب عدم ترجمة التدفّقات الرأسمالية الضخمة والمستمرة إلى البلاد على مدى عقود إلى معدّلات أعلى من الادّخار والاستثمار. وكان جوابه أن هذه الإخفاقات كانت "نتيجةً لترتيبات مؤسسية - اجتماعية واقتصادية وسياسية - وليس مجرّد قيود هيكلية".120 كان عادلي يتحدث عن عهد الرئيس حسني مبارك، لكن تقييمه لا يزال صالحًا حتى اليوم. من هذا المنظور، تعكس السمات المميّزة للاقتصاد المصري - بما في ذلك مكوّنه العسكري - وأوجه قصوره المنطقَ الداخلي لإدارة السيسي، الذي يمكن القول إنه يرتكز على الاندماج بين السلطة وتراكم الثروة أكثر ممّا كان عليه الحال في أي حقبة رئاسية سابقة.
وبناءً على ذلك، لا يمكن تصحيح أوجه القصور أو التشوهات السياساتية من خلال إصلاحات تكنوقراطية مثل تدابير الإبلاغ الضريبي والإفصاح المالي التي تشمل الشركات العسكرية، والتي تعهّدت بها الحكومة المصرية في اتفاقية القرض المبرمة مع صندوق النقد الدولي في العام 2022.121 وعلى الرغم من الأهمية التي كانت لهذه الإجراءات في وقت ما، فإنها لم تعد قادرة على إزالة التداخل بين السيطرة السياسية واستخراج الريع الاقتصادي الذي يشكّل أساس استقرار إدارة السيسي.
إن الاقتصاد السياسي لمصر في عهد السيسي لا يمنع تمامًا حدوث تحسينات في الكفاءة الإدارية التي قد تعزّز تحصيل الضرائب أو العوائد الاقتصادية على استثمارات معيّنة. لكن أي مكاسب من هذا القبيل تحدث في ظل خلفية تكون فيها الهيئات الحكومية التي تتحكم في الأصول العامة الرئيسة وتدفّقات الدخل، والتي لا تخضع إلا للرئيس، معفاة من النظم واللوائح الحكومية والضرائب والتدقيق. وتمثّل هذه الهيئات جزءًا كبيرًا من الاستثمار في رأس المال العام الذي يُموّل من خلال القروض التي تحصل عليها الحكومة وتقوم بخدمتها. وتظل هذه الهيئات خارج الحسابات الرسمية، تاركةً للحكومة مهمة التعامل مع الدائنين والتعامل مع الالتزامات الطارئة الناشئة عن الصدمات الجيوسياسية غير المتوقعة أو الأزمات الاقتصادية العالمية. إذًا، الحكومة تقترض وتسدّد الديون، بينما يستحوذ الرئيس والمؤسسة العسكرية على الفرق بين التدفّقات الواردة والإيرادات التي يتم توليدها فعليًّا.
*جرت الاستعانة بإحدى أدوات الترجمة القائمة على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في ترجمة هذه الدراسة، ثم تولّى كاتب الدراسة وفريق التحرير في مركز كارنيغي مراجعة الترجمة العربية وتحريرها.
عن المؤلف
زميل أول, مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
يزيد صايغ زميل أول في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تركّز أبحاثه على الأدوار السياسية والاقتصادية المقارَنة للقوات المسلحة العربية، والتداعيات التي تخلّفها الحرب على الدول والمجتمعات، والجوانب السياسية لعملية إعادة البناء وتحوّل قطاع الأمن وفي المراحل الانتقالية التي تشهدها الدول العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج الأنظمة السلطوية.
- ما هي خطة إسرائيل في لبنان؟تعليق
- كل شيء أو لا شيء في غزةتعليق
يزيد صايغ
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال Carnegie Endowment for International Peace
- الضغوط المناخية في الجزائر: الأزمة في منطقة القبائل الريفيةمقالة
لا بدّ من فهم طرق تعامل المزارعين في وادي الساحل–الصومام مع تغيّر المناخ من أجل معالجة التناقضات التي تؤدّي من خلالها عملية التكيّف، على المستويَين الفردي والمؤسّسي، إلى زيادة تأثُّر المنطقة بالعوامل المناخية، وتقويض النسيج الاجتماعي والهوية الزراعية اللذَين كانا في يومٍ من الأيام سمةً مميّزة للحياة فيها.
إليسا ياحمي
- الاستعمار المناخي الغربي في الشرق الأوسط وما حولهتعليق
ثمّة أوجه تشابه هيكلية مُقلقة بين الاقتصاد التقليدي القائم على الطاقة وعملية التحوّل الراهنة نحو الاقتصاد الأخضر.
انجي عمر
- كأس العالم 2026: لمحة عن منتخبات الشرق الأوسط وشمال أفريقياتعليق
تُعدّ بطولة هذا العام الأكثر تمثيلًا للمنطقة وسط التغيّرات الواسعة التي تطرأ على المشهد الكروي فيها.
عصام القيسي
- دور مصر غير المُعلَن في وقف إطلاق النار مع إيرانتعليق
توجّه مساعي القاهرة رسالةً إلى الولايات المتحدة ودول المنطقة مفادها أنها لا تزال حاضرةً على طاولة المحادثات الدبلوماسية.
انجي عمر
- حين تتجاوز كرة القدم حدود الرياضةتعليق
تناولت نهائيات كأس الأمم الأفريقية، التي استضافها المغرب مؤخرًا، قضايا أوسع بكثير من المباريات.
عصام القيسي, ياسمين زغلول